تناولنا في الحلقة الأولى السابقة الحملة العدائية المتزايدة التصاعد منذ ما بعد احداث 11سبتمبر عام 2001م والتي تشنها الولايات المتحدة الأمريكية ضد المملكة العربية السعودية نظاماً وسياسة وأوضاعاً تحت ذريعة أنها باتت تُمثل بؤرة لإنتاج الارهاب ودعمه وتشجيعه، وذلك كله مبني على واقعة واحدة مفردة، وهي أن أكثرية الاشخاص الذين وُجِهت لهم تهمة تنفيذ احداث 11سبتمبر الارهابية داخل أمريكا يحملون الجنسية السعودية، وحاولنا أن نستعرض سياق تلك الحملة لمعرفة حقيقة دوافعها واسبابها الكامنة، وتبين لنا أن تحقيق ذلك بأقصى قدر ممكن من الدقة والموضوعية يتطلب البدء أولا في استعراض طبيعة الاستراتيجية الكونية الراهنة للولايات المتحدة في معالمها ومنطلقاتها واهدافها، حتى يتأتى ادراك حقيقة دوافع وأسباب الحملة العدائية الامريكية الموجهة ضد السعودية في سياق واطار تلك الاستراتيجية.. وقد استعرضنا بايجاز طبيعة المشروع الامبراطوري الكوني الذي تسعى أمريكا الى تحقيقه من خلال تلك الاستراتيجية، بهدف بسط سيطرتها وهيمنتها الواحدية المطلقة على شئون ومصائر ومقدرات العالم بأسره، بعد بأن وَجد صناع القرار السياسي الاستراتيجي فيها قناعة راسخة بأن الولايات المتحدة اصبحت، بانتهاء مرحلة الحرب الباردة العالمية القوة الأعظم بدون منازع أو منافس، وأنها وحدها صانعة هذا الوضع العالمي الجديد والإنتصار النهائي على المعسكر الاشتراكي المنافس بقيادة الاتحاد السوفيتي المنهار، وبهذا كانت الحلقة الأولى مدخلا ضرورياً يُمهد لفهم ومعالجة موضوعنا الأساسي والمتعلق باكتشاف الدوافع والاسباب بل والغايات الكامنة وارء حملات العداء المكثفة التي توجهها أمريكا ضد السعودية ، وهو ما ستتناوله بالبحث هذه الحلقة. وبداية فان أهم ما يجدرملاحظته حول طبيعة تلك الحملة هوثنائية وازدواجية الموقف والتعامل السياسي الأمريكي مع المملكة العربية السعودية، ففي حين ظل الموقف الرسمي الذي تمثله الادارة الأمريكية، منذ أحداث11سبتمبروحتى الان تقريبا،ايجابياً،في مجمله ومعبراعن ارتياحه واشادته بالدوروالتعاون الايجابي الكبير الذي تنتهجه السعوديةمع أمريكاوسائر دول العالم في مكافحة الارهاب،إلا ان الصحافة بالأساس ثم دوائروأروقة الكونجرس الأمريكي اتخذوا موقفاً وتعاملاً معاكساً ومناقضاً للموقف الرسمي في إدارتهم وتأجيجهم وتصعيدهم للحملة العدائية الشرسة ضد السعودية منذ ذلك الحين وحتى اللحظة، وعلى الرغم من ظاهر التعارض بين الموقفين فان ذلك التعارض لم يكن واصلاً الى حد القطيعة الكلية بين الموقفين تماما بل كانت هناك بعض روابط ووجهات نظر تجمع بينهما،حيث لاحظنا احياناً مجاراة الموقف الرسمي لموقف الصحافة والكونجرس في بعض القضايا والانتقادات الموجهة ضد السعوديةمثل مكافحة الارهاب ومعالجة الأسباب والعوامل المساعدة على تناميه وتمويله..الخ..