نزعات السيطرة الامبريالية.. هل تنتج حركات تحرروطنية مجدداً؟الوطن العربي نموذجاً الحلقة الاولى صحيفة الوسط

منذ أقدم العصور كانت التوجهات إلى السيطرة والهيمنة وتوسيع النفوذ نزعة متأصلة في الشخصية الإنسانية للجماعات والقوى والدول والأمم والحضارات البشرية، ولعبت هذه النزعة دوراً بارزاً في التحكم بمسار التاريخ الإنساني وصناعة أحداثه عبر كافة مراحل التاريخ الإنساني كله، مع اختلاف أساليب ومبررات ووسائل ونتائج تلك النزعة بما يتواءم وينسجم مع طبيعة كل مرحلة وظروفها الموضوعية ومرحلة تطورها التاريخي، على نحو ما نرى كيفية نشوء وتكون الامبراطوريات والحضارات المختلفة عبر التاريخ، كانت الأمة الأكثر قوة وتقدماً تجد نفسها مدفوعة إلى توسيع نطاق سيطرتها ونفوذها من خلال إخضاع الجماعات والقوى الأخرى المحيطة بها إلى المدى الذي تتيحه لها مجمل القوى والإمكانات والقدرات التي تمتلكها وتستطيع تعبئتها وحشدها وتوظيفها. وما يهمنا في حديثنا هذا هو الموجة الكبرى للسيطرة الامبريالية على العالم، أو حركة الاستعمار الأوروبي الغربي في التاريخ الحديث الذي انطلق، أساساً، عقب بوادر الثورة الصناعية فيها، وسيطرة البرجوازية على الحُكم، واستهدفت إخضاع الغالبية العظمى من مجتمعات ودويلات وكيانات في قارات افريقيا وآسيا والأمريكيتين، آنذاك، خلال مطالع القرن السادس عشر الميلادي، وانطلقت القوى أو الدول الأوروبية الكبرى، (بريطانيا -فرنسا- إيطاليا) إضافة إلى اسبانيا والبرتغال، ضمن إطار نزعة السيطرة والهيمنة الامبريالية على العالم، ووسط حمى التنافس والصراع فيما بينها للسيطرة على مصادر الطاقة والمواد الخام والأسواق التجارية وطرق المواصلات وخاصة البحرية منها، وقد اتخذ ذلك التنافس منحى تصادمياً عسكرياً عنيفاً فيما بينها للسيطرة على أكبر قدر ممكن من أراضي وموارد القارات الثلاث أو الأربع وتحت سلسلة من الذرائع والمبررات، غالبيتها مفتعل، كمحاربة القرصنة البحرية وتوفير الحمايات للكيانات أو الجماعات أو الدويلات الهزيلة التي كانت قائمة، وعموما اتسمت حركة الاستعمار الأوروبي (القديم) بطابع القوة العسكرية المباشرة في فرض السيطرة والهيمنة على البلدان والمجتمعات وثرواتها وخيراتها الوطنية ومواقعها الاستراتيجية، ولعبَ هذا النهب والاستنزاف للثروات والموارد المحلية الهائلة دوراً رئيسياً في نمو وتوسع وتطور اقتصاديات وصناعات وازدهار تلك الامبراطوريات الاستعمارية لعدة قرون متواصلة، على حساب إبقاء الشعوب والأمم الخاضعة للاستعمار في حالة ركود وتخلف اقتصادي وصناعي وعلمي وحضاري شامل، وما خلفته القوى الاستعمارية الأوروبية الرأسمالية الليبرالية من مآسٍ وكوارث إنسانية مريعة بسبب وتحت ضغط صراعاتها التنافسية التي فجرت حربين عالميتين مهولتين ومروعتين، تمخضتا عن الاتفاق على تأسيس (نظام عالمي) قائم على قطبية ثنائية تحقق قدراً من التوازن، وخاصة ما تحقق بعد ذلك من توازن (الرعب النووي)، بين المعسكر الغربي الرأسمالي الليبرالي بزعامة القوى الاستعمارية الأوروبية الكبرى أولا ثم بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية لاحقا، والمعسكر الشرقي