عندما قضت ارادة الله سبحانه وتعالى تنزيل رسالة دين الاسلام (القرآن الكريم) على قلب نبيه ورسوله المصطفى محمد بن عبدالله – صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله- ، ليبلغها للناس كافة هدى وشريعة ومنهاجا لحياتهم وشئون دنياهم واخراهم، شاءت حكمته أن تكون رسالة الاسلام نهاية كمال وتمام الرسالات السماوية وخاتمتها وأن يكون نبيه المصطفى (ص) خاتم النبيين، وأنقطع بذلك وحي السماء بعد رسالة الاسلام التي كانت مصدقة لما بين يديه من التوراة والانجيل وتبيانا لما اختلف فيهما واكتمالا نهائيا لدين الله الواحد.. ولهذا اختصت الارادة الالهية بأمر حفظ رسالة الاسلام(القرآن) بلفظ ودلالة قطعية وواضحة ( انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون) ضمانة ربانية علوية بعدم تعرضه لأي تبديل أو تحريف كما حدث للرسالات السماوية السابقة، وحكمت مشيئة الله جل وعلا بأن يكون دين الاسلام كما فصله في كتابه العزيز القرآن المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه صالحا ومناسبا للبشرية على اختلاف أزمنتها وامكنتها الى أن يرث الله الارض ومن عليها .. ( ان هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم).. ولما كان القرآن صالحا عبر اختلافات المكان وتقلبات الزمن وتعاقب الأجيال وتباين الأجناس واللغات والثقافات الى الابد، فقد احتوى وتضمن كل القوانين الأساسية الثابتة والأحكام والأوامر والنواهي المحكمة القاطعة التي تشكل في مجموعها منهجا متكاملا ناجحا وفعالا لترشيد وتطهير وتزكية الطبيعة أو الفطرة الانسانية الواحدة واعدادها وتأهيلها على نحو شامل للقيام بدورها ومسئوليتها العامة التي حددها لها الخالق في الحياة كخليفة له في عمارة الأرض في اطار أسس وقيم ومعايير الخير والعدل والاخاء والتكافل والصدق والأمانة والايثار وغير ذلك مما رسمه منهج القرآن وأحكامه وتعاليمه السامية، ولم يتطرق القرآن الى تفاصيل ودقائق كيفية ولا طبيعة عمارة الانسان للأرض وبناء حياته وادارة شئونه عليها، لحكمة العليم الخبير، اذ لو كان القرآن كذلك لافتقد على نحو أو أخر سمة صلاحيته المطلقة لكل زمان ومكان، بل أوكل مهمة التفاصيل والأساليب والوسائل والكيفية الدقيقة لعملية بناء وادارة شئون حياته للانسان وفق مقتضيات وظروف ومتغيرات الزمان والمكان المتغيرة والمتطورة باستمرار اهتداءا واسترشادا بقوانين وأحكام وأوامر ونواهي منهج بناء وتقويم وترشيد الفطرة الانسانية الثابتة التي حددها القرآن الكريم ودون خروج عنها أوتعد لحدودها، انطلاقا من الحقيقة الثابتة المسلم بها بين جمهور الفقهاء والعلماء بأن النص ثابت ومتناه والحياة دائمة الحركة والتطور والتجدد، ومن هنا جاء مبدأ الحث على الاجتهاد وتشجيعه الى أقصى الحدود في الاسلام، بحيث جعل للمجتهد اذا أصاب أجران، أجر لجهد وعناء الاجتهاد وأجر للاصابة والتوفيق، ولم يغفل نصيب المجتهد ولو أخطأ بأن جعل له أجرا مقابل جهده وعنائه. هذا على رأي القائلين بأن الحق مع أحد المجتهدين، أما عند الزيدية فانهم أكثر تحررا وتسامحا لأنهم يؤمنون بأن كل مجتهد مصيب بناء على القاعدة الأصولية القائلة بأن المطلوب لله من العبد الاجتهاد. وانطلاقا من هذا الوعي والادراك الصافيين لجوهر الدين الاسلامي ومقاصده وغاياته، واستشعارا للحاجات الملحة التي فرضتها البيئة السائدة نتاج التطور الطبيعي لحياة الانسان والمجتمع اقتصاديا وفكريا وسياسيا