الأخوات والآخوة الاعزاء الكرام : في البداية اود ان اوجه خالص شكري وامتناني للمبادرة الشبابية من اجل يمن جديد المنضمين لهذه الفعاليه (احتفالية الذكرى الثانيه للثورة اليمنيه) – وقد وفقوا كثيرا في اختيارعنوانها (من الخيام الى المستقبل) – على تفضلهم بدعوتي للمشاركة في فعاليات هذه الاحتفالية . وكنت حريصا ومتلهفا للمشاركة مشاركة حضوريه لولا ارباكات اللحظه الاخيرة في مطارلندن نتيجة لقوانين جديدة تتخذها هذه الدولة او تلك في ما يخص وثائق السفرالتي يحملها اللاجئون مثلي وهي معاناه لا تزال تلاحقنا نازحين عن اوطاننا او مقيمين في ديار غيرنا ، وهي ضريبة فرض علينا دفعها منذ ذروة الشباب وربما الى اخر نَفَس في الحياة لكننا نقبل بدفعها راضين مختارين..راجيا قبول اعتذاري لهذه الظروف القاهرة التي حالت دون حضوري مستعيضا عن الحضور بحضور كتابي عبرهذه الوريقات. اخواتي بناتي الاعزاء : اخواني ابنائي الكرام : ان لاحتفاليتكم هذه مدلولات ومغازي عميقة لعل ابرزها انها توكد على عمق الترابط وحيويه التفاعل بين شباب الثورة في داخل الوطن وخارجه، وهو ناتج بالاساس عن قوة الحالة الثورية واستمرار زخمها وتواصلها وهي توكد في الاخيرعن اصرار راسخ على ضرورة إبقاء جذوة الثورة مشتعلة لا تنطفئ او يفتراوارها. ويسألون عن الثوره اسرقت اانتهت اماتت؟؟؟ هذا التساؤل يتردد صداه ونسمعه هنا وهناك ، ونجد لزاما علينا ان نقف امامه باهتمام وجدية ،لكننا قبل ان نقف هذه الوقفة لابد لنا ان نمهد لها بتعريف ماهية الثوره التي نحتفل بها اليوم ومفهومها وطبيعتها فنقول: انها حالة شعورية عميقة وراسخة تملكت العقل الجمعي لشعبنا وهيمنت عليه ينتج عنها تفجر اجتماعي وحراك جماهيري واسع يمثل طفرة ولحظة انعطاف تاريخي فاصل صنعتها وكونتها واشعلت فتيلها سلسلة طويلة من سياسات وممارسات الكبت والقمع والاضطهاد والقهر الطويله التي مارستها وفرضتها سلطات حُكم عبراجهزتها القهرية لعقود طويلة من الزمن لفرض استمرارها في الحُكم والتحكم بمقدرات البلاد والعباد وقد ولغت في الفساد من قمة رأسها حتى اخمص قدمها ونشرته واشاعته في كافة مجالات الدولة والمجتمع كوسيلة وحيدة رأتها ضامنة لتأبيد وديمومة سيطرتها البوليسية الجهنمية بعقلية متخلفة جاهلة تخلو من ادنى تصور لمشروع بناء وطني حديث، ولقد اوصلت هذه السلطات المتخلفه الدكتاتورية اوضاع البلاد، كنتيجة حتمية، الى درجة ان باتت تشكل عائقا ومعطلا لحركة التطور الطبيعي للمجتمع وهنا لم يعد هناك مفرمن انفجار بركان الثورة الهائل،الثورة بهذا المفهوم تعبرعن غليان وانفجار بركان الغضب الشعبي العام الرافض لوضعه القائم وماهو كائن توقاً للتغيير الشامل وبناء ما يجب ان يكون بالأمل حياة جديدة متطورة كريمة، وتصبح الثورة هنا ضرورة حياتية ملحة وحتمية تاريخية لانقاذ حاضرالشعب ومستقبله بل ومجمل وجوده ككيان وهوية وطنية بالكامل ولأن الثورة حينها اضحت الخيار الأوحد امام الشعب بين ان يكون او لا يكون ، وهي بهذا المفهوم تعتبر فعلا انسانيا تاريخيا اصيلا ممتدا ومستمرا لا يقيده حد الزمان، بمعنى ان الفعل الثوري لا تُحدد بدايته عند اللحظة الزمنية لانطلاقه فهو كما قلنا نتاج ترسبات وتراكمات عقود زمنيه طويلة ، ولا ينتهي