هشام.. إنّا محزونون لفراقك حقاً صحيفة الوسط

اختطف الموت، وهو حق، عَلماً بارزاً وواحداً من أهم الشخصيات وأكفأ القيادات الإعلامية الوطنية ومناضلا عنيداً وصلباً من أجل صحافة حرة ومهنية ونزيهة، ذاك هو الصديق العزيز الأستاذ/ هشام محمدعلي باشراحيل أحد ناشري- إ لى جانب شقيقه الأستاذ/ تمام – صحيفة “الأيام” العريقة والشامخة، مُشكلاً خسارة فادحة لعالم الصحافة والإعلام المحترم، وثاني خسارة كبرى تُمنى بها “الأيام” بعد رحيل عميدها المؤسس الأستاذ/ محمد علي باشراحيل. لقد رحل عنا هشام الذي نهض بأعباء ومسئوليات معاودة إصدار “الأيام” عقب إعلان قيام دولة الوحدة، فيما أذكر، عام1990م، ولتجد نفسها، عقب الحرب الأهلية المدمرة في صيف 1994م، وسط دوامة متصاعدة من عواصف وأعاصير إستهدافها الشرس والهمجي من قبل السلطة الحاكمة العائلية الفاسدة المتخلفة، في محاولات وأساليب مستميتة وظالمة لإسكات صوتها الحر وحرف رسالتها المهنية وإخضاعها لتصبح منبراً دعائياً وبوقاً لسياسات وإجراءات ومواقف السلطة الحاكمة تسير في ركابها وتُسبٌح في فلكها وتتغنى بأمجادها الوهمية الزائفة، في بلد يغيب فيها القضاء النزيه والمستقل ويستباح في أرجائها سلطة القانون وسيادته، وينعدم في ظلها قيم ومبادئ العدالة والحق والشرف، وحيكت ضد الصحيفة “الأيام” وأصحابها كافة الدسائس وفبركت شتى صنوف المؤامرات والمكائد والتلفيقات والدعاوى الكيدية التي تَبْرع فيها وتجيدها ” الدولة البوليسية ” القمعية عادة، ليصل الأمر إلى ذروة غيرالمعقول، بدفع جماعات مسلحة إلى محاولة الاستيلاء على مبنى الصحيفة والسكن العائلي لأسرة باشراحيل في صنعاء الذي اشتراه باشراحيل (الأب) منذ سنوات طويلة وآل من بعده إلى أسرته بالتوارث! وصودرت حقوق ملكية أراض ممنوحة للصحيفة في عدن، وصولا في الأخير إلى تدبير اقتحام عسكري مسلح من قبل قوات الأمن لمقرالصحيفة والسكن العائلي في عدن مُخلِفاً قتيلا وجرحى ودماراً في الممتلكات..الخ  يُبررإغلاق الصحيفة تماماً وهو ما تم بالفعل ولا يزال حتى هذه اللحظة، وأذكر حين تعرض هشام وأهله ومقر صحيفة ” الأيام ” وسكنه للتهديد والاستهداف حينها اتصل الشيخ محمد بن ناجي الغادر أحد أبرز مشائخ خولان بالأستاذ هشام مُبدياً استعداده لإرسال رجال من خولان لحمايته وتأمينه، إلا  أن هشام الإنسان المسالم المشبع بثقافة احترام القانون وتقديسه، والذي لا يعرف في حياته أي سلاح سوى “القلم” والكلمة الحرة، أعرب للشيخ الغادر عن شكره وامتنانه وأنه لا يرى داعياً لإرسال مجاميع مسلحة للحماية حينها.. وخلال مسيرة العذاب والمعاناة والتهديد والتخويف والترهيب المريرة والطويلة تلك، أصبح هشام مطلوباً كل يوم، تقريباً، وأحيانا أكثر من مرة في اليوم، للحضور والمثول أمام هذه النيابة وتلك أوهذه المحكمة وتلك، أو لدى جهاز الأمن هذا أو ذاك ووزارة الإعلام، للتحقيق أوالاستجواب أو للترافع، وكأنه من البدو الرُحل الذي يتنقلون باستمرار من مكان إلى آخربحثاً عن الماء والكلأ والمرعى.. والحقيقة أن ” الأيام” وناشريها لم يحدث أن تعرضت منذ تأسيسها لمثل تلك الدوامة الرهيبة من الأعاصير والعواصف والإجراءات القمعية التعسفية التي جندت السلطة الحاكمة ووظفت كل جبروتها وسطوتها لممارستها ضد “الأيام ” وأصحابها، ليس هذا فحسب، بل إننا نعتقد بعدم تعرض أي صحيفة في العالم لمثلها على الإطلاق، وكانت أول تجربة مريرة وقاسية أجبرت   “الأيام” على التعامل معها ومواجهتها.. وكنا نحن محبو “الأيام” والمتعاطفون والمتضامنون معها، نعتقد بأن الأستاذ هشام باشراحيل، الذي نشأ وترعرع داخل بيئة ومناخات مدرسة “الأيام” منذ تأسيسها في ظل حكم “الاستعمار البريطاني” لعدن