قبل الدخول في حديثنا لهذه الحلقة حول الزيدية وموقفها ازاء مسألة الامامة وتهمة العنصرية التي تلصق بها ، لابد اولا من توضيح حقيقة اساسية ومهمة من الضروري فهمها وتفهمها منذ البداية ، وهي ان حديثنا حول الزيدية في بعض من ابرز واهم جوانبها وملامحها الرئيسة ، ينحصر ضمن دائرة النظر اليها باعتبارها منهجا علميا فكريا اجتهاديا يلزم كل قادر على الاجتهاد برأيه ويوجبه عليه وجوبا شرعيا ويحرم التقليد الا كخيار ضرورة لمن لم يبلغ مستوى القدرة على الاجتهاد ، ويعتبر كل مجتهد مصيب ويقره على العمل بما اوصله اليه اجتهاده ، وهومنهج تاسس على قواعد ثابتة من التحرر والتسامح والتعايش مع الاخرين والخلق والابداع والتجدد والتطورالدائمين ، اهل الزيدية ومكنها من الاضطلاع بدور طليعي في اخصاب واثراء واغناء الفكر والتشريع الاسلامي بسيل متدفق من الكتب والمؤلفات والمصنفات الاجتهادية الرفيعة علىنحو لا نجد له نظيرا في سائر المذاهب والفرق والمدارس الاسلامية، وحديثنا اذ ينحصر ضمن دائرة النظر هذه ، فإننا غير معنيين ولا مهتمين في هذا السيا ق بخلط الحديث بين الزيدية منهجا وفكرا واجتهادا شامخا ومشرقا وبين نظم الحكم السياسية التي قامت في بلادنا على مختلف الفترات باسم الزيدية او تحت لوائها .. ذلك لان لكل من الفكر والعلم من جهة ونظام الحكم والسلطة من جهة اخرى حديثا وتناولا يختلف في طبيعته ومنهجه عن الاخر ، واي محاولة لفرض التطابق والوحدة العضوية بينهما هي الى المغالطة والتزييف اقرب اليها من توخي الحقيقة والتزام الواقعية والموضوعية. ووفقا لهذه الرؤية نبدأ حديثنا فنقول ان قضية (( الامامة )) من حيث هي متصلة بمفهوم الدولة او الحكم اي انها بعبارة اخرى قضية سياسية جوهرية ، احتلت منذ فجر الاسلام ، ولاتزال ، حيزا كبيرا وهاما على نطاق اهتمامات وانشغالات الفكر والتشريعي الاسلامي ، وقد اتفقت جميع المذاهب والفرق والمدارس الاسلامية تقريبا واجمعت على وجوب ((الامامة )) كمبدا، انطلاقا من حقيقة كون الاسلام دين وسياسة ، لكنهم اختلفوا بعدئذ حول تفاصيل كيفيتها وطبيعتها واسلوب تطبيقها وشروطها وفيمن تكون من المسلمين الى اخر سلسلة مثل هذه التفاصيل والفرعيات الجزئية ، فقالت جميع مذاهب السنة اوكما يطلق عليها مذاهب اهل الحديث بوجوب انحصار الامامة في قريش ،اي ان يكون الامام للمسلمين ((قرشيا )) واستندوا في رايهم هذا الى نص حديث نبوي اعتبروه قطعيا وفوق المتواتر على حد قول الامام الشوكاني ،ومؤدى هذا الراي القائل بوجوب الامامة وحصرها في قريش استنادا الى نص قطعي فوق المتواتر وجوب الالتزام به شرعا واعتبار الخارج عنه خارجا عن دائرة الملة كونه منكرا لمعلوم من الدين بالضرورة . وذهبت مذاهب الشيعةالامامية والاسماعيلية الى حصر الامامة على اهل بيت النبي (ص ) منهم من جعلها في الامام الحسين بن علي وذريته ، واخرون منهم جعلها في الحسن والحسين وذريتهما عليهم السلام وهكذا ، في حين ذهبت الخوارج الى جعل الامامة/ شورى بين عامة المسلمين دون تمييز ، والجميع استندوا الى نصوص من القران او الحديث اعتبروها قطعية اللفظ والدلالة او تاولوا قطعيتها تأويلا . وفيما يتعلق بموقف الزيدية ورؤيتها ازاء مسألة الامامة نجد اختلافا وتباينا في وجهات النظر نجمله اختصارا في النقاط الرئيسة التالية :- 1) ان الزيدية عموما وان اتجهت الى حصر الامامة في ال البيت في الامامين السبطين الحسن والحسين عليهما السلام ، الا انها لم تؤسس اتجاهها هذا استنادا الى نص قطعي من شانه اخراج ناكره عن دائرة الملة ، ولكنها اسسته استنادا الى اعتبارات الافضلية واقرت بمشروعية امامة الشيخين ابي بكر وعمر رضي الله عنهما ، مع ايمانها بافضلية الامام علي عليه السلام ، ومن هنا جاء تاصيلها للمسالة بجواز امامة المفضول بوجود الافضل .. 