بالاضافة الى المطالبة بما سمي بالاصلاحات والتغييرات في الأوضاع والسياسات الداخلية السعودية وفقاً لما تراه أمريكا،وهذا التناغم بين الموقفين يعزز ويؤكد الاعتماد السائد بأن الموقفين معا إنما يشكلان في حقيقة الأمرموقفا واحداً منسقاً ومتكاملاً بوجهين، يبدو كل واحد منهما مختلفاً أوحتى متعارضاً مع الآخر بحكم الضرورة التكتيكية مما لاينبغي ولامستحسن أن يتناوله الموقف الحكومي الرسمي لإعتبارات دبلوماسية ومصلحية تنظم العلاقات بين الدول،يُوكل للصحافة ودوائر الكونجرس مهمةالقيام به والتعبيرعنه،الى أن تكون الظروف والتوقيت مناسبين وملائمين أمام الموقفين،المختلفين تكتيكياً،للتعبيرعن موقف واحد مشترك كما يُفترض أن يكون..وهذا تقليد أو منهج لايمثل بدعة تتفرد بها أمريكا لوحدها،بل يعتبرمنهجاً متبعاً لدى الكثير من الدول،بالاضافة الى ماهو معروف تاريخياً من حقيقة إنحياز الصحافة ودوائر الكونجرس الأمريكي الى الموقف والسياسة الحكومية الرسمية وتوحد موقفها إجمالاً معه حينما يتعلق الأمر بشئون وقضايا ومشكلات السياسة الخارجية..ولكن دعونا أولا نقف لنلقي نظرة سريعة لمنحنى((المُسوِغ أو المبرر)) الذي دَشن التحرك الأمريكي السريع والمكثف وانتشاره عالمياًعقب أحداث11سبتمبر بما في ذلك الاتهامات الموجهة للسعودية لنتبين أبرز محطات تصاعد ذلك المنحنى في مبتدأه ومختتمه: 1ـ كانت البداية توجيه الاتهام وحصره بما يسمى بتنظيم((القاعدة)) وزعيمه أسامة بن لادن، بالمسئولية عن أحداث11سبتمبر،وذلك قبل إجراءاته تحقيقات وتحريات قضائية وجنائية، ثم أُضيفت حكومة حركة طالبان المسيطرة على أفغانستان آنذاك الى قائمة الاتهام باعتبارها مؤيدة وحامية وداعمة للقاعدة أو الارهابيين لرفضها تسليم المطلوبين بدون اثبات دليل. 2ـ أعلنت أمريكا حرباًعالمية شاملة على الارهاب ونشرت قوتها الجبارة حول العالم وقادت تحالفاً دولياً، شنت تحت رأيته حرباً مدمرة ومأساوية ضد أفغانستان أدى الى اسقاط وانهاء حكم طالبان والسيطرة العسكرية على أفغانستان وتنصيب نظام حكم جديد من المعارضين لطالبان.. 3ـ أعلنت أمريكا أن الحرب الشاملة على الارهاب سيتخذ من الكرة الأرضية كلها ساحة لمعاركه وسيطال كل من له صلة بالارهاب تخطيطاً وتنفيذاً وتمويلاً وايواء وتشجيعاً سواء أكان دولاً أم حركات أومنظمات أوأفرادا أو حتى أفكار،وأن تلك الحرب ستكون مفتوحة بالمطلق في مساحتها الزمنية،وأن على جميع من في الارض أن يُنفذوا ويستجيبوا للمطالب الأمريكية بفتح أراضيهم ومجالاتهم الجوية ومياههم الاقليمية وقواعدهم ومنشئاتهم العسكرية للقوات الامريكية والتعاون اللوجيستي والأمني معها،وإلا أدخلتهم أمريكا قائمة المتهمين بالارهاب وهي قائمة مفتوحة أيضا وقابله دائماً للتمدد والاتساع. 