يا ارهابيي العالم الشرفاء اتحدوا !

  يبدو من الواضح تماما الآن أن الولايات المتحدة الأمريكية قد حسمت نهائيا خيارها الاستراتيجي والهادف إلى خوض حرب كونية شاملة ومتعددة المجالات والميادين ، بالاعتماد على قوتها العسكرية الجبارة وقانونها ومنطقها، لتأكيد هيمنتها وسيطرتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية والاجتماعية وا لثقافية على كل دول العالم وشعوبه وأممه بدون منافس أو منازع، وبهذا فان أمريكا تدخل الألفية الثالثة من التاريخ الإنساني رافعة راية الحرب وخيار القوة العسكرية عنوانا لتوجهاتها المستقبلية ودورها العالمي لمرحلة القرن الواحد والعشرين من المسيرة الإنسانية على الكوكب الأرضي وانطلقت بخطى حثيثة تعد العدة وتتهيأ وتستعد لهذا الدور بتكييف أوضاعها وسياساتها وتعبئة قواتها وإمكانياتها لخدمة ذلك الخيار الاستراتيجي بالحرب ، وفي هذا السياق أعلنت انسحابها من اتفاقية الحد من التسلح التي وقعتها مع الاتحاد السوفيتي عام 1972 واستانفت برنامج سباق التسلح بدا باحياء مشروع حرب النجوم وضخت مؤخرا مئات المليارات من الدولارات لتعزيز ودعم ميزانية الحرب والتسلح ، ونشرت قوتها العسكرية والإستراتيجية على امتداد الأفق العالمي كله ، ولم تكن الأحداث الإرهابية المأساوية التي وقعت في أمريكا يوم 11ستمبر العام الماضي سوى إشارة إعلان بدء أمريكا لمشروعها الاستراتيجي العالمي على إيقاعات ودقات طبول الحرب وتسيير الجيوش الجرارة وتحويل الأساطيل البحرية والجوية محملة بأحدث ماتختزنه ترسانة أمريكا من أسلحة رهيبة وجبارة ، ناهيك عن ما حشدته الدول الغربية الحليفة لأمريكا معها من جيوش وأسلحة . في البدء أعلنت أمريكا ومعها حلفاؤها بطبيعة الحال ، الحرب على حركة طالبان في أفغانستان التي تؤوي وتحمي ما يسمى بتنظيم القاعدة الذي حملته أمريكا مسؤولية أحداث11ستمبرالإرهابية ، ثم تطور العنوان ليصبح إعلان الحرب على الإرهاب على امتداد العالم ، وأعلنت أمريكا أن من حقها تحديد الإرهابيين وأماكن تواجدهم ومنحت نفسها حقا مطلقا مفتوحا بضرب من تريد وفي المكان الذي تريد من العالم وفي الوقت الذي تريد. ودكت القاذفات الأمريكية العملاقة بالقنابل والصواريخ وأحدث ما أنتجته التكنولوجية الحديثة من أسلحة الفتك والدمار في أفغانستان واختفت حركة طالبان من المسرح الافغاني واختفى معها مايسمى بتنظيم القاعدة وجاءت حكومة جديدة في أفغانستان باختيار أمريكا ورضاها وتحت حرابها ، ولا يزال قصف أفغانستان مستمرا ! وسادت العالم الغربي وفي المقدمة منه أمريكا ، حالة من الهياج والسعار بل وأحيانا الجنون حيث تعرض ألاف كثيرة من ذوي الملامح الشرق أوسطية لأعمال عدائية وتمييزية غير مسبوقة في دول الغرب ، قتلا وضربا وسجنا وإهانة وإخضاعا للتحقيقات، وغير ذلك من الممارسات رغم أن الكثير منهم أصبحوا منذ فترات زمنية متفاوتة مواطنين في تلك الدول ولم يقتصر حال الهياج والسعار الهستيري المجنون أحيانا على دول ومجتمعات العالم الغربي بل امتد تأثيرها ليشمل العالم بأسره تقريبا .. حيث راحت أمريكا في حركة عشوائية واسعة النطاق وعلى نحو غير معهود تاريخيا تطلب وتضغط على مختلف دول العالم باعتقال أشخاص معينين من مواطنيها أو من المقيمين فيها وتسليمهم إليها ، أو تجميد أرصدة أفراد وشركات ومؤسسات مالية وتجارية واقتصادية وجمعيات خيرية ، بل وفرض الحظر على منظمات وأحزاب ذات برامج دينية وغير دينية وتصفيتها واعتقال قياداتها