في الحلقة السابقة من محاولتنا هذه الهادفة الى إستجلاء الخلفية الفلسفية اوالأيديولوجية التي إستندت عليها مبادرات الإصلاحات المقدمة من الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها من القوى الغربية لتغييروإصلاح أوضاع الدول العربية والإسلامية، وذلك ليسهل علينا تقويم دوافعها وأهدافها وصلاحيتها أو عدم صلاحيتها لوضع حلول ومعالجات ناجحة وفعالة للمشكلات والأزمات التي تعصف بأوضاع دول المنطقة وتؤثر سلباً على مسيرتها للإصلاح والتغيير والتطوير والتقدم .. تناولنا في الحلقة السابقة مدخلاً تمهيدياً لاستعراض ومناقشة ثلاث قضايا محورية جوهرية حددناها لمحاولتنا هذه، وبدأنا في النقطة او القضية المحورية الأولى والمتعلقة بالنظرة الى الدين الإسلامي وموقعه في تلك المبادرات وعلاقته بمشكلة ((الإرهاب)) والحرب الدائرة ضده في العالم على ضؤ التجربة التاريخية للحروب الصليبية والاستعمارية التي استهدفت منطقتنا العربية والإسلامية وسائر الشعوب الافريقية والاسيوية والأمريكية اللاتينية.. وتوقفنا في نهاية الحلقة السابقة عند تساؤلات جادة حول أسس ومبررات ودوافع الحرب على الإرهاب، وتعمد خلق علاقة مباشرة بينه وبين الإسلام كد ين والمسلمين كأتباع له ، كاتباع له، وهل ما جرى ويجري وسيجري يتجه حقاً لمواجهة وضرب الإرهاب ام انه يهدف الى إشعال حرب دينيه مقدسة ضد الإسلام والمسلمين؟ ولأية أهداف وغايات؟ وهي اسئلة وعدنا بمناقشتها وتحليلها في هذه الحلقة إستكمالاً للحديث المتعلق بالقضية المحورية الأولى حول ((الإسلام والمسلمين وعلاقته بالإرهاب والعنف والتطرف)).. وقد تطرقنا في الحلقة السابقة بإيجاز شديد إلى الخطأ التاريخي الفادح الذي ترتكبه الحملة الدعائية والاعلامية المنظمة والواسعة النطاق والمكثفة التي تشنها الإدارة الأمريكية منذ احداث 11 سبتمبر 2001م الإرهابية الدموية، وتعمدها المقصود للربط والتلازم بين الإرهاب والإسلام والمسلمين، وما ولدته من تصاعد نزعة وروح العداء والكراهية العنصرية والدينية وواقع الاضطهاد والاجراءات التعسفية والتمييز في المعاملة والحقوق والإهانات والمضايقات التي تواجه كل انسان تظهرملامحه العرقية الى انتمائه الديني الإسلامي في مختلف أرجاء العالم، وخاصة في أمريكا والدول الغربية، وعلى المستويين الرسمي وغير الرسمي، بسبب او بغير بسبب شبهة او بدون شبهة! وما نتج عن ذلك من رحيل أعداد متزايدة من المهاجرين الى تلك البلدان بمن فيهم أعداد من حاملي الجنسية والمواطنة في تلك المجتمعات، وإغلاق ابواب الهجرة بوضع شروط ومطالب تعجيزية غير معقولة أمام طالبي الهجرة،اضافة الى الحجم الواسع النطاق من إجراءات التجميد او المصادرة اوالإيقاف لعدد كبير من الشركات والمصارف والجمعيات والمؤسسات الخيرية والثقافية والعلمية على المستوى العالمي لمجرد إتصالها من حيث الإسم او الصفة أو الهوية بالإسلام، دون إخضاعها لحكم القانون ومقتضيات العدالة. إن ذلك كله، وغيره كثير، قد خلق شعوراً قوياً وقناعة تزداد رسوخاً يوماً بعد آخر لدى الشعوب العربية والإسلامية، وتوخياً للدقة والموضوعية نقول لدى غالبيتها على الأقل، بأن ما يجري تحت ذريعة الحرب ضد الإرهاب ما هو في حقيقه الأمر إلا حرباً دينية