ماذا هناك ماذا بعد؟ حقيقة وأهداف الحملة الأمريكية على السعودية الحلقة الثالثة

في سياق الحلقة السابقة من هذه الإطلالة،حاولنا أن نتبين البواعث والأهداف الكامنة وراء الحملة العدائية الأمريكية المتصاعدة ضد السعودية على ضوء القائمة الطويلة لخليط الاتهامات والانتقادات والمطالب،وهو خليط متنافر ومتعدد الأوجه والمجالات لايربطه رابط واضح ومحدد،وتوصلنا الى رؤية بأن تلك الحملة وبواعثها وأهدافها وما تريده أمريكا من السعودية يتجاوز ويفوق الى أقصى حد قضية إلقاء التهمة أو توجيه المسئولية في هجمات11سبتمبر2001م وهي أخطر وأعمق من المطالبة بالتحقيق مع عمر البيومي الطالب السعودي المرعوب والمفجوع والمروع والذي اُشبع تحقيقاً وتحرياً وفحصاً من قبل المخابرات البريطانية والمخابرات الأمريكية ومكتب التحقيقات الفيدرالي على نحو أو آخر ولشهور طويلة، ولم يجدوا ما يدينه وأطلقوا سراحه وعاد الى وطنه،وفجأة يتم إعادته الى واجهة الأحداث التي تشغل الرأي العام العالمي وقد أصبح السيد/أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة لايساوون شيئا أمام أهميته وخطورته.   وخلصنا في الحلقة الى أن كل المؤشرات والشواهد والعلامات توضح أن السعودية قد اصبحت الآن هدفاً مباشراً تستهدفه أمريكا في إطار استراتيجية مشروعها الأمبراطوري الكوني وتوقفنا عند ختامها أمام سؤال حول كيفية مواجهة تلك الحملة والاستهداف العدائي الذي بلغ حداً من الخطورة غير مسبوق وهو موضوع حديث هذه الحلقة الختامية. إن تناولي لهذا الموضوع وفي هذه الحلقة بالذات لايُعد بأي حال من الأحوال ومن قبيل التنظيم السياسي لما يجب أن تكون عليه استراتيجية المواجهة فتلك مهمة لست مؤهلا لها ولاقادراً عليها ولامشتغلا بشئونها ولها رجالها، وفي السعودية منهم الكثير والكثير من القادة والمفكرين والمثقفين والمؤسسات المتخصصة تملك من الكفاءات والمؤهلات والخبرات مايمكنها من النهوض بأعباء المهمة بأعلى درجة من الاقتدار والحنكة والبراعة وكل ما اطمح اليه هو مجرد تسجيل بعض الاحاسيس والمشاعر والهواجس التي تعصف بمواطن عربي مسلم مُراقِب لحجم التحديات والمخاطر والمخططات الرهيبة المطبقة من كل جانب،ليس فقط على وطنه وأمته العربية والاسلامية ولكنها تمتد لتشمل شعوب وأمم العالم قاطبة. وابتداء نقول بأن مايدور ويتفاعل من احداث ومتغيرات عاصفة وبالغة التسارع على المستوى العالمي المحيط بنا وانعكاساته وتأثيراته المباشرةوالعميقة علينا ومايُرسم ويُوجه نحونا وفي اتجاهنا مباشرة من خطط وترتيبات وأوضاع، كل ذلك يأتي كما يدرك الجميع وسط ظروف واجواء وحقائق سياسية وعسكرية واقتصادية دولية مختلفة اختلافا جذريا عن كل ماسبقها بالنسبة لموازين القوى وقواعد العلاقات والتعاون الدولي بقيمه ومُثله وأُسسه الاخلاقية والانسانية ومرجعيته المتعارف عليها من قبل الأسرة البشرية. أن تلك المتغيرات الجذرية قد جعلتنا امام قوة عالمية واحدة أعظم تعتقد انها حسمت نهائياً واسقطت الى الأبد تعدد اقطاب النظام العالمي العام لصالحها، ولم تَعُد توجد بل ولاينبغي مستقبلا أن توجد أي قوة دولية منافسة لها أو مشاركة لها في ادارة شئون العالم، وأن على الجميع أن يُسلم بهذه الحقيقة ويعترف لها بالحق المطلق في تقرير مصائر وشئون العالم بمختلف شعوبه وأممه ومقوماته، ويسير الجميع طوعاً أوكرهاً تحت مظلتها ووفق رؤيتها ومشيئتها حتى وأن لم تكن محكومة بمبادئ وقيم ومفاهيم أخلاقية وانسانية أسمى، وقد حركت قواتها وأسلحتها الجرارة الرهيبة ونشرتها على امتداد الكرة الأرضية،وشنت حروباً مدمرة وبشعة خروجاً عن كل قواعد الشرعية والقانون الدولي، استنادا الى منطق القوة والحرب وحده وسارت في ركابها الهادر كثير من دول العالم بارادة مختارة أحيانا وبدونها غالبا!