مع بدايات استواء وتكامل اشراقة ضحى يوم الاثنين ( الثالث عشر من شهر يناير عام 2003م ) اخذت صداء صوت ناعٍ ثقيل وكئيب تتردد في الآفاق ، معلنة يا أيها القوم إن سيدكم النبيل قد رحل من عالم حياتكم وفارقكم منتقلاً إلى عالم حياة أخرى لا متناهية وخالدة . وتلبد الأفق بغيوم الصدمة والحزن والأسى ، وغطت سحابات الكآبة والهلع والجزع بظلالها المعتمة المظلمة إشراقة الضحى واضوائها البهية . ووقف القوم يسألون الناعي لعلك فيمن اشرت إلى رحيله وفراقه وغيابه ، تقصد به شخصاً آخر غير ذاك الذي تربع برسوخ وثبات في قلوبنا وافئدتنا ومشاعرنا ووجداننا ؟ فرد عليهم جازماً .. بل هو ذاك بعينه من اعني ، انه بالتحديد ( اللواء يحيى محمد المتوكل ) سيدكم الذي عرفتموه وعرفكم وأحببتموه وأحبكم وامتزجتم به وامتزج بكم .. أجل بالتأكيد ، أنه هو بذاته من أقصد وليس سيداً آخر ، نعم إنه هو ( أبو محمد يحيى بن محمد المتوكل ) الذي تبوأ موقع السيادة عليكم عن جدارة وبدون منازع ، ليس متكئاً ولا مستنداً ولا معتمداً على سلطان ملك أوقوة حكم أو ثروة مال أو جبروت سلطة ، بل على صفات ومكونات وخصائص فريدة ومتفردة كونت وصاغت شخصيته وفكره ومنهجه في القيادة والتعامل والأداء ، وجعلته شديد القرب والتلاحم والتفاعل والإحساس بهموم وأحاسيس ومعاناة عموم القوم أو قل إن شئت الشعب على اختلاف وتعدد وتنوع توجهاتهم والوانهم السياسية والإجتماعية والفكرية ، واهلته تماماً ، من حيث أراد أم لم يرد ومن حيث علم أم لم يعلم ، لأن يكون سيدهم النبيل دون ند أو منازع .. ألم يخبرنا سيدنا رسول الله الأعظم عليه أفضل الصلاة والسلام وعلى اله الأطهار واصحابه الأخيار بما مؤاده إن سيد القوم خادمهم ؟ ووجد القوم أنفسهم وجهاً لوجه أمام الحقيقة المرة والفاجعة العاصفة التي دهمتهم على حين غرة ، ولا كانت متوقعة ولا خطرت يوماً ، ولو للحظة واحدة، على عقولهم واحاسيسهم ولا حتى خيالهم .. واصبح أمر رحيل وفراق سيدهم النبيل الذي عاش في صميم وجدانهم وعميق مشاعرهم حقيقة واقعة لا مهرب منها ، فراحوا يتدافعون ويتراكضون وينطلقون ، مهطعين ، شاخصة ابصارهم وقلوبهم ، متجهين بمشاعرهم وعواطفهم وأحاسيسهم الداخلية الكامنة في عمق اعماقهم ، إلى سيدهم النبيل ورمزهم المثال ذاك الذي عرفوه وخبروه وامتزجوا به وانصهروا بمثله وقيمه ومبادئه واخلاقياته إلى حد أن بات الكل جميعاً ـ هم وهوـ واحداً كلاً متجانساً منصهراً لا يتجزأ أو ينفصم ، وتوافد القوم على سيدهم ورمزهم هذا أفواجاً تلي أفواجاً ، وأمواجاً بعد أمواج ، وجموعاً إثر جموع ، والكل يصرخ بسؤال تاريخي واحد ، بمشاعرهم واحاسيسهم ووجدانهم ، أحقاً ما نسمع ياسيدي أنك فارقتنا ورحلت عنا وتخليت عنا وتركتنا يتامى تائهين حيارى ضائعين ، وكيف تفعل هذا وأنت ذلك الشامخ الذي عرفنا والمثال والنموذج الذي أفنى ذاته ليبقى بعد فنائه حياً في جموع قومه فينا ولكنهم لم يظفروا من سيدهم ورمزهم سوى بتلك البسمة الوديعة المحبة الحانية التي ما فارقت محيا وجهه للحظة واحدة طوال حياته وفي ظل اقسى وأحلك وأخطر الظروف والأحداث