بالنظر إلى الأجواء المشحونة والتوترات التي سبقت وتزامنت مع محادثات المؤتمر الشعبي العام واحزاب اللقاء المشترك ، كان المتوقع على نطاق واسع أن يتمخص الأمر عن اتفاق يحمل قدرا معقولاً من الأهمية ، لكن أعلان وثيقة الاتفاق تلك شكل نوعاً من الصدمة في أوساط الرأي العام ، إذ جاءت وثيقة الاتفاق دون مستوى الطموح في حده الأدنى . ولاتكاد وثيقة الاتفاق تحمل جديداً في حقيقة الأمر بل يخيل إلى أنه من البعيد أن تعلن على ذاك القدر من الهزالة .. في مجملها العام وفيما تضمنته من مبادئ هي أساس واردة بصياغات أقوى وأدق في أحكام الدستور وقانون الأنتخابات ولائحته التنفيذية ، إنما كانت المشكلة وجوهر الشكوى أن تلك الصياغات الدستورية والقانونية ظلت رابضه على ورقها دون أن يعمل بها تنفيذا على أرض الواقع ، ظلت أحكاما نظرية وشعاراً جميلاًً يسير في واد والممارسة في واد أخر وبقيت مشكلتنا هي في التنفيذ وليس في القواعد النظرية .. وإذا كان واقع الحال في الماضي يشير بل ويؤكد على حقيقة عدم احترام تلك النصوص والأحكام وتجاوزها وانتهاكهاً فأن وثيقة الأتفاق بين الاشتراكي والمؤتمر لم تقنعنا بأن الأمر هذه المره يحمل جديداً فاذا كان الدستور الأقوى والأعلى كما يفترض لم يحترم لا ولا القانون أيضاً فما هي قوة الزامية هذه الوثيقة التي تطمئن إلى أنها ستكون أحسن حالا من أحكام الدستور والقانون ، إن من لم يلتزم ولم يحترم الدستور والقانون فكيف نتوقع منه أن يحترم هذه المرة وثيقة بين أحزاب . على أن الشيء الجديد الذي تضمنته وثيقة الاتفاق إنما كان في التقاسم الدقيق للجان الانتخابية الدنيا بواقع 54%للمؤتمر 46% للمشترك ، هذه واحدة أما الثانية فتتمثل بإضافة عضوين ممثلين للمشترك إلى قوام اللجنة العليا للانتخابات ليصير عدد اعضائها تسعة بدلاً عن سبعة بواقع محاصصه للمؤتمر خمسة وللمشترك أربعة ، أما الثالثة فهي أن تكون الرقابة على الانتخابات منحصرة في ممثلين عن الطرفين المتعاقدين أو كما أسمتهم الوثيقة ( التكتلين ) واحد للمؤتمر واخر للمشترك وانعم على المراقبين هؤلاء بالصرف عليهم من الميزانية العامة ، لم تذكر الوثيقة شيئا عن وسائل الرقابة المحلية أو الأقليمية أو الدولية اطلاقاً .. ولقد بدا بأن النصر المبين الذي حققته المعارضة في هذه الوثيقة هو زيادة نسبة وعدد من سيكونون مختارين من قبلها كاعضاء للجان الانتخابية أو الرقابية وما سيحصلون عليه من مكافات يحددها القانون وفي هذه فإن الأمر فيما اعتقد إن كان مفيداً ففائدته تنحصر فيما يخصم على الاعضاء من نسبه من أجورهم لصالح أحزابهم كما جرت العادة في الانتخابات السابقة أما ما سوى ذلك فلا أكاد اتبين شيئاً ذا قيمة وذا جدوى اتى به أو اتت به وثيقة الاتفاق إلا أن يكون الأمر محافظاً على شيء من ماء الوجوه أو مهيئا وممهداً لما سيأتي في قادم الأيام . ربما .. الله أعلم . ورغم المحاصصه التي حددها الاتفاق بشكل دقيق بين التكتلين المتعاقدين إلا أن الغلبة لا تزال بيد أحدهما دون منازع وهو أمر لم يكن حادثاً في وضع الإدارة الانتخابية في انتخابات 93م . على أن أهم ما يلفت النظر في وثيقة الاتفاق هذه أنها تضمنت الاشارة إلى أن توقيعها تم في القصر الجمهوري وتحت رعاية رئيس الجمهورية والقصر الجمهوري مكان سيادي يرمز إلى الدولة ورئيس الجمهورية هو رئيس للدولة ولم يشر في وثيقة الاتفاق إلى رئيس الجمهورية باعتباره رئيساً في نفس الوقت للمؤتمر الشعبي العام لقد كان الاولى أن يتم التوقيع على وثيقة الاتفاق تلك في مقر المؤتمر الشعبي العام مثلا أو في مقر أحد أحزاب اللقاء المشترك باعتبارالأ تفاق حزبياً وليس رسميا ويبدو أن الأمر ليس اعتباطيا بل كان مقصودا للايحاء بأن التنافس التعددي إنما يتم بين دولة واحزاب وليس بين احزاب واحزاب وهذا هو واقع الحال في بلادنا منذ بداية الإعلان عن ولادة الديمقراطية حديثة العهد ، وفي هذا الواقع المعاش وهذه الحقيقة الساطعة فأن الأدعاء بوجود ممارسة ديمقراطية حقيقة في بلادنا لا يعدو كونه مجرد سراب واوهام . ثم لعل أكثر ما يثير الفكاهة أن هناك في هذه الوثيقة أو الاتفاق تذييلا تحت عنوان ما اتفق عليه من إصلاحات وتغييرات بعد الانتخابات ولم يطرأ على بال التكتلين المتحاورين المتعاقدين ولو للحظة واحدة أنه لا دستور احترم ولا قانون نفذ لا بل ولا وعود انتخابية سابقة تم التقيد بها ، والوفاء بمقتضياتها ، فمالذي حدث في الدنيا حتى يجعلنا نصدق ان شيئاً من هذا القبيل سوف يحدث سواء قبل الانتخابات أم بعدها .. وللأسف فإن التكتلين المتحاورين المتعاقدين لم يراعيا براعة الصياغة ودبلوماسيتها على الأقل من أجل حفظ ماء وجه اللجنة العليا للانتخابات ، إذ سارت وثيقة الاتفاق في صياغتها على منوال لعله كان مقصوداً واعتقد أنه كان كذلك بالفعل وهو مخاطبة اللجنة العليا للانتخابات سواء قبل توسيعها أو بعد توسيعها بصيغة الفاظ آمره توجيهيه إلزامية ويبدو أن أحدا من المتحاورين لم يلتفت إلى أن اللجنة العليا وفقاً لأحكام الدستور مستقله ولا يجوز بأي حال من الأحوال الضغط عليها أو التأثير عليها تحت طائلة المسائلة القانونية ولكن في بلادنا كل شيء جائز .. كل شيء ممكن ( سمك لبن تمر هندي) كما يقول المثل المصري ونسأل الله أن لا يكون هناك قادم في الطريق اتفاق أخر من هذا القبيل وعلى هذا الغرار إنه سميع مجيب الدعاء .