الحلقة الثالثة
في الحلقة الماضية من هذه الدارسة أوضحنا بصورة غاية في الإيجاز معالم أساسية لواقع التدهور والتردي العام لأوضاع البلاد المختلفة والتي تنذر في حالة استمرارها بكارثة وطنية محققة وهو وضع ظل قائماً منذ عقود مضت وحتى الآن باستثناءات نادرة وقصيرة جداً من الناحية الزمنية وحددنا في ختامها موضوع الحديث في هذه الحلقة حول الخصوصية اليمنية تاريخياً وإشكالية الرئاسة أو المرجعية العليا للبلاد وتصور حلها . والحقيقة أن اليمن منذ قيام ثورة 26 سبتمبر 1962م وإعلان النظام الجمهوري فيها لم تشهد هدوءاً واستقراراً حقيقياً ممتداً يمكنه ويؤهله للانطلاق بكل طاقاته وإمكانياته وقواه نحو تحقيق تقدم ونهضة شاملة تكفل قدراً معقولاً من الازدهار والرفاهية للشعب باستثناء فترة قصيرة عابرة مدتها ثلاث سنوات فقط هي عهد الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي الذي بشر وأكد على مشروع حقيقي وجاد وواع نحو ذلك الهدف وفيما عدا ذلك فإن عقوداً أربعة من الزمان سادتها ستة من العهود السياسية في الحكم تقريباً بما فيها عهد الوحدة في 22مايو 1990م ، شهدت سلسلة من الخلافات والصراعات والانقسامات والتوترات والقلاقل والتصفيات الدموية والحروب الداخلية بين فترة وأخرى وبمختلف أثارها وإفرازاتها ونتائجها التي تجعل البلاد تعيش في الغالب الأعم أجواء من الاضطراب والفوضى والتسيب والفساد والانفلات على نحو متسع وتصاعدي . فما هي العوامل والأسباب الحقيقية التي تجعل بلادنا تعيش وضعاً كهذا ؟! لا شك أن هناك خللاً جوهرياً رئيسياً يكمن خلف حالة الاضطراب وعدم الاستقرار والتعثرات المتواصلة يوجب على جميع الوطنيين المخلصين بذل جهود مكثفة وجادة من البحث والدراسة والتحليل لاكتشافه وتحديده وتشخيصه والعمل على تجاوزه واستئصاله . وفي اعتقادي أن النظام الجمهوري الذي إقامته ثورة 26سبتمبر عام 1962م في شمال الوطن وكذا النظام المماثل الذي قام عقب انتصار ثورة التحرر من الاستعمار البريطاني في 30نوفمبر 1967في جنوب الوطن على تعاقب السلطات الحاكمة فيهما لم تتوفر لهما المقدرة على دراسة واستيعاب تاريخنا الوطني وطبيعة مكوناته وخصائصه الحضارية والثقافية والسياسية والاجتماعية عبر مختلف مراحله والتي تمثل هويته ومزاجه وعاداته وتقاليده المتراكمة منذ قرون قديمة والضاربة بجذورها ومؤثراتها عميقاً في أرض الواقع والوجدان والتفكير والعقلية الفردية والجمعية لليمنيين ولهذا جاءت أساليب ومضامين وسياسات نظم الحكم ورؤى وبرامج المثقفين والأحزاب غريبة عن الواقع ومفارقة له وانعدمت أو كادت إمكانيتها على إحداث التأثير التغييري الإيجابي والفعال والواسع في بناه وأوضاعه وعجزت إلى حد ما في قيادة حركة المجتمع نحو المستقبل المنشود . فلقد جاءت السلطات الحاكمة منذ ثورة 26سبتمبر 1962م وحتى اليوم تقريباً إلى حكم البلاد عبر انقلابات عسكرية وبقوة السلاح والغلبة وفرضت سيطرتها وطبقت سياساتها وعملت على ضمان استمرارها في الحكم باستخدام قوة الجيش ولغة السلاح والأحكام العرفية ولم تعمل على فتح قنوات حوار وتفاهم وتشاور مع الشعب وقواه الفاعلة ورموزه البارزة للوصول معها إلى صيغة تحقق مشاركتها وإشراكها في أعباء ومهام ومسئوليات الحكم والإدارة ، وراحت بدلاً عن ذلك تستميل شخصيات وأفراداً ضعفاء غير مؤثرين مستبعدة الشخصيات والقيادات والرموز القوية وذات الشعبية والتأثير وتوظف المال العام وامتيازات الدولة لذلك الغرض على نحو غير مشروع ، وبالغت في إصدار التشريعات