ومجموعة الدول العربية ضمن هذا السياق العالم ليست استثناء،بل ربما كان موقفها ووضعها أسوأ بكثير،هذه الصورة الكئيبة والمحبطة لعالم اليوم وماترتب ويترتب عليها من أوضاع وأحداث وحقائق جديدة جعلت قدرة الشعوب التواقة الى الحرية والكرامة والأمن وقواها الطليعية الحية على مواجهة المخاطر والتحديات العدوانية المفروضة عليها أكثر تعقيدا ومقاومتها أشق وأصعب وحجم الانجاز وتحقيق الاهداف محدوداً بالقياس لمراحل تاريخية ماضية على أن هذا الوضع الاستثنائي لن يدوم الى مالانهاية والشعوب عادة ماتملك قدرات خلاقة ومبتكرة تستجيب وتتفاعل مع المستجدات وتتعامل معها بفعالية واقتدار،وقبل هذا وذاك فان الشعوب التي يفرض عليها العدوان والقهروالإذلال لايمكنها أن تنتظر الى حين تغيرالظروف ومجيء اجواء ملائمة،اذ لاخيار أمامها سوى المواجهة والمقاومة بكل السبل والوسائل والامكانيات المتاحة في ظل استعداد لامحدود لتقديم تضحيات جسيمة وثمن باهض من أجل الحرية والكرامة والحياة الكريمة على أرض وطنها! ورغم أن حديثنا فيما يلي سيتركزعلى موضوع السعودية والعداء الامريكي لها بدرجة أساسية إلا ان الحديث في سياقه ومضمونه العام ينصرف على نحو أوآخر الى كثير من الدول العربية والاسلامية. وبدون تهويل أو مبالغة فان السعودية تواجه وضعاً معقداً ومتشعباً يتسم بقدر كبير من الخطورة والحساسية،وربما كان الأول من نوعه في تاريخها المعاصر من حيث أبعاده وأهدافه ومجالاته ووسائله فتقريرالكونجرس الذي كان هناك عدد من مُعديه يمثلون الاتجاه المتشدد والمسكون بحلم الامبراطورأومايسمونه بالقرن الأمريكي ولهم مشاريع تُنظر لحق أمريكا المشروع ،بل يجب عليها أن تسيطرعلى منابع البترول بالقوة والحملات الصحفية والسياسية التي تخللته كلها واضحة في تصميمها على إلصاق تهمة المشاركة المادية المباشرة في هجمات11سبتمبر وتطالب باقالة ومحاكمة كبار رموز الحكم وتغيير التركيبة السياسية والاجتماعية بل وتغيير النظام برمته، يثبت بوضوح خطورة وحساسية وجسامة الموقف الذي تواجهه السعودية..وهوموقف يفرض على صانع القرار في السعودية أن يسارع بمواجهته برؤية استراتيجية شاملة ومتكاملة وجديدة وغير تقليدية وتتسم بالحزم والحكمة والصلابة والمرونة معاً وتضمن حماية وتحقيق أهدافها ومصالحها الوطنية المشروعة وتحافظ على أمنها واستقرارها وسيادتها الوطنية على أرضها. وفي اعتقادي أن المهمة العاجلة والاكثر إلحاحاً أمام السياسة السعودية وتتطلب الشروع الفعلي الفوري لمواجهتها تتمثل في أخذ الإصرار الأمريكي على تحميل السعودية مسئولية هجمات11سبتمبر2001م ودعم وتمويل الارهاب بكل ما يتفرع عن ذلك من ابتزازات مالية خيالية وسياسية اخذْ كل ذلك مأخذ الجد والاهمية الخاصة دون تهاون أوتساهل،ولقد أن الاوان الآن للسعودية ان تعتمد أقصى درجات الوضوح التام والشفافية المطلقة دون تردد فتكشف كل التفاصيل والملابسات والحقائق والوثائق والوقائع المتعلقة اولاً بمسألة الجهاد الافغاني ضد الاتحاد السوفيتي، وانشاء وتدريب وتسليح وتمويل فصائل المجاهدين في أفغانستان،ثم كيف ومن الذي أسهم في تأسيس وبناء وتدريب وتسليح حركة طالبان وايصالها