يوم أمس21 فبرايرالجاري تم انتخاب أو بالأدق والأصح (الاستفتاء) الشعبي العام حول المرشح التوافقي الوطني الوحيد المشير عبدربه منصور هادي، كرئيس انتقالي لليمن لمدة عامين، بحسب الاتفاقيات الموقعة بين (السلطة الحاكمة) وقيادات أحزاب اللقاء المشترك (المعارضة). وليس هدفنا من وراء هذه المقالة تفنيد ومناقشة وجهتي النظر، المؤيدة للانتخابات والمعارضة لها، المطروحة على الساحة الوطنية في الوقت الراهن، إذ أن هذا الأمر ليس موضوعه هنا، لكننا نريد، على وجه التحديد، توضيح نقطة أساسية وهي أن المعارضين لإجراء تلك الانتخابات، لا ينصب اعتراضهم على شخص (المرشح التوافقي) المطروح بقدر ما ينصب على الآلية أو الأسلوب المعتمد لإجرائها من حيث مشروعيته الديمقراطية والدستورية، وذلك موضوع متشعب لا نريد إقحامه في حديثنا هذا حتى لا يطغى على ما ننوي طرحه من قضايا نخالها مهمة وحساسة للغاية بل وربما مصيرية يتحدد مستقبل اليمن وكيانه السياسي وفقا لكيفية التصدي والمعالجة الصائبة والفعالة لها. وفي ظل أمر واقع سياسي، لا مجال لنكرانه أو القفز فوق معطياته ومترتباته على شتى المجالات في البلاد، فإن النظرة الواقعية العملية للأمور تفرض علينا جميعا أن نضع في اعتبارنا ونصب أعيننا بأن السيد/ عبدربه منصور هادي أصبح رئيسا للجمهورية لفترة انتقالية تمتد لعامين من الزمن، تلك حقيقة مؤكدة ويقينية وقاطعة لا ريب في ذلك للأسباب الرئيسية التالية: 1-كونه المرشح التوافقي الوطني الأوحد بموجب الاتفاقيات الموقعة بين ممثلي (السلطة الحاكمة) وقيادات أحزاب اللقاء المشترك (المعارضة) سابقا، والشريكة الحالية في الحكم، ولأن القوى والجماعات المعارضة لتلك الاتفاقيات وما ترتب عنها، ليست في وضع من (القوة) و(القدرة) يمكنها من فرض خيارات أخرى من واقع رؤاها ووجهات نظرها. 2- لأن القوى الدولية، المكونة للمجتمع الدولي وخاصة النافذة والمؤثرة منها، بما في ذلك القوى الإقليمية المؤثرة والنافذة في الساحة اليمنية، جميعها وبدون استثناء، تقريبا، هي (الحاضنة) و(الصانعة) و(المؤيدة) لخيار المشير عبدربه منصور هادي كبديل سياسي لعلي عبدالله صالح، ليقود ويحقق مهام ومتطلبات (المرحلة الانتقالية) المراد لها إعادة صياغة وبناء (اليمن الجديد) ونظامه السياسي الحديث، وإذ تضع كل هذه القوى رهانها السياسي على شخصية عبدربه فإنها تلقي بكل ثقلها ونفوذها وتأثيرها خارجيا وداخليا على طاولة دعمه ومساندته وتقويته بل وحتى حمايته، وهي لن تتردد أو تتأخر، فيما يبدو، عن مواجهة وضرب أي تحديات أو معوقات لإفشاله أو إسقاطه، باستخدام كافة السبل والوسائل لتحقيق ذلك، بما فيها استخدام القوة إذا دعت الضرورة لذلك. 3- وفي ظل غياب (قوة) أو (قوى) رافضة تملك من عوامل ومقومات الثقل السياسي الميداني والتأثير والنفوذ الذي يؤهلها لامتلاك القوة والقدرة اللازمتين لفرض وقائع