الداهمة العاصفة ! وسالت دموع الناس سيالة غزيرة متدفقة ، وكانت دموع قلوبهم ومشاعرهم أسبق وأغزر وأمض على نفوسهم من دمع العيون أو المآقي ، أسفاً وتحسراً وألماً على فراقك ،ورحيلك وغيابك في ظرف ووقت كان الصادق والصادح والمجلجل والمغلب لمقتضيات العقل والحكمة والموضوعية والواقعية ، والداعي الأبرز والعامل الأقدر لإرساء مبادئ الحوار والتسامح والمحبة والتسامي فوق كل الخلافات والجراحات والصراعات الآنية تسامياً ، إيجابياً بناءً ، من أجل بناء حياتنا الجديدة في مستقبل أفضل وأكثر إشراقاً وتقدماً وعدلاً ،كارهاً ونابذاً ومحارباً لكل أشكال ونزعات الإنتقام والحقد والكراهية السلبية والمدمرة لكل تطلع نبيل نحو المستقبل الأفضل المنشود . أجل يا سيدي ، الغائب الحاضر ، لقد كنت قائداً فذاً واستثنائياً في حياتك مع قومك وفي رحيلك عنهم كنت فذاً واستثنائياً في قدرتك ونجاحك المتميز في أسلوب إدارتك لكل المواقع والمسؤوليات القيادية التي توليتها ،على كثرتها وتعدد طبيعتها واختصاصاتها . وكلما جيء بك لتولي القيادة في أي موقع أو مسئولية ، وهو مجيء لا يكون إلا لضرورة بعد يأس المحاولات كعلاج أخير لأوضاع متردية منهارة ، فإنك لا تغادر ذلك الموقع أو المسئولية ، بعد فترة تقصر أو تطول ، وهي غالباً ما تكون قصيرة ، إلا ويكون الصلاح والإصلاح والنجاح الباهر قد تحقق في جميع المجالات وعلى نحو ،عادة ما كان يبهرنا جميعاً ، وكنت تغادر وسط فيض غامر من مشاعر الإحترام والتقدير والإكبار والأسى والحسرة على مغادرتك بين كل الذين يعملون معك ، وبين مبغضيك وكارهيك ، بأكثر وأعمق واصدق مما هي بين محبيك وعاشقيك ، كان الأولون يشهدون لك من واقع تجربتهم العملية معك ،وقد أخذتهم صعقة الإندهاش وذهول المفاجأة ، إذ تعاملوا وعوملوا بأسلوب قيادي بالغ الإقتدار والكفاءة ويستند في تقييمه وتعامله مع كل العاملين معه على معيار الكفاءة ومستوى الأداء وليس على معيار الولاءات الشخصية والمحسوبيات ، معيار لا يعير أي اهتمام للإعتبارات الحزبية أو المناطقية أو الطائفية أو الأهواء الذاتيه بل يهتم اهتماماً كلياً بالعمل والأداء وحده وليس غيره وهو أسلوب قيادي استثنائي وغير مألوف في أوضاع كأوضاع بلادنا ومجتمعنا وشؤوننا العامة . كان لكل من عمل تحت قيادتك وإدارتك مبغضاً كان أم محباً يذهل لفرادة وتميز أسلوب قيادتك غير العادي في إدارة الأمور ، اسلوب يناقض المألوف تماماً ، كنت فيه ماقتاً ومنهياً للمركزية القاضية بتركيز وتجميع كل السلطات والمسؤوليات كبيرها وصغيرها ، في يدك ، مستبدلاً اياها بتوزيع الإختصاصات والمهام والمسؤوليات والأعمال كلها ، بدون استثناء ، على كل العاملين معك كل بحسب موقعه وتخصصه ، وتدفعهم دفعاً إلى القيام بمهامهم ومسؤولياتهم بشكل كامل دون انتقاص ،وتزرع فيهم روح المسؤولية والخلق والإبداع ، وتكتفي أنت بدور المشرف المتابع المراقب المقيم الموجه والراسم للسياسة العامة والمستدرك لجوانب النقص والقصور ، والمبادر إلى التطوير والخلق والإبداع .. أسلوب قيادي سهل وبسيط ، لكنه عظيم وخلاق وناجح ولإنه كان