الى حكم أفغانستان ودعمها مالياً وعسكرياً، ونفس الحال لتنظيم الفاعدة ومؤسسها أسامة بن لادن وسائر قياداتها وتضع كل ذلك أمام الرأي العام العالمي بهيئاته الدولية ووسائل إعلامه ومفكريه ومثقفيه ومؤسساته السياسية والثقافية،وذلك حتى تتضح الحقيقة كاملة وتتحدد المسئولية بشكل صحيح ويعرف العالم وهو يعرف بالفعل بصورة أو باخرى من الذي خلق الارهاب وبناه ودرب وسلح وموّل الارهابيين واستخدمهم لخدمة أهدافه ومصالحه على امتداد العالم؟؟. وأيضا كيف ومن رتب لنقل الاف المقاتلين من المجاهدين والقاعدة وطالبان الى البوسنة والهرسك وكوسوفو وربما الشيشان لمحاربة يوغسلافيا وروسيا؟؟،بالاضافة الى مايتيسرمعرفته حول دعم وتمويل حركات ارهابية مسلحة ودفعها الى خوض حروب ارهابية ضد انظمة حكمها،ومن انظمة ديمقراطية شرعية في انحاء مختلفة من العالم؟؟ ومثل هذه المهمة ستكون عملية تاريخية هامة وجوهرية لكشف الحقائق والمصارحة تحدد المسئوليات لكل من يريد تحديدها وفقاً لمعاييرالحق والاخلاق،وينبغي أن تكون هذه العملية التاريخية العاجلة مفتوحة تماماً وغير مقيدة بأية اعتبارات وبأوسع مشاركة عالمية وبتغطية إعلامية وسياسية ودولية ويجزم الكثير من المراقبين أن السعودية بقيامها بهذه العملية الشجاعة لن تكون أكبر الخاسرين أو المتضررين بكل تأكيد،بل على العكس ستكسب مزيداً من المصداقية والاحترام والتعاطف. وتتصل بهذه المهمة العاجلة وتتزامن معها مهمة أخرى ذات طابع سياسي ديبلوماسي واسع النطاق،تتجه لتوظيف وتفعيل دورالسعودية وثقلها وتأثيرها الدولي بمجالاته العربية والاسلامية والعالمية،عبر عملية جذرية لإعادة تقويم وترتيب أولويات علاقاتها الخارجية على نحو يعزز ويقوي موقفها في مواجهة كافة الاحتمالات..فعلى الصعيد العربي مثلا ومع التسليم بأن الموقف السياسي العام لكتلة الدول العربية في وضع بائس وشبه ميئوس من امكانية معالجته ولو بالحد الأدنى في الوقت الراهن،بالنظر الى الحقيقة المُرة التي تشير الى أن كثيرا من الدول العربية إما أنها اصبحت حاضنة لقواعد عسكرية استراتيجية تابعة لأمريكا وحلفائها أو انها اختارت القبول والتسليم والتنفيذ الكامل والمطلق لكل ما تطلبه منها أمريكا وتريده أو أنها في أحسن الاحوال منكفئة على نفسها ولا مبالية أومشغولة بهمومها،ومع ذلك تظل هناك امكانية لاتزال متاحة وهي العمل النشط والجاد والمسئول لتأسيس تكتل عربي استراتيجي ومؤثر يتشكل من السعودية ومصر وسوريا ولبنان، وهي دول مؤثرة ذات ثقل تشملها جميعا ذات الرؤية والموقف الأمريكي السلبي وان تفاوتت النِسبْ واختلفت الأساليب، وممالاشك فيه أن المبرر الموضوعي والأساس المنطقي الذي يجعل من مثل هكذا تكتل أن أطرافه باتت أمام خيار واضح وهو ان تكون اولا تكون وهوخيار كاف تماماً للإسراع في تحققه، وبه إن وجد أوبدونه إن لم يوجد يتجه التحرك الديبلوماسي النشط شرقاً نحو ايران وماليزيا واندونيسيا وكوريا الشمالية والهند والصين وشمالا نحو روسيا وفرنسا والمانيا وغرباً نحو بعض دول أمريكا اللاتينية كفنزويلا والارجنتين وغيرها من دول العالم التي يجمع بينها شعور بالقلق من الجموح الامبراطوري الأمريكي الهائج..