من غرائب الانتخابات:كيف تبدو صورة الانتخابات القادمة؟ الحلقة الاخيرة

تطرقنا في عدد سابق إلى أهم الدلائل والمؤشرات التي ارتسمت في الأفق منذ وقت مبكر وتحديدا منذ تشكيل اللجنة العليا للانتخابات وطبيعتها مرورا بالكيفية التي شكلت فيها اللجان الإشرافية والأساسية وصولا الى بيان بعض من أهم الخروقات والتجاوزات والمخالفات القانونية الصارخة اثناء مرحلة القيد والتسجيل من خلال بعض الدوائر الانتخابية كنموذج دون التطرق الى ما حدث في كثير من الدوائر من تجاوزات ومخالفات واختراقات مماثلة وعلى نطاق أوسع وطبيعة أخطر .. وكيف أن كل ذلك القى ظلالا كثيفة وخلق شكوكا ومخاوف عميقة وجادة حول سلامة وحرية ونزاهة الانتخابات القادمة . وتوقفنا عند محاولة تكوين رؤية عامة للصورة المتوقعة للإنتخابات القادمة على ضوء ما سبق .. وهو ما سنحاوله في هذه الحلقة . غير انه قبل الشروع في محاولتنا هذه لابد من الاشارة والتأكيد على حقيقة جوهرية واساسية وهي ان مسألة الديمقراطية بمختلف اشكالها وتطبيقهاتها ومظاهرها ، في المجتمعات المتخلفة والاكثر تخلفا وبلادنا واحدة منها لا يمكن بأي حال من الاحوال ممارستها بمعزل عن واقع واوضاع التخلف السياسي والثقافي والاجتماعي والحضاري عموما ويستحيل تصور اية امكانية لقيام ديمقراطية حقيقية ، والانتخابات مظهرا واحد فقط من مظاهرها وممارستها ممارسة صحيحة ومتكاملة في ظل غياب البناء الدستوري المؤسسي الحديث للدولة ووسط غياب سيادة القانون واحترامه واستقلال القضاء ونزاهته والفصل بين السلطات وغير ذلك من الشروط الاساسية للديمقراطية وفي بلادنا حيث لا يزال مفهوم الدولة وطبيعتها ووظائفها من حيث هي دولة مؤسسات دستورية قائمة على النهج الديمقراطي ، يسودها حكم القانون المرتكز على قضاء مستقل نزيه وقوي وتحقق لمواطنيها جميعاً كل مقتضيات العدل والمساواة والأمن والأمان والاستقرار،لا يزال هذا المفهوم الحديث للدولة متخلفاً وبعيداً الى حد كبير عما يجب ان تكون عليه الدولة القائمة على اسس الديمقراطية واحكامها..فالحقوق والممتلكات بل وحتى الأعراض يمكن أن تُنتهك وتُصادرمن قبل مسؤولين واصحاب نفوذ ووجاهات يملكون قوة السلاح والمال ويحتمون بسلطة الدولة . والاشكال الديمقراطية الوليدة كالاحزاب والنقابات والصحف تتعرض لعملية منظمة من التخريب والاحتواء والافساد والنسف من الداخل بالاعتماد على امكانيات الدولة وسلطاتها وجبروتها المادي والمعنوي وقوة الدولة ونفوذها وسلطتها المطلقة تتوحد توحدا شبه كلي بقوة ونفوذ وسلطة الحزب الحاكم الى حد تتلاشي فيه القدرة على التفريق أو التمييز بين ما هو عام وما هو خاص وتصبح الاموال العامة التي يفترض ان تكون ملكا للشعب بسهولة اموالا خاصة اما لافراد او لجماعات او احزاب سياسية بصفة غير مشروعة بطبيعة الحال . إن واقعا سياسياً مهيمناً كهذا لا يستثير لدينا الدهشة والاستغراب عندما نرى ونسمع ونعايش ممارسات وتصرفات مسؤولي اجهزة ومؤسسات وهيئات الدولة وخاصة منها الخدمية في هذه الأيام السابقة لعملية الانتخابات بقليل من سوء الاستخدام المفرط للأموال العامة وحقوق المواطنين وتوظيفها توظيفا فجا وكاملا للاغراض الانتخابية لحزب حاكم دون ادنى مراعاة لمعايير الحياء ومشاعر الناس .. صحيح ان سوء استخدام الاموال العامة وتوظيفها للاغراض الانتخابية لاحزاب حاكمة حدث في الانتخابات السابقة بشكل أو بآخر ، غير انه هذه المرة فاق وتجاوز الى ابعد حد كل مقتضيات المنطق والعقلانية . وبأساليب سافرة