4ـ ثم تقدم((المُسوِغ)) أو((المُبرر)) خطوة الى الأمام،وظهر مُسوغ الارهاب تحت عنوان فرعي أو اضافي وهو((دول محور الشر)) التي حددتها أمريكا كخطوة أولى بأربع دول هي:العراق وايران وسوريا و كوريا الشمالية قابلة للزيادة،وكان مؤدى ذلك أن أمريكا قد تحملت على عاتقها لوحدها مهمة تصنيف وفرزدول العالم وشعوبه الى محور خير تقوده هي ومحور شر يَفرض الواجب المقدس عليها أن تشن الحرب عليه وتدميره، وكان أساس التصنيف والفرز الأمريكي لقوى أو محور الشر في البداية أنه يرعى ويدعم الارهاب ويُصدره ويهدد أمنها واستقرارها وكذا العالم بأسره، رغم عدم ثبوت أية صلة،مباشرة أوغير مباشرة,بين تلك الدول وشعار الارهاب العالمي،وقد رأى المخطط الاستراتيجي الأمريكي إدخال بعض التعديلات والتطويرعلى((المُسوِغ))أو((المُبرر)) على نحو يجعله مطاطاً وأكثر مرونة واستيعاباً لمفاهيم ومدلولات وايحاءات شتى،فاضاف عنوانا اخر وهو((الدول المارقة)) ليعزز ويوضح ماغمض في مصطلح ((محور الشر)) وأصبح مفهوم((الدول المارقة)) بحسب تصريحات وتنظيرات كبار مسئولي الادارة الأمريكية ينصرف الى كل دولة أو حتى حركة أو حزب أو منظمة في العالم لاتوافق ولاتقبل بالسياسة الأمريكية وتختلف مع رؤاها وتوجهاتها،وأن أمريكا لن تتردد في اعلان الحرب على تلك الدول وإسقاطها وإنزال قواتها على أراضيها وتنصيب حكومة بديلة وصديقة، لابل ذهب كبار مسئولي الادارة الأمريكية الى اللامعقول وكرروا إطلاق التهديدات العلنية،تحت سمع العالم وبصره،بأن أمريكا لن تتردد في استخدام الأسلحة النووية في حربها ضد كل من تعتبرهم أعداء لها على امتداد العالم!!أعلن عن بعضهم ضمناً كروسيا والصين واعدت خطط أو بروفات الحرب النووية! 5ـ وبالتزامن والتلازم مع مصطلحي أو عنواني((محور الشر))و((الدول المارقة)) وتوسيعاً أكثر للمفاهيم والدلالات والاشارات والايماءات، أدخلت إضافة جديدة أو عنواناً جديدا وهو((عدم السماح لأية دولة بامتلاك اسلحة الدمار الشامل)) ودعونا نترك للرئيس الأمريكي بوش مهمة توضيح المراد بالاضافة: في تصريح إعلامي مساء يوم الجمعة ال4 من يوليو قال الرئيس بوش بحسب الترجمة العربية للتصريح بالنص: ((واشنطن لن تسمح لأي نظام مارق بتهديد أمنها بامتلاك أسلحة دمار شامل)) ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل ذهب الرئيس الأمريكي الى حد أبعد في اليوم التالي مباشرة 5يوليوالماضي وصرح قائلا: ((ان مهمة أمريكا لاتتمثل فقط في مكافحة الارهاب واسقاط الطغاة وانما أيضاً في الحفاظ على حياة وكرامة الانسان أينما كان)). وبمنطوق هذين التصريحين لأعلى مسئول في قمة هرم الحكم الأمريكي نجد أنفسنا أمام مهمتين تاريخيتين عظيمتين منحتهما الولايات المتحدة الأمريكية لنفسها على مستوى العالم بأسره ةهما: الأولى: اسقاط الطغاة على امتداد المكان والزمان الكوني،وهو مايعني أن لها الحق المطلق في إسقاط أي نظام حكم في العالم لاترضى عنه أمريكا،أما عن