في الغالب الأعم غائباً ومفتقداً في إدارة شؤون مجتمعنا ، فقد كان ، وسيظل ،لصيقاً بك دالاً عليك وعنواناً لك ، وهو ما مكنك دائماً من تحقيق النجاح بكفاءة واقتدار وخلق وإبداع دائماً حيثما حللت وأينما توليت بشهادة الكل ، قال ومحب ، وهذا هو المجد في أروع صورة . ولكن هذا الذي ذكرناه ـ أنفاً ـ لا يمثل في حقيقة الأمر سوى جانب واحد من جوانب كثيرة ومتعددة صنعت وصاغت ورسخت شخصية القائد الوطني الذي ليحيى المتوكل .. فما هي يا ترى ، تلك الجوانب الأخرى والمتعددة التي جعلته محاطاً بمشاعر فياضه من الحب والإحترام والإجلال في جنوب البلاد أكثر من شمالها ، وفي شرقها أكثر من غربها ، كيف استطاع هذا القائد الوطني ، وسط أهوال حرب داخلية مدمرة استمرت لاكثر من شهرين من الزمان ، وهو مكلف بإدارة شئون الأمن في البلاد كوزير للداخلية ، أن يحقق حالة متفردة ومذهلة من الأستقرار والأمن والأمان لمجتمع يعيش ظروف حرب شاملة مروعة ، وإلى الحد الذي اختفى فيه تماماً أي نوع من أنواع الجرائم الجنائية العادية في الظروف العادية ! وتلك حالة تخالف المألوف والقاعدة في كل المجتمعات الإنسانية ؟ وكيف حاز على هذا المستوى الواسع من الإحترام والحب والثقة على الصعيد الوطني كله ، ومن قبل القيادات والكوادر والأعضاء المعارضين للحكم من أحزاب المعارضة والمستقلين والشخصيات الاجتماعية والمثقفين والمفكرين وغيرهم ، وهو القائد البارز في الحزب الحاكم ؟ كيف حدث أن اعتبره الجميع ، معارضين وحكاماً على حد سواء ، بإعتباره صمام أمان وضمانة لهم ولحركاتهم ووجودهم دون غيره من القادة على كثرتهم ؟! وهل كنت أنت شخصياً ، ياسيدي الغائب الحاضر ، تدرك أو تعي سر عظمتك وأسباب أهمية ومحورية دورك الوطني التاريخي الذي اعتبره الجميع ، بدون استثناء ضرورة مصيرية لهم لا يمكن الإستغناء عنه بأي حال ؟ اسمح لي ياسيدي العزيز أن اشهد متيقناً بأنك لم تكن تدرك ذلك أو تعيه فأنت كنت من قلائل الزعماء في التاريخ الذين لا يولون أي أهتمام للإعتبارات الذاتية أو العوامل الشخصانية ، كنت منصرفاً في جل جهدك وفكرك ومستغرقاً في كل همك واهتمامك بالأفق البعيد ، بالمستقبل الواعد المنشود الذي حملت به وتمثلته وعملت من أجله لخير وسعادة ورقي شعبك ووطنك وأمتك . ومع ذلك ، فهلا أذنت ، سيدي ، لمحب مثلي ، لمس الحب ولم يعرفه تفصيلاً ، وتملكه الاحترام والإجلال والإعجاب عن بعد دون إقتراب كاف لتبين المعالم والملامح والصفات والخصال والخصائص ، عشق من بعض ما أحس به من جليل الأعمال والأدوار ، وعن سماع من بعض من عايشوك وخاضوا معك تجارب وممارسات عملية واقعية .. ولم يتوفر له حظ المعايشه الحياتية والمشاركة العملية المباشرة ، هلا أذنت يا سيدي لواحد هذه حاله أن يحكي للناس شيئاً من محاولة الإجابة المحدودة القاصرة للتساؤلات السالفة الذكر ، حول سر وعظمة شخصيتك القيادية الفذه ودورك الرائد والحب الذي أحاطك الناس به ، على اختلافاتهم ؟ ورغم أنني سوف أتجرأ بالقيام بذلك ، غير أنني أؤكد وأقر بعجزي وقصوري الكبيرين عن تحقيق قدر من الإلمام ، وكل ما سأقوله لا يعدو كونه مجرد بعض معالم أو ملامح أو عناوين رئيسية عامة ليس أكثر ، فأقول من أهمها : 1- إن يحيى المتوكل كان قائداً مستعلياً دائماً ، ونابذاً لكل نوازع وغرائز الإنتقام والحقد والكراهية والشر في منهج تعامله العام ، وخاصة في مواجهة مخالفيه أو معارضيه أو كارهيه أو حتى أعدائه ، وحريصاً في الإبقاء على قنوات اتصاله وعلاقاته الإنسانية الإجتماعية بهم ، صادقاً في استمرار الحوار والنقاش والتفاهم معهم ، من منطلق الحب والتسامح والود ، ساعياً إلى إحاطتهم بالرعاية والحماية عند كل ما قد يتعرضون له من أذى ومعاناة ، بسبب مواقفهم وخياراتهم ، لا يأسره الماضي عند تجاربه واخطائه والامة وجراحاته بل يتجاوزه إلى المستقبل وكيف يؤسس ويبني ويصنع على نحو لا يكرر فيه مآسي وعذابات الماضي المنقضي ، ولهذا اتسم بسمتين بارزين ظلتا من أكثر السمات واشدها تعبيراً عن شخصية: الأولى الإبتسامة الودودة الوديعة المتفائلة الحانية ، والثانية نبرة صوته الهادئه الموحيه التي لم تعل وتيرتها أو تتصاعد حدتها حتى في أصعب المواقف وأحلك الظروف وأخطر الحوادث ، تلك سمتان لم تفارقاه لحظة من حياته على ما سمعت وعلمت ، وكان مغلباً لدواعي ومقتضيات العقل والتعقل والحكمة والموضوعية والواقعية كابحاً لمشاعره وعواطفه وقناعاته الشخصية في سبيل ما يراه متسقاً مع مقتضيات المصلحة العامة . 2- كان شديد الشعور بالمسئولية إذا حاور وناقش وتفاهم ، يعرف ما يريد واضحاً في أهدافه ومقاصده ومراميه ، ساعياً إلى تحقيق أقصى درجات التقارب والتآلف والتعايش والتعاون بين الجميع ، وعلى حنكته العالية ودهائه وبراعته السياسية المعهودة ، فإنه كان أبعد ما يكون عن الإحتكام إلى عقلية التآمر والخداع واللف والدوران ، همه كله يتجه صوب اتجاه واحد وهو مصلحة الشعب والوطن قبل أي مصلحة دونها . 3- وإذا استشاره إنسان ، أياً كان موقفه وتوجهه السياسي والحزبي ، وطلب منه النصح والتوجيه كان صادقاً بمشورته حكيماً في نصحه ، حريصاً كل الحرص على مصلحة وفائدة ووضع من يستشيره ، دون أن يعمل على توظيف واستغلال مثل هذه الحالة لتحقيق مكاسب أو مصالح شخصية أو سياسية أو حزبية هو معني بها . 4- وإذا طلب منه المساعدة والعون لتحقيق بعض الشئون والمصالح ، بحكم موقعه ومكانته وتأثيره ، كان واضحاً تمام الوضوح في تحديد نطاق وحدود ما يستطيع المساعدة والعون فيه ، فإذا وعد أوفى وانجز ، وإذا اعتذر صدق وأقنع ، وإذا سعى في شأن أي انسان كان أخلص وثابر وجاهد . 5- كان لطيفاً حساساً وفياً مخلصاً ، إلى حد مذهل وفريد ، في صداقاته وعلاقاته الإنسانية والاجتماعية ، يصرف جزءاً ثميناً وغالياً من جهده ووقته ، في العمل على رعايتها وضمان تأصل حيويتها ، واستمرار وشائجها وتوسيع وتعميق عراها ومعانيها ومضامينها الانسانية السامية . 