ومفضوحة بل وهمجية ايضا في حين كان الامر يمارس في الانتخابات السابقة بشيء من التستر وتحت مبررات وتغطيات متعددة بسب حالة التوازن السياسي القائم انذاك . وفي نفس الوقت فليس بمستغرب او من غير المتوقع ما نلاحظه ونسمعه ومن الاستخدام الواسع والمكثف والمخطط لمعسكرات الجيش والأمن في العملية الانتخابية في بلادنا حيث بدا وكأن قادة الجيش والأمن من فرط ايمانهم وحماسهم للديمقراطية واستحواذهاالكامل على مشاعرهم وتفكيرهم وحرصهم العميق على ضمان ممارسة ديمقراطية حرة ونزيهة قد اندفعو في موجة عاطفية عارمة تجاه الديمقراطية فراحوا يحشدون ويوجهون افراد معسكراتهم الذين لا يعلم الا الله والقادة عددهم وتحركاتهم وتنقلاتهم الى قيد وتسجيل اسمائهم في جداول الناخبين في كثير من الدوائر الانتخابية المختارة بعناية خاصة في المحافظات الجنوبية الشرقية بالأمر العسكري المُلزم .. بل لقد دفع إيمان وحماس القادة العسكريين للديمقراطية حدا جعلهم يربطون صرف مرتبات افراد معسكراتهم بتسليمهم للبطائق التي تثبت قيامهم بتسجيل اسمائهم في الدوائر المحددة لهم فقط . ويبدو ان اخواننا الاريتريين ، قوم خبثاء استغلوا في البداية اطمأناننا وركوننا الى سلامة موقفهم الايجابي الرائع في المساندة والوقوف الى جانب الشرعية والوحدة في بلادنا فقاموا على حين غرة بلطش جزيرة حنيش الكبرى ولم يكتفوا بذلك بل انتهزوا فرصة انشغال جيشنا الواسع بالتسجيل في الدوائر الانتخابية فلهفوا جزيرة حنيش الصغرى ، والله وحده اعلم ماذا سيفعل هؤلاء الاريتريون الخبثاء يوم الاقتراع في 27أبريل 1997م م القادم، حين يكون جيشنا في ذلك اليوم مشغولا ومن ومنتظماً في طوابير للادلاء باصواته في الانتخابات . ونخشى أن يقوم الاريتريون في ذلك اليوم باحتلال منطقة (( نجد قُسيم )) في محافظة تعز بحُجة  وجود مواطنين لهم هناك لا جئين منذ سنوات طويلة ومقيمين في مخيمات توفر لهم المأوى بعد عودتهم من الاعمال التي يعملون بها خارج المعسكر . والحقيقة ان مسألة مشاركة افراد الجيش والأمن في الانتخابات تعتبر من اهم المسائل واكثرها حساسية ومن  الضروري والمفيد للغاية ان يقف الجميع ازائها وقفة متعمقة ومسؤولة وجادة بالنظر الى ما يمكن ان يترتب عليها من نتائج وأثار سلبية وخطيرة تنعكس على وطننا ومسيرتنا السياسية من أكثر من جانب وإتجاه .. ان مبعث اعتراض ورفض الكثير لمشاركة افراد الجيش والأمن في العملية الانتخابية في بلادنا يرجع في مجملة الى طبيعة النظام الانتخابي المعمول به في بلادنا والقائم على تقسيم البلاد الى دوائر فردية بحسب التعداد السكاني ومعلوم ان مشاركة افراد معسكر او اكثر من معسكر في الانتخابات في دائرة معينة من شأنه ترجيح مرشح معين بحكم تحرك افراد الجيش والامن وانضباطهم الصارم للأمر العسكري وهذا ينتقص من حق ناخبي الدائرة في اختيار من يمثلهم ولو كان النظام الانتخابي المعمول به قائما على تقسيم البلاد الى مناطق انتخابية تضم كل منطقة عدة محافظات او كان النظام الانتخابي قائما على اعتبار البلاد كلها دائرة انتخابية واحدة لما كان هناك مشكلة في ادلاء العسكريين باصواتهم في الانتخابات لأن عددهم حينئذ لن يكون بالكثرة التي تنتقص من حقوق الناخبين .. لهذا نجد جميع الدول التي تاخذ بنظام الدائرة الأنتخابية الفردية تمنع مشاركة العسكريين في الانتخابات كماهو الحال في مصر والجزائر وتونس ولبنان وهناك بواعث للاعتراض اخرى منها : 1-  ان معسكرات الجيش والأمن عادة ما تحاط بسرية مطلقة بحيث يستحيل التحقق من أسماء وعدد الأفراد داخل المعسكر، بالإضافة إلى استحالة القيام بالدعاية الانتخابية للمرشحين داخل المعسكرات … 2-  أن طبيعة معسكرات الجيش والأمن أنها في حراك مستمر ودائم من حيث تنقلات ونوبات الأفراد ولا يعسكر فيها أفراد بعينهم بشكل دائم كما هو حال الوظائف المدنية. 