الاشتراكي بزعامة الاتحاد السوفيتي، وبهذا الترتيب المفروض بتوازن القوتين، دخل العالم حقبة (الحرب الباردة) وبمقتضاها استحال حدوث مواجهة عسكرية مباشرة بين المعسكرين، واقتصر الصراع في ظل هذه المرحلة على سعي القوتين الكبريين للحفاظ على مناطق سيطرة ونفوذ كل منهما وتوسيعها ما أمكن من خلال إدارة صراعات محدودة ومُتحكم بمساراتها بين دول ومجتمعات العالم الثالث، مع تحاشي أن تؤدي إلى صدام مميت بين قطبي العالم الأعظم!.. هذا الواقع العالمي الجديد وما أفرزه من حقائق وموازين قوى ونتائج برزت (حركات التحرر الوطنية) في العالم الثالث الهادفة إلى إنهاء السيطرة الاستعمارية وتحقيق الاستقلال الوطني.. والواقع أن تلك الحركات، خلال فترة زمنية ليست طويلة، استطاعت أن تحقق الاستقلال الوطني وتنهي سيطرة الاستعمار القديم بالكامل، وذلك بفضل الحقائق والأوضاع الجديدة الناشئة عن النظام العالمي ثنائي القطبية من ناحية، ووقوف الولايات المتحدة الأمريكية، وهي القوة العالمية الأعظم، ضد امبراطوريات الاستعمار القديم لإزاحتها والحلول محلها سياسيا وعالميا واقتصاديا وثقافيا، ورغم النجاحات التي حققتها (حركات التحرر) في إقامة (الدولة الوطنية) في بلدانها، وتمكن البعض منها في تحقيق جملة من التغييرات والتحولات والإنجازات والمكاسب على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بفعل التفاف وتأييد شعوبها التواقة للحرية والازدهار، إلا أن الركود الحراكي وتخلف الأوضاع العامة وضعف أو غياب البنى التحتية الضرورية للتنمية والنهوض خاصة في المجالات الإدارية والتنظيمية، وعدم توفر الوسائل الحديثة القادرة على استخراج الثروات والموارد الطبيعية وتعبئتها وتوظيفها التوظيف الأمثل، وإثارة القلاقل والفتن والاضطرابات الداخلية أو المنازعات مع جوارها المحيط وتدبير المكائد والمؤامرات الكابحة لاندفاعاتها المخلصة لبناء وتطوير حياة وأوضاع شعوبها وبلدانها، كل ذلك أدى، بعد فترة لا تتجاوز مع أحسن الاحوال ثلاثة عقود من الزمن، إلى تعرضها لسلسلة من التعثرات والانتكاسات والارتكاسات التي ارتدت بها عن نبل توجهاتها وأهدافها وتطلعاتها في الرقي والازدهار والتقدم الوطني، في ظل واقع محبط كهذا، لم تكن قوى الاستعمار التقليدي القديم والقوى الامبريالية الحديثة والأقوى غائبة أو منسحبة من الوجود الفاعل بهدف التأثير والتحكم بمسار الأحداث والتطورات الداخلية للدولة الوطنية المستقلة، الخارجة على دائرة سيطرتها الاستعمارية المباشرة، ومحاولة استعادة سيطرتها وهيمنتها ونفوذها بوسائل وأساليب جديدة ومختلفة ومتطورة، أو إن جازت التسمية (وسائل وأساليب سيطرة ناعمة)، كتدبير المؤامرات والانقلابات والتصفيات الدموية للقيادات والزعامات والسلطات الوطنية الحاكمة الرافضة للانصياع لإملاءاتها وشروطها، واستبدالها بأخرى موالية أو عميلة لها، وتشجيع وحماية القيادات والسلطات الديكتاتورية والقمعية لشعوبها والناهبة عبر الفساد والإفساد لثروات وأموال شعوبها، وربط بلدانها بدائرة نفوذ وسياسات القوى الدولية الكبرى ذات النزوع الامبريالي العالمي، وتعمدت إبقاء بلدانها وشعوبها في حالة من التخلف والركود