إستعمارية ضد الإسلام بدوله وشعوبه واراضيه، والشعوب تملك، عادة، مَلكَة أو حاسة فطرية طبيعية تُمكنها من الحُكم الصائب والتقويم الدقيق لمسار الأحداث ووجهتها وغايتها الحقيقية، ولعل ما عزز ورسخ الشعور والقناعة الواسعة لدى مسلمي العالم بأن ما يحدث هو في الحقيقة حرب دينية إستعمارية يشنها الغرب الرأسمالي المسيحي ضد الإسلام والمسلمين، يتمثل بالإضافة الى ما أشرنا اليه آنفاً في الحلقة السابقة وفي هذه الحلقة، بجملة من السياسات والمواقف والإجراءات والمطالب التي تنفذها وتضغط بها على دول العالم العربي والإسلامي لتلبيتها الإدارة الأمريكية مدعومة ، على نحو او آخر، من بعض حلفائها من الدول الغربية المسيحية، وهي في مجملها ،اذا استبعدنا محاولات تجريد تلك الدول من السلاح والتكنولوجيا المتطورة بحجة تحريم حيازة اسلحة الدمار الشامل وغير ذلك من الشعارات، وتشكيل كتلة سياسية عالمية مهيمنة تقف في مواجهة الطموحات والتطلعات السياسية المشروعة لتلك الدول، يمكننا ان نشير الى أهم وأبرز معالم ومضامين تلك السياسات والمواقف والاجراءات التي تتعامل بها الإدارة الأمريكية وحلفاؤها من قوى الغرب الرأسمالي المسيحي مع العالم العربي والإسلامي في محورين رئيسيين: المحور الاول: تغيير مناهج التعليم باعتبارها مسئولة عن تفريخ ونمو وانتشار التطرف والإرهاب والعنف، وعدم تركيزها على قيم السلام والتسامح والقبول بالآخرين والتعايش معهم. المحور الثاني: فرض أنماط محددة من التغييرات او الاصلاحات الاقتصادية والسياسية مثل تخصيص او((خصخصة)) مشاريع القطاع العام ، وفتح ابواب الحرية الاقتصادية والتجارية على مصاريعها دون عوائق او قيود، وإصلاح النظام السياسي عبر مفاهيم وقيم الديمقراطية والفصل بين السلطات واللامركزية، وإعطاء الدور القائد لمنظمات المجتمع المدني سياسياً واجتماعياً.. ونبدأ بوقفة حوارية وتحليلية عامة للمحور الأول المتعلق بمناهج التعليم الديني الإسلامي الرسمية وعلاقتها بالإرهاب والعنف المسلح كظاهرة فُرضت على الساحة السياسية العالمية بعد سقوط المعسكر الاشتراكي وإنتهاء مرحلة الحرب الباردة في مطلع العقد الاخير من القرن العشرين المنصرم، واريد لها، بالحق او بالباطل.. بالواقع او بالخيال .. بالحجم الحقيقي او بالحجم المُضخم والمبالغ فيه الى حد غيرمعقول، ان تحل محل وموقع الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي المنهار كعدو بديل وقوة شرمستطيرللمعسكرالغربي الرأسمالي المسيحي المنتصر في الحرب الباردة فأقول إن هذا التركيز والأهمية المطلقة على قضية المناهج التعليمية الإسلامية واعتبارها العامل الرئيسي للإرهاب والتطرف والعنف المسلح يدل على رؤية سطحية وساذجة تفتقرعلى نحو فاضح، الى أبسط الأسس العلمية والشواهد والحقائق الناتجة عن حركة الواقع ومعطياته الحية، وذلك للاعتبارات والاسباب الرئيسية التالية: 1) ان مناهج ومضامين التعليم الديني كانت ولاتزال قائمة في بلدان وأرجاء العالم الإسلامي على إمتداده، منذ مئات عديدة من السنين، حيث كان التعليم يقتصرعلى التعليم الديني وحده لفترات طويلة من الزمن، ومع ذلك لم يسجل او لم يلاحظ ظهور او تنامي او هيمنة الافكار والحركات الإرهابية الدموية التي تنتهج