بالتأمر او الالتفاف عليه وعرقلة مساره او وأده لأنه حالة شعورية وقناعة راسخة باتت متجذرة في العقل والوعي الجمعي للشعب يستحيل لجمه من ناحية ، ولا تنتهي شرعيته من ناحية اخرى حتى في حالة وصوله مرحلة الحسم الثوري لاسقاط كامل الوضع السئ القائم ، اذ ان الثورات لا يقاس نجاحها الا بمدى نجاحها بتنفيذ نموذجها المجتمعي البديل والافضل على انقاض وضع سابق تهاوى وسقط. ووفقا وعلى ضوء هذه الرؤية التي رسمناها لطبيعة الثورات ومفاهيمها وقوانينها العامه المستخلصة من الخبرات والتجارب الانسانية على مر التاريخ ، نحاول اليوم تسليط بعض الاضواء حول ثورتنا الشعبية السلمية العارمة في اليمن ثوره الحادي عشر من فبراير ٢٠١١م ، فنقول : ١- انها تعد ، بحق ، الثورة الأنضج والأكمل والأعظم على امتداد تاريخنا الوطني الحديث والمعاصر.. فهي ثورة فجرها الشباب جاذباً الى مسيرتها المتصاعدة كل قوى ومكونات النسيج الاجتماعي والسياسي للشعب اليمني ، سابقا بذلك قيادات الاحزاب السياسيه والقيادات العسكريه والاجتماعيه بل ومفاجئاً اياها. ٢- ولقد شكلت ساحات الثوره ( التغيير والحريه ) على امتداد الوطن اليمني كله وعلى مدى ما يزيد عن عام من الزمن ، بوتقة حراك شعبي بالغ العمق والاتساع بين كافة فئات ومكونات المجتمع دون استثناء ، محققاً اهم غاياته المتمثله بعملية صهر وانصهار رائعة اعادت رسم وتحديد مفهوم المواطنة وطبيعة الهوية والانتماء الوطني الواحد لشعبنا اليمني كما لم يحدث طوال مراحل تاريخه الماضية ، عبرعملية زج لكافة فئات ومكونات الشعب الاجتماعية والسياسة والثقافية والعمرية في خضم حركة تفاعلية نشطة ونشاطات وفعاليات متكاملة غصت بها ساحات الثورة في طول البلاد وعرضها وعلى مدى زمني متواصل ومستمرلأكثر من عام كامل. ٣- واستطاعت الثورة الشعبية السلمية التي حركتها وضمنت تواصلها واستمرارها الحشود الجماهيرية المليونية ، بكل نجاح واقتدار ، وباساليب نضالية مبتكرة ، ان تبذر وتزرع قيم الثورة ومثلها وثقافتها واخلاقياتها وممارساتها واساليبها البديلة الايجابية والبناءة في العقل والوعي الفردي والجمعي للشعب الذي وقف في ساحات الثورة وميادينها مبهورا في بدايتها من عظمة المشهد وجلاله وتألقه الوهاج ثم ما لبث ان التحم به متوحدا معه توحدا عضويا حتى بات الشعب هو الثورة والثورة هي الشعب بأرقى الصيغ وابهاها ، وخرج من ساحاتها وميادينها ، او كاد ، شعباً اعيدت صياغته وتكوينه النفسي والعقلي والثقافي من جديد ، واصبح شعبنا شعبا ثائرا حرا عرف بالتجربة العملية الحية ، حقيقة امتلاكه قوة هائلة جبارة لا تستطيع اي قوة طاغية باغية فاسدة ، ان تقهر ارادته مهما امتلكت من وسائل البطش والقوة والسلاح والحديد والنار او تفرض عليه طغيانها وجبروتها مرة اخرى ، حيث عرف مصدر قوته التي لا تغلب وسلاحه الجماهيري الاقدر على الحاق الهزيمة الماحقة بكل قوى التخلف والهمجية والظلام وانه السلاح الامضى في صنع الانتصار الحاسم والنهائي والمبين لصنع التقدم والحرية والعزة والعدل. ٤- وبمغادرة الجماهير المليونية الثائرة ميادين وساحات الثورة في طول البلاد وعرضها ، طوعا او كرها بعد ان سطرت بأحرف من نور ملاحم بطولية رائعة قدمت خلالها تضحيات غالية جسيمة