والفقر والبؤس والحيلولة دون نهوض حضاري حقيقي، وهكذا تم إغراق تلك البلدان في دوامة رهيبة من الديون شديدة الوطأة والثقل والمعاناة على الشعوب إلى حد أوصلتها إلى عتبات الدول الفاشلة والمفلسة، في ظل أوضاع مأساوية كارثية كهذه تلاحقت التطورات العالمية الدراماتيكية التي أفضت إلى سقوط وانهيار المعسكر الشرقي الاشتراكي العالمي بزعامة الاتحاد السوفييتي وانهيار جدار برلين التاريخي لينهي بسقوطه النظام العالمي القائم على القطبية الثنائية وانتهاء مرحلة الحرب الباردة، ليصبح المعسكر الغربي الرأسمالي، أو بالأصح الولايات المتحدة الأمريكية منفردة، المهيمنة والمسيطرة على النظام العالمي كنظام أحادي القطب، مواكباً أو متزامناً مع أطروحات ايديولوجية فكرية تنظيرية تتصور (نهاية التاريخ) بانتصار تاريخي حاسم ونهائي وإلى الأبد للنظرية الرأسمالية الليبرالية في أكثر أشكالها وصورها غلواً وتطرفاً، وكان واضحا بأن هذا التنظير الايديولوجي الفكري يهدف إلى تهيئة الأجواء وتمهيد الطريق وتأصيله فلسفيا، أمام الولايات المتحدة الأمريكية لتنطلق نحو آفاق تحقيق حلمها ومشروعها التاريخي الامبراطوري لبسط سيطرتها ونفوذها على العالم منفردة، باعتبارها صاحبة (رسالة سامية مقدسة) في قيادة البشرية نحو الخلاص الأبدي!!، لكن الشروع في وضع هذا (الحلم الامبراطوري العالمي الأمريكي) كان محتاجا إلى مبرر أو ذريعة أو مسوغ له من القوة والإثارة الكافية لإقناع الآخرين أو قطع ألسنتهم وتكبيل أيديهم وشل مقاومتهم، فكانت أحداث 11 سبتمبر 2001م الإرهابية المحاطة بأقصى درجات الإدهاش والإثارة والدراماتيكية، لتبدأ الإدارة الأمريكية بقيادة أقصى اليمين المسيحي المتطرف (المحافظون الجدد)، أولى خطواتها الحثيثة على طريق وضع حلمها الامبراطوري العالمي موضع التنفيذ على وقع سَوق وتحريك كل أنواع أسلحتها وقواها العسكرية الرهيبة بمواكبة حركة دبلوماسية تتناغم مع إيقاعات قواتها الضاربة المتحركة، تحت شعار كبير (الحرب العالمية ضد الإرهاب العالمي “الإسلامي”) في بداية الأمر صريحاً ثم جرى استبداله بعد حين بالتلميح بدلا عن التصريح!، هذا قبل أن يعرف العالم الواقفين خلف أحداث 11 سبتمبر الإرهابية، من هم؟ وهل هم؟ وكيف؟ ولماذا؟..الخ، وأعلن على الفور اسم (أسامة بن لادن) الشخص الفرد باعتباره هدف تلك الحرب العالمية المقدسة!، ومع مضي الأيام أعلن عن مسئولية ما سمي (تنظيم القاعدة) بزعامة بن لادن، وبين غمضة عين والتفاتتها صورت أجهزة الإعلام والدعاية العملاقة والعالمية ذلك التنظيم الذي لم يسمع به أحد من قبل بأنه حل محل (المعسكر العالمي الشرقي الاشتراكي وزعيمه الاتحاد السوفييتي) كقوة عالمية تهدد المعسكر الغربي الرأسمالي العالمي وزعيمته الولايات المتحدة، بل والحضارة البشرية برمتها! ووسط تلك الأجواء والانفعالات والإثارة الآخذة بالأبصار والعقول، استطاعت أمريكا أن تفرض على مختلف دول العالم، بما في ذلك قوى كبرى، وتجبرها على الاستجابة وتلبية مطالبها وإملاءاتها المختلفة دون تردد أو نقاش كالتسهيلات العسكرية والأمنية وإقامة قواعد عسكرية وتعاون لوجيستي استخباراتي وإفساح المجال لمرور وعبور قواتها