وخيارات وبدائل أخرى في الواقع الموضوعي على الأرض وخارطة القوى والتوازنات الناظمة لإيقاعات مساره السياسي، فلا يظهر في الأفق القريب وعلى المدى المرئي مؤشرات جادة يمكن أن تهدد أو تقوض خيار عبدربه منصور.. هذه كانت أسباب موضوعية، فماذا عن طبيعة شخصية عبدربه منصور هادي ومعالم شخصيته ومميزاته وقدراته، وهل تؤهله لقيادة مهام ومسئوليات (المرحلة الانتقالية) والتي تعد، بحق، أكثر المراحل في تاريخنا الوطني الحديث والمعاصر، حساسية وخطورة ودقة، والواقع أن نظرة سريعة لمعالم السجل الشخصي لعبدربه منصور هادي كشخصية قيادية عسكرية وسياسية، تعطينا تقويما عاما موضوعيا، إلى حد ما، لمعالم ومميزات وصفات شخصيته ومدى نجاحه أو إخفاقه في النهوض بأعباء المسئولية الوطنية الجسيمة والمحفوفة بالمخاطر والتحديات، وفي هذا الصدد يبدو جليا أن السيد/ عبدربه منصور هادي الذي ظل سنوات طويلة، منذ ما بعد حرب 1994، معينا في منصب (نائب رئيس الجمهورية) دون سلطات أو صلاحيات أو دور أو مسئوليات محددة، ولو محدودة، في قيادة الدولة، وإنما مجرد صورة أو ديكورا (جنوبيا) شكليا يجمل (صورة النظام) ولا يرسمها أو يترك أي بصمة من بصماته عليها وفيها، ظل كذلك لسنوات طوال وهو يعي ويدرك تمام الوعي والإدراك بأن وجوده، في موقعه، وعدم وجوده سواء، وأنه لا يقدم ولا يؤخر شيئا، ولا يملك أدنى مستوى من سلطة القرار والتأثير السياسي في منظومة الدولة وهياكلها ومؤسساتها، ورغم مرارة ومهانة أن يوضع إنسان، أي إنسان، في موقع ووضع كذلك الوضع غير الطبيعي، إلا أن عبدربه منصور، رغم كل ذلك، أثبت مقدرة فذة، قل نظيرها، على التحمل والصبر وكظم الغيض والهدوء، وعلى امتلاك زمام السيطرة على مشاعره وأحاسيسه وعواطفه الإنسانية، وابتعد، تماما، عن الانجراف، الطبيعي أحيانا، نحو ردود الأفعال والمواقف المتشنجة والانفعالية والمواجهات المتهورة غيرالمحسوبة وغير المضمونة النتائج أو العواقب، والاندفاع العاطفي الجامح الذي يضر بأكثر مما ينفع، إن إنسان يمتلك شخصية تتسم بكل تلك السمات والمميزات والصفات، التي قليلا ما تجتمع لشخص واحد، لهو جدير بالثقة ويستحق أن يكون أمينا ومؤتمنا على مصيرومقدرات البلد والشعب، لا تسكره نشوة النصرفتعميه عن رؤية الحقيقة والتزام الحق، ولا تخرجه عن طوره وتوازنه واتزانه وتأنيه سورة غضب أو استفزازأوبغض أو كره فيكون مدمرا وظالماً من حيث يدري أو لا يدري، تلك هي أهم سمات وصفات ومميزات شخصيات رجال الدولة غير القلقة أو المضطربة أو المتقلبة المزاج أو المتمردة، القادرة على بناء الدول وصنع التقدم والرقي وكتابة التاريخ.. وليس من قبيل المبالغة إذا قلنا بأن المشير/ عبدربه منصور هادي، كان واحدا من عدد محدود جدا من القيادات الجنوبية السياسية والعسكرية، استطاع، بعمق بصر ونفاذ بصيرة، أن يدرس ويُشخص طبيعة السلطة الحاكمة من حيث رموزها ومكوناتها