كيفية والاسلوب الذي ستسقط أمريكا بها أوبه تلك الانظمة فهي يقيناً الحرب والقوة المسلحة وحدها،والواقع أن كبار مسئولي الادارة الأمريكية لم يتركوا العالم في حيرة من أمره، وتصدروا في جملة من التصريحات،أطلقوها في أوقات سابقة بعد أحداث11سبتمبر،الى توضيح طبيعة تلك الحرب واساليبها ووسائلها، فقالوا ان الحرب التي سيشنونها على المارقين والطغاة والأشرار لن تقتصر على أسلوب المواجهة الحربية النظامية المباشرة فحسب،بل ستتخذ اشكالا ووسائل عديدة منها تدبيرالمؤامرات والانقلابات والفتن الداخلية،وعمليات الاغتيال والتصفيات البوليسية الجسدية،وتمويل ودعم وتشجيع وتحريض الحركات المعارضة،وإفساد الضمائر وشراء الذمم بالمال والمغريات. الثانية:الحفاظ على حياة وكرامة الانسان أينما كان،والواقع أن أمريكا قد الزمت نفسها بتحمل اعباء ومسئوليات وتبعات تقرير شئون ومصائر شعوب وأمم العالم،على نحو أحادي إنفرادي وحيد،بمعنى اخر فان التطبيق العملي لهذه المهمة يشير بوضوح،الى أن أمريكا هي صاحبة الحق الوحيد والمطلق في اختيار وفرض النموذج أو نمط الحياة السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي بل وحتى الديني الذي ينبغي،لزوماً،تطبيقه والعمل بقتضاه مادامت أمريكا تراه الأفضل للحفاظ على حياة وكرامة الانسان أينما كان!وهذه مهمة جد جسيمة وبالغة الضخامة والتعقيد والخطورة. 6ـ وخلال المحطات الاخيرة، أثنائها وعَقِبها، من محطات المنحنى المتصاعد والمتمدد لل((مُسوغ))أو((المُبرر))آنفة الذكر،أخذت الصحافة الأمريكية زمام المبادرة في تدشين حملة إعلامية سياسية مناوئة للسعودية ظلت تتوسع وتتعمق وتتصاعد تدريجياًً الى أن اكتسبت طابعا عدائيا.. واستندت حملة الصحافة الأمريكية ضد السعودية،في بداية الأمر،الى حجة واحدة وهي أن غالبية من قررت أمريكا اتهامهم بالقيام بتنفيذ هجمات11سبتمبر يحملون الجنسية السعودية،وان ذلك كافياً، من وجهة نظرالصحافة الأمريكية،لتحميل السعوديةمسئولية في تلك الهجمات،ولما كانت مثل هذه الحجة غير كافية لإقناع الرأي العام بوجاهتها،اتجهت الصحافة الأمريكية الى طَرقْ دروب جديدة وتفريع وتوسيع الحجة الاصلية،فتحدثت عن تقليدية وجمود النظام السعودي وضرورة إحداث تغييرات وإصلاحات جذرية واسعة فيه،وراحت تكيل أحكامها متهمة المذهب الوهابي الذي اعتبرته مذهب الحُكم بالمسئولية عن تفريخ وخلق الارهاب وفكر الارهاب،وسلكت مسلكاً وعراً،بدون معرفة وفهم،فألصقت بمناهج تدريس الدين الاسلامي تهمة الارهاب وتوليده واصّرت على ضرورة قيام السعودية بتغييره سريعاً رغم مايتسم به هذا الجانب من حساسية مفرطة وخطورة بالغة خاصة اذا ما كان الحُكم عليه صادراًعن جهات غير اسلامية، ثم تطرقوا الى المؤسسات والجمعيات الخيرية والانسانية وبناء المساجد ودور العبادة والمدارس والرعاية الاجتماعية والثقافية التي تغطي