في الحلقة السابقة أثبتنا أن فكرة إقامة ملاذات آمنة لحماية المضطهدين والملاحقين والمطاردين بسبب أرائهم وحقهم في حرية التعبير، لها جذور ظاربة في أعماق التجربة التاريخية للشعب اليمني ومتجذرة في عاداته وتقاليده وسلوكياته وثقافته حتى اليوم من خلال نظام “الهجرة ” و ” التهجير ” باشكاله المتعددة ، وانتهينا بالتساؤل عن كيفية اعادة احيائه وتطبيقه مع تطويره وتحديثه دون الخروج عن أسسه ومقوماته ومبادئه الأصلية؟ وقبل الولوج إلى ساحة الاجابة عن ذلك التساؤل، من المهم الاشارة إلى أن ذلك النظام الذي ابتدعته العبقرية اليمنية منذ قرون سالفة كفل للبلاد والمجتمع استقراراً وهدوءاً وأمناً وأماناً، على المستوى السياسي والاجتماعي، وجنبه مخاطر الانزلاق نحو هاوية الصراع والحروب والانقسامات والتمزق الداخلي المدمر، بغض النظر عن ركود وانغلاق التطور والتقدم الحضاري الذي عاشته اليمن طويلاً، والذي كان سمة عامة لبلدان وشعوب العالم الإسلامي والعالم الثالث عموماً. إن فكرة الملاذات الآمنة ووضعها موضع التنفيذ أمر ممكن وعملي وسهل التطبيق إذا ما أُحسن إخراج الفكرة على نحو سليم، وأول ما يقتضيه ذلك، إقامة شراكة بين المجتمع الدولي، ممثلاً أساساً بأمريكا والاتحاد الأوروبي واليابان وكندا، والقبائل اليمنية الرئيسية، وممكن وضع النظام الحاكم في الصورة وإطلاعه على الفكرة والتفاهم والتنسيق معه، على أن لا يُسمح له بالعمل على إحتواء الفكرة وتخريبها من الداخل وتدميرها بعبارة أخرى ينبغي أن يقتصر دور النظام على الجانب التشاوري فقط، ولا شك أن مثل تلك الشراكة بين المجتمع الدولي والقبائل اليمنية ستكون مرحباً بها ومقنعة للقبائل، باعتبار فكرة الملاذات الآمنة ليست سوى إحياء وتطبيق للأعراف القبلية ويُستحسن أن تكون الأمم المتحدة مظلة للتحرك في هذا الصدد من قبل القوى الدولية المشار إليها آنفاً، وأول خطوة تمهيدية وإعدادية ينبغي أن تتجه نحو الاتصال بكبار مشائخ القبائل الممثلين الحقيقيين لها، وإجراء مشاورات وتفاهمات أولية معهم، حول الفكرة وكيفية تطبيقها على أرض الواقع، وضمن هذا السياق يجري تحديد الأماكن والمناطق التي يمكن اقامة ملاذات آمنة عليها، مثل منطقة (شعاب ذنه) و((العجارم)) في قبيلة بني ضبيان، أو في قبيلة الجدعان، ومنطقة “صحراء الريان” في الجزء اليمني من الربع الخالي قبيلة «دهم» وأماكن أخرى كثيرة يمكن اختيارها، ثم تبدأ الخطوات العملية التأسيسية الرئيسية على النحو التالي: 1) الدعوة لمؤتمر عام لكبار مشائخ القبائل اليمنية عموماً الذين يمثلون قبائلهم تمثيلاً حقيقياً. 2) في المؤتمر يتم بشكل نهائي اختيار الأماكن المختارة لإقامة الملاذات الآمنة. 3) صياغة وإقرار الوثيقة الخاصة « بتهجير» الملاذات الآمنة أو ما يسمى بالمصطلح القبلي «قاعدة عرفية». تفصل فيها الضمانات الكاملة لحمايتها وجعلها «مناطق محرمة» عن ارتكاب أي فعل أو تصرف يلحق بها أو بمقيميها أي ضرر أو أذى من أي نوع، وتقرير العقوبات المغلظة بأضعاف أضعاف العقوبات الرادعة لكل من ينتهك حرمتها وحصانتها من الأفراد والقبائل والدولة، وتصبح إلزامية بمجرد توقيع مشائخ القبائل والأمم المتحدة عليها. 