وأساليبها وآلياتها وأهدافها، تلك السلطة التي كانت تحكم في شمال اليمن، قبل إعلان الوحدة عام 1990م ثم حكمت اليمن كله بعدها وخاصة عقب حرب 1994م، وعرف، بناء على ذلك التشخيص الدقيق وعلى ضوئه، كيف يتعامل معها ويجاريها ويوسع ويقوي وجوده وتأثيره ونفوذه بهدوء وخطوة خطوة وبعيدا عن الشطحات والتهور والاندفاع غيرالمحسوب، ودون إثارة هواجس وشكوك ومخاوف تلك السلطة العائلية الفاسدة المتحكمة، وهو أسلوب تعامل وإن كان طويل المدى وبطيء الخطوات لكنه أثبت فعاليته ونجاحه، لكنه غاب عن مخيلة كثير من القيادات السياسية والعسكرية الجنوبية التي كانت شريكا متكافئا مع السلطة الحاكمة في دولة الوحدة المعلنة في 22 مايو 1990م، ولم تتوصل إلى اعتماده والعمل وفقاً لمقتضياته في التعامل مع (سلطة الشمال الحاكمة) قبل الوحدة، ما أدى إلى تصفيتها، بالقوة المسلحة، عقب حرب 1994م، والمثير للدهشة، حقا، أنه وبرغم صواب الرؤية التشخيصية لطبيعة وأساليب (السلطة الحاكمة) وفعالية ونجاح أسلوب التعامل المبني على أساسها مع تلك السلطة بِنَفسْ طويل وبتؤدة وهدوء، فإن عبدربه منصورهادي وبالرغم من المناصب المرموقة التي عين فيها كوزير للدفاع ثم كنائب رئيس الجمهورية، ورغم مستنقع الفساد الواسع والرهيب الذي تم إغراق كافة مؤسسات ومرافق وهيئات الدولة مدنية وعسكرية في وحوله النتنة المدمرة، إلى الحد الذي كان يصعب العثور على أي مسئول كبير أو صغير مدني أو عسكري في أي مؤسسة من مؤسسات الدولة يمكن إطلاق وصف النظيف أو النزيه أوغير الفاسد عليه، إلا أن عبدربه منصورهادي استطاع، على نحو مثير للدهشة، أن ينأى بنفسه عن مستنقع الفساد الرهيب ذاك، كان الوحيد، تقريبا، أو واحدا من قلة محدودة نادرة، من الذين لم يتحدث المجتمع عن فسادهم وتلطخ سمعتهم، ولم تلكهم الألسن في المجالس والمنتديات الخاصة والعامة، لم تصل إلى مسامعنا، على مدى سنوات طويلة، عن أية قصص أو أخبار أو إساءات أو تهم بالفساد ونهب الأموال العامة أو الخاصة، كما جرت العادة مع قادة ومسئولي الدولة بكافة مؤسساتها ومرافقها وأجهزتها، وإنسان وُليَ موقعا رفيعا، ولو شكليا، كان بمقدوره بكل يسر وسهولة أن يفسد ويثري ثراء فاحشاً كغيره، دون رقيب أو حسيب، بل سيكافأ بالتشجيع والاستحسان إن فعل، ولكنه استعصم على حد علمي وكثيرغيري، ولم يفعل، وذلك ما يؤكد بأنه رجل مستقيم بطبعه ونزيه ونظيف اليد والذمة، وقائدهذا شأنه يشيرإلى أنه رجل لا يهتم بالثراء الشخصي والجري وراء مصالحه الشخصية بل غالبا ما يكون رجال من هذا الطراز يحملون في أذهانهم مشروعا وطنيا حضاريا نهضويا لصالح أوطانهم وشعوبهم يتحينون الفرصة لتنفيذه ووضعه موضع التطبيق.. ولكن.. ومع كل ما سبق أن أشرنا إليه آنفا، وعلى الرغم من كل ذلك، فيجب أن لا يغيب عن ذهننا بأن أي قائد أو زعيم حقيقي لا يكفي امتلاكه لتصورأو مشروع وطني حضاري نهضوي في