تحت عنوان((سكت دهرا ونطق كفرا: العطاس مهندس الانفصال في اليمن)), طالعتنا صحيفة ((الأيام)) رائدة الابداع المهني الصحفي المتميز, في عددها (696) الصادر في 23/2/2000, بمقال مطول كتبه الأستاذ علي ناجي الرعوي, رئيس تحرير صحيفة((الثورة)) اليومية الرسمية ردا على مقابلة صحفية أجرتها صحيفة ((الخليج)) الاماراتية مع المهندس حيدر أبو بكر العطاس, وأعادت((الأيام)) نشرها, اعمالا لنهجها الصحفي الثابت الذي رسمه مؤسسها المرحوم محمد علي باشراحيل, بأن تكون ((الأيام)) منبرا للخبر الأمين, والصحيح, مساحة تعتمل على صفحاتها الآراء والأفكار ووجهات النظر الرصينة والجادة والمسئولة على اختلافها وتبايناتها , وصولا الى الحقيقة, وحرصا على المصداقية, واحتراما لشرف المهنة, وتأكيدا لحرية الكلمة, وهو نهج لاتزال ((الأيام))تتحمل بسببه سلسلة من التبعات والأعباء والمضايقات والتهديدات في محاولات محمومة لاجبارها على القبول بأن تتحول الى مجرد((صحيفة)) لا تغرد خارج سرب سائر صحف زماننا الرديء, كان الله سبحانه في عونها. وعودة الى موضوعنا أو حديثنا الأساسي, نقول انه, ومع احترامنا لرأي ووجهة نظر الأخ الأستاذعلي ناجي الرعوي, وحقه في ان يكون له تحليله واستنتاجاته الخاصة للواقع والاحداث. اننا وبالمقابل ينبغي علينا جميعا أن نعامل اراء ووجهات نظر الاخرين بنفس درجة الاحترام, ونقر لهم بذات الحق في أن يكون لهم تحليلاتهم و استنتاجاتهم الخاصة بهم للاحداث والوقائع, دون مصادرة او تسفيه أو تكفير أو تخوين, باعتبارها تجليات او مقاطعات للعقليات الاحادية الشمولية التي لاتزال – بكل أسف- تفرض هيمنة وسيطرة مناهجها وقوانينها واحكامها المطلقة التي تنظر وتحكم على أي اخر باعتباره خطرا داهما, وشرا مستطيرا, يهدد بفناء الحياة واعدام الكون كله. ولست أنوي أن أقف- هنا- مفندا ممحصا ومحللا لكل ما تضمنه مقال الأخ الرعوي من وقائع واحداث, وخاصة سيل التهم التجريمية والتخوينية المخيفة التي ا لصقها بالمهندس حيدر العطاس, التي لا تعدو أن تكون أكثر من اشاعات ودعايات من طراز وانتاج أجواء وظروف الخلافات والصراعات والتصادمات السياسية الناشئة عن الطبيعة المختلة والأسلوب العشوائي غير المدروس في تركيبة وبناء دولة موحدة,وذلك لأن هناك الكثير والكثير من الحقائق والشواهد والأدلة والبراهين التي تبين وتوضح وترسم طبيعة الملابسات والعوامل والظروف التي احاطت وتحكمت بمجريات الاحداث والتطورات ومسارها منذ قيام دولة الوحدة حتى يوليو 1994م، غير ان معظمها غير قابل للنشر ولاتسمح به الظروف الراهنة.. وعليه فسوف أقتصر على تسجيل بعض الملاحظات العامة حول قضايا رئيسية أوردها مقال الأستاذ الرعوي , وذلك على النحو التالي: (1) أن سياق ومضمون ما ورد في المقابلة الصحفية تؤكد بكل وضوح وجلاء ان المهندس حيدر العطاس كان في كل ما قاله على مستوى عال ورفيع من الكياسة ودماثة الخلق والموضوعية والشعور بالمسئولية والحرص على المكاسب والمصالح الوطنية العليا لليمن الواحد, حتى في مقابلته الصحفية هذه التي تدور في مجملها حول ذكرياته وانطباعاته أوشهاداته للتاريخ, اوارائه وتصوراته بكيفية معالجة مشاكل وازمات وطنية, فأن العطاس ظل معبرا عن ذلك المستوى العالي والرفيع من الوعي والمسؤلية والحرص, ولم يكن هناك, في كل ما تصمنته اجاباته الصحفية,أي داع أو مبرر أوموجب يقتضي مواجهته بمثل تلك الحملة العدائية المفرطة في الحدة والتجريم والتخوين. (2) ان مثل تلك الردود, بقدر ما تؤدي اليه من فتح وتعميق جروح لم يتم اندمالها بعد, واَضرام المزيد