التطرف والعنف، ولا تمخض عنها روح التعصب وعدم التسامح ورفض الآخر، بل على العكس من ذلك تماماً، يشهد ويسجل للحضارة الإسلامية، على نحو إجمالي، إسهامها البارز في نشروتأكيد قيم ومفاهيم التسامح والتعايش والسلام ونبذ القهر والإكراه، وهذا بشهادة المنصفين من مفكري ومؤرخي الغرب المسيحي نفسه.. 2) ولو افترضنا ـ جدلا ـ أن مناهج التعليم، بصفة عامة في أي مجتمع من المجتمعات الانسانية ، تملك المقدرة الحاسمة على عقليات وأفكارالطلبة المتعلمين وصهرها في ((عقل جمعي)) واحد، فكيف نفسرإذن تشكل وبروزالعدد الكبير من الأفكار والمعتقدات والتوجهات المتباينة والمتناقضة والمتصارعة داخل المجتمع الواحد، ولو كان التعليم له تلك القدرة العجائبية فقد خضعت الغالبية الساحقة من البلدان العربية والإسلامية وغيرها من بلدان آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية للسيطرة الاستعمارية الوحشية المطلقة من قبل الدول والقوى الأوربية الاستعمارية لعقود طويلة من الزمن، تولت خلالها سلطات الاحتلال- بالاضافة الى نهب وإستنزاف ثروات تلك البلدان وفرض إبقائها داخل نطاق التخلف- كافة شئون وحياة تلك البلدان والمجتمعات، الخاضعة لها، بما في ذلك سياسة التعليم ووضع المناهج الدراسية كافة، ومع ذلك برزت حركات التحررالوطني وتنامت واتسعت وقاومت الاستعمار بتأييد ومساندة شعوبها وانتزعت استقلالها الوطني، كما ان الكثير من ابرز زعماء وقادة حركات التحررالوطنية تلك تعلموا وفق تلك المناهج الدراسية التي صاغتها سلطات الاحتلال ومنهم من تلقى تعليمه، بمختلف مراحله، في البلدان الاستعمارية نفسها، من امثال ((المهاتماغاندي)) و((جواهر لال نهرو)) و((مولانا ابو الكلام ازاد)) و(( محمد علي جناح)) و((هوشيه منه)) والقائد الاسطوري ((فونجوين جياب)) و((نيلسون مانديلا)) و((كوامي نكروما)) و((شواين لاي))و((ليبولد سنجور)) و((احمد سوكارنو)) و((احمد بن بيللا))الذي كان لا يجيد التحدث إلا بالفرنسية، والدكتور((محمد مصدق)) و((رشيد غالي الكيلاني)) و((عبدالقادر الجزائري)) و((عزالدين القسام)) وغيرهم مما لا يحصى عددهم من زعماء وقادة حركات التحرر الوطنية ومقاومة الاستعمار، كيف لم تستطع مناهج التعليم التي وضعتها سلطات الاحتلال او تلك السائدة في البلدان الاستعمارية نفسها والتي نشأ اولئك الزعماء والقادة ومعهم شعوبهم وتلقوا تعليمهم وفقاً لها، ان تُشكل وعيهم وعقولهم بما يلائم مصالح وأهداف الاستعمار واضع تلك المناهج، ولماذا برزوا وسادوا على نحو نقيض لغايات تلك المناهج؟! 3) واذا ما سلمنا ـ جدلا ـ بان(( الإسلام)) او ((المناهج التعليمية الإسلامية)) او (( المذهب الوهابي الإسلامي)) كما يقولون ويُلِحُون،هو(( الحاضنة)) الحميمة التي ((تُفرِخ)) وتدعو وتحث وتشجع، وهو السبب الرئيسي للارهاب والعنف والتطرف، فأية((حاضنة)) او دين او مذهب كان وراء المجموعة الإرهابية التي نفذت مجزرة نسف المجمع الحكومي الفيدرالي في ((اوكلاهوماسيتى)) في الولايات المتحدة الأمريكية في الاول من شهرابريل عام1995م بعبوة من المتفجرات تزن 500كيلو جرام واسفرت عن قتل ما يقارب سبعين إنساناً وإصابه المئات من البشر، ومن كان وراء طائفة ((الحقيقة المطلقة او