وفي كل الأحوال تبقى هناك حقيقة ثانية ينبغي ان لاتغيب عن اذهاننا لحظة واحدة وهي ان الأسلوب الأنجح والأكثر فاعلية وتأثيراً في التعامل والعلاقات السياسية مع أمريكا يتمثل دائما في إعتماد حديث ومنطق المصالح المادية والاستراتيجية التي تتأسس على قاعدتها الصلبة الصداقات والعداوات،وماسوى هذه القاعدة الراسخة وَهمْ لاأساس له،وخاصة مايردده البعض حول ضرورة صرف الأموال الطائلة في أنشطة علاقات عامة واعلانات صحفية للتأثير على الرأي العام الأمريكي ايجابياً،ذلك أن جماعات الضغط أو مايسمى باللوبي الصهوني داخل أمريكا ليست بالصورة المهولة ولا بالتأثيرالمبالغ فيه الذي يُطرح علينا فهو بالاساس ((لوبي امريكي)) بالدرجة الأولى والأخيرة وحتى الحركة الصهيونية العالمية التي يحاولون ارهابنا وتخويفنا وابتزازنا بها لم تكن بحسب رؤية المفكر العربي البارز د/عبدالوهاب المسيري سوى حركة سياسية استطاع المشروع الامبريالي الأمريكي الغربي ان يُوظف من خلالها وبها جل جهود وامكانيات يهود العالم ويدمجها في اطاره وضمن نطاق مشروعه الامبريالي كجزء صغير فيه وليس متحكماً فيه. بعد هذا الاستعراض السريع لمسائل متعلقة أساسا بشئون السياسة الخارجية للسعودية نجد أنفسنا مباشرة أمام القضية الاكثرجوهرية وحساسية والحديث الأهم والأخطر حول مايسمى بمحاربة الارهاب وتجفيف منابعه المادية والفكرية والدعاوى المتصاعدة لتغيير مناهج التعليم الديني وما فيها أومايُعتقد أن بها من مظاهر التطرف والغلو والجنوح نحو العنف، وكذا المطالبات العشوائية غير الممنهجة بإحداث تغييرات أو تطويرات أو اصلاحات جذرية واسعة على كافة المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية..الخ. وهنا يحتم علينا الواجب والمسئولية والحرص أن نقف وقفة جادة وصريحة إزاء كل تلك القضايا والمطالب من حيث طبيعتها وأبعادها وغاياتها،بل وكيفيتهاأيضا ونبدأ وقفتنا هذه بالتأكيد على جملة من الحقائق الاساسية التي ينبغي أن لاتغيب عن تفكيرنا لحظة واحدة ومن أهمها وأبرزها: 1ـ أن مسالة التغييرات أو الاصلاحات للاوضاع الداخلية تعتبرمن حيث المبدأ مسالة ضرورية ومطلوبة على نحو مستمر ومتواصل، فكلما كان هناك نمو وتطور وتقدم في أي مجتمع من المجتمعات الانسانية ،كانت هناك حاجة وضرورة قائمة وملحة للاصلاحات وليست السعودية وحدها بحاجة الى تلك الاصلاحات ، بل أن كل مجتمعاتنا العربية والمتخلفة عموماً بأمس الحاجة اليها،ومع ذلك فان تلك الاصلاحات والتغييرات لايمكن أن تتم عبر وصفة سحرية وبقرار فوري آني،كما لايمكن أن تكون وصفات جاهزة يتم فرضها أواملاؤها من خارج واقعها،ولكنها يجب أن تاتي بشكل طبيعي وداخل اطار تفاعلات وافرازات ومعطيات حركة التطور التاريخي للمجتمع ذاته. ان أخطر مايواجه مجتمعاتنا في المرحلة الراهنة وماسينعكس علينا من اثارها ونتائجها المدمرة الماحقة يتمثل اليوم في الوصفات والاجراءات والبرامج الجاهزة للاصلاحات الشاملة سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية التي تُعِدَها لنا منظمات ومؤسسات وحركات ((الليبراليةالجديدة)) مثل البنك وصندوق النقد الدوليين، والتجارة الحرة، والدول المانحة، ونوادي المانحين، وغيرها وتفرض علينا تنفيذها دون قيد أو شرط تحت طائلة التعرض للعقوبات المختلفة والمتعددة مثل الخصخصة، واللامركزية المطلقة ،واليات السوق الصماء، وخفض الانفاق، وتقليص القوى العسكرية والجهاز الاداري للدولة، والاعتماد المتزايد على المنظمات الأهلية غير الحكومية ومنظمات المجتمع المدني ، وفتح الأسواق ، والغاء كافة القيود والحواجز إلغاء كلياً تاماً، وعدم الاهتمام بالعدالة الاجتماعية والتكافل الاجتماعي وتقريب الفوارق الاجتماعية والاقتصادية بين الطبقات..الخ .