الاستاذ الدكتور /عبد الوهاب راوح صديق قديم ، عرفته مذ كان طالباً في كلية الآداب قسم اللغة العربية بجامعة صنعاء ،كانت تبدو عليه مظاهر الرصانة والوقار والاستقامة ، ثم عرف بعد ذلك قارئاً جيداً ومثقفاً مطلعاً. قرأت ورقته المقدمة “لمؤتمر جمعية علماء اليمن” والموسومة بعنوان “فتنة الحوثي :المصادر الفكرية والمشروع السياسي “، فهالني وافزعني ان تصدر مثل تلك الورقة من عالم اكاديمي يتربع على قمة أعلى مؤسسة علمية”الجامعة”مثل الاستاذ الدكتور عبد الوهاب راوح، متوجهاً بالحديث فيها الى جمع من العلماء !! ولست ازمع هاهنا الدخول في معركة دفاع عن افكار السيد حسين بدر الدين الحوثي، فذلك أمر ليس من شأني، ناهيك عن انه يفوق قدرتي العلمية،ولكنني سأتوقف فقط عند التجاوزات العلمية التي تنضح بها الورقة من حيث منافاتها لقواعد ومعايير وشروط الموضوعية والأمانة العلمية التي يجب ان يلتزم بها البحث العلمي خصوصاً حين يصدر عن عالم اكاديمي مرموق في مكانته وموقعه ،ناهيك عن مسئوليته في المجتمع ونشر العلم والمعرفة فيه ،ثم سأتوقف طويلاًعند النتائج والتوصيات التي خرج بهاالدكتور راوح في بحثه مطالباً بتطبيقها وهي نتائج وتوصيات تبعث على الرعب والهلع حقاً، من حيث انها تذكرنا بالفكر النازي “الجوبلزي” الاحادي.. الشمولي.. الديكتاتوري الرهيب! إن أي قارئ عادي لورقة الدكتور راوح سيجد نفسه وبشكل صارخ امام جملة من التجاوزات المنهجية والمثالب المعيبة لبحث صادر عن عالم اكاديمي وهي ماسنجملها في مايلي: 1-الموقف والحكم المسبق المنحاز ،فحتى قبل ان يشرع دكتورنا العزيز في بحثه لايفوته ان يضفي حكمه المنحاز المسبق على مضمون عنوان ورقته”فتنة الحوثي” إذن هي في حكمه المسبق “فتنة”وليست فكراً يبحث الناس فيه بالحجة والبرهان والحوار الفكري ..ولكي لايترك اي مجال للالتباس وسوء الفهم حول حكمه المسبق المنحاز يردف بعد العنوان مباشرة بالقول “تهدف هذه الورقة الى معرفة ما يحمله هذا التنظيم -يقصد الشباب المؤمن-من افكار ومقولات في الدين والسياسة والاجتماع والاقتصاد من شأنها ان تؤسس لتجديد المسلسل التاريخي لسفك الدماء طاقات النشء والشباب وتهدد السلام الاجتماعي ووحدة الوطن وتعيق جهود التنمية والبناء ، كما تهدف هذه الورقة الى توصيف الخطاب الفكري السياسي المضمر المحرك لهذه الفتنة” وهنا يورط الدكتور راوح نفسه في شيء يبدو واضحاً انه يجهله ولايلم بتفاصيله ،السيد حسين الحوثي لاعلاقة له بجماعة اوتنظيم (الشباب المؤمن ) كما يسميه الدكتور والذي انشئ في فترة غياب الحوثي خارج البلاد لاستكمال رسالة الماجستير ولانريد هنا ان ندخل في تفاصيل نشوء وملابسات وخلفيات نشوئه، فهذا موضوع ليس هنا مجاله . 2-اجتزاء النصوص الموظفة كاستشهادات واقتباسات واخراجها من سياقها بعد ان يخضع النص لعملية قضم متعمد لمدخله ووسطه وخاتمته لخدمة غرض الباحث وهواه المسبق وكمثال على ذلك اورد الباحث مقتبساً على النحو التالي “..