ذهنه ليتحقق التغييرالإيجابي الشامل، بل يجب أن يتزامن المشروع النظري ويتواقت مع قناعة راسخة وإرادة صلبة، عاقدة العزم ومصممة على تنفيذ وتطبيق ذلك المشروع الوطني الحضاري في أرض الواقع، إنجازات ومكاسب عملية ملموسة، هذا من جانب، أما الجانب الآخر والمُكمل والمترابط عضويا بالإرادة، أن يدرك الشعب وقواه وطلائعه الواعية النوعية ومنظماته وأحزابه وفعالياته السياسية والاجتماعية، بأن عبدربه منصور هادي، شأنه في ذلك شأن أي قائد أو زعيم وطني في أي مكان من العالم، ومهما كانت قدراته ومواهبه وصدق نواياه، لا يملك ولا يحمل في يده عصا موسى السحرية أو المعجزة ليضرب بها فتحقق كل الأهداف والتطلعات والأماني الوطنية، أو يستطيع بمفرده ولوحده تحقيقها كلها على أرض الواقع، فذلك أمرغيرمنطقي ولا معقول، فالقائد أوالزعيم الحقيقي يكفيه ليكون ناجحا في قيادة شعبه نحو الأفضل، ويُحدِث تحولا نوعيا عميقا في تاريخ شعبه ومحيطه، أن يبعث الأمل في المستقبل لشعبه ويفجر قواه وطاقاته الخلاقة الكامنة، ويؤجج نارالحماس والحيوية والإبداع لدى مختلف شرائح وفئات ومكونات المجتمع، ويجذب ويستنفر كل تلك القوى والطاقات الخلاقة والمبدعة والهائلة ويزج بها في خضم وأتون عملية التغييروالبناء الحضاري الشامل والإيجابي لإعادة صياغة الحياة من جديد على أرضها، حرية وتقدما وعدالة وعزة وكرامة ورفاهية، هذا هو الدورالحقيقي والمهمة الجوهرية لدى قائد أو زعيم تاريخي يستمد شرعيته من رضا وحب شعبه وتتوحد شخصيته بشخصية وحياة شعبه ومجتمعه وليس التحكم برقاب أبنائه وقمعهم والتعالي عليهم واضطهادهم وسحق كرامتهم الإنسانية على أي نحو كان. وبناء على كل ما سبق فليس مهما ولا هو غاية ان يصبح عبدربه منصور رئيسا للجمهورية، انتخابا أو استفتاء، سيان، فذلك كان الجانب الأسهل والأيسرمن المعضلة أو الأزمة الوطنية المركبة.. إنما الأهم والأخطر يتمثل بأن سلطة حاكمة ظلت قابضة بيد من حديد ومسيطر تماما على الحكم والدولة والمجتمع على امتداد 34 عاما متواصلة، تحكمت في عقليات وأفكار رموزها وقادتها وقواها مشاريع ورؤى ضيقة ومتخلفة وتشرنقت وعاشت أسيرة مشاريع العشيرة والعائلة والأسرة، على نحو قاد سياساتها وإجراءاتها ومسلكياتها بشكل ممنهج وهادف إلى تخريب وخلخلة وتدمير أسس ومقومات وهياكل المشروع والدولة الوطنية الناشئة وإفساد وتصفية القيم والأخلاق والذمم والمسلكيات القويمة كمقدمة ومدخل ضروري لتنفيذ مشروعها المتخلف بإقامة الدولة العائلية على أنقاض الدولة الوطنية الوليدة، وتخلل مسيرة تصفية الدولة الوطنية وإحلال دولة العائلة بديلا لها، إثارة الفتن والمنازعات والحروب والانقسامات في كل مكان وداخل كل مكونات وفئات وشرائح المجتمع وتصفية الخصوم والمنافسين الواقعيين أو المحتملين، ووصلت انعكاسات وتأثيرات هذا النهج التدميري المخرب إلى كيان الأسرة ذاتها! وأدى كل ذلك إلى زعزعة وتمزيق وحدة النسيج الوطني والتلاحم الوطني والوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي الداخلي للمجتمع والشعب.. واستندت واعتمدت في مخططها التدميري الشامل ذاك على تصفية الجيش من القيادات والكوادرالكفؤة المؤهلة والمقتدرة من كل الوحدات العسكرية والأمنية، والشروع في بناء جيش عائلي ضخم تحت قيادة الأبناء والأقارب والأصهار والأنساب..