من نيران الضغائن والاحقاد والكراهية بين ابناء الشعب والوطن الواحد المتولدة عن سلسلة الاختلالات والأزمات والصراعات بسبب الطريقة الارتجالية المتسرعة في اقامة دولة الوحدة والتي بلغت ذروة بالغة الخطورة باحداث الحرب والانفصال في صيف عام 1994م فانها لايمكن ان تساهم ايجابيا في دفع عملية تجاوز شجاع وجاد لمجمل تلك الافرازات والاراء والنتائج في اتجاه اعادة بناء وتعزيز وتجذير وشائج وعرى الاندماج الوطني والوحدة الوطنية بأسس ومعالجات واوضاع جديدة وشاملة وجذرية تجعل لمبدا الولاء الوطني ومفهوم المواطنة معنى ومضمونا حقيقيا واقعيا, وليس مجرد شعار نظري يحلق في السماء, وليس له على أرض الواقع وجود. (3) ان العطاس, من خلال مواقع المسئولية القيادية التي تولاها, أثبت انه رجل دولة من الطراز الأول, وتجمع غالبية محبيه ومبغضيه على حد سواء, على الاعتراف بأنه اكفأ وأقدر وأنضج رئيس حكومة في تاريخ اليمن الحديث, جنوبه والشمال, والقول بمسئولية العطاس أو بالأصح تأمره في تخريب وتدمير الاقتصاد الوطني واستنزاف امكانياته وقدراته وتبديدها, وتحميله اعباء ضخمة لافشال الحكومة التي يرأسها,بالاستناد الى معيار ارتفاع سعر صرف الدولار بالريال من 9 ريالات عندما تولت حكومته المسئولية الى 70ريالا عند اسقاط حكومته, أي خلال الفترة 1990- 1994م ، رغم الثقة والصلاحيات المطلقة الممنوحة له كما لم يمنحها أي رئيس حكومة في تاريخ اليمن كله؛ يمثل استخفافا واحتقارا لعقول الناس وذاكرتهم, والجميع يعلم بأن النظام السياسي كان, ولا يزال, نظاما رئاسيا وليس نظاما برلمانيا بمعنى خضوع الحكومة لسلطات وصلاحيات القيادة السياسية أو رئاسة الجمهورية المهيمنة والموجهة لصلاحيات وسلطات الحكومة,ومن ناحية اخرى فقد كانت السياسة المالية خاضعة تنفيذيا لمؤسسات مالية (وزارة المالية- البنك المركزي), وكانت منذ قيام دولة الوحدة تحت قيادة مسئولين من المؤتمر الشعبي العام وليس من الحزب الاشتراكي اليمني, وكثيرون يتذكرون تماما كيف كانت هذه المؤسسات المالية تتمرد وترفض تنفيذ او تعرقل الكثير من أوامر اعضاء مجلس الرئاسة ورئيس الحكومة الممثلين للحزب الاشتراكي اليمني, ولو سلمناجدلا بصحة معيار ارتفاع سعر صرف الدولار من 9 الى 70 ريالا خلال اربع سنوات, هي فترة جكومة العطاس, فأننانجد ان هذا السعر قدارتفع بعد ذلك وخلال 3 سنوات فقط من 70- 180تقريبا, فهل يمكن اعتبار حكومة د. عبدالكريم الارياني فاشلة ومتأمرة ومخربة وفقا لهذا المعيار؟! (4) ان الطعن او الغمز من قناة الذمة المالية للعطاس, واتهامه بالفساد ونهب المال العام ومعه بقية قادة الحزب الاشتراكي بحجة سعيهم الى((التساوي في الغنى واللحاق بركب وبحبوحة العيش التي كانوا يعتقدون ان قيادات وشخصيات في الشمال كانت تعيش فيها)) أي انهم كانوا فقراء وبائسين, فانطلقوا بأقصى سرعة الى نهب الخزينة العامة تحت تأثير النهم الكبير الذي بدا عليهم للحصول على الاموال بأي ثمن, كما يقول الرد, الذي صور هؤلاء الذين صنعوا وحققوا الوحدة اليمنية وكأنهم حفنة من اللصوص والمحتالين والنصابين.. ولو كان هؤلاء بالفعل كما صورهم, وعلى رأسهم العطاس, فلماذا لم يحاكموا- حتى الان – وتتم ادانتهم والحكم عليهم قضائيا بسرقة ونهب الاموال العامة بالادلة المادية والوثائق الدامغة, وحينها سبتم القاء القبض عليهم وتسليمهم لليمن جنائيا لينالوا عقابهم بكل يسر وسهولة وسرعة عبر الشرطة الجنائية الدولية ((الانتربول)) وبهذا يمكن ان نجبرهم على رد ما نهبوه وسرقوه واعادته الى خزينة الدولة؟! يبدو ان