لاعظم ثورة وطنية في تاريخنا الحديث فان الشعب لم يغادر الثورة بل غادر ساحاتها على الارض، ذلك ان عبقريته واصالة ثورته استطاعت ان تنقل الثورة من ميادين التراب التي استنفدت مهامها حين شكلت مسرحاً لايقاعات الثورة وفعالياتها وانشطتها المتعددة ، الى ميادين الفكر والعقل ، من حيث هي ، اي الثورة منظومات قيمية واخلاقية وثقافية واساليب عمل جديدة بديلة ايجابية ومشرقة ، لتستمرالعملية الثورية بالعطاء والتواصل والتبلور والتكامل النظري والتطبيقي ضمن حركة جدلية بالغة الحيوية والخصوبة والنماء، وصراع تاريخي بين نموذج الثورة الارقى والافضل والواقع السئ الذي يستميت من اجل البقاء بالتناقض مع منطق التاريخ والتصادم مع قوانينه الحتمية وبهذا تكون الثورة بانتقالها من الساحات والخيم المنصوبة على التراب الى ساحات العقل والفكر والوعي قد انتقلت الى موقع اكثر قوة وفاعلية وتأثير وعطاء . ٥- ان مغادرة جماهير الثورة للساحات لا يعني ، باي حال من الاحوال ، هزيمة الثورة وتصفيتها ، وكل مافي الأمر ان الثورة وحكمتها غيرت فقط مكان واسلوب اداء فعلها الثوري ، او بعبارة اخرى غيرت تكتيكاتها العملية مبقية ومؤكدة لرؤيتها الاستراتيجية الكبرى . والواقع ان ثورتنا الشعبية السلمية العظيمة وجدت نفسها وهي في ذروة تصاعد مسيرتها امام تحد جدي تمثل في التناقض او التنافر الكلي بين العقلية الثورية ومنطقها وغاياتها الذي يمثله شباب الثورة وجماهيرها والقاضية باستمرار الفعل الثوري وتصاعده وصولا الى الحسم الثوري الكامل ، وبين العقلية السياسية “الاحترافية” التي مثلتها قيادات الاحزاب السياسيه ” المعارضة ” والمسنودة من قبل بعض كبار القادة العسكريين ومشائخ قبائل نافذين اعلنوا عن تأييدهم للثوره ، والتي تميل بحكم طبيعتها ، اعني تلك العقلية السياسية الاحترافية ، الى الاخذ باسلوب المساومات والصفقات وانصاف الحلول السياسية والقانعة ببعض التنازلات المتبادلة بينها وبين السلطة الحاكمة ، ان ذلك التنافر التناقضي بين العقليتين ادى للاسف الشديد الى تغلب ورجحان العقلية السياسية الاحترافية على العقلية الثورية وخيارها الحاسم ،وذلك لاسباب واعتبارات اهمها كون اطراف العقلية السياسية الاحترافية اكثر تنظيما وانضباطا في حركة اعضائها ، واكثر خبرة وتجربة سياسية واكثر قدرة على توظيف قوة ونفوذ القوى العسكرية والقبلية المتحالفة معها ، اضافه الى ما تملكه من قدرات مالية هائلة ودعم خارجي واسع النطاق ، والاهم من كل ذلك ان قواعد وكوادر تلك الاحزاب والقوى والتي التحقت بالثورة في مرحلتها الاولى وشاركت في فعالياتها وتمكنت من إحكام قبضتها على المنابر الاعلاميه والشئون الادارية والتموينية لساحات الثورة وميادينها ، ظل ارتباطها وولاؤها الأول لقياداتها الحزبية وخياراتها السياسية وليس للثورة واهدافها في غالبيتها.. كل هذه الاعتبارات والعوامل والاسباب الرئيسية عملت ، متضافرة ، ومتناسقة ، على خلخلة تماسك صفوف وموقف جماهير الثورة ، من خلال مختلف اساليب الخداع والتعمية والتخديرالى ان اكملت قيادات الاحزاب المعارضة وحلفائها من إكمال وإتمام وإعلان صفقة ما سمي بالتسوية السياسية من خلال صيغة حل توافقي مع السلطة الحاكمة الفاسدة التي تفجرت