الخ حتى وصل قوام (الحرس الجمهوري) مثلا إلى أكثر من 32 لواء عسكريا!! وكذا الحال أو أقرب منه فيما يخص (قوات الأمن المركزي) و(القوات الجوية) والمدرعات وغيرها من الوحدات العسكرية بالإضافة إلى الأجهزة الأمنية المختلفة، وكان هذا الوضع الشاذ والغريب تفردت به اليمن لوحدها ولا نجد له نظيرا أو حتى مقاربا له في أي دولة من دول العالم قاطبة!! ورغم أنه ضمن للسلطة العائلية البقاء في الحكم لـ34 عاما متواصلة، إلا أنه كان واضحا نجاحه في تحويل السلطة الحاكمة إلى عصابات منظمة ومسيطرة من حيث عقلياتها وسيكولوجيتها ورؤيتها وأساليب عملها بدلا من تطويرهم كحكام ورجال دولة ولو بالحد الأدنى للمفهوم المتعارف عليه إنسانيا وسياسيا، ومع هذا التحول الارتدادي النكوصي إلى (رجال العصابات) أو (المافيات)، بذرت في أحشائها وداخلها بذورفنائها وتحللها الحتمي وهو ما لم تستطع السلطة العائلية الحاكمة إدراكه والتنبه له. ووسط وتحت مناخات وأجواء ذلك الوضع الشاذ والغريب وغير السوي، انفجر الغضب الشعبي الهادر في أوائل يناير أو فبراير من عام 2011م المنصرم في ثورة شعبية ملايينية عارمة وظلت متواصلة ولا تزال متواصلة بذات الزخم والحيوية والاندفاع لأكثر من عام، لتعلن حكم الشعب والتاريخ بالسقوط النهائي للأوضاع القائمة كلها سلطة ومؤسسات ومشروعية قانونية وأخلاقية والقيم والمسلكيات والأخلاق المنحرفة السائدة برمتها، ولتؤكد بالصوت العالي بأن يمن ما قبل عام 2011م انتهى وأسدل عليه الستار إلى غير رجعة، مطالبة بالصوت الهادر بإقامة اليمن الجديد بدولته المدنية الديمقراطية دولة النظام والقانون والمواطنة المتساوية دولة الحرية والعدالة والكرامة والعزة والازدهار. هذا هو التحدي الأكبر، يمن جديد مختلف أفضل بكل ما تحمله العبارة من معان ومضامين، وهو التحدي الهائل الذي سيجده الرئيس عبدربه منصورهادي منتصبا بشموخ وقوة أمامه وفي مواجهته.. فهل ينجح في مواجهة التحدي ويحوله إلى حافزودافع وطني لبناء اليمن الجديد؟! والواقع أن الرئيس الذي أنيطت به قيادة (المرحلة الانتقالية) والخروج باليمن إلى شاطئ الأمان، أتى وهو محاط بقوى ضغط ثلاث متجاذبة ولكل منها أجندتها ورؤاها: الأولى: تمثل القوى الدولية والإقليمية التي يبدو أنها، حتى الآن، تتحرك وفق رؤية واحدة تقريبا أو متقاربة، وواضح أن اليمن بات موضوعا تحت (الوصاية) الدولية والإقليمية تلك على اختلاف المسميات الدالة على ذلك، وقد لا