واجتماعيا، وما أفرزته من قضايا وأوضاع جديدة تلح على ضرورة وضع حلول ومعالجات لها انطلاقا وعلى أساس الرؤية الاسلامية المحددة بقوانين وأحكام وأوامر ونواهي الفطرة الانسانية الثابتة.. انبرى عدد من ذوي العلم والمقدرة على الدرس والتحليل والاستنباط والنظر الثاقب بوضع الرؤى والتصورات على شكل اجتهادات تساهم في وضع حلول ومعالجات للمشكلات والأوضاع والقضايا المستجدة على حياة الناس بحكم سنة التطور والتغير الدائم للحياة، فكانت البدايات الأولى لنشأة المذاهب والفرق الفقهية والفلسفية المختلفة في حياة المسلمين، وهكذا ومنذ أول خلاف سياسي شهده المجتمع الاسلامي الوليد عقب وفاة الرسول الأعظم صلوات الله وسلامه عليه وعلى اله بين المهاجرين والأنصار حول اختيار خليفة للرسول (ص)، ثم أحداث الفتنة الكبرى أواخر عهد الخليفة الثالث ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه، وما تلاها من أحداث دامية جسام عقب مبايعة وتولي الخليفة الرابع الامام علي رضي الله عنه وأرضاه أميرا للمؤمنين، وخروج معاوية بن أبي سفيان والي الشام عن مبايعةالامام علي وما نتج عنه من صراع دموي مرير دام لعدة سنوات، ومقتل الامام علي والامام الحسين وأولاده وذريته عدا واحد، واعتزال الامام الحسن ، وقيام الدولة الاموية التي أرست نظام الملك الوراثي وتعرض آل البيت للقتل والملاحقة والتعذيب والابادة ، ثم قيام الدولة العباسية… وغير ذلك من مسار التاريخ الاسلامي المعروف، نشأ ت الفرق والمذاهب الاسلامية المختلفة، لمواكبة ما أفرزته المتغيرات والتطورات المتلاحقة والمتسارعة في المجتمع الاسلامي بما في ذلك التحديات الجديدة التي فرضت نفسها عليه بفعل توسع رقعة المجتمع والدولة الاسلامية واحتكاكها وتفاعلها مع حضارات وثقافات موروثة باتت شعوبها جزءا من المجتمع والدولة الاسلامية، وما أدى اليه كل ذلك من متغيرات وتحديات فكرية وثقا فية وسياسية واقتصادية وادارية وغيرها.. وكانت كل المذاهب والفرق الاسلامية ، وان تأثرت بنتائج وأثار التقلبات والصراعات السياسية المتعاقبة، نتاج اعمال فكر مبدع لأئمة عظام فهموا جوهر الدين وروحه ومقاصده وغاياته، واستوعبوا حقائق الواقع المعاش ومشكلاته وأوضاعه الجديدة التي أفرزها التطور الطبيعي الحتمي للحياة، ووضعوا رؤاهم وتصوراتهم للحلول والمعالجات المناسبة من منطلق ديني كاجتهادات أملتهاعليهم ظروف حياتهم في الزمان والمكان المعاشين، ولم نسمع أن أحدا من أئمة المذاهب ادعى لنفسه أو لمذهبه احتكار الحقيقة أو تمثيل الدين، ولم نسمع عن أي منهم أنه جرد الاخرين من امكانية الصواب أو حكم عليهم بالكفر والفسوق، بل على العكس من ذلك أخذ بعضهم على يد بعض وتتلمذ بعضهم على يد بعض، وأشاد بعضهم بعلم بعض، وتعايشوا جميعا في اطار من المحبة والتسامح والود والرغبة الصادقة في البحث عن الحقيقة وألاكثر صوابا الا قليلا من الغلاة الذين لم يعد لهم ذكر في التاريخ. والشاهد أن المذاهب والفرق كانت تتنا فس في مجملها على تقديم المزيد والجديد من العلم والفكر والابداع في مختلف مجالات حياة المجتمع باختلاف ظروف الزمان والمكان، وبفضل هذه المذاهب والاجتهادات شهد العالم للشريعة الاسلامية بالخصوبة والثراء الواسع .. ولولم تصب عملية الاجتهاد بالركود والجمود لعقود طويلة مضت حتى توقفت تماما أو كادت وخاصة في مجالات الفقه السياسي والاقتصادي، لكان لدينا الان العشرات بل المئات من المذاهب والاجتهادات التي