وكوادرها، ووصل الأ مر بأمريكا حدا يجعلها تطلب من بعض دول العالم تغيير مناهجها الدراسية ومضامين سياستها الإعلامية والثقافية بحجة ورودهم ضمن قائمة الإرهاب والإرهابيين أو دعم وتشجيع الإرهاب التي حددتها أمريكا بمفردها، وهي قائمة تدخل فيها أمريكا من تريد أن تدمغهم بالإرهاب أو دعمه على نحو تتزايد فيه أعداد المحكوم عليهم أمريكيا يوما بعد أخر سواء كانوا أفرادا أو منظمات أوشركات أ وجمعيات أو حتى دولا ! وبما أن مسألة الإرهاب والحرب ضد الإرهاب قد كادت أن تصبح أقرب إلى ( النكتة ) أو( الموضة ) وبدأ العالم يدرك على نحو أو آخر، بأن هذا الشعار قد فقد مصداقيته وبات ستارا تتستر خلفه أهداف ومصالح وغايات خاصة بأمريكا وحلفائها الغربيين ، فإن قادة الإدارة الأمريكية شعروا بأن الوقت قد حان لنقلة نوعية في عنوان الحرب وشعارها يتوفر لها قدر من المعقولية وشيء من المصداقية ، ففي الأول من شهر فبراير ظهر الرئيس الأمريكي ووزير دفاعه على العالم ، عبر أجهزة الإعلام المرئي ،بتصريحات تدل دلالات واضحة على طبيعة الفصل الثاني من فصول حرب أمريكا العالمية تأكيدا لخيارها الاستراتيجي الكوني المشار إليه أنفا .. فالرئيس الأمريكي جورج بوش كرر تهديده وتحذيره القوي لكل من إيران والعراق وكوريا الشمالية مؤكدا على ابقاء كل الخيارات مفتوحة أمام بلده في التعامل مع هذه الدول بما فيها استخدام القوة ضدها مشيراإلى سعي هذه الدول لامتلاك أسلحة دمارشامل وهو ما يشكل تهديدا لا من ومصالح أمريكا وحلفائها !! أما وزير دفاعه رونالد رامسفليد فقد زاد الأمر توضيحا وتحديدا فبالإضافة إلى تأكيده لما ورد في تصريح رئيسه فقد أعلن بأن أمريكا تعمل على تأسيس نظام عالمي جديد لا توجد فيه دولة معادية لأمريكا أو أن القوات الأمريكية ستكون مستعدة للنزول والسيطرة على عاصمة العدو وتدمير وإقامة نظام حكم صديق! وكان الرئيس جورج بوش وصف أثناء الكلام في تصريحه الدول الثلاث على أنها تمثل (محور الشر ) هنا انتقلت أمريكا من موقع ( قاض جنائي ) بتحديد الإرهابي وضربه إلى موقع (قاض أخلاقي ) يحدد الأشرار ومن لا يحق له امتلاك أسلحة دمار شامل دون الآخرين ! ولو ألقينا نظرة على محتويات قائمة ( الفيتو ) الأمريكي منذ البداية وحتى الآن فإننا نتذكر سوريا – لبنان – السودان – ليبيا- الصومال –السلطة الوطنية الفلسطينية –العراق – إيران –كوريا الشمالية ، إضافة إلى دول تتعرض لحملات عدائية أمريكية مركزية مثل السعودية – مصر –الجزائر – ا ليمن – الإمارات العربية هذا على صعيد الدول ، أما على صعيد المنظمات والأحزاب فنجد حزب الله اللبناني–المنظمات الفلسطينية جميعها ومنها منظمة فتح- الا تحاد الإسلامي الصومالي – المنظمات الكشميرية –المنظمات الإسلامية الفلبينية وغيرها من المنظمات والأحزاب ، واستبعدنا كلية الأفراد والشركات والبنوك والمؤسسات المالية والتجارية والخيرية وهي كثيرة . وبموجب تصريحات الرئيس الأمريكي الأخيرة ووزير دفاعه يصبح واضحا وجليا أن كل دولة من دول العالم تسعى إلى تطوير قدراتها التسلحية للدفاع عن نفسها وتختلف سياستها وتوجهاتها مع سياسة وتوجهات أمريكا سوف تدخل فورا وتلقائيا ضمن قائمة ( الفيتو ) الأمريكي ولأمريكا كامل الحق والحرية في توجيه ضربة عسكرية وشن حرب عليها منفردة أو مجتمعة وأن تأخر إعلان ضم هذه الدولة أو تلك إلى القائمة فالمسألة لاتعدو كونها مسألة وقت لا أكثر، فالكل داخلها مالم يخضع خضوعا كاملا شاملا