تكون مثل تلك الوصاية أمرا سلبيا بالضرورة، كما قد لا تكون إيجابية بالمطلق أيضا، خاصة إذا تضاربت الأجندات والمصالح الخاصة بكل واحدة منها على حدة، والأمر مرهون، بالمحصلة النهائية، بمدى اقتناع هذه القوى بمشروعية ووجاهة المطلب المركزي للثورة الشعبية المتمثل بإقامة الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة اللامركزية بالمواصفات العامة التي سبقت الإشارة إليها، أو عدم اقتناعها، وبحسب المتوافر من المعلومات يبدو أن تلك القوى قد توافقت على توزيع مجالات ومهام الوصاية، كأن تتولى أمريكا الإشراف على إعادة هيكلة قوى الجيش والأمن على أسس وطنية وإخضاعها للسلطة المدنية، وتتولى فرنسا الإشراف على صياغة الدستور الجديد، في حين تتولى قوى أخرى الإشراف على إعادة بناء الأوضاع الاقتصادية والمالية..الخ. الثانية: استمرار بقاء أبناء وأسرة وأقارب علي عبدالله صالح في مواقعهم في قيادة الوحدات العسكرية الضاربة والحاسمة وكذا قوى وأجهزة الأمن، ويتضح من تصريحات القوى (الوصية ) أنهم سيظلون في مواقعهم خلال الفترة الانتقالية، ومعلوم للجميع بأن من يسيطر على القوة العسكرية والأمنية والثروات يستطيع ممارسة الضغط والتهديد وكبح جماح خطط وبرامج الإصلاحات الشاملة وعرقلتها بخاصة إذا مست أو هددت مصالحهم! فهل ستحول القوى (الوصية) دون إزاحتهم أوعلى الأقل الإبقاء على المهمين منهم باعتبار أنهم كانوا لسنوات مضت مشروعا استثماريا سياسيا لقوى الوصاية تلك وهل ستعمل بعد حين على الدفع بأحدهم إلى سدة الحكم مجددا بوسيلة أو بأخرى؟!!! وما مدى تأثير ذلك سلباً على الإصلاح والتغييرالديمقراطي المطلوب؟. الثالثة: قوى الثورة الشعبية وخاصة الشباب الذين يبدو أنهم مصممون على مواصلة تحركهم الثوري السلمي حتى تحقيق مطلبهم بالتغيير والإصلاح وإقامة الدولة المدنية الديمقراطية اللامركزية العادلة المشارإليها آنفا.. كوسيلة ضغط متصاعدة لتحقيق وإنجاز مطالبهم وأهدافهم المشارإليها، وهل سيتم بعد صعود الرئيس تصفية الثورة وفضها، عبر قيام عناصر أحزاب اللقاء المشترك التي أصبحت شريكة في السلطة الحاكمة بالانسحاب من الساحات لخلخلة صفوف الثوار وفركشتها تمهيدا لتصفية ما تبقى منها بأساليب عنيفة؟ وإلى جانب قوى الضغط الثلاث هذه التي سيجد الرئيس نفسه محاطا بها وبتجاذباتها وضغوطاتها وتأثيراتها المختلفة، فإنه سيواجه تحديات وأزمات داخلية متفاقمة ومتفجرة منها ما هو ظاهر ومحسوس كالمشكلة الجنوبية وقضية الحوثيين في محافظة صعدة وحجة والجوف وغيرها، وتفاقم المواجهات المسلحة بينهم وبين القوى السلفية وحلفائها ومؤشرات تصاعدها وانتشارها.. ومنها ما يعتمل ويتفاعل تحت السطح منذرا بالتفجركالقضية التهامية وقضية الوسط الجغرافي الذي شعربمرارة التهميش والتحجيم.. وفوق هذا وذاك الوضع الاقتصادي الآيل للانهيار حثيثاً وخاصة مع استمرارالاوضاع العامة