المختلفة، وأجبرت الجميع على الامتثال والتنفيذ لسلسلة لا متناهية من الإجراءات والتقييدات والخطوات الشاملة لمختلف المجالات كمراقبة الحسابات البنكية والتحويلات المالية ومنح التأشيرات والقيود الصارمة على السفر وتضييق الخناق وتشديد المضايقات على المهاجرين والمقيمين بمن فيهم حاملو الجنسيات هم وآباؤهم وأجدادهم في مجتمعات الغرب، والمبالغة المفرطة في أساليب وطرق التفتيش الشخصي والآلي للقادمين والمغادرين إلى حد تعريتهم من ملابسهم، وإلقاء القبض الفجائي فوق وسائل السفر والنقل على أشخاص لمجرد أن ملامحهم الاثنية شرق أوسطية!!  إن كل تلك الممارسات الخارجة على نطاق العقل والمنطق تماما امتدت في انعكاساتها وتأثيراتها ونتائجها لتمس حياة شعوب العالم قاطبة بمن فيهم أولئك الذين يعيشون في صحارى ووديان وجبال ومناطق نائية ومعزولة عن العالم ولم يغادروها كابرا عن كابر!.. وغزت أمريكا أفغانستان ثم بدا لها أن تغزو العراق واحتلتهما ودمرت الحياة فيهما والمساكن والمنشآت على محدوديتها وقتلت مئات الآلاف من البشر وأصابت وأعاقت مئات الآلاف ولوثت أراضيهما وتربتهما ومياههما وهواءهما وزراعاتهما بالإشعاعات النووية والمواد الكيميائية والبيولوجية المتخلفة عن ذخائر وصواريخ وقنابل قواتها، وفي أي من هاتين البلدين لم تقدم الإدارة الأمريكية السياسية والعسكرية والاستخباراتية إلا المبررات والذرائع والأعذار والحجج الواهية التي لا تستند إلى أي منطق سوى منطق القوة الغاشمة وجبروتها، ولا تزال البشرية تئن وتعاني من آثار وانعكاسات ونتائج كل تلك السياسات والممارسات حتى اللحظة وإلى مدى قادم غير منظور.  أردت بهذا التحليل العام وإن بدا أنه قد طال بعض الشيء لكنه كان ضروريا من أجل توضيح الفكرة التي سنطرحها في حديثنا هذا، والتي تتمحور حول أن نزعة السيطرة وبسط النفوذ المتأصلة في تفكير وعقلية القوى الكبرى وخاصة تلك التي تتملكها نزعة أو حُلم بسط سيطرتها على العالم، على نحو ما أوضحنا ملامحه آنفا، وفي ظل التحولات والمتغيرات الهائلة والمذهلة التي يعيشها عالمنا المعاصر اليوم، قد أدخلت حركة الاستعمار مرحلة جديدة، هي وإن اختلفت، في بعض صورها وأساليبها وأدواتها عن المراحل السابقة لحركة الاستعمار العالمي، إلا أنها تعود بها، بشكل واضح، إلى المرحلة الأولى والقديمة لها تاريخيا، التي اعتمدت في فرض سيطرتها وهيمنتها على شعوب وبلدان العالم الثالث على العنف وقوة السلاح وسفك الدماء، إن الاستعمار الجديد بعد مرحلة فرض النفوذ بالقوة الناعمة إبان مرحلة الحرب الباردة، يعود اليوم لاستعارة واستخدام نفس أدوات وأساليب ومنهج الاستعمار القديم، وبكل تأكيد، ويقينا، أن هذه المرحلة الجديدة – القديمة – التي تكرسها حركة الاستعمار والهيمنة الجديدة، سوف تنتج وتولد وتخلق وتبتكر وسائل جديدة لمقاومة الشعوب ومواجهتها للمستعمرين الجدد رفضا للضيم والقمع والاستعباد وطلبا للحرية والسيادة الوطنية والاستقلال والكرامة والعزة، ذلك أن التاريخ الإنساني بكافة مراحله المتعاقبة يؤكد ويبرهن في دروسه وعبره وتجاربه المتراكمة بأن إرادة الشعوب التواقة للحرية والكرامة قادرة على خلق المعجزات