4) وتصدق عليها السلطات الحاكمة وتعتمدها، وبهذا تنتهي الخطوات التمهيدية التأسيسية الأولى لتبدأ بعدها خطوات المرحلة التالية والاجراءات العملية لتنفيذ الفكرة على أرض الواقع الميداني. وقبل الخوض في خطوات وإجراءات مرحلة التنفيذ وتطبيق العمل الميداني، فإنه من المفيد ذكر بعض الاجراءات والعقوبات الرادعة ضد كافة منتهكي حرمة المناطق والمرافق «المهجرة» في الماضي، لإمكانية الاستفادة منها في تجربة الإحياء الجديد للفكرة على نحو معاصر، ولما كان المعتدي أو المنتهِك لحرمة تلك المناطق والمرافق، بمعايير ومقاييس ذلك الزمان الغابر، لابد أن يكون منتمياً إلى قبيلة من القبائل، فقد فرضت القواعد العرفية والقبلية الخاصة بهذا الشأن عقوبات وزواجر لا نظير لها من حيث شدتها وصرامتها وشموليتها، إذ رتبت تلك القواعد على قبيلة المعتدي والمنتهِك مسؤولية مباشرة وواجباً ملزماً لا مناص منه، للتنصل أو التهرب منه بأي حال من الأحوال، وهو إلقاء القبض على المعتدي وتسليمه فوراً للعدالة، وفي حالة تلكؤ القبيلة أو مماطلتها أو رفضها، تقوم كافة القبائل، وكذا الدولة، بفرض طوق محكم وصارم من المقاطعة والحصار الشامل للقبيلة وعدم التعامل معها كُلية ومنع المنتمين لها من الخروج أو الدخول من وإلى القبيلة، وعدم السماح بمرور أي شيء من الاحتياجات والمواد والتجارات والمعاملات كافة، وإذا لم يحقق كل ذلك الهدف المنشود باجبار القبيلة على تسليم المعتدي للعدالة حينها تقوم القبائل الأخرى أو الدولة أو كليهما بحملة عسكرية شاملة لاجتياحها واجبارها بالقوة على الامتثال للحق بعد أن تتكبد من الخسائر والويلات الناتجة عن مكوث أعداد هائلة من المهاجمين بين ظهرانيها وتحمل نفقات اطعامهم وإيوائهم، ودفع غرامات كبيرة بسبب عنادها واصرارها على عدم الامتثال للحق!! وهكذا صار معلوماً بيقين لدى الجميع أن ما من أحد بمقدوره النجاة أو الافلات من العقاب إذا ارتكب عدواناً أو إثماً بأي حال من الأحوال… على أنه في حالة اعلان قبيلة المعتدي صراحة وعلانية أنها تتبرأ نهائياً من ابنها المعتدي وتنبذه من صفوفها وتهدر دمه، حينها لا تتعرض القبيلة لأي أذى، كما أنه يستحيل تماماً على أي قبيلة أن تقبل ذلك المعتدي وتبسط عليه حمايتها تحت قواعد «الاخاء» أو «الرباعة» لأن الأعراف تقضي بأن لا رباعة ولا مؤاخاة ولا حماية لمجرم نبذته قبيلته، وهكذا كانت الجرائم والاعتداءات تتقلص كثيراً وتكاد تنعدم لأن العواقب جداً وخيمة ومهلكة، وفي حالات محدودة كانت “قواعد الأعراف القبيلة” في حالة بما يسمى اليوم «ارهاب الدولة» المتمثل بايقاع الظلم وممارسة القمع والاضطهاد والتعسف ضد أي انسان اضطر إلى الاحتماء بقبيلة، خوفاً على حياته وحقوقه، فإن القبيلة هنا تلجأ إلى محاججة الدولة ومناقشتها واستعراض حالة من تحميه القبيلة، فإن كان عليه حق للدولة باين وواضح تلتزم القبيلة بالوفاء به، وان تبين ان ذلك الانسان مظلوم ومستضعف ومقهور من الدولة بدون وجه حق فالقبيلة تسعى بقوة الحق لإنصافه وإعادة حقوقه وازاحة الظلم عنه، وكانت الدولة في ذلك الزمان، عادة ما تعود عن الخطأ وتتراجع عن مظالمها ضد أي انسان دون أن تأخذها العزة بالإثم. في ضوء ما سبق نعود إلى مناقشة خطوات المرحلة التنفيذية واجراءاتها العملية لإقامة مشروع وفكرة «الملاذات الآمنة» على أرض الواقع.. فنقول بأن المجتمع الدولي، استناداً