ثقافة الغدير ، اكرر ثقافة الغدير،فهم الشيعة ، فهم أهل البيت لمعنى ولاية الامر.. هو الكفيل بتحصين هذه الامة ” انتهى اقتباسه وبالعودة الى المصدر كان النص على النحو التالي “الديمقراطية وحدها لاتستطيع ان تحمينا من فرض ولاية يهودية، ثقافة الغدير ،اكرر، ثقافة الغدير فهم الشيعة، فهم اهل البيت لمعنى ولاية الامر المستمدة من”القرآن” المستمدة من حديث الولاية ومن احاديث اخرى متواترة من رسول الله(صلوات الله عليه وعلى آله ،هوالكفيل بتحصين هذه الامة حتى لا تقبل ولا تخنع لأولئك الذين يريدون ان يفرضوا عليها ولاية امرهم وهم اليهود الاميركيون والصهاينة”.(محاضرة بعنوان”حديث الولاية”) والدكتور يعلم اكثر من غيره باعتباره استاذاًً، في اللغة ، ان الكلمة في علم دلالة اللغة لها معنيان، معنى اساسي وهو مايتعارف عليه الناس من المعنى العام للكلمة مجردة ، ومعنى علائقي تكتسبه الكلمة من الموقع الذي تتموضع فيه ضمن سياق الكلام، أي من واقع علاقتها ببقية الكلمات قبلها وبعدها واجتزاء الكلام واخراجه من سياقه يُعد من اسوأ مايكمن نسبته الى البحث العلمي والعالم (بكسر اللام) . 3-وبالاضافة الى اجتزاء النصوص وقضمها واخراجها من سياقها يضيف الباحث مثلبة اخرى أشد شناعة وهي تحميل النص مالايحتمل خلافاً لمقاصد صاحب النص الواضح الدلالة حرفياً ، إنه يتعمد الباس النص لباساً مغايراً ومناقضاً من صنعه وتفصيله ، فهو يلبس النصوص الملتبسة قسراً لباساً شيعياً جعفرياً اثنى عشرياً، إذ يقول مانصه حرفياً ” تراجع الامل لدى التنظيم الحوثي في استعادة المذهب (يقصدالزيدي) حاملاً لفكر الإمامة ، وتراجع الامل في استعادة ابناء الزيدية لمهام الحامل الاجتماعي لنصرتهم فكان التوجه نحو مايلي : أ – اللجوء الى الاثنا عشرية (والصحيح هنا لغوياً الاثنى عشرية) وفقهها الجعفري والتنازل عن الخلفية الفقهية الزيدية او التعامل معها كغطاء للاستهلاك والتثوير الطائفي يحجب خلفه التوجه الجعفري المرفوض لدى ابناء الزيدية وعلمائها . ونحن هنا نرى الباحث يشق صدر السيد حسين الحوثي وينفذ بقدرة قادر الى قلبه وضميره ويجزم ،وفقاً لنظرية المؤامرة ، بأنه يسعى الى فرض المذهب الجعفري المرفوض من الزيود حتى وان كان كل حديث الحوثي اساساً عن (الزيدية) وليس (الجعفرية) فيقول : ” وهذا هو خطاب الاثناعشرية(والصحيح هنا لغوياً الاثني عشرية) الجعفرية المبشر به اليوم ” وكان احرى بالدكتور راوح ان يتمثل ويجسد مقولة رائعة للمفكر الدكتور محمد سليم العوا الذي يقول فيما يتعلق بالباحث والبحث العلمي والامانة العلمية :”… نوعين من البصيرة؛ بصيرة الانصاف التي لاتنسب الى احد الا ماينسبه الى نفسه ، ولاتلصق بأحدٍ قولاً او تهمة الا اذا قبل هو ان يكون هذا قوله .. وبصيرة العدل التي تقتضي مع هذا الانصاف ان تقول للمخطئ اخطأت كما تقول لمن اصاب اصبت . ويضيف الدكتور راوح :” تحت هذا الغطاء (يقصد حماية الزيدية من الانقراض) يتم اقامة تعليم مذهبي يتم نشره في اوساط الناشئة