السامية)) اليابانية التي دبرت لمجزرة أنفاق مترو طوكيو بنشر غاز السارين القاتل يوم 20مارس 1995م وأسفر عنها قتل وإصابة الالاف من المدنيين الآمنين الأبرياء، ونفس السؤال ينطبق على الذين كانوا وراء اغتيال الرئيس الامريكي الشهير((جون كينيدي)) أوائل السيتينات ومحاولة اغتيال الرئيس الأمريكي الراحل((رونالد ريجان)) أوائل التسعينات، وكذا منظمات وحركات ذات قوة ونفوذ مثل (( بادر مينهوف)) الألمانيه و(( جماعة كارلوس العالمية)) و((الجيش الاحمر الياباني)) و((الجيش الجمهوري الايرلندي السري)) ومنظمة ((ايتا)) في اقليم الباسك في أسبانيا و(( الألوية الحمراء)) الايطالية و((الخمير روج او الخمير الحمر)) في كمبوديا وحركات(( النازيون الجدد)) المنتشرون في العديد من الدول الأوربية ودول البلطيق وروسيا وأمريكا و((جيش الرب)) في أوغندا وماجاورها، وغير ذلك من الحركات العنصرية الإرهابية العنيفة المنتشرة والناشطة في مختلف أرجاء العالم وعلى إختلاف دياناتها ومعتقداتها واصولها وثقافاتها ومذاهبها، بل والأدهى من ذلك والأخطر عصابات او المافيات او منظمات الجريمة المنظمة السرية والمنتشرة والنافذة في كثير من الدول الأوربية وروسيا والدول الاشتراكية سابقاً في أوروبا الشرقية وبعض الجمهوريات الإسلامية جنوب روسيا والتي كانت ضمن ((الاتحاد السوفيتي)) قبل إنهياره، وفي الولايات المتحدة الأمريكية وبعض دول الأمريكيتين الشمالية والجنوبية، وهي عصابات للجريمة المنظمة ذات انتشار عالمي وتملك من القدرات التنظيمية والعسكرية والدعم المالي الهائل والتأثير والنفوذ ما يفوق قدرات وإمكانيات عدة دول مجتمعة من المستوى المتوسط، ومجال عملها ونشاطها ينحصر في تجارة المخدرات والسلاح والدعارة والأعضاء البشرية والسطو المسلح، ولها شبكات من الصلات والعلاقات مع المنظمات الإرهابية والعنصرية في مختلف أنحاء العالم، وتشكل خطراً حقيقياً وتهديداً مباشراً على الأمن والسلام في العالم وعلى مستقبل الحضارة البشرية وقيمها ومثلها الانسانية السامية والمشرقة! 4) إن الدول ومناهج التعليم الديني السائدة فيها، وكذا الحركات والمنظمات والأحزاب الإسلامية على اختلاف مشاربها وتوجهاتها ومدارسها الفكرية والفقهية والسياسية التي تتهمها الادارة الأمريكية الحاليه وحلفاؤها الغربيين، وتعتبرها اليوم إرهابية ومتطرفة تقوم على العنف والتعصب، وترفض كموقف والتزام ديني، القبول بالآخر والتعايش معه ضمن مفهوم التسامح والحرية، لم يكن حالها جميعها على هذا النحو البشع والمخيف، وهذه الصورة السوداوية المظلمة التي ترسمها لها الأله الإعلامية الدعائية الرهيبة للادارة الأمريكية وحلفائها، بل كانت على النقيض من ذلك تماماً حتى وقت قصير جداً، فلقد اصبح معلوماً، بالحقائق والوثائق، أن المعسكر الغربي الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية أقام علاقات وثيقة وقوية وشاملة مع كل تلك الحركات والمنظمات والأحزاب الدينية الإسلامية، باصولها الأولى التي كانت عليه، وبما تفرع منها وانشق عنها في مراحل لاحقه من تشكيلات ومنظمات عديدة وجديدة، منذ اوائل عقد اربعينيات القرن العشرين المنصرم وحتى مطالع وبدايات القرن الواحد والعشرين الحالي، وليس يعني هذا ان العلاقات