ليس بمقدور احد التشكيك او الانكار بان الحزب الاشتراكي اليمني حزب عريق واصيل وواسع الانتشار والتاثير ، ويميز ويتفرد عن كافة الاحزاب والتنظيمات السياسية اليمنية بامتلاكه رصيدا وثروة هائلة من التجارب والخبرات والمؤهلات المتعددة والمتنوعة عبر مختلف مراحل مسيرته وتطوره بدءا من حزب سري (( حركة القوميين العرب)) فقائد لحزب تحرير وطني ضد الاستعمار المحتل الى جانب قوى وطنية اخرى، مرورا بتأسيس دولة وممارسته تجربة الحكم لسنوات طويلة في الشطر الجنوبي من الوطن، الى جانب ممارسته لنشاط حزبي سري فاعل وواسع في شمال الوطن، وانتهاء بصنع الحدث الوطني التاريخي بانجاز مشروع اقامة دولة الوحدة اليمنية مع شريكه السياسي في شمال الوطن (( المؤتمر الشعبي العام ))، وما تخلل كل تلك الخبرات والتجارب من امتلاكه لشبكة واسعة ومتشعبة من العلاقات والتحالفات السياسية العالمية على مستوى الدول او الاحزاب و المنظمات السياسية المختلفة، وهو ما كون له مخزونا ضخما وثميا من الاساليب والمهارات والتجارب والخبرات المتراكمة اكسبته قدرة عالية وحنكة واعية في حسن التعامل وادارة الاحداث والازمات والتطورات والمتغيرات المتلاحقة والمفاجئة.. ان حزبا بهذا المستوى من العراقة والمخزون المتراكم من التجارب والمهارات والقدرات المتعددة، بقدر ما يستحيل تصور نشوء اية امكانية تفترض انقراضه او شطبه او انسحابه نهائيا من الخارطة السياسية، فانه وبنفس القدر لا يمكن لكل الازمات والنكبات والمصائب التي تعترض مساره، مهما بلغت ضروتها وقسوتها الا ان تجعله اصلب عودا واقوى عزيمة واشد تماسكا واكثر اصرارا وارسخ ثباتا وامضى ارادة على مواصلة مسيرته النضالية على طريق الانتصار للاهداف والمبادئ التي اختارها وامن بها طواعية واختيار حرا.. غير ان ما يهمنا هنا، في هذه العجالة، انما يقتصر على الجانب(( الايديولوجي)) للحزب الاشتراكي الذي كان ، ولا يزال يشكل مرتكزا ومحورا تدور حوله تقريبا كل الحملات والدعايات السياسية والاعلامية المستهدفة الحزب اما تشكيكا او عداء او في بعض الحالات حرصا وحبا ، وتصاعدت وتائر تلك الحملات بعد سقوط دول المعسكر الاشتراكي اذ وجدت في ذلك متكئا مريحا وفر لها مبررا ومسوغا في مطالبتها الاشتراكي بسرعة اجراء مراسم الدفن واعلان وفاته السياسية رسميا!! وقد تكون تلك الحملات باهدافها القريبة والبعيدة مقبولة ومتوقعة وهي تصدر عن القوى السياسيةالاخرى، مطالبة الحزب الاشتراكي بالتخلي عن (( الماركسية )) ونظريتها(( الاشتراكية )) لكن غير المتوقع وغير المقبول ان تنجح تلك الحملات في خلق ما يشبه (( عقدة نفسية )) لدى قطاعات داخل الاشتراكي تشعرها بالاحساس بنوع من الخجل والاستحياء والتبرم من كلمات مثل (( الماركسية )) و (( الاشتراكية العلمية )) والقضية لا تستدعي اي شعور بالخجل او التبرم بكلمات او مسميات ولكنها تستدعي بل وتلح على ضرورة وضع مجمل المنظومة الفكرية (( التي شكلت اساسا ومبرر نشوء الحزب)) موضع دراسة متعمقة وجادة بمنظار رؤية جديدة تستند على ذات المنهج العلمي لما سمي بالنظرية الماركسية بهدف تصحيح وتصويب الرؤية القديمة الخاطئة للمسالة الايدلوجية بمختلف جوانبها ، وكاسهام فردي قاصر على هذا السياق و توخيا لاقصى حد ممكن من الاختصار اجمل ما اريد طرحه هنا في نقاط رئيسية اهمها: اولا: ان الايدلوجية الماركسية كما صاغها (( كارل ماركس ))و (( فردريك انجلز)) استندت وبنيت في كافة مجالاتها وجوانبها على اساس منهج علمي للرؤية والتحليل والتفسير للواقع وللظواهر والاحداث هو ما عرف ب(( المادية الجدلية )) او (( المادية الديالكتيكية )) بتعبير اخر، يتكون من عدد من القوانين الاساسية اجملها علمي بالاتي: 1ـ ان جميع الاشياء والظواهر في الحياة كل مترابط يؤثر ويتاثر بما حوله، 2ـ ان كل شيء يحمل في طياته نقضيه وان هذا التناقض هو القوة الدافعة للتطور من خلال تراكمات كمية تفضي الى تغيرات كيفية، فالجديد يخرج من رحم القديم بفعل الصراع او التناقض والتجديد هنا يرث من القديم المنهار افضل خواصه وخصائصه الايجابية.. 