في مطلع عامنا الجاري 2012م، فُجعنا ومعنا الوسط الوطني والقومي بأخبارٍ حزينةٍ صادمةٍ للمشاعر والعواطف بفقد أعزاء أحباب، رحلوا عن حياتنا ودنيانا بعد أن ملأوها خيراً وعطاءاً ومحبة، ووشائج روحية حميمة، جعلت من كل واحد منا جزءاً لا يتجزأ من الآخر، وربطتنا ربطاًَ عضوياً ببعضنا البعض، حتى كانت حياة الواحد منا تجد اكتمال معناها وقيمتها من الآخر وبه ومعه، وكانت عادة ما تشرق وتبتهج وتبتسم في كل مرة يجتمع ويلتقي الواحد منا برفيقه وشقيق روحه، وعاش معه، روحياً مجتازاً البعدالمكاني العازل لتلاقيهما الفيزيائي الجسدي الملموس والمرئي. ومما ضاعف الأسى وعمق الحزن أكثر، أن تقضي إرادة الله سبحانه جل جلاله وتعالى شأنه خلال فترة زمنية متقاربة للغاية، بضعة أيام، برحيل ثلاثة من أعز وأنبل وأشرف الإخوة الرفاق بما جسدوه من قيم وأخلاقيات وسلوكيات وعلاقات، شكلت النموذج الأرقى والأسمى للعلاقات الإنسانية والأخوية الصافية والنقية المقصورة، رحل عنا الأعزاء الكبار الدكتور عبدالقدوس المضواحي، والمهندس درهم علي أحمد العريقي، والأستاذ عبدالرحمن عبدالوارث الحٌوش الشميري، الذين ربطتني بهم وحدة الفكر ومسيرة النضال والمصير السياسي الواحد، عقوداً عديدة من الزمن، في حياة حافلة بأفراحها وأتراحها، وحلوها ومرها، وسعادتها وعذاباتها، وأمالها العريضةوإحباطاتها القاسية، وهي في مجملها وتكاملها، قد أسهمت إسهاماً في صهروإعادة صياغة وتشكيل طبيعة حياتنا ومعناها وغايتها وثقافتنا وعقلياتنا وأساليب تعاملاتنا في شتى مناحي ومجالات الحياة الخاصة والعامة، على نحو أكثر تماثلاً وتجانساً وتمازجاً، فصارالواحد منا بمثابة رجع صدى وانعكاس للآخر، يرى كل منا صورته في الآخر تماماً.وإذا كانت العادة الفطرية الإنسانية، في مثل هذه المناسبات الحزينة، تتجه إلى إحياء وإعادة سرد شريط الذكريات، التي يختزنها وتحتفظ بها ذاكرة الإنسان تجاه صديقه وعزيزه الراحل طوال مسيرة تجارب وأحداث الحياة، التي جمعتنا معاً سواء أكانت ذكريات تجارب وأحداث ومواقف اشتركنا معاً في خوضها ومجابهتها والتعامل معها مباشرة، أو كانت مستقاة من سماع ومشاهدات وشهادات أناس آخرين تتحدث عن تجارب ومواقف العزيز الراحل قبل حيله أو بعد رحيله، وبناءً على هذا لست في وضع يمكنني من الحديث عن ذكريات ومواقف وأحداث عايشتها وشاركت فيها مع الفقيدين العزيزين درهم العريقي وعبدالرحمن الحوِّش الشميري، لأنه لم يتح لي فرصة العيش معهما مباشرة لفترة زمنية كافية، إذ لا تتعدى معرفتي المباشرة لهما والتشارك معهما في مواقف وأحداث سوى لقاءات عابرة وقليلة في مناسبات اجتماعية أو سياسية عامة وسريعة، في حين يختلف الأمراختلافاً كلياً بالنسبة للراحل الغالي الدكتور عبدالقدوس المضواحي، الذي عرفته عقب إكمال دراسته الجامعية في الاتحاد السوفيتي، وتخرجه طبيباً وجراحاً متميزاً وناجحاً ومرموقاً مع مطلع سبعينيات القرن العشرين المنصرم، ومن حينها وطوال فترة زمنية تمتد لحوالي أربعين عاماً أو يزيد قليلاً، جمعتنا – الاثنين- مسيرة حزبية نضالية تنظيمية وسياسية وشعبية واحدة وعلى اختلاف المستويات والمجالات، وهي مسيرة طويلة وممتدة وحافلة وخصبة وغنية وعميقة الأثر والتأثير في شخصياتنا وعقلياتنا وأساليب عملنا ورؤيتنا للأموروحولها وعنها ومنها سأحاول التوقف عند أهم نقاط ومحطات شريط الذكريات الذي تختزنه ذاكرتي حول سجايا وصفات وميزات شخصية الدكتور المضواحي المتميزة والمتفردة حقاً.