غير المستقرة.. وبناء على ما سبق يمكننا القول بأن الرئيس سوف يرى بأم عينيه بأن اليمن كشعب ووطن وكيان سياسي وكوجود يقف مباشرة أمام مفترق طريقين لا ثالث لهما: أما الطريق الأول: يتمثل بالشروع الفوري والجاد والصادق في إحداث التغييرالجذري والشامل، وإجراء الإصلاحات الحاسمة والفعالة، بما يُفضي إلى إنهاء وإزالة أشكال السيطرة العائلية على الجيش والأمن والمال ومظاهر الفساد والفوضى والنهب، وإزاحة أبناء وأقارب علي عبدالله صالح من قيادات الجيش والأمن والمؤسسات الاقتصادية، والكف عن التآمر والتواطؤ للإبقاء على سيطرتهم، وذلك لأن الجيش والأمن والمال هي أدوات السلطة العائلية الفاسدة التي اعتمدتها ومكنتها من فرض سيطرتها لمدة طويلة من الزمن، والإبقاء على تلك الأدوات يعتبر إبقاء لسلطة الفساد وإعادة إنتاجها. وبالتالي الإسراع ببناء اليمن الجديد ودولته المدنية الديمقراطية اللامركزية دولة القانون والنظام والعدالة والحرية والمواطنة المتساوية والمشاركة الشعبية الحقيقية والفاعلة. أو الطريق الثاني: المتمثل باتساع نطاق وتصاعد حدة التفجرات الاجتماعية والسياسية على امتداد البلاد كلها وانتشارأعمال العنف والاحتكام لقوة السلاح ونشوب الحروب والمنازعات الداخلية والدخول في دوامة وهاوية حرب أهلية مدمرة تهدد الوحدة الوطنية والكيان الوطني برمته بالانقسام والتمزق والتفكك الشامل. وعلى الرئيس المشيرعبدربه منصور هادي، ومعه القوى الدولية والإقليمية شبه الوصية على اليمن، وكذا القوى السياسية والفعاليات الاجتماعية والمستنيرة، عليهم الاختيارالواضح والحاسم لأحد الطريقين اللذين لا ثالث لهما، وعلى اختيارهم الواضح والحاسم والسريع يتحدد مصير اليمن ومستقبله بل وكامل وجوده. وأعتقد أن الرئيس عبدربه منصور هادي بالصفات والمميزات والقدرات التي يتمتع بها والمشار إليها في مطلع هذا الحديث، ولأنه يحظى برضا ومساندة ودعم دولي وإقليمي إجماعي لم يسبق أن حظي زعيم قبله بمثله، قادر ومؤهل تماما لقيادة المرحلة الانتقالية بنجاح، شريطة أن لا تقف قوى دولية أو تمارس الضغوط السلبية عليه لضمان استمرار أبناء وأفراد أسرة علي عبدالله صالح في سيطرتهم على قوى الجيش والأمن والمؤسسات الاقتصادية والمالية الحساسة والدعم الحقيقي والفعال لمطالب التغيير والإصلاح الديمقراطي الشامل والقضاء على الفساد وأسبابه ومسببيه، حينها، وبذلك وحده، نستطيع أن نقول بكل ثقة واطمئنان أن اليمن خرج من عنق الزجاجة وانطلق في مسيرة بناء حياته ودولته الجديدة وأن مستقبله بات مشرقا وواعدا بالخير والنماء والأمن والاستقرار وهو بقدر ما يصب في مصلحة اليمن وشعبه، فإنه وفي نفس الوقت يخدم مصالح محيطه الإقليمي وأمن العالم واستقراره وتعاونه، فلا يزال الوقت متاحا.. والأمل معقودا.. ولنا عودة لاستكمال الحديث بإذن الله تعالى. بريطانيا/ شيفلد الجمعة 17 فبراير 2012م