بعيداً عن كل ما زَخَرَ به الخطاب الإعلامي، الرسمي وغير الرسمي، من مضامين تتميز بأقصى درجات الحدة والغلو والتطرف، في تناوله وتعامله ومعالجته للاحداث المفاجئة الدموية بالغة القوة والشراسة التي تفجرت في بعض مناطق ونواحي محافظة ((صعدة)) بين مُغالٍ في العداء وقالٍ متطرف في بغضه وكراهيته ، وبين مُغالِ ومتطرف في وده وحبه لصالح او ضد هذا الطرف او الآخرمن طرفي المشكلة المشتعلة، وهو تناول وتعامل لا يمكن إلا ان يؤدي للمزيد من التوتر وتأجيج نار المشكلة ولهيبها المشتعل ، ويعمل على زيادة وتوسيع الفجوة بين اطرافها وخلق المزيد من التباعد والتباغض بينها ، بما لا يساعد ولا يخدم مساعي الخيرين للتهدئة والحل.. فانه لا يوجد من ابناء هذا الوطن العزيز المخلصين والغيورين والطيبين من تريحه وتسره ما يجري في صعدة من احداث ومعارك دامية تُزهق فيها ارواح غالية وعزيزة على وطننا من افراد القوات المسلحة والأمن والمواطنين، وتُدمر فيها المساكن والمنشئات البسيطة والمتواضعة، ويجد المواطنون الابرياء انفسهم تحت اجواء الرعب والخوف والحصار محرومون من وصول الغذاء والدواء ومياه الشرب ، ويعيشون اقسى المعاناة والالام والعذاب..لا احداً من شرفاء هذا الوطن يتمنى إستمرار هذه الأحداث لشعوره وإدراكه العميقين بأنها تُلحِق افدح الاضرار والخسائر بالبلاد والعباد ، وتترك تفاعلات وانعكاسات وتأثيرات سلبية وبالغة الخطورة على حاضر ومستقبل الوطن والشعب والوحدة الوطنية والتلاحم الاجتماعي السياسي للشعب، وكما انها تسهم بفتح الابواب وإحداث ثغرات على جدار وحدتنا ومسيرتنا الوطنية تَعبُر من خلالها المخططات والمؤامرات والقوى المعادية لبلادنا وما تمثله وستمثله في الحاضر والمستقبل من تطلعات ورقي وازدهار.. والواقع ان اكثر ما يثير قلقنا ومخاوفنا واكثر ما يضاعف المرارة والألم العميق الذي يعتصرنا ويهزنا من الأعماق ويزلزل كياننا كمجتمع، إن أحداث صعدة المروعة تدخل اليوم اسبوعها الرابع، منذ تفجرها في 18 يونيو الماضي، وبالرغم من التصاعد الكبيرلحجم ضحاياها وخسائرها البشرية والمادية، وما تتركه آثارها ونتائجها النفسية والمعنويه من انعكاسات وتراكمات في نفس ومشاعر وعقليه الفرد والمجتمع لأجيال قادمة تؤثر سلباً، وعلى نحو مدمر، على عمق الشعور والانتماء الوطني وتجذره العميق، رغم هذا كله ، وغيره كثيرإلا أنه ومن المحزن بل والمخيف حقاً اننا لم نراو نسمع او نحس بأي تحرك او مبادرة للقيام بمساعٍ حميدة وخيرة من اي نوع في إتجاه محاصرة المشكلة ووقف المعارك الطاحنة ونزع فتيل اشتعالها وتأججها، ومنع استمرار تداعياتها واحتمالات انتشارها واتساع نطاقها ، والمساهمة في حلها ومعالجة اسبابها واثارها.. تقوم بها وتنهض بأعبائها مجموعات من المخلصين والشرفاء الاكثر شعوراً واستشعاراً لمسئولياتهم وواجبهم الوطني، من قادة الدولة والوجاهات الاجتماعية البارزة من مشائخ القبائل وعقلائها وعلماء الدين والسياسيين وقادة منظمات المجتمع المدني، وذلك بخلاف وعلى العكس مما كان يحدث في بلادنا على امتداد تاريخها الطويل ، وخاصة مراحل تاريخها المعاصر والى وقت قريب جداً في مواجهة مشاكل وازمات وأحداث كانت ، في الغالب ، اصغر حجماً واقل اهمية وخطورة بكثير مما هو حاصل في الوقت الراهن من أحداث في محافظة صعدة .. والحقيقة ان تلك المبادرات والمساعي والتحركات الشعبية بتعاونها وتناغمها وتناسقها مع الدولة بمختلف مؤسساتها كانت ايجابية وفعالة وحققت نجاحات باهره وانجازات عظيمة في معالجة وحل الكثير من المشاكل والأحداث التي كانت تنشأ بين الحين والآخر، وحالت دون تصاعدها وتفاقمها واستفحالها، وهو ما حفظ للبلاد والدولة موارد وامكانيات وقوى هائلة من ان تبددها وتهددها عبثاً تلك المشاكل والأحداث في حال استمرارها وتفاقمها واستفحالها، والأهم من ذلك انها حافظت الى حد كبيرعلى التماسك الداخلي للمجتمع ووحدته وتلاحمه وأمنه واستقراره وطمأنينته