وتنفيذ سياسات واتخاذ إجراءات لإقامة سلطة مفرطة في المركزية وجعلت من (المركز) العاصمة هو كل الدولة تقريباً . لقد كانت اليمن ومنذ أقدم عصور التاريخ ، قبل الإسلام ، وبعده ، وباعتبارها بلداً ذا طبيعة قبلية عشائرية عادة ما تكون من عدة مخاليف أو مقاطعات أو إمارات كبيرة تقوم كل منها على أسس من الانتماء والروابط النسبية بقبيلة أو مجموعة قبائل ترتبط بتحالف أو اتحاد قبلي أكبر ، وكل مخلاف يتمتع بقدر من الاستقلالية في إدارة شئونه من خلال مجالس تمثل كبار القوم ورؤسائهم مثل الأقيال أو المكاربة أو الأذواء من الأدنى إلى الأعلى وهذه المجالس تختار من بين أقواها وأقدرها ليكون قيلاً لأقيال أو (الملك الأعظم) وكان كبير كل مخلاف من المخاليف يسمى أيضاً (ملك) ولم يكن (الملك الأكبر) للبلاد صاحب حق وسلطان مطلق في إدارة شئون الدولة كما يريد في عصور دولة معين وحمير وسبأ وغيرها ، بل كانوا ملزمين بالتشاور وأخذ آراء ومقترحات الأقيال والأذواء وسادات القبائل والمواطنين وكبار رجال الدين قبل اتخاذ أي قرار كما كانوا يأخذون آراء ومقترحات المعابد ومجالس (المسود) والجمعيات وأصحاب الحرف والعمل ولا يتدخلون في شئون وإدارة المخاليف إلا في حالات استثنائية طارئة وعبر ملوكها ومجالسها على خلاف تام مع حكم الملوك في الممالك التي قامت في بابل وأشور وإيران ومصر ولهذا وفي أواخر حكم ملوك سبأ وذو ريدان وحضرموت عندما قاموا بإلغاء ذلك الحكم (الديمقراطي ) اللا مركزي واتجهوا إلى فرض مركزية ونفوذ وسيطرة المركز تفجرت الثورات والتمردات والاضطرابات في عموم البلاد مما مهد وفتح المجال لدخول الأحباش اليمن وسيطرتهم عليه .. وعلى ذات النظام الديمقراطي اللامركزي سارت الأعراف والتقاليد والتشكيلات القبلية فهناك عادة قبيلة كبيرة تنقسم إلى قبائل أو (فخوذ) متفرعة عنها ، وهناك (أتحاد قبلي أكبر) يتكون من عدة قبائل متحالفة تربطها عوامل النسب أو القرب إلخ ، ولكل قبيلة فرعية شيخ يمنحه أبناء قبيلته (المشيخة) ومجموع مشايخ القبائل الفرعية يختارون شيخ مشايخ للقبيلة الأكبر ومجموع مشايخ القبائل الأصلية والفرعية يختارون (مراغة) وهي مرتبة أعلى من شيخ المشايخ يكون مرجعاً للقبائل المتحدة في إطار أوسع ، وهكذا وفي ظل هذه التركيبة والعلاقات القبلية يسود اقتناع عام وقوي وراسخ يتمثل في تمسك كل قبيلة وكل قسم أو فرع من فروعها المختلفة بمبدأ التماثل والمساواة والندية في العلاقات والمعاملات القبلية بما في ذلك عملية اختيار الشيخ في القبيلة ولهذا نجد أن المشايخ الذين يتولون (المشيخة) على عدد من القبائل وفروعها يحجمون عادة ويترددون عن اختيار (شيخ مشايخ) مستندين في ذلك إلى مبدأ (الندية)في العلاقات والإيمان بأن لا أحدا أفضل من أحد وهو ما جعل القبائل تتجه (غالباً) إلى اختيار مشايخ لها ممن لا ينتمون أصلاً إليها بل هم قادمون من قبائل أخرى حتى لا يكونوا سبباً في الانحياز إلى الفرع المنتمين إليه أو العمل على تقويتهم على حساب الآخرين من أبناء القبيلة ومن هنا جاءت فكرة (التهجير) في العرف القبلي حيث تم (تهجير) المشايخ من قبل القبيلة كلها بمعنى إعطاؤهم مكانة خاصة واحتراماً وتقديراً وتأمينهم وحمايتهم ضماناً لحياديتهم وعدم انحيازهم لفرد أو فئة داخل القبيلة وليصبحوا حكماً ومرجعاً نزيهاً في فض المنازعات والصراعات يحرم الإساءة أو التعدي عليه أو على منزله وأملاكه . غير أن الشيخ الذي اختاره مشايخ القبيلة بالتراضي ليكون (شيخ مشايخ) للقبيلة لا يحق له أن