قد انقطعت عند بدايات القرن الجديد كلياً، وانما طرأعليها بعض التغييروالتعديل وإعادة الترتيب والفرز! وحظيت تلك الحركات والمنظمات والأحزاب الدينية بالدعم والمساندة والحماية من قبل الدول الغربية وحلفائها من الدول الاقليمية، وخاصة بعد بروز وإكتساح المد القومي التحرري العربي بآفاقه الاشتراكية بزعامة الرئيس الخالد جمال عبدالناصر خلال عقد الخمسينيات، الذي شكّل عدواً او خصماً مشتركاً للمعسكر الغربي وتلك الحركات والمنظمات والأحزاب الدينية معاً، التي تنامى دورها واتسع وازدادت أهميتها كقوة مواجهة دينية عقائدية وسياسية شاملة ومباشرة ضد ذلك التيار القومي التحرري العربي ونزوعه الرافض للهيمنة الغربية، بهدف إنهاكه وإستنزافه وزعزعة إستقراره وتماسكه تمهيداً لضربه وإسقاطه بتضافر وتكامل عوامل وأشكال اخرى من المواجهة وخاصة من خلال ((اسرائيل)) كموقع متقدم للغرب في تلك المواجهة وهوما حدث بالفعل بالعدوان الثلاثي البريطاني الفرنسي الاسرائيلي على مصر عام 1956م وعدوان وهزيمة 5يونيو1967م ضد الدول العربية المحيطة باسرائيل وفي مقدمتها مصر وسوريا.. ولعل اوضح دليل يؤكد عمق واستراتيجية العلاقة بين الغرب وتلك الحركات والاحزاب الإسلامية، حينما قامت الولايات المتحدة، ومعها حلفاؤها الغربيين والإقليميين، بسلسلة من التحرشات والاستفزازات والأعمال العدائية انطلاقا من باكستان وافغانستان، ضد الاتحاد السوفيتي لجره واستدراجه الى الدخول فيما عرف بـ(( المستنقع الافغاني)) حيث نجح الغرب بالفعل في تحقيق ذلك الهدف،حينها هبت كل تلك الحركات والمنظمات والأحزاب الدينية الإسلامية عن بكرة ابيها ونظمت لأوسع وأكبر عملية تعبئة دينية مقدسه وحشدت عشرات الالاف من الشباب المسلم لتدفع بهم افواجاً متتاليه ومتعاقبة ومتواصلة للحرب ضد القوات السوفيتية في افغانستان باعتباره أقدس الواجبات الدينية للمسلم ، وجهاد في سبيل الله ثمنه الدخول الى ((الجنة)) ونيل رضى الله ورضوانه.. وهكذا وقفت تلك الحركات والأحزاب الإسلامية بكل قوتها وامكانياتها الى جانب أمريكا والغرب في حربهم العالمية ضد الاتحاد السوفيتي.. حينها لم تكن الادارة الأمريكية، على تعاقبها، تعتبر هؤلاء الشباب المحاربين إرهابيين او محترفي عنف وتعصب، ولعل من المفارقات العجيبة ان المفكرين والاستراتيجيين الأمريكييين آنذاك، هم الذين اطلقوا مصطلح(( المجاهدين)) على مجاميع الشباب المسلم المحاربين في افغانستان!! 5) وعندما قررت الادارة الأمريكية، عقب احداث 11سبتمبر 2001م الإرهابية، غزو افغانستان واحتلاله عسكرياً واسقاط حكم ((حركة طالبان)) فيها، كان إعتماد وإستناد القوات الأمريكية الغازية داخل افغانستان على قوات ما عُرف ب(( تحالف الشمال)) وهو عبارة عن حركات ومجاميع من بقايا فصائل(( المجاهدين الأفغان)) وعندما غزت أمريكا وحلفاؤها العراق واحتلته عسكرياً بعد إسقاط نظام الرئيس(( صدام حسين)) كان إعتمادها كواجهة على اطار تحالفي من قوى محلية عراقية معظمها يمثل حركات واحزاب دينية اسلامية، ولهذه الاعتبارات والاسباب وغيرها كثير، يتضح بكل جلاء أن الإرهاب والإرهابيين الذي تشكو منه الادارة الأمريكية وتشن في مواجهته حرباً عالمية لاهوادة فيها وتشغل العالم كله في