3ـ ان ولادة وبروز ذلك الجديد، بعد حسم صراع التناقض داخل القديم ، يتمعادة عبر طفرة كونتها التراكمات الكمية الناتجة عن صراع تناقضات القديم.. 4ـ ان هذا الجديد بدوره يحمل في احشائه او بعبارة اخرى تبدا عملية تكون تناقضات جديدة اي انه يحمل بذور تطور اخر وهكذا دواليك. ووفقا لهذا المنهج المادية الجدلية وعلى اساسه وعبر منظاره وباعتباره الكشاف الوحيد الذي يحلل ويفسر واقع الحياة واوضاعها وظواهرها واحداثها على صعيد الفرد والمجتمع ، نظر ماركس وانجلز الى مشكلات الواقع واوضاعه وظواهره ضمن حدود اطار مكاني وزماني محدد وهو الاطار المكاني الاوروبي عند بدايات القرن التاسع عشر دراسا ومحللا ومشخصا وخرج بنظريات عدة وليس نظرية واحدة، وبدراسته وتحليله للاقتصاد الراسمالي الاوروبي والبريطاني على وجه اخص باعتباره اكثر تطورا خرج بنظريته الاقتصادية القائمة على اعتبار العمل المبذول فعليا في انتاج السلعة محددا لقيمتها وان (( فائض القيمة )) يذهب الى جيب الراسمالي رب العمل، وان استمرار عملية التطور الصناعي الثقيل بقيادة الراسمالية، سيؤدي الى تراكم راسمالي هائل تحتكره فئة محددة جدا من الرسماليين عند قمة الهرم الاجتماعي والى اتساع وزيادة عدد العمال الذين يشكلون قاعدة ذلك الهرم ، فالقلة الراسمالية التي يزداد تقلص عددها في قمة الهرم تملك كل شيء، والغالبية الساحقة التي يزداد عددها ويزداد فقرها وبؤسها واستعبادها لا تملك شيئا وتنبا بعد ان تستكمل مهمتها التاريخية تماما في قيادة التطور الصناعي الكامل للمجتمع ستصل حتما الى طريق مسدود وتصبح عائقا امام التطور ويتعمق التناقض بينها وبين نقيضتها البروليتاريا المسحوقة التي ستنصر وتقيم النظام الشيوعي الاقتصادي النافي للملكية الخاصة والقائم على قاعدة (( من كل حسب طاقته ولكل حسب حاجته)) ولهذا قال ماركس انه لا يجب على البروليتاريا ان تقوم بالثورة الا بعد ان تستكمل الراسمالية مهمتها التاريخية في التطور حيث ان البروليتاريا هي بنت الصناعة الثقيلة والواسعة كما قال ، والمشكلة هنا في مجتمع صناعي راسمالي تنحصر في انتقاء عدالة توزيع ناتج العمل بفعل سيطرة عدد ضئيل من الراسماليين على وسائل الانتاج والثروة كلها وباقي المجتمع كله لا يملك شيئا وحل المشكلة كان بتمليك المجتمع لوسائل الانتاج كلها.. وعلى صعيد نظر ماركس، ومعه انجلز، الى مسار التطور التاريخي للمجتمعات الانسانية وفقا وعلى اساس منهج الرؤية والتحليل (( المادية الجدلية )) وضمن حدود الاطار المكاني لتاريخ اوروبا، بهدف استخلاص قوانين حركته ومراحل تطوره وخرج بنظرية اخرى في تفسير التاريخ هي (( المادية التاريخية)) وان التاريخ الانساني مر بمراحل تطور هي (( المشاعية البدائية ـ العبودية ـ الاقطاع ـ الراسمالية ـ وسينتهي حتما كما بدا بالمرحلة الشيوعية النهائية التي تزول فيها الملكية والدولة ، وان العامل المحرك لمراحل التطور التاريخي الانساني تلك هو العامل، الاقتصادي المتمثل بالصراع الطبقي)). وعلى الصعيد السياسي نظر ماركس بنفس منهج التحليل والرؤية (( المادية الجدلية )) الى طبيعة نشوء الدولة وتطورها في حدود ذات الاطار المكاني الاوروبي، وتوصل الى نظرية مؤداها ان الدولة ما هي