وهي المنتصرة دائما ، لأنها تتسق وتنسجم مع منطق التاريخ وحقائقه وقوانينه الراسخة، وأن جبروت القوة الغاشمة وغطرستها، مهما عظمت ودمرت، فإنها الهزيمة المذلة والمدوية هي المصير الحتمي الذي ينتظرها، وهذا ما يبرهن عليه السجل الحافل والمشرق لإرادة الشعوب وثوراتها ومقاومتها الباسلة لقوى البغي والعدوان والدمار والظلم عبر التاريخ.. إن ما جرى وما زال يجري في أفغانستان والعراق وباكستان إلى حد ما، وما حدث من قبل في منطقة البلقان، وما حدث في ليبيا من تدمير وقتل وسفك الدماء بآلة القوة الغاشمة لحلف الأطلسي، وما يحدث في سوريا الآن، وما سيحدث لاحقا في بلدان عربية أخرى، وما تتعرض له إيران من حصار شامل وعقوبات ظالمة لمنعها من تحقيق أسباب التقدم والرقي والازدهار والنهضة وامتلاك أسباب القوة للدفاع عن نفسها ومكاسبها يؤكد – بما لا يدع مجالا للشك- ما ذهبنا إليه آنفا أن بلداننا وشعوبنا تقف اليوم أمام غزو استعماري منظم وغاشم يسعى إلى إخضاعنا للاحتلال الأجنبي من جديد. ولعل ما حدث ويحدث في بلادنا اليمن خلال العامين الأخيرين، يمثل النموذج الأكثر وضوحا لما عاشته وتعيشه بلدان من وطننا العربي، وما ينتظر منطقتنا العربية والإسلامية المحيطة في قادم الأيام من مصير مظلم ومخيف.. ففي مطلع العام 2011م فجر اليمنيون ثورة شعبية سلمية عارمة شارك فيها ملايين عديدة من مختلف فئات ومكونات المجتمع اليمني، وظلت ثورة الملايين الشعبية هذه لأكثر من عام مستمرة ومتواصلة دون انقطاع أو تراخ أو فتور للمطالبة بإسقاط أسوأ سلطة حكم فاسدة في تاريخه الحديث تقوم على عصبية عائلية عشائرية ضيقة ومتخلفة ظلت قابضة على مقاليد الحكم في البلاد بقبضة عسكرية بوليسية حديدية لأكثر من 33 عاماً متواصلة، وأوصلت البلاد إلى الفشل وحافة الانهيار الفعلي، وللمطالبة بإقامة دولة مدنية حديثة نظيفة، دولة المؤسسات الديمقراطية والمواطنة المتساوية وسيادة القانون والعدالة، وهو مطلب حق ومشروع ووجيه بكل المعايير.. هذه الثورة الشعبية السلمية العظيمة والأصيلة تعرضت لتآمر خطير أدارته قوى الاستعمار الجديد بهدف محاصرة الثورة واحتوائها والالتفاف عليها.. تآمر سار في خطين متوازيين ومتكاملين.  الخط الأول: حرص بكل جهد على إحاطة السلطة العائلية الفاسدة الحاكمة بالرعاية والحماية الكاملة سياسيا وقانونيا بعرقلة ومنع صدور أية إدانات أو اتهامات أو ضغوط ضدها من قبل المنظمة الدولية وهيئاتها المختلفة ونشر غطاء واق حولها من أي ضغوط أو مطالبات بتنحيها عن السلطة استجابة لمطلب الشعب على النقيض تماما مما حدث إزاء ثورات تونس ومصر! الخط الثاني: الدفع بمراكز قوى عسكرية رئيسية ونافذة ظلت تشكل ركنا أساسيا ومحوريا من أركان تلك السلطة الحاكمة طوال فترة حكمها الممتد لأكثر من 33 عاماً لإعلان انشقاقها عن السلطة الحاكمة والانضمام للثورة أو كما قيل للدفاع عن ثورة الشعب السلمية!.. إضافة إلى بعض القوى القبلية التي كانت هي الاخرى لصيقة بالسلطة وداعمة لها، والتأثير على قيادات سياسية للأحزاب السياسية المعارضة واستمالتها -سياسيا- وجر الجميع إلى صفقة تسوية سياسية هزيلة مع السلطة الحاكمة، قضت بإزاحة رأس السلطة عن كرسي الرئاسة بعد إغراقه بسيل من الحمايات والحصانات والضمانات من أية ملاحقات أو محاكمات له ولكل من عمل معه بالمطلق!