هذه الوصفات والخطط التي لايمكن فهم ماتسعى الى تحقيقه في تضافرها ونكاملها إلا أنها تسعى أساساً الى تجريد (( رمز الدولة الوطنية )) من كل أسلحتها وعوامل دورها ومسئوليتها باعتبارها مرجعية الناظم العام لحركة المجتمع وتفاعل وتوازن قواه وفعالياته وأنشطته ومن ثم ادخال المجتمع في دوامة من الاضطرابات والتفكك والانقسام السياسي والاجتماعي والفوضى والاحباط واليأس على نحو يسهل عملية السيطرة والهيمنة على مقدراته ومساره المستقبلي. وعلينا أن ندرك بأن كل تلك الوصفات والخطط التي تأتينا تحت ذريعة الإصلاحات باسم وتحت عنوان ((العولمة)) لايُقصد بها في المحصلة الأخيرة سوى تأكيد وتأبيد سيطرة وهيمنة تحكم الأكثر تقدماً وقوة وصناعة، وضمان إلقاء مجتمعاتنا الى الأبد داخل دائرة التخلف والعجز. ان العولمة كما نشاهد علاماتها ومؤشراتها وبوادرها في الآفاق من حولنا لاتخدم سوى شمال عالمنا المتقدم،واذا كانت حركة الاستعمارالعالمي القديم قد استطاعت أن تُوقف وتُجهض وتُجمد حركة النهوض الحضاري لمجتمعاتنا وتستنزف امكانياتها ومواردها وقدراتها لصالح القوى الاستعمارية، فان استعماراً جديداً تحت إسم((العولمة)) اليوم سيقضي على أية مساحة ولو ضئيلة أمام مجتمعاتنا للتطور والرقي والحضارة تحت حجج محاربة الارهاب وتجفيف منابعه ومصادره المالية وبذلك تَضرِبْ وتُصفي مؤسساتنا المالية والاقتصادية والاستثمارية ،والأخطر من ذلك ايضا يتم ضرب مؤسساتنا ومراكزنا العلمية والصناعية والتكنولوجية وحتى طلابنا بات محظوراً عليهم تلقي مجالات عديدة من العلوم والمعرفة،وكذا مهاجرينا ممنوع عليهم الهجرة الى مجتمعات الشمال كأيدي عاملة رخيصة،في حين يُفرضْ علينا القبول والسماح لرؤوس أموالهم بالتنقل والحل والترحال بكل حرية بدون أي عائق أومعرقل داخل مجتمعاتنا. إن الاصلاحات مطلوبة وضرورية لمجتمعاتنا لكنها يجب أن تأتي بناء على حقائق ومعطيات الواقع وتفاعل حركة التطور التاريخي الطبيعي لمجتمعاتنا ومراحل تطورها الحضاري، ووفقاً لارادتنا نحن وبما يتلاءم مع مكوناتنا وخصائصنا الاخلاقية والحضارية والدينية وبمايحقق لمجتمعاتنا التوازن والتلاحم الوطني والسلام والأمن والاستقرار الاجتماعي ويحقق لها جناحي القيمة الانسانية التقدم الحضاري والعدل الاجتماعي. 2ـ ان محاربة الارهاب بجميع صوره واشكاله ومصادره أفراداً وجماعات ودولا مطلب حق ومن أوجب الواجبات على المجتمع أفرادا وحركات ومنظمات ودول،اذ ليس هناك إنسان سوي يقبل بالارهاب ويبرره، ولكننا يجب أن نلتزم اقصى درجات الحذر والتبين حتى لايصبح شعار ((محاربة الارهاب)) مطلب حق يراد به باطل. ان مايشهده العالم منذ هجمات11سبتمبر من أحداث وإجراءات وسياسات وأوضاع خَلّفت ولاتزال قدراً هائلا ومخيفاً من الرُعب والفَزع والترويع للانسان على امتداد العالم، وتركت مساحات واسعة من العذاب والمعاناة للبشر،بينما من يصنفونهم بالارهابيين بعيدين عن كل سوء،لقد فرضت أمريكا تحت إرعاب القوة أوالتلويح بها على نطاق واسع على الدول أن تقوم بحملات وملاحقات ومطاردات مسلحة وأمنية ضد مواطنيها بحجة محاربة الارهاب وراح ضحية كل ذلك مجموعات من خيرة شباب تلك الدول، وانتشر الخوف والرعب والارهاب في أوساط المجتمعات،كل ذلك من أجل عدم اثارة غضب أمريكا ودفعها الى إدراجها ضمن قائمة اتهاماتها بالارهاب أودعمه أو تمويله!! والى جانب الملاحقات والمطاردات الساخنة أصبح الآلاف يقبعون داخل السجون دون أي حق من الحقوق المكفولة لهم!