الا اداة قمع وقهر من خلال اجهزتها المختلفة وتشريعاتها بيد الطبقة الاجتماعية المسيطرة تستخدمها ضد الطبقات المستعبدة وهي الى ذلك مظهر من مظاهر القهر الطبقي وبالتالي لابد من تدميرها وازالتها من الوجود.. وعلى هذا المنوال واستنادا الى المنهج التحليلي (( المادية الجدلية )) كانت هناك نظريات ماركسية في مجال المعرفة والفن والاخلاق الخ .. وبهذا نرى انه كان هناك منهج للتحليل والرؤية واحد هو (( المادية الجدلية )) تولدت عنه نظريات عديدة في مختلف المجالات افرزها اطار مكاني وزماني محدد ومرحلة تطور تاريخي اقتصادي اجتماعي ثقافي معينة.. ولو ان الذين اقتنعوا بالماركسية واخذوا بها اساسا ايدلوجيا في المجتمعات المتخلفة وخاصة تلك التي لا تزال تتداخل وتتمازج في مستوى تطورها التاريخي اخلاط من مراحل عدة كالعبودية والاقطاع وما قبل الراسمالية وبواكير نمو الراسمالية في ان واحد، الى حد لا يظهر فيها ولو الحد الادنى من الفرز والتمايز الطبقي بل كثير منها لا تزال تعيش في مراحل شبه عبودية ، او انهم اقتصروا على منهج الرؤية والتحليل للواقع(( المادية الجدلية )) فقط واستخدموه في رؤية وتحليل واقع مجتمعاتهم وتشخيص مشكلاتها على ضوء مراحل تطورها التاريخي لخرجوا بنظريات واقعية ودقيقة في مختلف مجالات حياة مجتمعاتهم تنطلق من الواقع المعاش وتلامس مشكلاته وهمومه الحقيقية وتعبيرا دقيقا عن مراحلة تطور تلك المجتمعات، كل على حدة، ولكان بمقدورهم افرادا واحزابا، ان يقدموا حلولا ومعالجات صائبة وناجحة ويقودوا باقتدار حركة تطور ونهوض مجتمعاتهم دون منازع.. لكن المشكلة الاساس انهم راحوا على غير بصيرة ووعي ياخذون بنظريات بلورها منهج التحليل (( المادية الجدلية )) لواقع مختلف تماما عن واقعهم ولمرحلة تطور لا تمت بادنى صلة لمرحلة تطور مجتمعاتهم ، وفرضوا حلولا ومعالجات لمشكلات ليس لها في واقع مجتمعاتهم اي وجود بالوكالة عن طبقة لا تزال في افق الغيب البعيد وغير المرئي في عملية ما سمي بحرق المراحل والقفز عليها لا الى ارضية صلبة ولكن الى هاوية المجهول السحيقة وكانت النتيجة الماساوية لا تتمثل فقط في حرمان مجتمعاتهم من السير على طريق التطور الطبيعي التدريجي الذي يقتضيه المنهج الماركسي (( المادية الجدلية )) ولكن تكبيد مجتمعاتهم خسائر فادحة نتيجة التشوهات والخلخلات والتفجرات السياسية والاجتماعية المريعة التي لا تزال تدفع ثمنها غاليا حتى اليوم والادهى من ذلك والامر انهم نقلوا تلك النظريات نقلا ميكانيكيا عن ترجمات لمفاهيم ستالينية مشوهة وغير امينة. ولو انهم تمعنوا واستوعبوا في معنى ومغزى الكتابات والمراسلات المتبادلة بين كل من ماركس وانجلز والتي جاءت بعد صياغتها لنظرياتهما المشار اليها انفا حول المسالة الشرقية ونمط الانتاج الاسيوي المختلف تماما عن النظريات التي صاغوها قبل ذلك وعمموها على المستوى الانساني كله، واكتشافهما لحقيقة وطبيعة نشوء الدولة ووظيفتها في الشرق المختلف عن مثيلاتها في اوروبا تماما حيث وجدا ان نشوء ووظيفة الدولة في الشرق لم تكن اداة قمع واستعباد طبقي وانما كانت تؤدي وظيفة حيوية وايجابية من خلال امتلاك قادتها لاسرار وطرق الري مثلا كما كان الحال في الدولة الفرعونية، والاهم من هذا تلك المراسلات بينهما حول طبيعة ودور الدين الاسلامي الذي جاء برسالته النبي محمد صلوات الله عليه واله وما تضمنه من تعاليم واحكام تنحاز الى صفوف الفقراء والمستضعفين ومواجهة الظلمة والطغاة والجبروت وتوزيع الثروة وتفتيت الملكية وفق احكام الارث وغير ذلك وان ذلك يستدعي اعادة النظرة او بالاصح وضع نظريات جديدة حول المسالة الشرقية ونمط