تهويل وتضخيم خطره الماحق الداهم على كل الحضارة الانسانية وقيم الحرية فيها، لا يعود السبب في نشؤه وتنامي خطره، إلى الإسلام او مناهجه الدراسية التعليمية او(( المذهب الوهابي)) وانما يعود السبب الحقيقي له إلى الأخطاء الاستراتيجية الفادحة للسياسات الأمريكية التي استغلت ووظفت وعبأت وحشدت، بواسطة الحركات والمنظمات والأحزاب الدينية الإسلامية وحلفائها الاقليميين، مئات الالوف من الشباب المسلم ودربتهم وسلحتهم ومولتهم مالياً، وزجت بهم في حربها ضد الاتحاد السوفيتي في افغانستان، مما اكسبهم خبرات ومهارات وتجارب واسعة ومتميزة على فنون القتال والتنظيم والعمليات إضافة الى سيل متدفق من الأموال استطاعوا من خلالها تشكيل منظماتهم السرية الدقيقة التنظيم والمتميزة الخبرة والقدرة والحركة في نطاق جغرافي دولي يتخطى حدود الدولة الوطنية ونطاقها الجغرافي، وعلى الادارة الأمريكية ان تتحلى بالمصداقية والشجاعة الاخلاقية وتعترف بمسئولية سياستها بالدرجة الأولى والحجم الأكبر عن صناعة وتقوية وتنامي الإرهاب وأعماله الاجرامية في مختلف انحاء العالم، إن ذلك الاعتراف وتلك المسئولية والإقرار بها شأنه ان يضع العالم اجمع على الطريق الصحيح لمواجهة الإرهاب والقضاء عليه.. واود قبل الختام ان انبه الى ان ما سقناه من آراء في هذه الحلقة لايعني، باي حال من الاحوال، اننا نعتبر مناهج التعليم الديني السائدة في بلداننا مثالية وسليمة، بل على العكس من ذلك نعتبرها في الكثير من مضامينها متصادمة ومتعارضة مع جوهر وحقيقة تعاليم الإسلام ومقاصده وتساعد على اثارة الفتن والصراعات والانقسامات داخل المجتمع الواحد،ولقد نبهنا الى ذلك مراراً من خلال الكتابات الصحفية ومنذ وقت طويل سابق لاحداث 11سبتمبر2001م بسنوات عديدة.. وفي هذا الصدد فاني اتفق تماما مع القضية الجوهرية التي طرحها الدكتور ياسين سعيد نعمان بعمق ورؤية ثاقبة في محاضرته القيمة بمنتدى((الامة)) حول حقيقة كون ضرورة تغيير فهمنا لدور الدين ومفهومه، وبالتالي إحداث تجديد في الرؤية الدينية تعيد للاسلام جوهره المشرق في إعلاء قيم الحرية والكرامة الانسانية، ورفض اساليب القهر والاكراه في امور الدين والمعتقد وتنقية وعينا وعقولنا من موروث الماضي الخاطئ، يعد بمثابة المقدمة الاولى والمدخل الضروري السابق لأي تحرك جاد ومثمر نحو الاصلاح الشامل لجوانب حياة مجتمعنا ،غيران هذه القضية الجوهرية وبالغة الأهمية لايستوعبها مقال او عدة مقالات صحفية ، بل تتطلب جهداً بحثيا اعمق وادق واشمل، ولهذا فهي محل اهتمامي وانشغالي منذ شهورعديدة حيث اتجه، اذا شاء الله تعالى وأعان ووفق، إلى اصدار رؤيتي تجاه هذه القضية في كتاب اخترت له عنوانا اولياً ((الدين والدين الموازي)) ولا شك انني ساستفيد كثيرا من الرؤى والمعالجات الرائعة التي يطرحها الدكتور ياسين سعيد نعمان.. بقى امامنا الموضوع المتعلق بالمحور الثاني حول الأساس الفلسفي اوالأيديولوجي الذي يحكم ويتحكم بسياق ومضامين مبادرات الاصلاحات السياسية والاقتصادية والثقافية التي تطرحها الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الدول الغربية على دول المنطقة .. ذلك ما سنناقشه في الحلقة القادمة باذن الله تعالى. صحيفة الأمة