وفي اعتقادي أن حكوماتنا تخطئ خطأ فادحاً حينما تستجيب دون رؤية أو تدقيق لمطالب أمريكا وضغوطها بمحاربة الارهاب وما يتصل به دون تحديد أو دليل أو اثبات قانوني أو حتى عُرفي ذلك انها باجراءاتها غير المحسوبة إنما توسع نطاق سخط وتذمر جماهيرها ضدها ويجعلها في حالة تصادم أو تنافر مع مجتمعاتها. إن الحرب ضد الارهاب بمختلف صوره واشكاله ومصادره ينبغي أن ينطلق من تعريف واضح ومحدد لا لبس فيه ولاغموض، ويتم في اطار مرجعيات وآليات متفق عليها تقوم بمهمة تحديد المسئوليات والعقوبات وتنظيم الادوار والمهام،أما أن تبقى دولة بعينها هي التي تُعطي التعريف وتوجه الاتهام وتنفذ العقاب وتفرض على العالم كله ماتريده هي وكيفما تريده هي، فهو مالم تشهده البشرية حتى في أظلم عصورها.. واذا ما استطاع العالم أن يوجد مثل هذه الصيغة أو الأسلوب الأسلم والأنجح في مسألة مكافحة الارهاب، فان البشرية كلها دولا ومنظمات وحركات وأفراداً سيجدون أنفسهم تلقائيا أمام مسئوليتهم المباشرة والاخلاقية في مواجهة الارهاب والتصدي للارهابيين والقضاء على شروره وأثامه. 3ـ واتصالا للنقطة السابقة فان الولايات المتحدة الأمريكية تفهم الارهاب وتعرفه وتحدده وفقاً لرؤيتها الخاصة وسياستها وحساباتها ومصالحها الاستراتيجية،ولهذا فهي ترى أن كل مايتعارض أو يختلف مع مصالحها وسياستها وتوجهاتها إرهابا أو دعماً للارهاب أو تمويلا له، واذا كان من حقها أن تفهم الارهاب وتُعرفَه وتُحدده كما تريد، الا أنه ليس من حقها يقيناً أن تفرض رؤيتها وفهمها على العالم بأسره، وتلومه بالعمل والتحرك وفقا لذلك، فأمريكا مثلا ثابتة ومصممة تماماً على اعتبار مقاومة الشعب الفلسطيني بمختلف حركاته ومنظماته للاحتلال العسكري الاسرائيلي والنضال من أجل نيل حريته واستقلاله ارهاباً وعملا شيطانياً شريراً، بينما قوات الاحتلال الاسرائيلي التي تقتل الاف المدنيين العُزل والأطفال وتدمر المساكن والمزارع وتصادر الممتلكات وتعتقل عشرات الآلاف وتغتال القيادات والناشطين مستخدمة الطائرات الحربية الأمريكية الحديثة والصواريخ وأسلحة الدمار الشامل تعتبره عملا حضارياً مشروعاً. كما تعتبرالمقاومة اللبنانية وحزب الله ضد الاحتلال الاسرائيلي على أرضه وشعبه ارهاباً ،ثم تأ تي لتضغط على الدول العربية والاسلامية لإجبارها على محاربة حق من من حقوق الشعوب في الحصول على حريته واستقلاله واعتبارذلك الحق إرهابا،ومثل الحال ينطبق على كل من قررت أمريكا إعتبارهم ارهابيين دولا كانوا أم جماعات أم مؤسسات أم أفرادا! أن مشكلة بعض الحكومات انها اضطرت على نحو أو اخر لمداراة الجموح الأمريكي وتعاملت بقدر من الاستهانة بمثل تلك المطالب غير المعقولة التي تفرضها أمريكا عليها وهو ماعزز من الضغوط الأمريكية عليها ودفعها الى المطالبة بالمزيد والمزيد، ولو أن تلك الحكومات تعاملت مع أمريكا منذ البدء بوضوح ودقة وعلى نحو يجعلها تدرك أن ماتعتبره ارهابا في فلسطين ولبنان نعتبره نحن نضالا مشروعاً وعادلا في سبيل الحرية والاستقلال، لما اضطررنا الى الوقوف موقفاً سلبياً مهيناً في التفرج على الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات تحاصره اسرائيل وتسجنه في مقره منذ فترة طويلة، ولما قصرنا الى هذا الحد المذل في التخلي عن نصرة قضية الشعب الفلسطيني والخوف من تقديم حتى الغذاء والدواء له! 4ـ واخيراً هناك القضية المحورية الأكثر حساسية وهي المتعلقة بالمطالبات الأمريكية والغربية عموما بتغيير