انتاجها وطبيعة دور ووظيفة الدولة والموقف من الاسلام الخ.. قلنا لو انهم تدبروا كل ذلك لكانوا بادروا الى ابتكار النظريات الملائمة لواقعهم والمنطلقة من اوضاعه ومشكلاته من خلال الادراك والوعي الدقيق بان مشكلة مجتمعاتهم تتمثل بالتخلف المريع والفقر المدقع وغياب الانتاج، ووسائل الانتاج، ولكانوا تجنبوا الانزلاق المراهق الى (( تاميم ما لا يؤمم )) ولافسحوا المجال كاملا لحركة تنمية شاملة اقتصادية واجتماعية وصناعية وثقافية واسعة النطاق يقوم بها على قدم المساواة الدولة بمواردها المحدودة وراس المال الوطني وراس المال الخارجي، كل ذلك وغيره كان من المحتم ان يصلوا اليه باستخدامهم لمنهج التحليل الماركسي (( المادية الجدلية )) الذي كان كفيلا بايصالهم نظريا الى التلاحم العضوي مع جوهر الدين وتعاليمه الاصيلة باعتباره اكبر قوة دافعة ومحفزة للتقدم والتطور الشامل للحياة وليس معوقا له، اذ لا يجد اي احد في مضامين المادية الجدلية اية اشارة الى نفي الدين او التصادم مع جوهرة ومضامينه السامية.. وحتى كلمة(( الاشتراكية )) او النظرية الاشتراكية فقد كان ممكنا باستخدام المنهج الوصول الة نظرية اشتراكية يمنية ناتجة عن تحليل وتشخيص الواقع اليمني ومشكلاته ومستوى تطوره التاريخي تطرح حلولا ومعالجات مبتكرة خلاقة لمشكلات التخلف والفكر قد تصل الى اعطاء الراسمالية الدور القيادي في التنمية والتطور بالتضافر والتلازم مع صيغة تحقيق التكامل والعدالة الاجتماعية وتضييق الهوة بين الاغنياء والفقراء فتضمن بذلك الاستقرار والسلام الاجتماعي وتتجاوز معضلة الراسمالية وقصورها البارز في مجال العدالة الاجتماعية… ولكن: الم يقل انجلز ذات يوم بان النظرية قالب جامد والحياة شجرة دائمة الخضرة والتجدد وان معيار الحكم على نجاح او فشل اي نظرية هو تطبيقها على ارض الواقع ونتائج ذلك التطبيق؟؟ وهو قول لا يختلف كثيرا عن القاعدة الفقهية الاسلامية القائلة بان النص متناه ووقائع الحياة لا متناهية والحل لسد الفجوة لبين المتناهي واللامتناهي هو الاجتهاد المستمر .. والم يقل كارل ماركس في نهاية حياته انني اعلم شيئا واحدا وهو انني لست ماركسيا؟؟ ان الذين يعتقدون بان الاشتراكية سقطت تاريخيا في العالم يجانبون الصواب، فالذي سقط في الحقيقة تطبيقات ادعت الاشتراكية اعلاميا في حين انها لم تطبق سوى راسمالية الدولة في اجواء قمعية ديكتاتورية غير ديمقراطية وادت الابداع والخلق والتجديد.. والذين يتسابقون اليوم الى تبني الراسمالية باعتبارها النموذج الانساني النهائي للتاريخ البشري مخطئون . فلا الراسمالية هي صاحبة المستقبل منفردة.. ولا الاشتراكية بصيغها المتعددة القديمة لوحدها صاحبة الانقراض طالما بقي في العالم اغنياء وفقراء. ان المستقبل القريب، في اعتقادي، سيكون لنظرية اقتصادية ثالثة اخذة بالتشكل والتبلور ترتكز على افضل ما افرزته التجربتان من ايجابيات وتضع في حسبانها تضييق الهوة الشاسعة التي تقسم العالم الى شمال فاحش الغنى والتقدم وجنوب بالغ الفقر والتخلف.. وهي نظرية اذا هي برزت الى حيز الوجود الفعلي وهي حتما ستبرز، لن تكون صيغة نهائية وقالبا جامدا ، بل ستكون حيوية ومتجددة باستمرار الحياة وتطورها.. اذن فان الحزب الاشتراكي اليمني لا يعاني من ازمة هوية ايدلوجية ولا ينبغي ان يراوده هذا الهاجس ولكنه يعاني من ازمة تقاعسه عن ابداع نظريات تعالج مشكلات واقعه اليمني وازماته ومعاناته على ضوء مرحلة تطوره التاريخي اهتداء بالمادية الجدليةكمنهج للرؤية والتحليل وليس غيرذلك مطلقا .. * القيت هذه المداخلة في ندوة مركز دراسات المستقبل حول مستقبل الحزب الاشتراكي اليمني.