تواكب متغيرات الحياة وتطوراتها وتضع لها الحلول والمعالجات والبرامج في كافة مجالات الحياة التشريعية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية…الخ. ان أخطر وأسوا ما تعرضت له المذاهب الفقهية الاسلامية في مراحلها المتأخرة أن أتباعها أضفوا عليها- عن جهالة وقصورمنهم- نفس الدرجة من القداسة التي لكتا ب الله العزيز( القرآن الكريم)، رغم حقيقة كون المذاهب – مهما بلغت من الدقة والشمول وحسب تأكيد أئمتها العظام- اجتهادات بشرية في الاستنباط والقياس قد تخطئ وقد تصيب، في حين أن كتاب الله محكم ومفصل لايأ تيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.. وبسبب هذا التوحيد في درجة القداسة ونتيجة منطقية له برز التعصب الأعمى والتحجر والانغلاق والجمود.. ونظرة القداسةهذه – رغم ثبوت خطئها الفادح- للمذاهب خلقت لدى الأتباع المبررات القوية في اللجوء الى استخدام أساليب العنف والقتل والارهاب وسفك الدماء وكأنه واجب شرعي ديني ملزم يؤهل من يمارسه لدخول الجنة باعتباره شهيدا!! والمخيف والمفزع حقا في هذا الصدد أنك اذا حاولت محاججة ومناقشة أمثال هؤلاء الأتباع مستشهدا بايات محكمة قطعية الثبوت والدلالة رد عليك باستهجان ويقين بأن الامام أوالفقيه أوالعالم الفلاني قال كذا وكذا، حتى وان كان هذا القول يخالف نصوص القرآن وأحكامه مخالفة صريحة وصارخة!!. والحقيقة أن هذا التقديس للمذاهب والفرق المساوي لتقد يس كتاب الله المجيد كان ولا يزال السبب والدافع الرئيسي لمسلسل الصراع والقتل وسفك الدماء المريع بين المسلمين منذ فجر الاسلام وحتى اليوم، وما نشهده ونسمعه من مذابح وحشيه مروعة في الجزائر وأفغانستان وغيرها من بلاد المسلمين على تفاوت الدرجات الا دليلا ساطعا يؤكد ما نذهب اليه.. وخلاصة ما نريد أن نصل اليه هو التأكيد بأن التعليم للمذاهب الاسلامية على اختلافها يساهم مساهمة فعالة في ابراز خصوبة وغنى وثراء وتنوع وابداع شريعتنا الاسلامية ويخلق جيلا اسلاميا جديدا بعقلية باحثة نقدية قادرة على الخلق والابداع وينمي فيه ملكة الحرية في اختيار الانسب والأصلح وبالتالي مواصلة مسيرة الاجتهاد الذي توقف لحقب طويلة من الزمن بعقل متفتح مستنير بعيدا عن التحجر والتعصب والانغلاق والجمود.. وهذا ما تحتاجه أمتنا الاسلامية في عصر كعصرنا يشهد تحولات ومتغيرات وتطورات علمية وتكنولوجية هائلة ومتسارعة ومذهلة تنعكس على مختلف مجالات الحياة الانسانية، ومن الخطل العقلي الصارخ قول البعض بأن التعليم المذهبي خطر مدمر لوحدة المجتمع وتماسكه وتقدمه.. على أن الخطر الحقيقي الداهم والمدمر حقا يأتي فقط حين يلجا البعض عن جهل وتعصب أعمى الى فرض تعليم مذهبي يقتصر فقط على مذهب واحد بعينه دون سواه، هنا فقط نخلق جيلا نشأ وتربى على التعصب الأعمى المفضي حتما الى العنف والارهاب وسفك الدماء لاعدام الاخرين والغائهم، وكل ذلك يكون باسم الله وفي سبيله زورا وبهتانا وهذه هي الطامة الكبرى.. والى اللقاء في الحلقة القادمة باذن الله تعالى بعنوان (( حقيقة الزيدية المفترى عليها)). تنويه: أجد لزاما علي أن أوضح بأن سلسلة الحلقات التي أنشرها في صحيفة (( الأمة)) لم ولن تكون بأي حال من الاحوال موجهة ضد التجمع اليمني للاصلاح الذي يحتل في أنفسنا وعقولنا مكانة محترمة ورفيعة، ويحظى بكل التقدير والاعتزاز وخاصة رئيسة الشيخ الحكيم الوطني البارز عبدالله بن حسين الأحمر أمده الله بالعافية وطول العمر .