السياسية والاجتماعية ، وكانت تلك المبادرات والمساعي الحميدة والفعالة سِمة او مِيزة تميزبها اليمن عن كثير من البلدان والمجتمعات العربية والاسلامية ذات الظروف والاوضاع المتشابهة او المتقاربه لظروف واوضاع مجتمعنا اليمني.. ولعل أهم ما وفر لتلك الميزة اليمنية عوامل الفاعلية والنجاح والايجابية، ان كل تلك المبادرات والمساعي الشعبية الطوعية الخيرة حرصت على ان لا يكون عملها وحركتها بمعزل عن الدولة او بالتجاوز لها او على حسابها، بل على العكس من ذلك ظلت تطرح دورها كمكمل وموازر ومساند وداعم للدولة وسلطاتها ، حيث كانت تنزل الدولة منزلتها وتعطيها حقها ومكانتها ودورها ومسئولياتها باعتبارها كياناً سيادياً يقود ويوجه مسيرة البلاد ويحافظ على حياة وأمن وأمان ومصالح المواطنين جميعاً ويرعى شئونهم بالحق والعدل ، كما كانت من الناحية الاخرى المقابلة تحرص على تأمين وضمان حقوق المواطنيين، افرادا وجماعات، وحماية وصيانه حياتهم وكرامتهم وادميتهم من كافة اشكال الانتهاك والتعدي والمصادرة كالقتل بغير حق والتعذيب والاهانات وغيرها، وذلك انطلاقاً وتجسيداً للتقاليد والأعراف القبلية والوطنية المتأصلة والأصيلة، وبذلك استطاعت ان تحقق قدراً مهماً من التوازن، حيث لا تطغى الدولة او تستبد او تتجبر، ولا يشطح المواطن ويتجاوز الحدود في اعماله وطلباته المكفولة له سواء في الدستور او القوانين او الشريعة او الأعراف السائدة في المجتمع .. ولهذا فإن اكثر ما يبعث على مخاوفنا وقلقنا ، انه وبرغم اهمية ونجاح المبادرات والمساعي الشعبية واعتبارها ميزة هامة تتمتع بها بلادنا وشعبنا، فانها المرة الاولى التي تغيب وتتوارى تماماً عن القيام بدورها المعهود فيما يتعلق بأحداث صعدة رغم خطورتها واهميتها البالغة!! فلماذا هذا الصمت الرهيب؟ ولماذا اختفى الخيرون والشرفاء ووجهاء القوم ورموزهم وتواروا تماماً؟ ولماذا اجحموا عن القيام بدورهم التاريخي المعهود والناجح في إنهاء الاقتتال والدمار ووقف النزيف الغزير والمخيف الذي تسببه أحداث صعده وقد مضى على تفجرها ما يقارب الشهر حتى الان ؟! تلك الأحداث المأساوية التي تشير بعض شواهدها ومؤشراتها الى احتمال امتدادها وتوسعها وتفاقمها واستفحالها على نحو يشكل افدح الاضرار والمخاطر على الوطن والشعب؟ ان الواجب الديني والمسئولية الوطنية والاعتبارات الاخلاقية والانسانية تدعوهم وتناشدهم بل وتفرض عليهم القيام بدورهم على الفور ودون تباطؤ او تراخ لوقف النزيف الرهيب المتمثل بازهاق مئات الأرواح البرئية وسفك الدماء الغزيرة والاصابات الكثيرة والتدمير الواسع واهدار وتبديد الامكانيات والطاقات والقدرات والجهود الوطنية وادخار كل ذلك لحماية الوطن والذود عن حياضه وتطور حياته وصنع تقدمه، فلتتوقف الحرب فوراً قبل اي شيء آخر كهدف اولي عاجل لا يحتمل اي تأجيل لرفض المعاناة والعذاب عن كاهل المواطنيين بتمكين الامدادات الغذائية والدوائية الانسانية من الوصول اليهم، وهو هدف لا يمكن تحقيق اية خطوات لاحقة على طريق حل المشكله نهائيا إلا به ومن خلاله.. واعتقد جازماً بأن هؤلاء الخيرين والشرفاء وسعاة الخير والحق، سيجدون من الاخ الرئيس علي عبد الله صالح كل العون والتشجيع والمساندة لإنجاح مسعاهم ومهمتهم، وسيذلل امامهم كل الصعاب والمعوقات ، حيث اثبت على مدى السنوات الطويلة الماضيه من حكمه وقيادته للبلاد انه رجل دولة مسئول وحريص اتسم دائماً بالحكمة وبعد النظر والتسامح في سبيل مصالح الوطن العليا، دون أحقاد او كراهية وبعيداً عن نزعات الانتقام والعنف، واضعاً نصب عينيه كل مامن شأنه تعزيز وتقوية الوحدة الوطنية ونشر قيم المحبة والتعاون والخير.. ان ما يجري يعتبر كارثة.. والسكوت عما يجري جريمة فليبادر الجميع سريعاً امتثالا وإعمالا لقول الله سبحانه وتعالى: ((ولتكن منكم امة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر واولئك هو المفلحون)) صدق الله العظيم صحيفة الايام