والشباب في المساجد والمجالس والمراكز التي تقع تحت اشرافهم ، قصد تحويل المذهب الزيدي الى حامل ومسوق للمذهب الجعفري ” نحن هنا امام موقف او حكم باطني الهامي استبطاني لاعلاقة له بالعلم والعلماء والبحث العلمي ،وبدون ان يتحسب دكتورنا العزيز لموقفه الجازم هذا نراه مباشرة يقتبس نصوصاً من محاضرات حسين الحوثي جميعها تبدأ بالتأكيد “نحن الزيدية ” و ” الزيدية” و”ألسنا نحن الزيدية” الى آخر هذه الاقتباسات ، وكما نعلم جميعاً انه في البحث العلمي ينبغي ان ينصرف جهد الباحث اساساً الى تحليل النصوص وليس الى استبطان النوايا ،ولو كانت نية الدكتور متجهة الى البحث عن الحقيقة لوجد في المصدر الذي اقتبس منه “الدرس الاول من سورة آل عمران ” ذاته مايشير بوضوح الى ان حسين الحوثي ينتقد المذهب الشيعي الاثناعشري الجعفري ويتجه نحو “مزيدة الجعفرية” وليس ” جعفرة الزيدية ” !! ويبدو ان الدكتور راوح نسي او أُنسي حقيقة كون الزيدية مذهباً من مذاهب اهل الشيعة والذي يقول فيه اصحابنا اهل السنة بأنه اقرب المذاهب الشيعية الى السنة . وربما ان الدكتور رأى كلمة شيعة فخلع عليها الجعفرية الاثنى عشرية وهو مالادليل عليه اطلاقاً في محاضرات الحوثي كلها . ولعل دكتورنا العزيز يعلم مما تعلمه في مراحل دراسته ومما يتعلمه طلاب الشريعة واصول الدين والفلسفة وعلم الكلام والمنطق والقانون ، بأن الافكار والقضايا التي صورها داهمة في خطورتها.. ماحقة في نتائجها.. مهلكة مدمرة للبشر والحجر ، إنما كانت طوال تاريخ الفكر الاسلامي شغلاً شاغلاً له منذ سقيفة بني ساعدة وحتى يومنا الراهن بين حاصر للولاية في ” المهاجرين” وآخر في “الانصار”وثالث في “قريش” ورابع في “بني العباس ” وخامس في “آل البيت” وسادس في” عموم الأمة” وهكذا بل انه حتى بني عثمان (نسبة الى الدولة العثمانية ) سعوا الى تخريجات نصوصية فقهية تلمح الى جعلها فيهم ! ولم يحدث رغم ذلك ان نشبت الحروب او اعلن النفير الاسلامي العام لشن حروب مقدسة ضد هذا القائل او ذاك ، وانما ظلت مداراً لجدالات فقهية كلامية فلسفية فحسب ! ولعل اكثر ماترتعد منه الفرائص وتقشعر منه الابدان رعباً وهلعاً في القرن الواحد والعشرين ماورد في الجزء الأخير من ورقة الدكتور راوح المتضمن لمقترحاته للحل حسب تصوره ، فماذ يقترح ياترى استاذ الجامعة ورئيسها والوزير السابق ؟ تعالوا لنرى : أ – “اقترح على مشائخنا الأجلاء في جمعية علماء اليمن ، اصدار فتوى بتجريم هذا التمرد واعتباره فساداً في الارض واهلاكاً للحرث والنسل ، ومنكراً واجب المحاربة بالحوار والسلاح اذا اقتضى الأمر ” هذا مع انه يعلم بأن استخدام السلاح قد اقتضاه الامر فعلاً منذ اول يوم في الحرب قبل ثلاث سنوات ولايزال !! واعتبار مايحدث في صعدة فساداً في الارض يقتضي حكماً وفقاً لنص الآية الكريمة :”انما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فسادا ان يقتلوا او يصلبوا او تقطع ايديهم وارجلهم من خلاف او ينفوا من الارض ” والمطالبة بمثل هذه الفتوى الداعية الى قتل وسفك الدماء تبرهن على ان فتاوى التكفير والقتل والحرب التي تصدر او يُطلب اصدارها انما تأتي بأمر او تشجيع او تحريض من قِبل اركان النظام الحاكم وهو مايعني بوضوح التحريض على القتل والارهاب ، ولو كان الدكتور قد قال ماقاله الشيخ عبد المجيد الزنداني في مقابلة له في قناة الجزيرة بأن رفع الدولة للسلاح ضد مواطن حرام ورفع مواطن للسلاح ضد الدولة حرام لكان منصفاً وموضوعياً !! ب – “اعتبار التمرد خروجاً عن الصف ورفضاً لما استقرت عليه الأمة من مبادئ ومؤسسات دستورية وتشريعات ونظم تنظم العلاقة بين الحاكم والشعب ” ، ومقتضى هذا الاعتبار تحريم اي رأي مخالف او فكر او توجه سياسي او فكري او ثقافي يخرج عن تأطيرات صف النظام الواحد الأحد وما استقر عليه هو فقط . والملاحظ ان ورقة الدكتور راوح تنطلق من الفها الى يائها من منطلق اعتبار الحرب في صعدة تمرداً مسلحاً قام به الحوثيون ، في حين يعلم ونعلم ويعلم العالم كله ان الحوثيين لم يرفعوا السلاح في وجه الدولة الا بعد شن الحرب عليهم من قبل الدولة دفاعاً عن انفسهم ومساكنهم . ج -ولمزيد من تأكيد المطلب السابق يطالب دكتورنا العزيز “تأييد الحكومة في جهودها المسؤولة والمبذولة الرامية الى اخماد هذا التمرد ” يعني لامجال إلا القوة والسلاح اما المساعي الحميدة والحلول السلمية فلامجال لها في تفكير الدكتور راوح” . د – ولم يشأ الدكتور راوح ان يفوت او تفوت عليه مايمكن ان نطلق عليها “الحرب الفكرية” فراح يطالب بها قائلاً :” مراجعة الخلفية الفكرية لهذه الفتنة وماتسببه من ازدواج مرجعي حول مصدر مشروعية الحاكم بين (الوصية ، واختيار الامة) بما يساعد على تجفيف المصادر الفكرية التي تعيد بين حين وآخر إنتاج نفس الفتنة وايقاظها وبنفس ادواتها وخطبتها” هنا يطالب الدكتور بضرورة تجفيف المصادر الفكرية وانهاء الازدواج المرجعي حول مصدر مشروعية الحاكم وذلك لتأكيد مرجعية ومشروعية واحدة مطلقة في وجوب الطاعة للحاكم ولو قصم ظهرك واخذ حقك او في رواية اخرى طاعة ولي الامر براً كان ام فاجراً استناداً الى احاديث ضعيفة لا اظن إلا انها مكذوبة على رسول الله عليه افضل الصلاة والسلام وعلى آله الطيبين الطاهرين لانها اولاً تتناقض تناقضاً صارخاً مع مجمل احكام وتعاليم القران الكريم التي ترفض الظلم وتمقت الظلمة وتلزم جماعة المسلمين بالدعوة الى الخير والامر بالمعروف والنهي عن المنكر فهل هناك ظلم افدح من قصم الظهور ونهب الحقوق ؟ ولانه ثانياً يتعارض تماماً مع صحيح الحديث الذي يقول مامعناه ان افضل الجهاد عند الله كلمة حق امام سلطان جائر . ه- ” وضع خطة لحماية النشئ المغرر بهم تحت مايعرف ب”الشباب المؤمن” ذات ابعاد فكرية وحوارية . اي انه وفقاً لهذا الطلب فإنه حتى الاطفال يجب ان تجري لهم السلطة غسيل دماغ فكري منذ نعومة اظافرهم !! و- ويبدي الدكتور راوح حرصاً شديداً على سد كل الثغرات والمنافذ التي قد تؤثر سلباً على واحدية