إلى ميثاق الأمم والمعاهدات والاتفاقيات والقوانين الدولية المرعية، تقع على عاتقه مسؤولية حماية المضطهدين والمقموعين والملاحقين والخائفين على حياتهم والمنتهكة حقوقهم الطبيعية وحرياتهم السياسية والثقافية واستيعابهم كلاجئين سياسيين أو انسانيين في الدول والمجتمعات الأوروبية وأمريكا وكندا وغيرها، وهذا يحملها أعباء ونفقات مالية هائلة، اضافة إلى المشاكل الاجتماعية والثقافية التي قد تتعرض لها البلدان المؤوية لهؤلاء اللاجئين، ومما لا شك أن اقامة «الملاذات الآمنة» وخاصة في اليمن من شأنه أن يخفف إلى حد كبير تلك الأعباء المالية والمشاكل الناتجة عن تزايد أعداد طالبي اللجوء –بشقيه- على نحو متسع باستمرار، وكل ما هو مطلوب –تقريباً- إقامة مساكن ايواء جاهزة وقليلة التكلفة في تلك الملاذات الآمنة، كمجمعات سكنية ملحق بها مرافق تعليمية وصحية وثقافية ورياضية لأبناء وأسر قاطني تلك الملاذات، مع توفير وسائل الاتصال الحديثة عبر «الانترنت» ليتمكن من في تلك الملاذات من ايصال ونشرآرائهم وأفكارهم ومعتقداتهم بحرية وأمان، مع منح من يحتاج إلى المساعدة من اللاجئين إلى تلك الملاذات إعانات مالية في الحدود الدنيا لتدبير معيشتهم بشكل معقول،وطبيعي أن تكون اجراءات وشروط وتفحص طلبات اللجوء إلى تلك الملاذات وقبولها أو رفضها مماثلاً لما هو قائم في الدول الديمقراطية الغربية حالياً فيما يتعلق بالتعامل مع طلبات اللجوء. وإلى جانب ما توفره “قاعدة العرف القبلي” المشار إليها آنفاً والمتعلقة بضمانات وترتيبات حماية وحرمة أماكن تلك الملاذات الآمنة المقترحة في مواجهة ما قد تتعرض له من اعتداءات وانتهاكات سواء من قبل القبائل نفسها وهئ مستبعدة في الغالب الأعم، أو من قبل الدولة وأجهزتها وأساليبها ووسائلها الجهنمية والخطيرة والخفية، وهي الأكثر توقعاً، فإن اعتبار تلك الملاذات الآمنة أماكن تتمتع بحماية وحصانة الأمم المتحدة، ورفع علم الأمم المتحدة عليها، واخضاع إداراتها لاشرافها ورقابتها العامة، من شأنه ان يساهم مساهمة حاسمة في إزالة أية مخاوف وشكوك من احتمالات تعرضها للعدوان أو الانتهاك من قبل أي جهة كانت، ويبسط عليها وفيها أجواء الأمن والآمان والاطمئنان الكامل، ذلك إن حدوث أي من تلك الاعتداءات والانتهاكات في ظل تلك الحصانة الدبلوماسية للأمم المتحدة، وخاصة من قبل أجهزة الدولة ومؤسساتها، إن ركبت رأسها يوماً وتجرأت على مثل تلك الممارسات، كفيل بدفع المجتمع الدولي إلى اتخاذ اجراءات رادعة وصارمة بما في ذلك فرض عقوبات دولية تتصاعد وتتسع باستمرار بتصاعد تلك الاعتداءات والانتهاكات المرفوضة، وهو ما لا تستطيع كثير من الأنظمة القمعية الحاكمة في بلدان العالم الثالث تحمل الآثار والتبعات المترتبة عليها والصمود أمام نتائجها المدمرة. وتبقى بعد ذلك، قضيه اجرائية تكتسب قدراً من الأهمية تتعلق بكيفية توفير الضمانات اللازمة لحماية الساعي إلى طلب اللجوء إلى تلك الملاذات الآمنة في بلده قبل أن تفتك به وتتصيده سلطات حكومة بلده القمعية الديكتاتورية، وهو يغذي السير وصولاً إلى حمى تلك الملاذات الآمنة ؟ في الواقع إن ذلك ممكن بإحدى وسيلتين أو بكلتاهما، فإما أن يتجه بخطوته الأولى إلى مكاتب الأمم المتحدة حيث وجدت سواء في العاصمة أو أي مدينة أخرى من مدن بلاده، ويعلن طلبه باللجوء إلى الملاذات الآمنة وبمجرد قيامه بهذه الخطوة يعتبر متمتعاً بالحماية من قبل الأمم المتحدة إلى أن يتخذ القرار بشأن طلبه قبولاً أو رفضاً، وفي حالة تعذر ذلك لوجوده في مدينة من المدن البعيدة عن العاصمة او الملاذات، يكفي أن يعلن عن طلبه اللجوء إلى تلك الملاذات في صحيفة أو وسيلة إعلامية ممكنة، أو بإمكانه أيضاً ارسال خطاب إلى مكتب الأمم المتحدة في العاصمة أو إدراة الملاذات الآمنة يعلن فيه تقديم طلبه باللجوء، ليصبح متمتعاً بحماية الأمم المتحدة، مؤقتاً، إلى حين البت في قبول أو رفض طلبه، حيث ينبغي لهذه المكاتب التابعة للأمم المتحدة اشعار السلطات الحكومية المختصة فوراً بأن الشخص المعنى أصبح يحضى مؤقتاً بحماية الأمم المتحدة إلى حين تقرير مصيره… وفي كل الحالات فان الأمم المتحدة ومكاتبها المختصة تقع عليها مسئولية اخلاقية جسيمة في ضرورة التحري الدقيق والفحص المتعمق والدراسة الشاملة لأوضاع وأحوال الموظفين المحليين الذين ستوظفهم في هذه المهمة الانسانية الحساسة، وللتأكد تماماً من عدم ارتباطهم، سراً، أو تعاملهم أو التأثير عليهم من قبل الاجهزة الاستخباراتية التابعة لحكوماتهم، فلا يفشون اسراراً وخصوصية عملهم ومهامهم الى تلك الجهات، او تعمد عرقلة وعدم اتمام معاملات البعض نتيجة خضوعهم لتأثيرات وتوجيهات تلك الأجهزة الاستخباراتية فيلحقون أفدح الأضرار لبعض طالبي اللجوء ويعرضون حياتهم لمخاطر جسيمة، الذي يصبح حاله حينها، كالمستجير من الرمضاء بالنار، والواقع ان مثل تلك الاختراقات الاستخباراتية لبعض موظفي ومسئولي مكاتب شئون اللاجئين من الأشخاص المحليين وعملهم معها ولصالحها، طوعاً أو كرها، ملحوظة في بعض الدول في العالم الثالث. لقد حاولنا عبر هذه الدراسة وذات الأربع الحلقات، طرح بعض صيغ الحلول لبعض مشاكل وأزمات واقعنا الراهن، وباسلوب ومضامين معاصرة، تراعي تطورات الحياة ومستجداتها ومتطلباتها، عبر عملية غوص في خصوصيات الواقع اليمني ومكوناته الحضارية والثقافية والاجتماعية وتراكم خبراته وتجاربه طوال مسيرته التاريخية الممتدة منذ قرون زمنية طويلة في مفاعلة حية ونشطة بين الانسان والتاريخ والواقع المعاش. إن ما يضفي أهمية خاصة لهذه الصيغ والمعالجات المعاصرة المستندة والمستمدة من تراث وثقافة موغلة في القدم، كونها على صلة وتواصل مع ثقافة وعادات وتقاليد ومسلكيات لا تزال حية ومؤثرة وفاعلة حتى وقتنا الراهن، ومؤسسة على جذور ضاربة في عمق الواقع اليمني وفي محددات ومكونات عقلية وسلوكيات الفرد والمجتمع، وليست منبتة الصلة به أو وافدة عليه من تجارب وخبرات شعوب ومجتمعات أخرى لها سياساتها وظروفها وبيئتها المختلفة تاريخياً وسياسياً وثقافياً، يمكن أن نستفيد منها، بالتأكيد، ونستخلص من نتاجاتها ومعطياتها ما نراه مناسباً لواقعنا وبيئتنا دون محاكاة أو نقل حرفي أو تكرار كلي لها… وسواء أحالفنا التوفيق في محاولتنا هذه أو جانبنا، فحسبنا طرحها لتحليلات ونقاشات ودراسات متخصصة متعمقة، فقناعتنا راسخة بأنها جديرة حقا، بكل ذلك في مرحلة خطيرة وحساسة للغاية يعيشها شعبنا، تتطلب بالحاح، ابتكار، وبلورة حلول عملية فاعلة لمشاكلنا وأزماتنا الوطنية العاصفة وما أكثرها. شيفيلد – بريطانيا– 19/7/2010