الثوره بهدف اسقاطها وتصفيتها ، وبُنيت على تقاسم للسلطة والمناصب بينها ورموز تلك السلطة الفاسدة.. والواقع انه لا اساس من الصحة مطلقا لذلك المبرر الهزيل الذي ما فتئت تلك القيادات والقوى الحليفة لها تردده على مسامعنا ، ولا تزال ، لتبرير فعلتها الخاطئة بالقول انها اضطرت للتوقيع على صفقة التسوية السياسية تلك بهدف منع نشوب حرب اهليه طاحنة في البلاد!! ذلك ان الواقع يشير بما لا يدع مجال للشك ان الثورة نجحت بالفعل في تعزيز وترسيخ وتعميق وشائج وعرى الوحدة الوطنية والولاء الوطني لشعبنا على نحو لم يشهد التاريخ له مثيل من حيث عمقه ورسوخه وشموله ، وهو ما ينفي اي احتمالات او امكانيات لنشوب حرب اهليه على الاطلاق ولا حتى اضطرابات داخليه من اي نوع.. وعلى النقيض من ذلك فانه وبعد مضي اكثر من عام على توقيع تلك الصفقة او التسوية السياسية فان الموشرات توكد يوما بعد يوم ان تلك التسوية لم تكن صيغة حل ، بل على العكس من ذلك نراها تقود البلاد اليوم نحو الانفجار والتفكك والفوضى ولم يتبقى من انتهاء الفترة الانتقالية سوى اقل من عام والبلاد لا يزال جيشها منقسما ومراكز القوى والنفوذ العسكري والقبلي تسرح وتمرح وتعبث كيف تشاء وتراكم مصالحها وثرواتها على حساب الوطن ومستقبله والاوضاع عامة ، امنية اقتصادية معيشية ادارية ، باتت من بعض الاوجه اسوأ من ذي قبل خاصة في ما يتعلق بالانفلات الامني ومعدلات البطالة والفقر واستفحال الفساد واصبحت البلاد في ظل هكذا اوضاع اقرب الى الحرب الاهليه بعد ان كانت ابعد ما تكون ابان الثوره الشعبية السلمية. ومن الجلي اليوم ان القيادات السياسة لاحزاب المعارضة ، التي اصبحت بعد التسوية جزء من الحُكم ، قد ارتكبت خطأ سياسيا واستراتيجيا فادحاً بحق الثورة، اولا ، وبحق احزابها السياسية واقصد قواعدها وكوادرها وقياداتها الوسيطة ثانيا وذلك بقرارها وتوقيعها على تلك الصفقة التسووية السياسية الهزيلة على حساب الثورة واهدافها والتفافها عليها وتعويق مسيرتها وتجميد مدها ولو مؤقتا.. ولو انها اختارت الموقف والقرار الاصوب والأسلم بالانحياز الكامل للثورة وجماهيرها والارتباط بها عضويا ونضاليا حتى نضوجها وبلوغها مرحلة الحسم الثوري النهائي والكامل في اسقاط السلطه الحاكمة الفاسدة – وهذا كما هو مفترض هو موقعها ودورها الطبيعي – لكانت اليوم هي التي تقود مسيرة الثورة وبناء نموذجها المجتمعي البديل والافضل وصنع المستقبل المشرق ، لكنها للاسف الشديد تخلت عن دورها الطبيعي الثوري والطليعي واختارت الطريق الأسهل والأسوأ ، طريق المساومات والصفقات وانصاف الحلول مستبدلة الذي هو ادنى بالذي هو خير إستعجالا في الحصول على مصالح ومكاسب آنية جزئية ذاتية عصبوية ضيقة جعلتها تبدو اقرب الى السلطة الحاكمة الفاسدة وابعد ما تكون عن الثورة وجماهيرها الواسعة.. اما الثورة فهي حية مستمرة متواصلة لن تنتهي او تموت ابدا ومثلما فاجأتنا وادهشتنا في انطلاقتها الاولى العظيمة ،فانها غداً ستفاجأنا وتدهشنا اكثر حين تعاود كرتها الثانية عما قريب وتصنع انتصارها الحاسم والمبين . فلنرتقب ونرقب صُبح الغد الآتي حتما. وسلامي عليكم وتحياتي الخالصة اخوكم/ عبدالله سلام الحكيمي شفيلد – بريطانيا – 21 فبراير/٢٠١٣