6- كان مرهف الحس شفاف المشاعر والعواطف ، انساني الآفاق والتوجه يتجلى كل ذلك في بعض أعماله الشعرية والأدبية ، التي أطلعت على القليل اليسير منها صدفة ، وهي في مجملها لم تشهد النور بعد ، تحت ضغط سجاياه المتواضعة ونكرانه للذات ، على نحو صارم واصيل وليس ادعاء . هذا ما استطعت ذكره وتذكره من عناوين تحت جو مكفهر عاصف من مشاعر الحزن والأسى والحسرة التي تعصف بالانسان عصفاً يجعله عاجزاً عن ترتيب وتجميع شتات افكاره وتأجج خلجات وجدانه لعزيز رحل فجأة في وزن وقامة قائد وطني شامخ البنيان مثل يحيى المتوكل . أو لم اقل لك يا سيدي ـ سلفاً ـ بأني أعجز واضعف عن الحديث حولك وحول شخصيتك. لقد رحلت يا سيدي عن عالمنا هذا البائس في وقت عصيب للغاية وفي ظل افق تبدو نذر التوقعات والإحتمالات المرتسمه على صفحته البعيدة مخيفة ومريعة حقاً ، وحيث كان الناس باقين على حالة من الأمل والتفاؤل معلق على صوت العقل والحكمة والرؤية والحوار والتسامح والحب الذي اتسم به دوركم وشخصيتكم القيادية الفذة . ومن قبلك ، وقبل أيام فلائل من رحيلك ، رحل عن عالمنا قائد وطني بارز هو جار الله عمر ( أبو قيس ) الذي كان معكم وإلى جانبكم على نفس نهج العقل والحكمة والحوار والتسامح والتعايش ، سقط شهيداً برصاص الجهل والحقد والكراهية والإنتقام وهو يصرخ في الآفاق داعياً إلى تحكيم تلك القيم والإحتكام إليها . وكنتما معاً أصحاب دور ريادي في صنع الوحدة وفي بناء وترسيخ أسس ومقومات غدها ومستقبلها المشرق الواعد بكل الخير والحرية والمساواه والتقدم لنا ولا جيالنا القادمة من بعدنا . ولئن رحلت عنا يا سيدي ، تاركاً في نفوسنا وافئدتنا وعقولنا من المشاعر ما يعجز القلم عن التعبير عنه ، فإن عزاءنا هو الدعاء إلى الله سبحانه وتعالى أن لا ترحل برحيلك القيم والمثل والمبادئ والأخلاقيات التي جسدتها وتفانيت من أجلها ، أي من أجل شعبك ووطنك ، وستكون فاجعتنا فيك مضاعفة في المها وأساها إذا ما حملت إلينا أنباء الأيام القادمة بأن صوت العقل الحكمة قد رحل هو الآخر برحيلك ورحيل زميلك في النهج جار الله عمر ، حينها لن تكون حياتنا إلا مشهداً مرعباً ومروعاً من مشاهد القتل والعنف وسفك الدماء والدمار والخراب والخوف والفزع ، مشهداً تصفه وتهيمن عليه وتديره عقلية ونوازع وقوى الحقد والكراهية والعنف والهدم والتخلف ، وسيكون السائد في هذا المشهد هو نهج وصوت الجنون واللامعقول ، بديلاً لنهج وصوت العقل والحكمة والحب والتسامح والبناء الذي نذرتم حياتكم ـ يا سيدي ـ ومعكم كل الشرفاء الخيرين في هذا الوطن ، جهاداً لا يفتر ولا يلين في سبيل انتصاره وسيادته . حينها ربما ندرك بأنكم ـ يا سيدي ـ الغائب الحاضر ، لم تكونوا انتم الذين رحلتم عن عالمنا وحياتنا ، بل نحن الشعب والوطن الذي رحلوا في لحظة رحيلكم .. أما أنتم ، فسوف تظلون الأحياء الباقين بالمثل والقيم والمبادئ ونهج العقل والحكمة مجسدين لإرادة ومشئية خالقنا سبحانه وتعالى في الخير والحق والعدل والسلام والحب على الأرض . لكم الرحمة والمغفرة والرضوان في ظل جنات نعيم ربكم ، نسأله سبحانه وتعالى أن يجزيكم عنا خير الجزاء ويجنبنا صروف الزمن وعواديه وشروره . وداعاً ( أبا محمد ) فقد كنت فذاً واستثنائياً في حياتك وكنت أيضاً في رحيلك وغيابك .. تلك هي طبيعة قادة التاريخ وزعمائه العظام ، لهم المجد والخلود بما كانوا يفعلون .