يتدخل في شئون القبائل الفرعية ومشايخها وليس له أن يصدر أوامر أو يفرضها على بقية مشايخ القبيلة بل هو ملزم على التشاور معهم وآخذ آراءهم ومقترحاتهم وموافقتهم في كل الأمور والقضايا العامة والخاصة المتعلقة بالقبيلة كلها ، ولا يستطيع أي شيخ كبير أم صغير أن يقرر شيئاً أو يعطي وعداً أو التزاماً في أي قضية ولا أن يقبل بأي مقترح أو حل في أي شيء يتعلق بالقبيلة دون أخذ موافقة أبناء القبيلة مسبقاً إما من خلال اجتماع عام لكل أفراد القبيلة أو عن طريق ممثليهم ومشايخهم وكبرائهم أي أن (المشيخة) تتوارث في كثير من الأحيان إلا أنها تسقط وتعتبر باطلة وملغية في حالة عجز الشيخ أو ممارسته للظلم أو الاستئثار أو الخروج عن أعراف وتقاليد القبيلة وبعبارة أخرى فإنه في ظل مجتمع قبلي عشائري فإن القبائل لا يمكن بحال من الأحوال أن توافق أو تقبل بأن تكون تحت حكم قبيلة معينة أو أن يكون الحاكم قبيلي غرام منها ، ولهذا اتجهت القبائل اليمنية الكبرى التي ظلت تعيش اقتتالاً وحروباً لسنوات طويلة في اليمن ، إلى الإمام الهادي يحيى بن الحسين عليه السلام قبل أكثر من ألف ومائتي عام طالبة إليه المجيء وتولي الحكم في اليمن باعتباره لا ينتمي إلى أية قبيلة من القبائل أو ما يعرف بالمصطلحات القبلية (فرع صاف) أي محايد وغير منحاز وكان مجيئه ومن بعده حلاً تاريخياً لمعضلة يمنية مستعصية حيث شهدت البلاد هدوءاً واستقراراً وأمناً وأماناً لفترات طويلة … ولعل مما له دلالة أن نجد ضمن منظومة الأعراف القبلية المتوارثة قاعدة تقول (الثالث واسطة) بمعنى إذا وجد شخص نفسه بين خصمين وجب عليه التدخل لفض النزاع وإلا اعتبر مقصراً . ويمكننا على ضوء كل ما سبق أن نستلخص النتائج الرئيسية التالية :- 1- إن اليمن كان ، ومنذ أقدم العصور يسير في بنائه لدوله وحضاراته العظيمة على نظم حكم تستند إلى تقاسم أو توزيع حقيقي وواسع للسلطات بين المركز والمخاليف المحلية دون أن يتجه المركز إلى تركيز واحتكار كل السلطات وإلغاء دور الكيانات المحلية أو اتجاه الكيانات المحلية إلى التمرد والاستقلال على المركز والغريب أن طبيعة العلاقة وأسسها ومضامينها المنظمة للمسئوليات والسلطات والمهام بين دولة المركز والكيانات المحلية كانت وفقاً للمفاهيم والمصطلحات العصرية تقف بين نظامي (الفيدرالية) و(الكونفدرالية) ونلاحظ أن اليمن كانت موحدة وقوية ومزدهرة إذا ظل ذلك النظام قائماً ومعمولاً به ، وتتفكك وتضعف وتضطرب إذا نقص ذلك النظام وفرض المركز سيطرته المطلقة وألغى دور الكيانات المحلية في المشاركة والحكم . 2- إن اليمن باعتباره بلداً عشائرياً قبلياً لم يكن يقبل على الإطلاق أن يخضع لدولة حاكمها ينحدر من أي قبيلة أخرى ، وهذه طبيعة المجتمع القبلي العشائري ليس في اليمن فقط بل في أي بلد بنفس التركيبة الاجتماعية ، ولم تقتصر هذه القاعدة الثابتة على شخص حاكم البلاد فحسب ، بل أمتدت لتشمل أيضاً اختيار مشائخها الذين جاءوا في غالبيتهم الساحقة من خارج القبيلة المختارين شيوخاً لها وفقاً لقاعدة تهجير وتكبير وتشييخ مكتوبة وموقعة من رجالات القبيلة . 