( صحيفةالوحدوي  ) في تعليق سياسي بثته اذاعة ( صوت أمريكا ) العربية مساء الاثنين 31 ديسمبر ويعبر عن الموقف الرسمي للحكومة الأمريكية، كما تؤكد الإذاعة عادة على ذلك قبل قراءة ذلك التعليق، للفت انتباه السامع الى حيادية ما بثته الإذاعة من برامج وتحليلات وأخبار غير ذلك التعليق ( غير المحايد ) أشار ذلك التعليق الى قضية مضمونها أن الإرهاب بجميع اشكاله وصوره مرفوض مهما كان مبرره وسببه وبواعثه ودواعيه ، وأن من قبل اية دولة في العالم في مواجهة الإرهابغير مقبول ومرفوض تماما. وهذا الكلام يمكن أن يكون مقبولاً من الناحية النظرية ، رغم غموضيته المطاطة الى اقصى حد في حالة وجود تعريف دولي للإرهاب يحدد ماهيته وصوره وأشكاله ، وقيام آلية دولية ، متفق عليها ، للتحقيق وإصدار أحكام بشأن الفعل الإرهابي ومرتكبيه وداعميه ، وتقديمهم للعدالة الدولية لينالوا الجزاء العادل الرادع جراء أعمالهم الإجرامية.   لكن ما يجري على الواقع العملي منذ الأحداث الإرهابية التي تعرضت لها الولايات المتحدة الأمريكية في 11 سبتمبر الماضي، يبعث على القلق والفزع العميق من تحول قضية مكافحة الإرهاب عالمياً من قضية هامة وخطيرة وعادلة الى ذريعة ومبرر لتصفية حسابات وخدمة أهداف ومصالح سياسية، خاصة بهذه الدولة او تلك، حيث تشير الدلائل والشواهد والأحداث التي يشهدها العالم منذ اليوم المشؤوم وحتى هذه اللحظة، الى ان القضية باتت توَظف وتُستغل، على نطاق غير معهود، لأغراض وأهداف ومصالح سياسية تماماً، فقد أخذت أمريكا على عاتقها ومسؤوليتها وحدها، جميع الادوار المفترضة ازاء قضية بالغة الحساسية تهم العالم اجمع، كقضية محاربة الإرهاب والقضاء عليه، فهي الضحية والمعتدى عليه، وهي الخصم والحكم، وهي القاتل والمقتول، وهي جهة الضبط البوليسي وجهة التحقيق وجهة الحُكم، أي بعبارة اخرى هي رجل الشرطة ورجل التحقيق ورجل الإدعاء والقاضي والمُنفذ، وعلى دول العالم كافة ومؤسساته المالية والاقتصادية والامنية والعسكرية، أن تُنفذ ما تقرره أمريكا تنفيذاً فورياً وكاملاً، وبدون حياد، وإلا وضعت نفسها تلقائياً في خانة الإرهاب، أودعمه وتشجيعه في احسن الأحوال، وأغرقت أمريكا العالم بقوائم لانهاية لها، و((فرمانات )) تضم ارهابيين أو داعمين للإرهاب، من بينها دول ومنظمات وحركات وأحزاب وشركات مالية واقتصادية وجمعيات خيرية انسانية وأفراد، غالبيتها الساحقة لها صلة بأي شيء اسمه اسلام ومسلمون، هذا ان لم يكن جميعها تقريباً، ووصلت تلك القوائم الى حد شملت فيه باعة العسل مخلوطاً بالحبة السوداء والثوم، العاملين هنا في اليمن! ليس هذا فحسب، بل أنها جعلت تلك القوائم مرنة جدا ومفتوحة قابلة للإضافة والتوسيع حسب مقتضى الحال.. ومما يؤكد الاعتبارات السياسية الكامنة خلف ما تضمنته تلك القوائم،أنها شملت ــ اذا استثنينا باعة العسل والحبة السوداء والثوم في اليمن ــ حركات ومنظمات تحررية تخوض نضالاً مشروعاً ضد قوات إستعمارية مسلحة محتلة لأوطانها بالقوة الغاشمة، مثل (حزب الله) في لبنان، وحركتي (حماس والجهاد) الفلسطينيتين،بالإضافة الى الحركات الفلسطينية الاخرى، كالجبهة الديمقراطية ،والشعبية، والقيادة العامة، وغيرها من المنظمات الفلسطينية التي تتهم أمريكا سوريا بايوائها وتشجيعها، ودخلت السلطة الوطنية الفلسطينية، أو كادت ، مؤخرا، ضمن القوى الارهابية، لأنها لم تقم بواجبها، أو بعبارة أدق ـ حسب تعبير الرئيس الأمريكي بوش ـ لم تعمل ما فيه الكفاية لمحاربة الإرهاب، أي أنها لم تقم بواجبها في السهر على حماية أمن واطمئنان وراحة بال الاسرائيليين، ولم نسمع أية (( فتوى )) من أمريكا توضح لنا في أي بند أو تصنيف تضع فيه قيام القوات الإسرائيلية المحتلة بقتل وجرح وتشريد الآلآف من الاطفال والمدنيين الفلسطينيين، وتهديم منازلهم وتجريف أراضيهم الزراعية، وفرض الحصار الكلي عليهم، كما لم توضح لنا أسباب عدم تنفيذ قرارات الشرعية الدولية بشأن فلسطين منذ عام 1947م وحتى اليوم؟ ومؤخراً استضافت القائمة الأمريكية الحركات الكشميرية التي تناضل من أجل قضيتها في الحرية. ومعلوم أن قضية اقليم كشمير المقسم بين الهند والباكستان، صدرت بشأنها قرارات من قبل الامم المتحدة التي تجاهلتها أمريكا، وأصدرت حكمها على الباكستان بوجوب قيامها باعتقال وتصفية تلك الحركات الارهابية بالعين الأمريكية. ولقد قلدت الهند في تصعيدها للتوتر مع الباكستان الأسلوب الأمريكي تقليداً حرفياً وكاملاً، فهي ـ أي الهند ـ ليس عليها الا ان تصدر حُكمها وعلى الباكستان ان تنفذه دون تقديم الآدلة والبراهين الموجبة لذلك (( وما حد أحسن من حد))، فمنطق القوة وشريعة الغاب أصبح هو الحكم الفصل في العلاقات بين الدول وفقاً للنموذج الأمريكي (( القدوة)). وفي نفس يوم اذاعة التعليق السياسي من (( صوت أمريكا)) المشار اليه في مطلع الحديث، ولأن أمريكا، كما يبدو، فشلت في ايجاد مبرر أوذريعة توجه بموجبها الإتهام لإيران بالضلوع في (( صرعة)) أو(( موضة)) الإرهاب السائد اليوم في العالم، بثت وسائل الإعلام الأمريكية نفسها تقريراً لمصادر استخباراتية أمريكية تقول فيه انه جرت اتصالات، من بُعد ، بين تنظيم القاعدة ومسؤولين في أجهزة الاستخبارات الايرانية في الماضي، واُتفق على لقاء مع زعيم القاعدة ومسؤلين ايرانيين، يعقد في أفغانستان. هذا كان قبل زمن من أحداث 11سبتمبر ، ولكن أجهزة الإستخبارات الأمريكية ليست متأكدة تماماً من أن ذلك اللقاء قد تم بالفعل أم لا ؟ ومعلوم للجميع أن أجهزة المخابرات في أيه دولة من دول العالم ، لها كل الصلاحيات في اجراء اتصالات ولقاءات مع من ترى, حتى مع اعداء دولها , بغرض الحصول على المعلومات, ولست ادري ما اذا كان متاحاً في يومنا هذا لأي انسان ان يوجه سؤالاًـ مجرد سؤال ـ الى اجهزة المخابرات الأمريكية , دون ان تُلصق به تهمة الإرهاب , او على الأقل دعمه, يسأل تلك الاجهزة عن سلسلة الإتصالات واللقاءات الطويلة العريضة مع قيادات ومؤسسي تنظيم القاعدة وحركة طالبان , وسائر الحركات والمنظمات الاسلامية التي كانت تقوم بأعمال إرهابية ومجازر دموية ضد حكوماتها منذ سنوات مضت, وهي كلها اصبحت اليوم تتصدر قائمة الإرهاب الأمريكية , ولا يُستبعد ان تكون تلك الاتصالات قائمة حتى اليوم ! ونسمع ونرى يوماً بعد يوم عن الأعداد الواسعة من العجزة والمعوزين والفقراء والايتام والمشردين الذين حُرموا من مساعدات خيرية انسانية كانت تقدم لهم عبر مؤسسات وجمعيات خيرية انسانية في مختلف انحاء العالم الإسلامي , بسبب الإستجابة والطاعة العمياء للأوامر والأحكام الأمريكية من قِبل مختلف دول ومؤسسات العالم المالية والاقتصادية , باعتبارها مؤسسات وجمعيات إرهابية او داعمة للإرهاب . وهل يُعقل ان يكون الإرهابي انسانياً وعطوفاً يُقدم خدمات ومساعدات انسانية للمحتاجين ؟! واذا كان المسؤولون الأمريكيون قد اغلقوا تلك المؤسسات والجمعيات الخيرية والانسانية , وجمدوا اموالها وانشطتها , الم يشعروا للحظة واحدة اويفكروا بمصير الأعداد البشرية الهائلة الذين لا يجدون ما يعينهم على البقاء أحياء ؟ وهل فكرت الادارة الأمريكية وانشأت الاشكال والبدائل الانسانية غير الإرهابية بمساعدة اولئك الجموع ؟! ان الدول ومسؤوليها الذين يستجيبون وينفذون الرغبات الأمريكية اليوم بشكل اعمى ,وبدون نقاش, سوف يجدون انفسهم غداً يُنفذون , دون نقاش , ماهو اكبر واخطر بكثير , عملاً بالعادة او العرف الذي قبلوا به اسلوب معتمد في التعامل بين الدول ,وسينهون انفسهم بانفسهم , وبنفس السلاح الذي ظنوا انه حاميهم وضامن استمرارهم . أما الولايات المتحدة الأمريكية، ومن منطلق ايماننا بأهميتها وضرورتها باعتبارها القوة العالمية الأعظم لخير البشرية والحضارة الانسانية، فإننا نهمس في أذنيها ناصحين وحريصين في وقت واحد، فنقول لها أن بمقدورها بلحظة واحدة أن تُدمر العالم وتُنهي الجنس البشري من الأرض تماماً، ولكن ذلك ليس هو دورها التاريخي يقيناً، الذي يتمحور في كونها قوة مركزية عالمية تتحمل مسؤولية عقلنة وترشيد الأداء الحضاري الإنساني، رقياً وتقدماً ورفاهية وسلاماً.. وينبغي عليها أن تُدرك، وهي مدركة بدون شك، أن القوة المسلحة، مهما بلغ جبروتها وقدرتها على التدمير الشامل والكامل، ليست هي الوسيلة الوحيدة القادرة على ضرب الإرهاب واجتثاثه من جذوره، بل إن الاعتماد على القوة وحدها لن تكون نتيجته سوى تقوية الإرهاب وتوسيع نطاقه وتجدد وسائله وصوره، في ظل عالم يشهد تحولاً تاريخياً شاملاً وجذرياً، سيفرز، كنتيجة حتمية، العديد والعديد من المشكلات والأزمات الرهيبة التي ستؤثر بعمق على الإنسان في العالم كله،وليس فقط على مستوى الدول المتخلفة، وعلى رأسها ،وفي المقدمة منها، مشكلات الفقر والبطالة والجوع، وتلك هي التربة المثالية الصالحة لنمو الإرهاب واستفحاله واتساع نطاقه وتعدد وتنوع صوره وأساليبه وتقنياته. وقد تكون القوة العسكرية قادرة ـ إن ارادت ـ أن تزيل أفغانستان وأمثالها من الوجود، ولكن من يضمن لأمريكا الا يظهر الإرهاب بعد ذلك بقرونه الشيطانية وعلومه التكنولوجية المتطورة ، من داخل أمريكا نفسها أو أوروبا أو غيرها من الدول المتقدمة صناعياً، بأسباب ودوافع مختلفة ، ولغايات وأهداف لم تكن لتخطر على بال ؟! ولهذا فان الحرب ضد الارهاب في العالم، ولكي تحقق كامل أهدافها، ينبغي أن تكون حرباً شاملة متكاملة في شتى المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية ، والعلاقات الدولية القائمة على الحق والعدل والإنصاف، تتأسس على جهد عالمي متناسق ومتعاضد، وفي ضوء خطط وبرامج ومعالجات علمية مدروسة ومتعمقة بآفق عالمي شمولي !ذلك أن انفراد وتفرد دولة لوحدها في تقرير مصيرالعالم، مهما امتلكت من الضوابط والكوابح القيمية والثقافية، لابد أن يُفضي بها حتماً الى الطغيان والجبروت على حساب سيادة وتحكيم المثل والقيم والأخلاقيات الإنسانية الحضارية في تنظيم علاقات البشر بعضهم ببعض. حينها سوف نجد أن جميع الشعوب بمختلف أعراقهم ودياناتهم وثقافاتهم ودولهم، يقفون جميعاً في صف واحد موحد متماسك ومتحمس لمحاربة واستئصال كافة أشكال الإرهاب وصوره، لأن طبيعة الإرهاب أنه مُدمر وحاقد وغير سوي، ولا يستثني أحدا، وإن اختلف توقيت الإستهداف من واحد لآخر. وعندما لا يجد الإرهاب ما يُدمره يتجه حتماً لتدمير نفسه، والناس الأسوياء يَنفرون بالفطرة والغريزة من طبيعة الإرهاب ودمويته وبشاعته، ويتجهون عادة الى الخير والوئام والتقدم والسلام. ذلك هو السبيل والوسيلة المثلى التي لانرى أنجح منها، اذا أراد العالم ـ حقاً ـ محاربة الإرهاب واجتثاث جذوره واستئصاله من عالم الألفية الثالثة ، وهو ما نراه ونأمل أن يتخذه العالم سبيلا.   

By Editor