سأحاول، في البداية، وبعجالة يفرضها طبيعة وحيز حديث الذكريات والمشاعر هذا، أن أرسم صورة عامة لشخصية الفقيد الدكتور عبدالقدوس المضواحي رحمة الله تعالى تغشاه، في أبرزمعالمها وصفاتها ومميزاتها، بحسب معرفتي له ومعايشتي وعملي معه طوالي حوالي اربعين عاماً متواصلة، فأقول إنه كان يتمتع بشخصية متوازنة ومتزنة ومستقرة لا تعرف القلق والتوتر وتقلبات المزاج، وهي شخصية لا تعرف سورات الغضب والتفجرات الانفعالية المدمرة في التعبيرعن المواقف والتعامل مع اختلاف وجهات النظر وتبايناتها، وتتسم بالانسجام والسلام الداخلي والطمأنينة الملفتة، وهي شخصية مفعمة دائماً بالأمل والتفاؤل حتى في أحلك الظروف والمواقف واشدها خطراً وخوفاً لا تتسرب إليها النظرات السوداوية المتشائمة، تحب الخير للناس وتضحي من أجل مساعدتهم وخدمتهم، خالية من أي أثر للكره والحقد والحسد والبغض والأنانية وعشق الذات، تفيض حباً وتعاوناً وتسامحاً، تقدم مصالح الآخرين على مصلحتها الخاصة، قنوعة ودودة كريمة، وفوق كل ذلك فهي شخصية تتميز بشجاعة وإقدام مثيرة للإعجاب بعيدة عن الشكوك والوساوس والتردد، وكان دائم الابتسام والانشراح والسرور، وكان نقياً صافياً في عمله ومواقفه، كان عبدالقدوس المضواحي، رحمه الله تعالى رحمة واسعة، مثالاً نادراً للإنسان المتكامل الصفات والأخلاق والسجايا الطيبة الرائعة، ولعل أهم وأبرزما لفت انتباهنا وأدهشنا نحن رفاقه واصدقاؤه تمتعه بقدرة لا محدودة على نسج وإقامة أوسع العلاقات الإنسانية والاجتماعية بالناس من مختلف الفئات والشرائح والمستويات الاجتماعية والثقافية وبسرعة فائقة، لا يوجد من يضاهيه فيها من رفاقه جميعاً، إضافةً كونه كريماً مضيافاً كطبع أصيل تلقائي غير مفتعل أو متكلف أو سعياً للظهور والوجاهة، فقد كان إنساناً بسيطاً ومتواضعاً رغم مكانته وسجله الحافل.والحقيقة، إن القائد الدكتور عبدالقدوس المضواحي، قد لعب دوراً بارزاً ومهماً ومحورياً في مجمل المسيرة النضالية الحزبية والسياسية والجماهيرية للناصريين في اليمن بمختلف مراحل نموها وتطوراتها، مخلفاً فيها آثاره وبصماته وعطاءاته الغنية الباقية والعميقة، وامتدت مساهماته وعطاءاته المتواصلة والهامة لتشمل حركة ومسيرةالناصريين على المستوى القومي العربي.. هذا بالإضافة إلى ما بذله من جهود دؤوبة ومتواصلة في كافة الاتصالات والحوارات والتفاهمات والعلاقات السياسية مع مختلف القوى والأحزاب السياسية في الساحة الوطنية، بهدف تقريب وجهات نظرها وتطورعلاقات التعاون والتنسيق فيما بينها على أرضية برامج القواسم المشتركة ونقاط الاتفاق واللقاء بينها بمختلف منطلقاتها وتوجهاتها الفكرية والسياسية قومية ودينية ويساريه، والعمل على نقل هذه التجربة الإيجابية والمثمرة وتطبيقها على النطاق القومي الأوسع، وهو الدور البارزوالإسهام الكبير الذي ظل مواصلاً أداءه دون انقطاع حتى انتقاله إلى جوار ربه نفساً راضية مرضية مطمئنة.. ولقد شكل رحيله خسارة كبرى ليس لأسرته وذويه وأصدقائه ومحبيه، وليس لرفاقه وإخوته الناصريين الوحدويين فحسب، بل وللمسيرة الوطنية والقومية ولساحة العمل السياسي الشعبي الوطني والعربي بكامله .لقد عاش وناضل إنساناً طيباً رائعاً يحمل روحاً نقية صافية وثابة وجسوره تنظر دائماً نحوالأعالي والذرى السامية طلباً لعظائم الأموروالقضايا الكبيرة والشريفة التي تتطلب البذل اللا محدود، والتضحيات الجسيمة والشجاعة والجسارة النادرتين للعمل من أجلها والانتصار لها تجسيداً لقيم الحق والعدل والخير الإنساني الشامل، لقد كرَّس حياته الشخصية بالكامل للعمل من أجل القضايا الوطنية والقومية في ظل القناعات والمبادئ التي آمن بها وظل وفياً لها حتى كان آخر نفس من حياته الحافلة دون أن يفكر أو يسعى في يوم من الأيام، باستثمار الجهود والعطاءات اللا محدودة التي يبذلها لخدمة تلك القضايا الوطنية والقومية، إلى الحصول على مكاسب وامتيازات شخصية أو