ومحمياتها الغربية والشرقية الذي كرس قيم وثقافة حرية الصحافة ونزاهة واستقلال القضاء واحترام حكم القانون وسيادته وغيرها من القيم الليبرالية، والإنسان المسالم بطبعه وتربيته، لا قبل له على الإطلاق بالتعامل ومواجهة حملة الاستهداف العاتية والشرسة والظالمة المتعددة الوسائل والأساليب والجبهات التي لا تفوق قدراته وطاقاته وإمكانياته الشخصية، فحسب، بل وتفوق قدرات وإمكانيات وطاقات العُصبة أولي القوة أيضا، وإنه مجبر لا محالة، على الاستسلام والخضوع لإملاءات وشروط ومتطلبات السلطة الحاكمة الفاسدة أو الهروب خارج البلاد، وأن ليس ثمة خيار آخر أمامه، وكنا نتعاطف معه ونتضامن ونسانده بكل ما نستطيع، بل ونشفق عليه، لكن كل ذلك كان يذهب أدراج الرياح فلا من مجيب ولا من عاقل أو نصير، ومع ذلك ورغماً عن ذلك، وعلى النقيض تماماً من استنتاجاتنا وتوقعاتنا، ولفرط الدهشة والمفاجأة، وجدنا ” هشاماً ” غير هشام الذي عرفنا وعايشنا، وجدناه قويا صلباً ثابتا، بل وعنيداً. وقاطعاً بعدم قبول المساومة أو التفريط أو التنازل عن المبادئ والقيم والمثل العليا الذي تشربها وطبقها وآمن بها منذ نعومة أظافره، وقَبِل المواجهة وصَبرَ وصَمدَ وتحملَ من العذاب والمعاناة والآلام ما لا يتحمله سوى أولي العزم من الرجال الأفذاذ، وكنا من منطلق حرصنا وخوفنا وإشفاقنا عليه ننصحه- على استحياء – بأن يقبل المهادنة ويبدي مرونة وتنازلاً في بعض الشروط المفروضة عليه من قبيل الإجراء التكتيكي المؤقت وإحناء الرأس أمام العاصفة الهوجاء، كان يقول لو كان الأمر متعلقاً بشخصي كفرد لأمكن النظر في الأمر، لكن الأمر متعلق بـ”الأيام” الصحيفة والنهج والرسالة والتاريخ وحرية الصحافة وشرف الكلمة، وأي قبول بالمهادنة والمساومة والتنازل، تحت أي ظرف وسبب، يفقد “الأيام” مصداقيتها وسمعتها وينسف تاريخها!! وفي سبيل ذلك، ومن أجله، فالتضحية بنفسي أشرف وأهون مما تدعونني إليه!! وهنا أصبح من الواضح والجلي أننا لم نعد أمام هشام باشراحيل الذي عرفناه، وعايشناه لفترة طويلة.. بل أمام هشام وقد تحول إلى فارس لا يشق له غبار صلب الشكيمة، رابط الجأش، ثابت على المبدأ لا يتزحزح أو يحيد قيد أنملة، قوي العزيمة والتصميم والإرادة، فارس أصيل امتطى صهوة جواده، شجاعاً غير هياب، وبرز مقاتلا يصول ويجول ذائداً ومنافحاً دون هوادة انتصاراً لقيمه ومبادئه وصوناً لحرية الكلمة وشرف المهنة وقدسية الرسالة الإعلامية الصادقة والأمينة.. متحملا من العذاب والمعاناة والآلام والقهر ما انعكس سلباً وضرراً على صحته العامة وقلبه.. ولا بأس هنا أن أشير إلى أن لقطة الصورة الفوتوغرافية لشخصي والتي شاع تداولها واستخدامها، في الكثير من المواقع الإلكترونية ووسائل الإعلام، على غير تدبير مني، والتي تصورني مشيراً بيدي واصبعي في الهواء تم التقاطها أثناء مشاركتي في برنامج “الاتجاه المعاكس” بقناة الجزيرة ” عام 2000م، في سياق تعليقي على تساؤل أو مداخلة مدير البرنامج الدكتور فيصل القاسم حول توفر ممارسات ديمقراطية في اليمن، وتعليقي وتأكيدي بشكلية وصورية وديكورية تلك الممارسات المدعاة، ضارباً المثل بما تتعرض له صحيفة “الأيام” – وهي من أعرق وأكفأ الصحف ليس في اليمن فحسب وإنما في كامل بلدان الجزيرة العربية والخليج- وناشرها الأستاذ هشام باشراحيل من حملات وإجراءات تعسفية قمعية رهيبة وظالمة، جعلت منه، أي الأستاذ هشام، متفرغاً يومياً وبالكامل لحضور التحقيقات والاستدعاءات والمرافعات في أجهزة الأمن والنيابات والمحاكم إلى حد الدوران والإنهاك، إلى أن تم نقله، إسعافا، إلى السعودية للعلاج الطبي، وعند هذه النقطة من تعليقي حول وضع هشام أخذت لقطة الصورة تلك! أجل أخي