للإرادة الأمريكية، بمعنى اخر وبحسب تصريح وزير الدفاع الامريكي فإن الخيار المشروع الاستراتيجي الكوني الأمريكي والذي وضع موضع التنفيذ الميداني الفعلي بعد أحداث 11ستمبر من العام الماضي ، يقوم اساسا على مبدأ استخدام القوة العسكرية للاعتداء على أي دولة من دول العالم ترفض الخضوع والاستسلام التام لإرادة أمريكا ومشيئتها وسياستها . والتدخل المسلح لإسقاط وتغيير أنظمة الحكم لأي دولة من دول العالم تختارها أمريكا ، وهو نهج جديد سيتبع بمعزل وبعيدا عن أي التزامات أو رجوع إلى قواعد القانون الدولي والمواثيق والمعاهدات ومرجعيات الشريعة الدولية القائمة فلقد حسمت أمريكا خيارها وقررت وشرعت بالفعل اسنادا إلى منطق القوة وحدها في تشكيل وبناء وصياغة ما يسمى ب(النظام العالمي الجديد ) أوما يعرف ب(العولمةالكونية ) على نحو انفرادي أحادي مطلق ، ووفقا لرؤيتها وخياراتها وأساليبها وبالتالي سياستها ومصالحها هي وحدها ، ويبدو واضحا من جملة الشواهد والمؤشرات والدلا ئل المستخلصة من معطيات الفصل الأول للخيار الاستراتيجي الأمريكي الكوني هذا والمنفذ بعد أحداث 11ستمبر العام الماضي والمواقف والإجراءات والممارسات الأمريكية إزائها بما في ذلك حربها وتدميرها لأفغانستان والتي اتسمت ولا تزال بطابع مروع من التمييز العنصري الفج، وبروح وحشية وهمجية مخيفة وتجردت عن كل أشكال الإنسانية والمدنية المتحضرة في التعامل مع ضحايا تلك الإجراءات والممارسات والمواقف والحرب الأمريكية ، يبدو من خلال مجمل هذه الشواهد والمؤشرات والدلائل المفزعة أن هذا الخيار أو المشروع الأمريكي الكوني لم يتم بمعزل عن ضوابط القانون والمواثيق والمعاهدات ومرجعيات الشرعية الدولية المتعارف عليها فحسب ، وإنما بالإضافة إلى ذلك سيشرع في تنفيذه على نحو مناقض تماما حتى للنهج الليبرالي والرأسمالي الذي قامت أمريكا على أساسه ووفقا لقيمه ومبادئه وقوانينه وهو ما تفاخر به أمريكا ومعها سائر دول المعسكر الغربي وظلت تسعى إلى جعله نموذجا إنسانيا يسود العالم كله وهنا تكمن الكارثة العظمى عندما تصبح القوة وحدها سيدة الموقف ويدفع الاغترار بالقوة والشعور بجبروتها وعظمتها إلى الاعتماد عليها وحدها واستخدامها على نحو متهور ومجنون لا يقيم وزنا أو اعتبارا للضوابط والروادع والكوابح القيمية والمثل العليا والأخلاق السامية والمضامين الدينية التي تفرمل جموح القوة واندفاعها المجنون ،وتكسبها أبعادها وغاياتها الإنسانية الرفيعة ، إن ا فتقاد القوة لكل هذه الاعتبارات يجعل حصيلتها الوحيدة والحتمية تتمثل في مآسي ومعاناة وعذابات إنسانية لا حد لها بالإضافة إلى دمار حياة الإنسان ومنجزاته الحضارية. إن أمريكا من حقها المشروع أن يكون لها طموحاتها وأحلامها وتطلعاتها في مستقبل أفضل باستمرار، شأنها في ذلك شان أي دولة من دول العالم، شريطة تقيدها بمنظومة المثل والقيم والاعتبارات الأخلاقية والإنسانية التي تضبط مسيرة البشرية وتحدد مساراتها وأهدافها نحو الحق والعدل والمساواة والخير ،وذلك ضمان يحول دون انحراف تلك الطموحات والأحلام والتطلعات في مسارات خاطئة تغير وتتصادم مع طموحات وتطلعات ومصالح الغير أو تسعى إلى الصراع والدمار والكوارث البشرية ، ويوجهها وجهة إيجابية بناءة تقوم على روح التعاون والشراكة والمصالح المتبادلة بما يحقق صالح وخير الجميع .. أما أن تحلم أمريكا بإمكانية تحقيق هيمنتها وسيطرتها على العالم بأسره بالقوة والفرض والقهر والإرهاب فهو