وشمولية المرجعية ، وهي هنا مرجعية سلطوية احادية فيدعو الى ” تنظيم مسئولية الفتيا (الفتوى) ، وذلك من خلال عقد ملتقى فكري تنظمه وزارة الاوقاف والارشاد وجمعية علماء اليمن (لاحظ كلها جهات رسمية او شبه رسمية ) يضم المتخصصين والعلماء للخروج برؤية تنظم الاشكاليتين التاليتين : * ظاهرة شيوع الجرأة في (الفتيا والافتاء ) بحيث يتم تنظيم وتعميم فقه الفتيا المبرأ من المصالح والهوى * ظاهرة شيوع الجرأة على ( الدعوة) وحمايتها من الابتذال و (النجومية) ان جاز التعبير وذلك بمراجعة التعامل مع المصطلحات الشرعية وفق مضامين الشريعة وسياقاتها القرانية والنبوية ” لينتهي في اخر الفقرة بعد ايراد تفصيلات حول الشيعة والسنة والمفتي والفتوي والداعية والدعوة الى القول ” وليس لذلك مايبرره في فترة التعددية السياسية وحرية التفكير والتعبير “!! بمعنى آخر فإن الدكتور يريد من طرح هذا ان تكون الفتيا والدعوة والجهاد وغيرها واحدة موحدة بمنع كل ماسواها أي سيادة الفكر الاحادي الشمولي المطلق وذلك ماتبرره فترة التعددية السياسية وحرية التفكير والتعبير ! شئ غريب ، كيف تكون التعددية والآراء وحرية التعبير وحرية الاعتقاد لا تقتضي حرية الرأي والتعبير والاختلاف إلى آخره ،هذا ما يعلمه الله والدكتور راوح فقط إلا اذا كان المقصود قول ما قاله فرعون (وما اريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد) ربما جائز . ز- ويستدرك دكتورنا العزيز فيضيف قائلاً :” كما اقترح على الجهات المعنية بالحكومة مايلي : 2- (هكذا ورد الترقيم في ورقته ) ،” اغلاق المؤسسات الثقافية التي تروج وتسوق للطائفية والمذهبية في كل المدن اليمنية وتعقب مصادر تمويلها وسحب التصاريح الممنوحة لها ان وجدت . 3-” إقامة الحوار مع من يعرفون بالمستبصرين (=المتحولين من الزيدية للجعفرية ) -هكذا يريدهم الدكتور راوح بدون برهان- وحماية الناشئة والشباب والعامة من تأثيراتهم مع الاستعانة بتدخل العقلاء من افراد اسرهم ” اي يريد الدكتور ان يفرق بين الوالد وولده والاخ وشقيقه والصديق وصديقه والقريب وقريبه من خلال توظيفهم كمخبرين على بعضهم البعض . 4- ” مراجعة التشريعات المنظمة لوظيفة الدولة في رعاية ورقابة وتنظيم المؤسسات والمنظمات الخيرية غير الحكومية، بمايجنبها الانزلاقات السياسية وينأى بها عن الاغراض النبيلة التي أنشئت من اجلها ويجنبها ان تكون منابت ومشاتل خصبة لاستزراع الفتن ” وهذا المطلب يعطي مشروعية لتدخل (الآمنين )!! في المنع والمنح والسماح وعدم السماح لمن يريدانه ولمن قبل ان يتعامل معهما ( محاكم تفتيش جديدة) .. ويتراءى لي ان دكتورنا العزيز يعيش في (غيبة كبرى) ،حسب المصطلح الجعفري الذي يحبذه الدكتور ، عن متابعة مفهوم الحكم والدولة ووظيفتها ودورها في عالم يتجه نحو العولمة شئنا ام ابينا الذي لا يبقي للدولة إلا دور شرطي المرور فحسب ولأن الدكتور راوح كما قلت آنفاً صديق شخصي فلا بأس ان انصحه بقراءة مجلد (الحكم في عالم