2) ان هناك فرقا من فرق الزيدية كالصالحية والسليمانية ذهبت الى جعل الامامة شورى بين عامة المسلمين دون تمييز ، متفقة في ذلك مع مذهب الخوارج . 3) وهناك فرقة زيدية كالجارودية تحصرالامامة في ال البيت وجوبا لنصوص تأولت قطعيتها متفقة في ذلك مع مذاهب الشيعة الامامية والاسماعيلية. 4) في حين يرى الامام الهادي وجوب حصر الامامة في ال البيت وعدم جوازها في غيرهم ، لكنه لم يستند في رايه الى نصوص دينية بل استند الى اعتبارات الافضلية ، ومع ذلك لم ينكر مشروعية امامة الشيخين . 5) وهناك من ائمة الزيدية الكبار الذين تولوا الحكم مثل الامام عز الدين بن الحسن (متوفى عام900ه) صاحب مصنف (( المعراج )) الذي يرى في مصنف مخطوط له ما معناه ان القول بأن وجوب الامامة قطعيا مجانب للصواب ، بمعنى ان من ينكر الامامة كمبدا ولا يؤمن بها لا يعتبر اثما بحسب راي الامام عز الدين ، وهو الى ذلك يذهب الى حد نفي وجوب الدولة اساسا من الناحية الدينية ! اي انه على نحو واخر اجاز ايمان البعض باقامة ما يسمى حاليا بالدولة المدنية مع عدم تخطئتهم .. والمدهش حقا ان هذا الامام اثار هذا الجدل الحساس بعدم قطعية وجوب الامامة اصلا وهو امام حاكم بالفعل !! . 6) وحتى البعض من الزيدية الذين قالوا بحصر الامامة في ال البيت استنادا الى اعتبارات الافضلية وليس الى نص ديني ، فاننا نجد ما يبرر لهم قولهم من الناحية العقلية والمنطقية ، فحيث اجمعت كل مذاهب اهل السنة على قطعية وجوب الامامة وحصرها في(قريش) استنادا الى نص ديني ، فاين وجه الغرابة والاستهجان اذا راى بعض الزيدية حصرالامامة في الاشرف والاكرم من قريش ؟!. 7) ومع هذا وذاك اليس كافيا ان يصدر كبار علماء الزيدية عقب قيام دولة الوحدة اليمنية فتوى موقعة ومنشورة في صحف البلاد ينفون فيها وينكرون قطعية وجوب الامامة من اساسها ، معتبرين دستورالبلاد وهو ما اجمع عليه عقلاء الامة ملزما للجميع ويجب اتباعه والعمل على هديه شرعا ، متفقين في ذلك مع ما ذهب اليه الامام عز الدين بن الحسن قبل ذلك بمئات السنين .. واذا كانت مذاهب السنة جميعا اجمعت على ثبوت قطعية وجوب الامامة وحصرها في قريش استنادا الى نص ديني ، ولم نسمع اي صوت او راي في الحاضر ولا في الماضي يوجه الاتهام لهذه المذاهب بالامامة والعنصرية ويطالب بشطبها واحراقها من الوجود ، فلماذا تتعرض الزيدية وحدها لحملات الافتراء والتشويه والاساءة والمطالبة بازالتها من الوجود ، رغم ان من الزيدية من قال بوجوب الامامة وحصرها في ال البيت دون نص شرعي ، ومنهم من قال بجعل الامامة شورى بين عامة المسلمين دون تمييز ، وبعضهم من انكر الامامة اصلا وقال بعدم قطعية وجوبها ؟! ان الامر ليبعث على الريبة والشك والتساؤل الكبيرحول حقيقة دوافع ومقاصد هذه الحملات .. ومع ذلك دعونا نواصل سيرنا لاستكمال تفنيد مزاعم وافتراءات اصحاب تلك الحملات العمياء بصرا وبصيرة ، فهم يلصقون بالزيدية تهمة العنصرية بحجة انها قالت بوجوب الامامة وحصرها في ال البيت وبالتالي فقد كان جميع الائمة الذين حكموا البلاد ينتمون او ينحدرون من سلالة عرقية واحدة هئ سلالة العلويين الفاطميين ، والحقيقة ان هذه الحجة تكشف بوضوح اما عن جهل فاضح او تجاهل متعمد يهدف الى تزوير التاريخ والتغطية على حقائقه ، ذلك ان الصراعات عبرمختلف مراحل التاريخ لم تكن بواعثها عن دوافع