ما يستحيل تحقيقه وفقا لقوانين التاريخ وسنن الحياة ، فالله خالق الخلق كله خلق جميع مخلوقاته على قاعدة التضاد والتدافع والتنافس قال سبحانه : (ومن كل خلقنا زوجين اثنين ) وقال تعالى 🙁 ولو شاء ربك لجعل الناس امة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم) اما أن تحلم أمريكا أن يكون العالم بأسره وبمن فيه وما فيه يدين بالولاء والطاعة الكاملة لأمريكا ويسبح بحمدها دون استثناء فهي تطلب مستحيلا لا يمكن حدوثه عقلا ومنطقا وإن هي أصرت على تحقيقه وفرضه، متعامية عن حقائق وسنن الحياة والتاريخ رغم كل ذلك فلن تحقق سوى إدخال العالم شعوبا ودولا في دوامة رهيبة ولا متناهية من الصراعات والحروب والخراب والدمار والمآسي والكوارث الإنسانية وفي ذات الوقت تكون أمريكا بتجاوزها قوة بإمكانياتها قد دمرت نفسها بنفسها واندفعت من حيث لا تعلم حثيثا على طريق (بداية نهايتها) وبدأت العد التنازلي لتتحول من أعظم وأقوى قوة في العالم إلى دولة من الدرجة الثالثة أو الرابعة أو ما دون ذلك طال الزمن أم قصر ..! وكم من القوى عبر التاريخ الإنساني حلمت وعملت على تحقيق سيطرتها وهيمنتها على العالم ، وكان آخرها النازية الهتلرية اعتمادا على جبروت وعظمة ما امتلكته من قوة عسكرية لا نظير لها في الدنيا ، والبشرية كلها تعرف المصير المأساوي الذي آلت إليه وما خلفته للعالم من كوارث ومآسي رهيبة مرعبة ، وأمريكا اليوم لن تفلت من هذا المصير الحتمي وإن هي اعتقدت باختلافها وتميزها وامتيازها عن كل تلك القوى ،لأنها تتصادم مع إرادة الله سبحانه وتعالى ومشيئته في خلقه ، وتتحدى وتعاكس سنن وحقائق الحياة والتاريخ الحتمية ، وإلى هذا وذاك فإنها تتنكر وتتناقض مع عقيدتها ومنهجها الليبرالي الرأسمالي ذاته ! وسوف تجد جميع الدول والمنظمات والأحزاب والمؤسسات المالية والخيرية والأفراد الذين ضمتهم قائمة (الفيتو ) الأمريكي حتى الآن علما بأنها قائمة قابلة للزيارة والتوسع باستمرار ولن يكون مستغربا أن تضم أمريكا إلى قائمتها دولا مثل روسيا الاتحادية والصين الشعبية وأندونيسيا وماليزيا والهند والجزائر إما بتهمة الإرهاب أو بتهمة أسلحة الدمار الشامل وكلهم تعتبرهم أمريكا أعداء لها .. سيجدون أنفسهم مضطرين لتوحيد صفوفهم وقواهم في جبهة عريضة واسعة لمواجهة قوة العدوان الأمريكي ، وحلفه الغربي عليها ، إن لم يكن اليوم فغدا وحينها ستمتد مثل هذه الجبهة العريضة لتشمل قوى داخل المجتمعات الغربية ومنها أمريكا نفسها ، قوى حية وفعالة يطحنها فقر العولمة الرهيب طحنا ،ويسحقها الجشع الرأسمالي سحقا، تشعر بقاسم مشترك أعظم يربطها بقوى تلك الجبهة العريضة المرتقية ، حينها فإن الصراع سيفرز فرزا تاريخيا على المستوى العالمي الشامل ، بين قوتين رئيسيتين عالميتين هما قوة الخير والعدالة والمساواة والحق والإخاء الإنساني ، وقوة التسلط والهيمنة والطغيان والجشع الرأسمالي اللامحدود والعنصرية والمهم في الأمر أننا نأمل من كل قلوبناان لا تدفع أمريكا المسلمين إلى جريمة جهاد جديد في الشيشان أو في الصين أو في الهند كما حدث في أفغانستان والبوسنة والهرسك وكوسوفو والمفترض أننا قد استوعبنا الدرس وأخذنا العبرة المريرة. وفي نهاية المطاف فإن النصر- حينها – لا يمكن إلا أن يكون حليف القوة التي تنحاز للحياة وقيم الخير والعدل والإخاء الإنساني لخير البشرية ورفاهيتها وكرامتها الإنسانية ويومها تشرق الأرض بنور ربها الملك الحق المبين..  

By Editor