، مع إبقاء كافة مكونات وهيئات ورجال ورموز السلطة كما هي دون مساس (مدنية وحزبية وعسكرية وأمنية) وإعادة إنتاجها في سلطات الحكم التي قيل إنها جديدة مع إشراك ممثلين لأحزاب المعارضة السياسية.  وبموجب ما ترتب على تنفيذ تلك التسوية السياسية البائسة أن أصبحت أوضاع البلاد وأحوالها أكثر سوءا وتدهورا من النواحي الاقتصادية ومستويات الفقر ونسب البطالة وعجز الدولة عن الوفاء بالتزاماتها المالية داخليا والانفلات الأمني الواسع وانتشار الفوضى والجرائم والقتل وغياب الأمان واتساع نطاق الفساد، والجيش والأمن منقسم ومتواجه، لأن أطراف ومكونات ومراكز قوى التسوية السياسية على تعددهم لا يملكون مشروعا موحدا لبناء اليمن الجديد، ونظر كل واحد منهم إلى سلطة حكم التسوية السياسية- أو بعبارة أخرى -الدولة- على أنها فرصة سانحة لتحقيق المزيد من المصالح والمكاسب الخاصة وغنيمة مباحة للأقدر والأقوى، ومجالا مفتوحا لتوسيع دائرة النفوذ وتقوية وتعزيز المواقع والتحصينات الخاصة بكل منهم. على أن ما هو أخطر وأدهى من ذلك أن أحكام ومضامين التسوية السياسية قضت وكرست وضع اليمن بالكامل تحت “الوصاية الدولية” ليس عبر ومن خلال الأمم المتحدة كما قد يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى، ولكن عبر ومن خلال الولايات المتحدة الأمريكية والقوى الدولية الحليفة لها كالاتحاد الأوروبي وإلى حد ما تركيا ودول مجلس التعاون الخليجي، وبعبارة أخرى تحت وصاية وإدارة أمريكا أساس ومساعدة تلك الأطراف لها إذا ما دعيت، وأصبحت سلطة القرار الوطني في يد السفير الأمريكي بشقيه العسكري الأمني والسياسي المدني، وليس بيد وتحت تصرف السلطات الوطنية التي جرى تنصيبها كواجهة شكلية للتغطية على حقيقة استلاب القرار الوطني من ناحية، ولترمي عليها تبعات ومسئوليات الإخفاق والفشل لقرارات وسياسات ليست هي من قررها واتخذها! ولو كانت اليمن قد وضعت، رسميا، وبالكامل تحت الوصاية الدولية ممثلة بالأمم المتحدة كما هو منصوص ومتعارف عليه في القانون والمعاهدات الدولية النافذة التي تلزم الجهة الوصية بكامل المسئوليات والتبعات والالتزامات التي تتطلبها عملية إدارة البلاد والدولة وتسيير شئونها في مختلف المجالات لكان الأمر معقولا ومقبولا، أما أن توضع البلاد عمليا وواقعيا تحت وصاية دول الهيمنة والنفوذ الدولي، ويقال لنا إن البلاد تدار وتسير عبر سلطات وطنية حاكمة تمتلك كامل مقومات السيادة وحرية اتخاذ القرار الوطني، وهي ليست كذلك في واقع الأمر، فذلك هو بعينه العبث والتلاعب بمصائر الشعوب والأوطان على حساب المصالح الوطنية العليا.. ولعل أبرز وأوضح مظاهر الوضع الشاذ وغير السوي في بلادنا، أن أمريكا منعت ولا تزال تمنع إزاحة كبار قادة الوحدات العسكرية والأمنية من عائلة وأقارب الرئيس المخلوع سواء أولئك الذين ظلوا حتى الآن على ولائهم وارتباطهم به، أو أولئك الذين أعلنوا انضمامهم للثورة، أي من كلا فريقي أو قوتي انشقاق الجيش والأمن اليمني الذي لا يزال قائما حتى