شُغِل الرأي العام المحلي في الآونة الاخيرة على نطاق واسع بموضوع اللقاءات والحوارات السياسية الجارية بين التجمع اليمني للاصلاح والحزب الاشتراكي اليمني أولا، ثم بين الإصلاح ومجلس التنسيق الأعلى لأحزاب المعارضة، وشكل محور استقطاب هائل لاهتمام ومتابعة جميع الأوساط الحزبية والسياسية في البلاد وكافة المراقبين والمحللين والمتابعين لتطورات الأوضاع الداخلية في اليمن.. وجعل الساحة السياسية كلها تعيش حالة واسعة وحيوية من النقاشات والتحليلات والجدل، وانهى حالة الجمود والركود السياسي التي عاشتها البلاد منذ انتهاء الحرب الأهلية الأخيرة 1994 م. ولاشك، ايضا. أن كثيراً من الدوائر الخارجية المهتمة بمتابعة مجريات وتطورات الأوضاع اليمنية جذب اهتمامها موضوع تلك اللقاءات والحوارات. ولاريب بأنها تشكل موضوع الساحة، وستظل كذلك الى فترة غير قصيرة.. وقد ذهب الجدل السياسي واسع النطاق الذي يعم الساحة مذاهب واتجاهات مختلفة ومتباينةمن الاراء والتحليلات والاستنتاجات حول حقيقة دوافع واهداف تلك اللقاءات والحوارات الدائرة بين الإصلاح واحزاب المعارضة، وآفاقها المستقبلية المتوقعة، والتأثيرات والانعكاسات الواسعة والعميقة التي يمكن ان تُحْدثُها في طبيعة وتشكيلات خارطة القوى السياسية في البلاد، اذا ماقدرللحوار ان يسير على نحو طبيعي وايجابي حتى يبلغ مداه. ان هذا الأهمية وهذا الاهتمام واسع النطاق الذي خلقه اللقاء والحوار انما تنبع اساسا من حقيقة كون التجمع اليمني للاصلاح أحد طرفي الائتلاف الحزبي الحاكم من جانب، ولأن الإصلاح، في نظر آخرين كُثر من الاحزاب والقوى السياسية، يمثل اتجاهاً دينياً متطرفاً يقوم على فكر شمولي اُحادي لا يقبل بالآخرين ولايؤمن بشرعية تعدد الاحزاب. ولسنا هنا بصدد مناقشة مدى صحة أوعدم صحة تلك النظرة السلبية للاصلاح،وان كنا سنتعرض لها في سياق الحديث بشكل او بآخر. على ان أهم وأخطر مايهدد مستقبل الحوار واللقاء بين الإصلاح واحزاب المعارضة، هو ذلك الكم الكبير المتراكم من الشكوك والمخاوف التي كونت وعمقت ووسعت أزمة ثقة مستحكمة بين الجميع من واقع سلوكيات ومواقف وتجارب طويلة حدثت في الماضي، ولا تزال تفرض نفسها على الحاضر، وتلك حقيقة ينبغي وعيها وادراكها واستيعابها من قبل الجميع، والتعامل معها بأقصى قدر ممكن من الصراحة والمكاشفة والنقد والتقويم، دون تحرج او مكابرة، اذا اريد للحوار واللقاء ان يبلغ مداه في اطار ايجابي ومثمر. والحقيقة أن كثيراً، ان لم يكن جميع احزاب المعارضة المتحاورون مع الإصلاح، يعتقدون، وقد يكونون محقين في اعتقادهم، بأن الإصلاح في خطوته بالحوار واللقاء مع احزاب المعارضة إنما يقوم بمناورة تكتيكية سياسية تهدف الى مضاعفة الضغوط على شريكه في الحكم، المؤتمر الشعبي العام، للحصول على مكاسب ومواقع سياسية اكبر وأفضل، مستندين في ذلك الإعتقاد الى إصرار الإصلاح على حصر موضوع اللقاء والحوار والتنسيق بقضية الانتخابات وماحدث من تجاوزات ومخالفات وخروقات خطيرة وواسعة اثناء مرحلة القيد والتسجيل للناخبين، ورغم ذلك، وعلى فرض التسليم بان ذلك هو هدف الإصلاح، أليس مما يحقق ويكفل مصلحة احزاب المعارضة، بل ويعزز المسيرة الديمقراطية الوليدة في بلادنا، وجود شروط وضمانات واُسس صحيحة، ما أمكن، لإجراء انتخابات حرة ونزيهة ونظيفة؟ ومع ذلك فتلك جزئيات نريد الخروج عنها، ولو مؤقتاً، ودعونا ندخل في جوهر موضوعنا الرئيس حول ما نتصوره من دوافع وآفاق للحوار واللقاء الجاري بين الإصلاح واحزاب المعارضة.. ولعله من المفيد والمحقق لأكبر قدر من الوضوح حول الموضوع، البدء بالاشارة الى ابرز ملامح صورة الوضع السياسي منذ اعلان قيام دولة الوحدة وحتى الآن بأقصى قدر مستطاع من الإيجاز غير المُخِل، وذلك على النحو التالي: 1ـ اُعلن عن قيام الوحدة بأسلوب عشوائي متعجل دون ان تكتمل عملية بناء هياكل ومؤسسات واجهوة الدولة، بل قامت الدولة على تقاسم نصفي لجميع وظائف وسلطات الدولة بين طرفين… في حين اُرجئت عملية دمج الجيش والأمن واجهزة السلطات المحلية، وهي اخطر القضايا على الاطلاق، وكان واضحاً ان تركيبة دولة الوحدة تلك لن تقود سوى الى الحرب. 2ـ اُقرت التعددية الحزبية في دولة الوحدة، ونشأ التجمع اليمني للإصلاح بتفاهم وتنسيق مع المؤتمر الشعبي العام ليقوم بالمواجهة الشاملة للحزب الاشتراكي اليمني نيابة عن المؤتمر وبدعمه الكامل… ولعب الإصلاح دوراً رئيسياً في توتير الوضع السياسي وتأزيم العلاقة بين شريكي الوحدة. 3ـ جاءت الانتخابات البرلمانية في ابريل 93م وسيطرت الاحزاب الثلاثة، المؤتمر والاشتراكي والإصلاح، على الغالبية الساحقة في مجلس النواب، وشكل الثلاثة ائتلافاً حاكماً، ولم يبق هناك أي معارضة سياسية فاعلة، وبدون معارضة سياسية قوية لايمكن ان يستقر النظام السياسي عبر عملية توازن للقوى يحول دون حدوث تفجيرات مفاجئة.. في حين تعمق الشعور لدى الحزب الاشتراكي، ومن ثم في المحافظات الجنوبية، انهم معرضون للالتهام والتصفية ولما يتوحد الجيش والأمن وسائر السلطات المحلية بعد! 4ـ ارتكب الإصلاح خطأ استراتيجياً فادحاً بوضع نفسه في موضع المواجهة الشاملة والساخنة للاشتراكي، ولعب الدور الرئيسي في دفع الامور الى الحرب والقضاء على الاشتراكي، ثم وجد نفسه تلقائياً في فوهة المدفع، اذ اصبح هو نفسه الهدف اللاحق للتصفية، ولو انه ـ أي الإصلاح ـ اتخذ نهجاً سياسياً محايداً في حال تصاعد المواجهة والصدام بين شريكي الوحدة المؤتمر والاشتراكي ، لكان ذلك خيرا. 5ـ بعد الحرب التي ادت الى هزيمة الحزب الاشتراكي واخراجه من الحُكم، اتخذ الإصلاح نهجاً متشدداً للقضاء على الاشتراكي وتصفيته نهائياً بشتى السُبل، ودخل الإصلاح شريكاً في الحُكم مع المؤتمر، وكان على الإصلاح اما ان يقبل بدور الشريك التابع او ان ينتظر هو الآخر دوره في الإقصاء والتصفيه. وواضح انه لم يكن ليقبل بدور الشريك التابع وبدأ يستعد لمواجهة قدره المحتوم! وفي اعتقادي ان الإصلاح ادرك، على ضوء الدروس المستفادة من تجاربه، ادراكاً يقينياً بأن الديمقراطية الحقيقية والسليمة هي وحدها العاصم والضامن الوحيد لوجوده ومستقبله، وانها الوسيلة المثلى لضمان أمن واستقرار ووحدة البلاد وتقدمها، ولعله ادرك، الى ذلك كله، ان الحزب الذي يقبل او يعمل او حتى يسكت على ضرب وتصفية اي حزب آخر بوسائل غير ديمقراطية ولا مشروعة، يكون، وفي نفس اللحظة، قد لف حبل مشنقة التصفية على نفسه، لأنه في حقيقة الأمر كان مشاركاً في تخريب وإفساد وتشويه التطور الطبيعي للحياة الديمقراطية، وداس بقدميه اي مشروعية للدستور والقوانين، واحل محلها مشروعية القوة والتسلط والديكتاتورية، وهذا درس وعبرة مريرة ومدمرة ينبغي على جميع الاحزاب والقيادات السياسية ان تتعظ بها وتضعها نصب اعينها حتى لا تكرر الوقوع في فخاخها في تجاربها اللاحقة. والحقيقة ان الإصلاح أقدم على خطوة ذكية وبارعة سياسياً باللقاء والحوار مع احزاب المعارضة في اللحظة المناسبة تماما. وغالب الظن ان الإصلاح كان على علم بالجهود والمحاولات الجارية منذ حوالي عام مضى، والهادفة الى خلق اصطفاف أو تكتل سياسي يضم، تقريبا، جميع الاحزاب السياسية القائمة تحت شعار مواجهة الإصلاح وضربه باعتباره خطراً يهدد بالقضاء على الجميع!