محتويات ومضامين مناهج التعليم الديني الاسلامي بحجة أو بهدف ازالة مايُعتبر بأنه مثير أومشجع على الارهاب والغلو والتطرف والعنف ومعاداة الاخر، وتتصاعد وتائر هذه المطالبة وتتسع مساحاتها يوماً بعد يوم وسط مواقف وحملات ودعايات إعلامية سياسية تحاول ربط الاسلام بالارهاب والعنف في بداية الامر،ثم تطورت لحصر التهمة بهذا المذهب أو ذاك من مذاهب فهم الاسلام وتطبيقه مع ربطه بهذه الدولة أو تلك، وأصبحنا معتادين على سماع اراء وصيحات تتعالى وتحتد في الدوائر الأمريكية خصوصاً ودوائر الغرب المسيحي عموماً مطالبة بالتجديد الديني وتنقية مناهجه التعليمية من شوائب الارهاب والتطرف والعنف..الخ والواقع أن محاولة حصر الارهاب ودوافعه وأسبابه بدين بعينه أوحتى بمذهب او اتجاه من مذاهبه واتجاهاته، بقدر مايجانب الحقيقة ويتعارض مع وقائع الحال وطبيعة الارهاب ومساره التاريخي فانه يلقى بضلال كثيفة وواسعة من الشك والارتياب والهواجس حول حقيقة بواعثه وأسبابه وبالتالي غاياته،خاصة اذا جاء من خارج نطاق الاسلام ومن غير أهله واتباعه، وهي حساسية يشعر بها أتباع كل الديانات والمذاهب الدينية وحتى غير الدينية. ومع ذلك فاننا مابرحنا نؤكد ونطالب ونلح في المطالبة منذ أمد طويل بإعادة النظر والتقويم الشامل لكل موروثنا المتراكم من الاراء والاجتهادات والاتجاهات التي حوتها المذاهب والفرق والمدارس الاسلامية في فهمها وترجمتها وتجسيدها لحقيقة وجوهر الاسلام وتعاليمه الصافية،وأن هناك حاجة ملحة وضرورة عاجلة لاجراء عملية عميقة وشاملة من الدراسة والبحث والتحليل والتقييم في اتجاه غربلة وتنقية ماعلق بالاسلام من اراء وأفكارلا تتفق بل وتتصادم مع جوهره وتعاليمه الصحيحة ، في عملية تجديد واصلاح لمفاهيم الدين وغاياته وعلى نحو ينعكس ايجاباً على مناهج التعليم الديني ومضامينه،تلك كانت وستظل قضيتنا وذاك مطلبنا وهدفنا وهي عملية متصلة ومتداخلة ومتشعبة ومتفاعلة لايمكن أن تتم عبر وصفة جاهزة سحرية يكفي لمسة زر لتنفيذها. إن هناك حقيقة واضحة تفرض علينا مسئوليتنا وواجبنا أن نشير اليها وننبه عليها وهي أن علينا جميعاً وخاصة الحكومات أن نتعامل ونواجه قضية المطالبة بتغيير مناهج التعليم الديني في بلداننا بأعلى مستويات الحذر واليقظة والادراك الواعي والمستوعب لكل جوانبها وملابساتها وخلفياتها وغاياتها بعيداً عن النوايا الطيبة الساذجة وسلامة النية والقصد! ذلك أنه بات من الواضح أن هذه القضية برمتها يتم ادارتها وتوجيهها باعتبارها أحد الجوانب أو المجالات المهمة للعولمة الثقافية المراد تعميمها وترسيخها لتكون أساسا وأرضية لسائر مجالات العولمة الأخرى سياسية واقتصادية واجتماعية، ويرون أن العولمة الثقافية المطلوبة تقتضي إعادة بناء وصهر كل العقائد الدينية والهويات الحضارية والثقافات البشرية والعادات والتقاليد في نمط حياة ثقافي واحد يتم فرضه وتسييده على البشرية بكاملها بما في ذلك حتى سيادة اللغة الواحدة وهي الانجليزية بطبيعة الحال بعد أن تتمكن من استكمال سيادتها وتصبح بالاضافة الى لغة المعاملات والعمل والتخاطب العام لغة التعبيرعن العواطف والحب والمشاعر والمداعبات الجنسية، فالبشر جميعاً دون استثناء ينبغي بل يجب عليهم طوعا أوكرها أن يكيفوا ويعيدوا بناء وتحديد سلوكياتهم ومشاعرهم وانماط حياتهم ومعتقداتهم وعاداتهم وثقافاتهم ويسيروا داخل نطاق قالب ثقافي واحد موحد فتلك هي أصل العولمة وأساسها. ولهذا فان من يقبل اليوم ويساير دعاوى توجيه التهمة بالارهاب والتطرف لهذا المذهب أو ذاك ومسئوليته عن صياغة مناهج التعليم الديني وما فيها من تطرف وارهاب وغلو ومعاداة الآخر فسوف يجد نفسه في الغد مجبراً على القبول ومسايرة دعاوى واتهامات أخرى ترى في كتاب الاسلام ((القرآن)) أو حتى بعض مافيه ما يُفرِخ الارهاب ويشجعه ويدعو الى العنف والتطرف..