يتجه نحو العولمة) تحرير جوزيف س. ناي ، وجون د. دوناهيو، تعريب محمد شريف الطرح ، صادر عن مكتبة العبيكان بالتعاقد مع معهد بروكنجز في واشنطن ، الطبعة الاولى عام 2002م. 5- ” دعم جهود وزارة التعليم العالي بتوحيد جهات الايفاد المتعددة في وزارة التعليم العالي وبمخاطبة السفارات بحظر اي تنسيق او ابتعاث للطلبة يتم عبرها مباشرة وخارج اشراف وموافقة وعلم الوزارة ” وهذه مصيبة كبرى حقاً، فالدكتور العزيز يعلم علم اليقين اكثر من غيره حينما كان وزيراً للتعليم العالي كيف كان الابتعاث يتم وبأي معايير لا تخرج عن احد معيارين أما بالتوصيات الوساطية من كبار المسؤولين في الدولة (شتاتي ) لابناء المسؤولين واقاربهم ومقربيهم حتى وان كانوا لايستحقون ابتعاثاً او بالشراء لمن يملك القدرة المالية ، اما الاوائل والمتفوقون لايبتعثون وإن ابتعثوا فإلى بلدان (كحيانة) جزاء تفوقهم . ويذهب الدكتور الى حد مطاردة الجهات الاجنبية عبر سفاراتها حتى يحول دون اي امل لاي طالب متفوق مستحق- لا مال له ولا وساطة – بالحصول على منحة دراسية عن طريق سفارة او شركة او منظمة دولية ..الخ يا الهي أ إلى هذا الحد يُحارب العلم والسعي الى التعلم ؟! 6- ” وتكليف وزارة الثقافة بتحديث التشريعات المنظمة لانشاء المنظمات والمؤسسات الفكرية والثقافية غير الحكومية في اطار السياسة العامة للدولة” اي ان يصبح غير الحكومي حكومياً سلطوياً !! وهناك مقترحات اضافية اخرى وردت في ورقته سنضرب عنها صفحاً حتى لانثقل على القارئ بإطالة الاقتباسات فلمن شاء التوسع في معرفة هذه الاقتراحات فعليه الرجوع الى الورقة نفسها . وهي في مجملها وخلاصتها تصب في اتجاه محاولة التنظير فعلاً لفكر نازي جوبلزي جديد من شأنه لو اخذ به -لاقدر الله- ان يقضي قضاء مبرماً على الهامش الديمقراطي -المحدود للغاية- المتاح في بلادنا لصالح نظام يستكمل بناءه احادياً شمولياً قمعياً ديكتاتورياً مستبداً رهيباً. والواقع انني لازلت غير مصدق ان هذه الورقة صدرت فعلاً عن شخص رفيع علمياً واكاديمياً مثل عزيزنا الدكتور عبد الوهاب راوح ، إذ لو صدرت من شخص آخر مثلي لسهل التماس العذر له ، لكن ربما انه قد كتبها إما على عجل ودون بصيرة متأنية او انه كتبها من قبيل اسقاط واجب كيفما كان . بقي لي في الاخير ان اوضح بأنني لست هنا مدافعاً عن جماعة الحوثيين ولامتعصباً معهم او لهم حيث لا رابط سياسي او تنظيمي يربطني بهم فبعض الآراء والمواقف السياسية والإيديولوجية التي تصدر عن س او ص منهم لاتتفق مع رأيي وموقفي السياسي والإيديولوجي ، وانما ينحصر جهدي وهدفي اساساً في العمل بكل السبل والوسائل لوقف هذه الحرب ونزيف الدماء والأرواح المهدرة بغزارة وذلك لأن الأرواح التي تزهق والدماء التي تسيل -على الجانبين- من اخواننا وابنائنا واصدقائنا واهلينا.. والوطن وحده الخاسر ،هذا من ناحية ومن ناحية اخرى فإننا انما ننشد الحق والحقيقة والانصاف . والله الموفق وهو الهادي الى سواء السبيل .