مذهبية او طائفية او عنصرية ، واهم ما نستدل به الاتي :- 1) ان الائمة الذين حكموا وعملوا على استكمال وحدة اليمن ،وخاصة بعد اخراج الاحتلال العسكري التركي بفعل حرب التحرير التي خاضها اليمنيون بقيادة الامام يحي حميد الدين ، عملوا على توسيع رقعة نفوذ الدولة وسيطرتها الى اقصى حد ممكن فيما كان يعرف سابقا بشمال اليمن ، وكان الدافع والهدف من وراء ذلك سياسيا . حيث لم يعمدوا الى فرض مذهبهم واكراه الناس على الاخذ به ، بل ظل اهالي المناطق التي ضمت الى السيادة السياسية للدولة في تهامة والبيضاء وتعز واب على مذهبهم وذلك على خلاف ما كان معمولا به في كل مراحل التاريخ الاسلامي اذ يفرض الملك او الامير او الحاكم مذهبه بالقوة والاكراه على ابناء المناطق الخاضعة لسيطرته . 2) لم يشهد التاريخ اليمني على امتداد مراحله الطويلة اية حروب او صراعات اهلية ذات دوافع واسباب طائفية مذهبية او عنصرية ، بل كانت جميع الحروب والصراعات الداخلية سياسية الابعاد والاهداف ، اما بين امام حاكم واخر يخرج مدعيا احقيته بالامامة ، وقبائل تتوزع الولاء لهذا او ذاك ، او في حالة ضعف قوة الدولة وبروز نزعات ومطامح شخصية لزعامات وطنية تتجه لاقامة دويلات وامارات مستقلة هنا وهناك وان اتخذت لها في الغالب غطاء عقائديا على شكل مذهب ديني لاضفاء المشروعية لنزوعها السياسي . 3) وطوال فترات حكم الائمة في اليمن فقد كان الحكم خلالها شراكة فعلية وحقيقية ومتوازنة بين فئتي (( السادة )) و (( القضاة )) بحسب التسميات التي سادت انذاك ، وبالتالي فان وضع فترات الحكم تلك في ميزان تقويم مالها وماعليها يقتضي إنصافا ان تتوزع بالتساوي بين الفئتين تماما وليس على واحدة منها فقط . 4) ولا يستطيع احد ان يدعي – الا ان يكون مكابرا – بان حكم ائمة الزيدية قام استنادا الى عصبية عنصرية هاشمية ، والا كيف يمكن لهؤلاء المكابرين عن جهل او تجاهل ان يفسروا لنا الاسباب التي حالت او بالاصح منعت تولي امام علوي فاطمي للحكم من ابناء مناطق مثل تهامة او مارب او البيضاء او تعز رغم وجود اعداد كبيرة من الهاشميين فيها ؟؟ ولماذا كان الائمة الحكام يأتون دائما من المناطق المحيطة بالعاصمة صنعاء ؟؟ 5)ان الصراع في كل فترات التاريخ الطويلة كان في حقيقته ذا دوافع واسباب وعوامل مناطقية جغرافية اجتماعية سياسية اي انه صراع جيوبوليتكي بحسب المصطلح الحديث، ولايزال كذلك حتى يومنا ، وقد فطن الشهيد ابراهيم الحمدي ونفذ ببصيرته الثاقبة الى حقيقة اسباب ذلك الصراع ، وكان على وشك وضع حد وكسر القاعدة / العرف التي فرضها ذلك الصراع بالمجيء برئيس من ابناء مناطق بعيدة عن العاصمة بدلا عنه، على ان يتولى هو رئاسة تنظيم سياسي حاكم كان على وشك الاعلان لولا ان القدر عاجله فاختاره الى جوارربه، وتم وأد مشروعه التاريخي بتغيير طبيعة ومجرى وبواعث الصراع وتوظيف فعالياته وامكانياته في اطار مشروع دولة يمنية حديثة تقوم على مواطنة متساوية في الحقوق والواجبات بين المواطنيين جميعا اتجاها صوب بناء المستقبل والغد المشرق تقدما وعدلا ونهضة ورقيا . ان الذين عايشوا تجربة دولة الوحدة التي قامت في 22مايو 1990م يعرفون تماما ان احد الاسباب الرئيسية للازمنة والحرب كانت تتصل بسلطات وصلاحيات نائب الرئيس وكيف ينتخب؟ وهل يكمل فترة الرئيس اذا غائب او عجز عن ممارسة مهامه؟ ام تجري انتخابات رئاسيةجديدة؟ وهو ما يؤكد صحة ما ذهبنا اليه من تفسير لاحداث التاريخ وقوانين الصراع السائدة، ويبرهن على كذ ب كل ادعاء يحاول اعطاءتفسير للتاريخ الوطني قائم على المذهبية او العنصرية.