3-  إن العمل الحزبي محرم الاشتغال به لأفراد الجيش والأمن بنصوص القانون، والانتخابات تتم لمرشحين يمثلون أحزاباً سياسية بالغالب مع بعض المستقلين وهو ما يعني بشكل أو بآخر الزج بالجيش والأمن في معترك الصراع والتنافس الحزبي. وأغرب ما في هذا الأمر تناقض مواقف الأحزاب السياسية تجاه هذه المسألة ففي الانتخابات السابقة كان المؤتمر الشعبي العام والتجمع اليمني للإصلاح ضد مشاركة العسكريين في الانتخابات بشكل مطلق داخل اللجنة العليا للإنتخابات وكان الحزب الاشتراكي اليمني يتبنى مشاركة العسكريين بشكل مطلق وفي هذه الانتخابات المقبلة أصبح المؤتمر الشعبي العام متعصباً إلى أقصى حد مع فكرة مشاركة العسكريين بينما أصبح الحزب الاشتراكي اليمني ضد الفكرة ولم يبق سوى التجمع اليمني للإصلاح متمسكاً بنفس موقفه السابق .. إن أخطر ما في قضية مشاركة أفراد الجيش والامن في عملية الانتخابات هو أنها بدأت في الآونة الأخيرة تأخذ منحى في غاية الخطورة، وكأنها أصبحت مواجهة بين العسكريين والشعب وهو ما يجب علينا جميعاً أن نتنبه له ونعالجه بوعي وإدراك سليمين، فالقضية أساساً تكمن في سوء استغلال القادة العسكريين لأفراد معسكراتهم وممارسة مختلف أشكال الضغوط والترهيب لإجبارهم على الإدلاء بأصواتهم بالأوامر العسكرية لمرشحين معينيين ،غير أن ما يجب علينا إدراكه بأن أفراد الجيش والأمن هم أولاً وأخيراً جزء لا يتجزأ من أبناء الشعب ويعانون نفس معاناة سائر المواطنين ويقاسون أشد المقاساة من سوء احوالهم المعيشية والحياتية بل أن أفراد الجيش والأمن أكثر معاناة ومقاساة في أوضاعهم المادية والمعيشية من كثير من المواطنين ولا يختلف وعيهم عن وعي شعبهم ولو تمكنا من إيجاد أفضل الشروط والضمانات لإجراء الانتخابات بطريقة حرة ونظيفة واستطعنا أن نمنع حدوث تزوير لتلك الانتخابات فإننا على ثقة بأن اخواننا أفراد الجيش والأمن سيعطون أصواتهم وفق إرادتهم الحرة وبما يرضي ضمائرهم ويخلي مسؤوليتهم أمام الله والوطن ويمنحون ثقتهم للمرشحين الذين يعتقدون بنزاهتهم واستقامتهم وكفاءتهم، ذلك أن مسألة إعطاء أصوات الناخبين أمانة عظمى من جميع النواحي الدينية الشرعية والوطنية .. وعلى ضوء كل ما سبق وفي ظل ما تتناقله وسائل الإعلام والأخبار المتداولة بين الناس عن التجاوزات التي حدثت أثناء مرحلة القيد والتسجيل والنطاق الواسع والمتعدد للتجاوزات والخروقات والمخالفات القانونية في مختلف الدوائر الانتخابية في البلاد فإن الصورة المتوقعة للإنتخابات القادمة تبدو قاتمة ومخيفة خاصة إذا جرى الاقتراع في غياب الشروط والضمانات اللازمة لسلامة إجراءات الاقتراع بما يجعلها انتخابات حرة ونزيهة ونظيفة إلى أقصى حد ممكن .. ولا شك أن التلاعب بعملية الانتخابات وتزوير نتائجها ، إن حدثت من شأنه بالفعل أن يقود البلاد حتماً إلى هاوية من الانفلات والانهيار الشامل وحينئذ يصبح وجود الوطن ووحدة كيانه في مهب ريح عاصفة لا يعلم أحد ماذا سيكون ماله في الأخير وهو ما نتمنى مخلصين أن يدركه القائمون على الأمر ويستوعبونه تماماً منذ الآن وقبل فوات الاوان .. والله وحده الموفق.     صحيفة الشورى  

By Editor