3- إن الأئمة العلويين الذين دعتهم القبائل اليمنية واختارتهم حكاماً إنما أصبحوا كذلك بناء على وثيقة قاعدة تهجير وتأمير لهم مكتوبة تتضمن شروطاً وواجبات ومسئوليات ومعايير يجب احترامها والتقيد الصارم ببنودها وأحكامها وهي بهذا الشكل أقرب إلى العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم وفي كل الأحوال فيجب أن يكون الشخص (المهجر) سواء كان حاكماً للبلاد أم شيخاً للقبيلة متحلياً ومتصفاً بصفات ومميزات عرف بها وأهمها كرم الأخلاق والشجاعة في الحق ورجاحة العقل وسداد الرأي ونصرة المظلوم وتأمين الخائف وإكرام الضيف والمعاملة المتساوية لجميع من هم تحت مسئوليته دون محاباة أو تحيز أو استئثار إلخ .. والحقيقة إن الشعوب والأمم الحية تجد نفسها وهي تضع المعالجات والحلول الناجحة لأزماتها ومشاكلها مجبرة على أستلهام الجوانب الإيجابية والمشرقة من مخزون موروثها الحضاري التاريخي المتراكم عبر مختلف مراحل تطورها التاريخي منذ أقدم العصور لتسخرها وتوظفها لصلاح مشاريعها وبرامجها الحديثة المعاصرة أو كما قال الفيلسوف الفرنسي (فولتير) إنني أغوص في التاريخ لأوظفه في خدمة التنوير والتحديث وهي مقولة صائبة ودقيقة لأن أي مجتمع لا يستطيع أن يصيغ حلولاً لمشكلات حضارة ومشاريع الانطلاق نحو مستقبله دون أن يستوعب مكوناته وخصائصه المتراكمة عبر التاريخ وإلا كان ينطلق من فراغ ليقفز إلى فراغ . وفيما يتعلق بأوضاع وأزمات وهموم بلادنا فإن علينا أن نعترف وندرك بأن جوهر المشكلة أو الأزمة المستعصية وطنياً يتمثل أو يتمحور أساساً حول قضية (رئاسة الدولة) من حيث طبيعتها ووظيفتها ومسئولياتها وكل ما تعانيه البلاد من تدهور واختلال وفساد وفوضى وانفلات وغير ذلك مما اشرنا إليه سابقاً في الحلقتين السابقتين إنما هي في مجملها نتائج وانعكاسات للمشكلة الجوهرية (الرئاسة) فما أن يصل الرئيس إلى سدة الحكم حتى ينشغل فوراً بترتيب أوضاعه وضمان استمراره في الحكم فيهدر المال العام لكسب الأنصار والموالين وبناء مراكز قوى تحميه ، ويقيم حزباً خاصاً به ويوظف أو يسخر المال العام ومقدرات الدولة وامتيازاتها لصلاح حزبه ، وبالمقابل يوجه أجهزة الدولة ومؤسساتها لتدمير الخصوم وتخريب الأحزاب غير الموالية وشراء الذمم وإفساد الضمائر وإخضاع المعارضين , .. و .. إلى أخره ، وبذلك يصبح رئيس الدولة طرفاً من الأطراف المتنافسة والمتصارعة في عملية تنافس وصراع لا تتوفر لها أبسط مقومات التكافؤ في الفرص والإمكانيات والقدرات وإذا حدث أن أحتدم الصراع والتنافس وتحول إلى مجابهة وحرب أهلية فمن هو (الثالث ) الذي ينبغي أن يكون وسيطاً بحسب أعراف القبائل وقواعدها إذا كان رأس الدولة أحد طرفي ذلك الصراع ؟ وبعدم وجود (الثالث ) الوسيط لا تبقى سوى الكارثة والطوفان المدمر لكل شيء وبأي شيء . إذن لماذا لا نفكر بإدارة حوار وطني شعبي واسع تحت شعار (نحو عقد أجتماعي شعبي) يفضي إلى (تهجير) رئيس الدولة وأسرته ومحله وترئيسه بشكل مفتوح وغير محدد هو من سيأتي بعده من أبنائه وفقاً لشروط والتزامات محددة في قاعدة التهجير والتكبير للطرفين المتعاقدين الشعب ورئيس الدولة عندها فقط يمكننا أن نتطلع بكل أمان وثقة إلى بناء المستقبل المشرق المنشود على أرض وطننا عدلاً ومساواة وتقدماً وإزدهاراًً دون أن تتعثر خطانا وتنتكس أمالنا بفعل التوترات والانقلابات والاضطرابات والفتن والحقيقة أنه لابد لي قبل إنهاء هذه الحلقة أن أشير – التزاماً بمقتضيات الأمانة وإعطاء الحق لصاحبه .. أن هذه الفكرة الجديدة ليست من بنات أفكاري ولكنها فكرة أبدعها وطرحها الأخ القاضي العلامة / محمد بن يحيى السدمي وقد استحسنتها وتلقفتها ورآيت أهمية طرحها للنقاش غير أنه يبقى في الأخير السؤال : لماذا هذه الفكرة وكيف يكمن تطبيقها ؟ وهل يمكن تكييفها وإخراجها وفقاً لأحكام الدستور وكيف ؟ ذلك ما نأمل أن يكون موضوع الحلقة القادمة بإذن الله تعالى ..