وصديقي الطيب هشام لقد تعرضتَ لأسوأ وأحط وأقسى وأبشع أساليب القمع والاضطهاد والتهديدات والترهيبات الهمجية، وتعرضت للاعتداءات والإهانات، ودُمرت مباني صحيفتك ومنزلك العائلي، وأرسلوا إليك البلاطجة والعصابات المافاوية ليرعبوك ويخضعوك، وصُودرت حقوق وممتلكات وأراضي صحيفتك، وحاولوا الاستيلاء على مكاتبك وسكنك العائلي في صنعاء ورميكم إلى الشارع وغير ذلك الكثير من أساليب القمع المتخلفة والتعسفية، ومما لا شك فيه أن كل ذلك قد ولد في نفسكَ شعوراً عميقاً بقهر الرجال بكل آلامه ومعاناته النفسية والجسدية والصحية وتحملت في هذا كما لم يتحمل مثله غيرك من قادة الصحافة والإعلام والسياسة في تاريخ بلادنا الحديث، ومع ذلك فإن ما يبعث على الفخر والاعتزاز أنك أبيت إلا أن تكون رجلا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، وفارساً ومقاتلاً، بقوة الحق وقانون العدل، من أجل قيمك ومبادئك وشرفك وكرامتك، رغم إنعدام التكافؤ في القوة تماماً في تلك المواجهة، وبقيت واقفا ً شامخاً حتى آخر لحظة من حياتك، وذلك هو الرصيد الوحيد الخالد للرجال العظماء. ولعله من كرم الله الملك الحق المبين وألطافه عليك، أن إرادته سبحانه وتعالى لم تشأ أن تختارك إلى جواره في ملكوت الحق والعدل الأبدي المطلق، إلا بعد أن أشهدك وأراك رأي العين هدير وبركان أعظم ثورة شعبية عارمة شارك في مسيرتها لأكثر من عام الملايين العديدة من شباب وجماهير الشعب اليمني على امتداد أرض بلاده، وكيف تهاوت وتساقطت حصون وقلاع، ومواقع أكثر سلطات الحكم في تاريخنا فساداً وتخلفاً وهمجية وانحلالا، تلك السلطة التي سامتك سوء العذاب وأقسى وأمر أساليب القمع والقهرالهمجي، بنفس القدر الذي فعلته ومارسته ضد الشعب كله وأكثر، وكانت تظن- واهمة – أن لا غالب لها اليوم ولا في المستقبل ولا خطر أو تهديد يمكن أن يواجهها إلى الأبد. لقد من الله جل جلاله عليك بأن قضت إرادته ومشيئته التي لا راد لها، بأن لا تختارك للانتقال إلى رحاب الله جل جلاله – رحاب الحق والخلود- إلا وقد متع نظرك وأقر نفسك وطيب خاطرك بمشاهدة مصارع الطغاة والطغيان والتسلط والفساد، ثم تسمعك النداء الرباني الخالد ” يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي” صدق الله العظيم. ايه أخي وصديقي الطيب “أبو باشا” لقد فُجعنا وصُدمنا لنبأ رحيلك وغيابك عنا وحزنا وتألمنا لفراقك لنا، فجأة، وكم كنا نتوق ونتمنى لو مد الله تعالت قدرته في عمرك لتواكب وتساهم في بلورة وصياغة النظام السياسي الجديد الذي لطالما نشدنا وطالبنا به منذ أمد طويل، بعد سقوط سلطة الحكم الطاغية الفاسدة، وكم كنا في أمس الحاجة، في هذه المرحلة الدقيقة والحساسة، لآرائك وأفكارك وخلاصة تجاربك وخبراتك الثرية والنيرة في صياغة وبناء وتأسيس اليمن الجديد، يمن المستقبل، ولكن إرادة الخالق جل جلاله وتعالى شأنه فوق خلقه أجمعين ولا راد لها ولا معقب.. إنما عزاؤنا أنك بمواقفك الثابتة وإصرارك على الانتصار للمبادئ والقيم، وحرصك على المحافظة على نقاوة ومصداقية وشرف رسالة “الأيام” الصحيفة، قد تركتَ لنا “الأيام” منبراً لحرية وشرف الكلمة ونبراساً لنقل الحقيقة والتعبيرعنها بمهنية كفؤة وصدق وأمانة، وهي بهذا الدور المستمر تجعلك وكأنك حاضر بيننا ونحن عايشون معك في علاقة لا تنقطع. فإلى جنة الخلد “أبو باشا” محفوفاً برحمة الرحمن الرحيم وعفوه ومغفرته ورضوانه. وتعازينا الحارة لجميع أهلك وأسرتك الكرام ولخليفتك الكفء الأمين ( تمّام) وللعاملين في “الأيام” ولعالم الصحافة والإعلام.. وللشعب اليمني كافة. و” إنا لله وإنا إليه راجعون”.. عبدالله سلام الحكيمي شيفلد – بريطانيا –  17 يونيو 2012م    

By Editor