الحذر والتمهل وتغليب الحكمة قد حال دون ذلك , مع العلم ان العطاس رجل وثائقي دقيق ومؤرشف جيد على كل حال. (5) يقول الأستاذ الرعوي في رده ((حيث كانت الترتيبات المسبقة للانفصال قد سبقت كل احتمال للقاء في اطار الجمهورية اليمنية وذلك بتحريض من أطراف خارجية ظلت تدعم هذا التوجه, وكان القبول بالوحدة اساسا من قبل قيادة الحزب الاشتراكي هروبا للامام من مواجهة المصير الاسود الذي كان ينتظرها)) ورغم عدم صحة هذا التصور لدافع قبول الحزب الاشتراكي بالوحدة, وذلك لأن النظام في الشطر الجنوبي كان يشهد بعد عام 1986م متغيرات وتطورات واصلاحات ايجابية ومهمة سياسيا واقتصاديا واجتماعيابالاضافة الى اكتشاف البترول, وهي في مجملها حملت مؤشرات اكيدة على ان النظام يسير حثيثا على طريق الانفتاح والنمو والتطور والرقي وليس العكس, الا اننا اذا افترضنا جدلا وسلمنا بصحة هذا الافتراض وبأن النظام في الجنوب قد اتخذ ترتيبات مسبقة للانفصال قبل المشاركة في صنع الوحدة, وان مشاركته هذه عبارة عن هروبه الى الامام ليتحاشى مواجهة مصيره الاسود الذي كان ينتظره, فانه من الناحيتين المنطقية والعقلية السليمتين لا يختلف اثنان في التسليم بحقيقة ان نظاما او حزبا حاكما يمتلك من القدرة الفائقة للامكانيات الكبيرة ما يجعله قادرا على اتخاذ كافة الترتيبات المسبقة للعودة الى الانفصال قبل مشاركته في صنع الوحدة, ثم يشارك في تحقيق الوحدة ويعود الى الانفصال, يعتبر عميق الثقة بنفسه, ومتيقنا من امتلاك للمقدرة والقوة والامكانات الضرورية التي تكفل له ضمان تنفيذ مثل هذا السيناريو الرهيب والعجيب, ثم ان من يقرر الهروب الى الامام نجاة بجلده من مواجهة مصيره الاسود المحتوم انهيارا وتلاشيا، كيف يمكن ان تهبط عليه, وهو في حكم الميت, بركات من السماء تزوده بقدرات وطاقات وقوى تؤهله للقيام بتنفيذ وتحقيق ترتيباته المسبقة التي وضعها قبل الوحدة للانفصال بعد الوحدة؟ ومن باب أولى , ماهو الدافع والضرورة التي اجبرته على الخوض في لعبة صبيانية عبثية هزلية كهذه ابتدا؟! واذا اضفنا النقطة السابقة التي تصور من شاركوا في صنع الوحدة بأنهم عبارة عن عصابة من اللصوص والمحتالين والنصابين والفسدة الى هذه النقطة التي تضيف اليهم صفة العقلية التامرية والانحراف الاخلاقي, أفلا يطعن ذلك ويشكك, بل وينسف شرف ونبل وعظمة المنجز الوطني الوحدوي التاريخي الذي تحقق, ونحن لا نفتأ نكرر التاكيد بمناسبة وبدون مناسبة, على ان طرفا من طرفي صنعه كانوا لصوصا محتالين ونصابين ومتامرين فاسدين ومنحرفين؟ وحتى اذا افترضنا ان الطرف الاخر المشارك في صنع الوحدة كانوا جميعا من صنف الملائكة الاطهار والانقياء, فكيف قبلوا ووافقوا على وضع أيديهم في أيد شاذة ومنحرفة ومجرمة؟ واخيرا فقد حرصت على عدم الخوض في تفاصيل وملابسات احداث مؤلمة جرت وقائعها في الماضي وانقضت, وذلك حتى لا نساهم في نبش المواجع وتجديد الالام واذكاء الاحقاد والكراهية. وتحاشيت ما امكن الدفاع عن العطاس, فالتاريخ وحده هو الحكم الفصل على الجميع ايجابا وسلبا, وانما اردت ان اصل الى التنبيه أو النصح بأن نلجم أهواءنا وأمزجتنا ومشاعرنا الشخصية بلجام العقل والمسؤولية والحكمة, وذلك حتى لا نتعامل ازاء قضايانا الوطنية الكبرى بلعب وعبث واسفاف تنقصه روح المسؤولية والجدية والموضوعية وبعد النظر لا تعودعلى حاضر ومستقبل بلادنا سوى بالشتات والتمزق والدمار والتخريب في ظرف نحن فيه بأشد وأمس حاجة الى كل مامن شانه تعزيز وتقوية وترسيخ عوامل الاندماج والوحدة الوطنية لمجتمعنا, والله الموفق.