المطالبة بمركز سياسي أو اجتماعي للجاه والنفوذ والظهور مطلقاً، ولم يكن يعطي الأهمية والاهتمام اللازمين لمعاناته ومشاكله الصحية، التي تفاقمت وتعقدت بسبب الجهود والنشاطات والطاقات اللا محدودة، التي يبذلها باستمرار وبما يفوق غالباً الطاقة الإنسانية المعتادة، ليس هذا فحسب، بل تعامل مع تلك المعاناة والمشكلات الصحية على خطورتها، بنفس الروحية الصافية السامية المرحة واللامبالية التي لطالما استهانت بالمصاعب والتحديات والمخاطر التي ظلت تواجه مسيرته النضالية باختلاف تطوراتها ومراحلها، تمكن من مواجهتها وتجاوزها بفضل الروح الإنسانية الفذة والمبتسمة، دائماً، والبشوشة والمرحة التي تفيض على كل من حوله ومحيطه البشري بإشعاعات وأجواء الاطمئنان والسلام والمحبة الصافية الصادقة.كان عبدالقدوس، رحمة الله تعالى تغشاه، كتلة متحركة وحية وحيوية من القيم الإنسانية والفضائل السامية التي آمنت بأعمال الخير والوقوف إلى جانب المحتاجين والفقراء والمظلومين، والتضحية لخدمة احتياجاتهم، يكفي أن أذكر هنا، عندما بدأ عمله كطبيب وجراح في الحديدة والشهرة والسمعة التي اكتسبها بسرعة فائقة كطبيب وجراح كفوء وناجح، كيف كان يخصص أياماً محددة من أيام الأسبوع لمعالجة الطلبة والفقراء مجاناً، وأحياناً توفير الأدوية اللازمة للأكثر استحقاقاً منهم، على خلاف أضرابه من الخريجين الجدد الذين يتجهون في الغالب، إلى التركيز على بناء حياتهم وتأسيس وضعهم المهني والمعيشي والاهتمام بمستقبلهم القادم. وأذكر، من ضمن ما أذكر، خلال مسيرتنا النضالية الطويلة والمحفوفة بالمخاطر والتحديات المهلكة، في العمل الحزبي السري، آنذاك، وخلال أحلك الظروف ومداهمة المخاطر المميتة والقرارات المصيرية التاريخية التي اتخذناها، وكيف كان يتلقى ويتقبل انتقادات بالغة الحدة والعنف من قبل بعض رفاقه القياديين، وسط أعصاب مشدودة ومتوترة وانفعالات هائجة تفرضها تلك الظروف والمخاطر والأجواء المظلمة، ورغم أنها كانت في الغالب الأعم غير موضوعية ولا مبررة ومتسرعة، لكن عبدالقدوس الطبيب والمناضل والإنسان كان دائماً ما يواجهها بأعصاب باردة ومشاعر منضبطة وروح أخوية ومحبة وودية، وغالباً ما يكتفي في الرد عليها، إما بابتسامة صافية صادقة، أو بروح الدعابة والنكتة، ولست أدري أي سر كان يحمله، إذ كان وجوده بيننا، مجرد حضوره، يغمرنا بإشعاع قوي من الثقة والاطمئنان والأمل، كان عبارة عن روح ملائكية حلت وسيطرت على جسد بشري اسمه الدكتور عبدالقدوس المضواحي، وإذ عصف بنا نبأ رحيله عصفاً عنيفاً وعصرتنا الفاجعة عصراً لفقدانه كإنسان ومناضل وقائد فذ، إلا أننا نحس بأننا أكثر فقداناً للروح النقية الصافية التي ظلت ترسل لنا وفينا قيم الحب والإخاء والصفاء والإيثار والتضحية والتسامح وكظم الغيض والعفو عن الناس.. إنها روح سامية افتقدناها وبتنا نحن وكأن حياتنا أصبحت تعاني جفافاً وجدباً بغياب روحه أكثر من غياب جسده، وهكذا هي حياتنا الدنيا تؤرجحنا على الدوام، بين قادم يفرحنا.. وراحل يفجعنا، تلك إرادة الله الخالق العظيم التي شاءت لنا نحن البشر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لنلتقي جميعنا في رحاب الحق والخلود والحياة الأبدية الحقة.التحية والتقدير لروح الدكتور عبدالقدوس المضواحي في العليين، ونبتهل إلى العلي القدير أن يغمره بشآبيب رحمته ورضوانه ويسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ومعه رفيقيه ورفيقينا القائدين العزيزين المهندس درهم علي أحمد العريقي والأستاذ عبدالرحمن عبدالوارث الحوِّش الشميري.الرحمة لهم جميعاً وجزاهم الله تعالى عن شعبهم وأمتهم خير الجزاء. إنا لله وإنا إليه راجعون. شيفلد- بريطانيا –