اليوم، كخطوة ضرورية لنجاح إعادة هيكلة وبناء الجيش والأمن على أسس ومعايير وطنية ومهنية حديثة وقانونية، ومن جانب آخر شاهدنا وتابعنا تدفق وصول وتمركز آلاف الجنود الأمريكيين إلى اليمن بطائراتهم ومدرعاتهم وصواريخهم وسفنهم الحربية في القواعد العسكرية وداخل المدن وفي السواحل بل وحتى داخل بعض معسكرات الجيش والأمن، وتديرعدة مراكز مراقبة وتصنت على كافة وسائل الاتصالات داخل اليمن والبلدان الإقليمية المحيطة، وتتابع وترصد كل حركات الدخول والخروج عبر كافة المنافذ الجوية والبحرية والبرية أولا بأول وقبل إحاطة السلطات المحلية علماً بها!! وإذا صح ما يشاع فإن العمل جار على قدم وساق لإنشاء وتكوين قوة خاصة أمريكية في المراحل الأولى رفيعة التدريب وعالية التجهيز والكفاءة والتسليح لتناط بها مهمة توفير الحماية الأمنية الخاصة برئيس الجمهورية.  كل هذا وغيره، دون أن نشهد أو نلمس على الجانب المقابل أي خطوات أو مساهمات جادة وفعالة لمعالجة تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية والخدماتية والاجتماعية أو الأمنية أو محاربة الفساد والفوضى والشروع الجاد في بناء الدولة اليمنية الحديثة دولة المؤسسات الديمقراطية وسيادة القانون والعدالة والحرية، وغير ذلك من المهام التي تلامس هموم المواطنين ومعاناتهم وآلامهم العميقة. وعلى ضوء وفي إطار هذا الاستعراض كله، يبدو واضحا وجليا أمام أعيننا جميعا، بأن بلادنا اليمن دخلت، بالفعل، حقبة من الاحتلال الاستعماري الجديد تقوده وتنفذه هذه المرحلة الولايات المتحدة الأمريكية مباشرة، وتتبدى مظاهره وتجلياته بوجود وتموضع قوات عسكرية وأمنية ضاربة وكبيرة ومعززة بمختلف الأسلحة الثقيلة والمتطورة من ناحية، وبالسيطرة والتحكم بالقرار السياسي الوطني عسكريا ومدنيا ومن ثم الهيمنة على عملية إعادة بناء بنية وهيكلية السلطة المحلية وتكييفها بما يخدم ويحقق توافقها وعدم تعارضها مع الرؤية والمصلحة والأهداف الخاصة بالقوة المحتلة، وإحاطتها ومحاصرتها بسلسلة من الاتفاقيات والمعاهدات المقيدة والمكبلة والمعطلة لأية نزعات تحررية أو وطنية أو استقلالية قد تسيطر، في يوم من الأيام، على تلك السلطات الوطنية المحلية، وتطالب سلطة وقوات الاحتلال بالرحيل، وهو نهج بدأت مؤشراته بالفعل مع السلطات الحاكمة في أفغانستان والعراق وليبيا وبالتأكيد غيرها لاحقا. وإزاء هذا الواقع السياسي الجديد والخطير، الذي فرض نفسه بالقوة والإكراه على اليمن وفي مواجهته والتصدي له، هل يعيد التاريخ نفسه ويفرض على شعبنا الحر وطلائعه الثورية وقواه الحية، إعادة النظر في مجمل رؤاها وبرامجها وأفكارها وإعادة صياغتها وتوجيهها صوب تشخيص الوضع الجديد وتشكيل (حركة مقاومة أو حركة تحرر وطني) تستوعب وتحشد وتعبئ كافة القوى والطاقات الوطنية الواسعة لخوض النضال السياسي المتعدد الأوجه والمجالات لاستعادة السيادة والاستقلال الوطني وإجبار قوى الاحتلال والاستعمار الجديد على الرحيل كما رحلت بالأمس؟، وهل الظروف الموضوعية ناضجة ومهيأة لمثل هذا العمل الوطني التاريخي؟  ذلك ما سنتناوله في حديث قادم بإذن الله.    بريطانيا -شيفلد 26/10/2012م      

By Editor