ولو ان احزاب المعارضة الرئيسية بالذات استجابت لمثل تلك الدعوة وسارت في طريقها لكانت وقعت في ذات الخطأ الاستراتيجي الفادح الذي ارتكبه الإصلاح، واذاً لسلمت رقبتها لتكون تلقائياً الضحية التالية مباشرة للإصلاح، وهكذا دواليك! ومع تسليمنا ببراعة الخطوة التي اقدم عليها الإصلاح في الوقت المناسب باللقاء والحوار مع احزاب المعارضة، إلا ان عليه ان يدرك بان تلك الخطوة على براعتها، ليست الا خطوة اولى على طريق طويل وشاق ومحفوف بالمطبات والالغام، ذلك ان الإصلاح عليه ان يبذل جهودا مضنية واعية وصبورة ليقدم نفسه للاخرين، ويؤكد لهم بالقناعات الفكرية والسياسية النظرية والمواقف العملية التطبيقية، على انه حزب يؤمن ايماناً استراتيجياً لا لَبس فيه ولاغموض بالديمقراطية ويقبل بالاخرين ويتعايش معهم سلمياً وينبذ العنف والقوة في العمل السياسي بمختلف اشكالها والوانها. ان هذا الجهد يعد مطلباً مُلحاً بالغ الأهمية بالنسبة للإصلاح، ليس على المستوى المحلي فحسب، بل وعلى المستوى الخارجي ايضا، فالتجمع اليمني للإصلاح هو الحزب ذو الاتجاه الاسلامي الوحيد تقريباً في العالم العربي الذي وصل الى سدة الحكم، ولو بالمشاركة، في دولة عربية، ولاشك ان وصوله الى الحُكم ربما كان بموافقة مسبقة خارجياً وداخلياً ليكون بمثابة(( تجربة للاختبار)) حول طبيعة اسلوب ونهج الاحزاب الدينية المصنفة في خانة الاعتدال والتعقل، بالاضافة الى تجربة الحركة الاسلامية في كل من الجزائر ومصر، والإصلاح في اليمن، كحزب ديني مؤهل وقادر، حسب اعتقادي، على صياغة نموذج فكري وسياسي وبلورة تجربة في الحكم تعطي البرهان النظري والعملي القاطع على ديمقراطية الحركة الاسلامية وسلمية اساليبها وقبولها بجميع الآخرين من احزاب وافكار، تتعايش وتتفاعل ديمقراطياً بعيدا عن العنف والارهاب والإلغاء.. وبالمقابل فان احزاب المعارضة عليها ان تضع هواجسها وشكوكها ومخاوفها جانباً، وتُقدِم على الحوار مع الإصلاح بعقل مفتوح وبصدر رحب، وان لاتبقى حبيسة لتراكمات التجارب السابقة إلا بقدر الاستفادة من دروسها المستخلصة، وليس هناك ماهو أهم ولا أعظم من الديمقراطية بمختلف صورها واشكالها ومجالاتها لتكون محوراً يدور حوله الحوار واللقاء،فاحزاب المعارضة تتحمل قدراً من المسؤولية في مساعدة التجمع اليمني للإصلاح في صياغة وبلورة نموذجه وبرنامجه الاسلامي الديمقراطي الايجابي، وذاك من خلال تواصل اللقاءات والحوارات البناءة وتوسيع نطاقها تدريجيا، والقيام بانشطة وفعاليات فكرية وثقافية وسياسية مشتركة، مثل المحاضرات والندوات وحلقات النقاش، والمشاركة في كتابة المقالات والدراسات ونشرها في صحف ومجلات بعضهم بعضا لكسر انغلاق كل صحيفة على كتاب ومحرري حزبها فقط. إن مثل هذا الاسلوب بقدر ما يساهم بفاعلية في تسريع خطوات التطبيع، فانه ايضاً يخلق حالة من التفاعل بين الافكار تأثيرا وتأثرا وصولا الى مستوى أفضل من النضوج والتجدد الفكري والسياسيي المستمر. واذا ما قُدر لتلك اللقاءات والحوارات ، التي بدأت بين الإصلاح واحزاب المعارضة، أن تسير على نحو طبيعي وايجابي وجاد وصادق، فمن المتوقع ان تؤدي في نهاية المطاف الى إعادة رسم خارطة القوى السياسية في البلاد من خلال اقامة تكتل سياسي ضاغط لإرساء اُسسس ومقومات ديمقراطية حقيقية وسلمية في البلاد، يَضُم الى جانب احزاب المعارضة التجمع اليمني للإصلاح بثقله وتأثيره وامكانياته الهائلة، وفي ذلك مصلحة اكيدة لمستقبل الديمقراطية، وتطورها وضمانة قوية لتطور ونهضة الوطن وحماية وحدته الوطنية وأمنه واستقراره. وللحديث عودة ان شاء الله. صحيفة الوحدوي