الخ. تلك اذن حقائق أربع أخالها أساسية ومهمة حرصت على تثبيتها والتأكيد عليها في سياق استعراضنا ومحاولتنا فهم حقيقة دوافع وغايات حملة العداء الأمريكي المتصاعد والمتزايد ضد السعودية ومؤثراته واحتمالاته الخطرة وماذا علينا أن نفعله في مواجهتها وإفشال مراميها، والحقيقة ان ما ينطبق على السعودية في حديثنا ينطبق أيضاً على سائر دولنا وحكوماتنا وبلداننا العربية والاسلامية. ولست أريد هنا أن أخوض في تفاصيل ماأراه ضرورياً بالنسبة للسعودية أن تتخذه وذلك لاعتقادي اليقيني أنها تملك من القدرات والكفاءات والخبرات ما يكفي ويزيد للتصدي الفاعل أو المقتدر لكافة الاحتمالات والتوقعات، ولديها قاعدة عريضة من المفكرين والمثقفين والعلماء والقادة على درجة عالية ومستوى رفيع من الوعي والادراك ويشكلون صفوة أو نخبة تتميز عن كثير من مثيلاتها في سائر مجتمعاتنا بالرصانة والشعور بالمسئولية والموضوعية بعيداً عن الشطحات الانفعالية،وهو ما يعطي المجتمع السعودي حكومة وأفراداً قدرة خاصة وسريعة للاستجابة والتعامل مع المتغيرات والتحديات المفاجئة على نحو ايجابي وفعّال،ولعل المؤتمر العام الاخير للمفكرين والمثقفين السعوديين المنعقد لمناقشة وتدارس قضايا العمل الوطني والخطوة الرسمية بالغة الأهمية التي خطتها الحكومة كنوع من الاستجابة والتفاعل مع نبض الجماهير بالاعلان رسمياً عن تأسيس ((مركز الحوار الوطني)) لمناقشة مختلف القضايا والاهتمامات الوطنية ومعالجتها إلا دليلا عملياً على ذلك، ولعل أهم وأبرز ماينبغي التركيز عليه في هذا الصدد اننا كشعوب وحكومات عربية واسلامية أحوج مانكون الى مصالحة تاريخية جادة وراسخة بين أطراف المجتمع وقواه الفاعلة في الحُكم وخارج الحُكم على قاعدة تأكيد الحقوق والحريات الفردية والعامة للمجتمع، توفر لهم الكرامة والعزة ، وتحدد الواجبات والمسئوليات تحديداً واضحا،ذلك أنه عندما تصبح الاوطان والكيانات الوطنية والوجود ذاته عُرضة للتهديد المباشر فان الجميع حكاماً ومحكومين يصبحون داخل زورق واحد ومصير واحد فاما البقاء وأما الزوال وبمقدار الوعي والمسئولية والواجب يكون هذا اوذاك. ختاماً أقول بأن مشكلتنا ومأزقنا لاتكمن في محاربة الارهاب والتطرف ولا في الاصلاحات الشاملة كما أشرنا آنفا، فتلك مطالبنا وواجبنا في اطار حقائق واقعنا وارادتنا الحرة المنطلقة من مكوناتنا ومصالحنا..إن مشكلتنا وازمتنا تبرز وتتفاقم بسبب مايثير الجموح الأمريكي من اضطراب وفتن وعدم استقرارعلى مستوى العالم أجمع.. إن أمريكا للأسف الشديد بانفلاتها واستخفافها بكل معايير الحق والعدل والقيم والمثل الدولية والاخلاقية تنشر في ارجاء العالم أجمع منطق الجنون واللامعقول اعتماداً على قوتها العسكرية الجبارة وحدها، والجنون الجامح لايَحْسُن التعامل معه ولجمه سوى قدرْ ضروري من الجنون ذاته فما أصدق قول الشاعر العربي الذي قال: اذا لم يكن حُلمَ الحليمِ بنافعٍ                              فان صِدامْ الجهلِ بالجهلِ انفعُ تلك هي مشكلتنا الحقيقية وذاك هو قدرنا حتى يأتي الله بأمر من عنده.   

By Editor