انشطتها مساحات واسعة من بلدان العالم والتي تدعمها وترعاها السعودية،حكومة واثرياء ورجال أعمال وأفراد،وربطوها بدعم وتشجيع الارهاب والارهابيين،وشملت حملتهم مؤسسات وشركات وبنوك تجارية ومالية واصحابها مسلمون عرب على وجه التحديد بذات التهمة،واتخذت بحق الكل اجراءات عشوائية تعسفية ظالمة كالمصادرة والتجميد دون استناد الى القانون أو العدل،ثم تواصلت الحملة وتصاعدت أكثر لتوسع قائمة التهمة والمتهمين لتشمل عدداً من كبار أُمراء وافراد الأسرة المالكة رجالاً ونساء، ويتجه السيناريو الى رفع دعاوى قضائية في المحاكم الأمريكية ضد كل هذه الجهات والشخصيات مطالبة اياها بدفع تعويضات تقدر بتريليونات الدولارات،والمطالبة بتسليمهم الى أمريكا لمحاكمتهم الى آخر هذا المنحنى المتصاعد للحجج والمبررات والذرائع..ومن بينها حرية المراة وحرية العقيدة والاقليات ومعاملة غير المسلمين والخطاب الاعلامي والديني وغير ذلك..وخلاله وفي أثنائه انضم الى قافلة الحملة مجموعات متزايدة من أعضاء مجلسي الكونجرس، وأحيانا بعض كبار مسئولي الادارة الحكومية الرسمية،وان كان دورهم أخف حدة وأكثر ديبلوماسية ولطافة،رغم أن الموقف الرسمي المعلن ظل معاكساً ومناقضاً للحملة العدائية معتبراً السعودية حليفاً متعاوناً وقوياً لأمريكا في الحرب على الارهاب،الى أن جاء مؤخراً تقرير قُدِم الى الكونجرس قيل أنه خلاصة عمل لجنة تولت تحقيقات حول هجمات 11سبتمبر2001م واذاعت وسائل الاعلام أن ذلك التقرير يتضمن أدلة قاطعة تثبت تورط ومشاركة السعودية في تنفيذ وتمويل تلك الهجمات،وأنها لم تكن متعاونة بما فيه الكفاية مع أمريكا في مكافحة الارهاب وفي مواجهة عمليات الارهاب التي استهدفت حياة الأمريكيين في السعودية،وأيضا إستمرارها في ضخ الأموال لدعم الارهاب،والأهم من كل ذلك،بحسب وسائل الاعلام،أنها معادية للقيم الغربية. ورغم أن مايخص السعودية في التقرير المذكور قد أُوعز الى وسائل الإعلام لإعلان فحواه ومضمونه الا أن الادارة الأمريكية أصرت على حجب حوالي28صفحة من التقرير تتناول السعودية واعتباره جزءاً سرياً وطي الكتمان،ويبدو ان صانعي القرار في أمريكا قد أرادوا ايصال مضمون الرسالة مع تعمد إبقاء النص الرسمي سرياً اذا اقتضت الضرورة لاحقاً إدخال اضافات وزيادات وتوسيعات بحسب مقتضيات الحال في اللحظة التي تراها أمريكا مناسبة لتحرك جاد ضد السعودية بعد أن تستتب الأمور لها في العراق ويتحقق القدر الكافي من الأمن والاستقرار يُمكِن من إحكام السيطرة الاستعمارية على العراق.. ولعل أغرب وأعجب مافي الأمر كله أن أمريكا ما انفكت تكيل تهماً لامنتهى لها في كافة الاتجاهات وبحق دول وحركات ومؤسسات وجمعيات ورجال أعمال ومفكرين وافرادعاديين وتتخذ ما تشاء من اجراءات ومواقف كل ذلك في حين لم يتم حتى هذه اللحظة،إجراء أية تحقيقات جنائية وقضائية حول تلك الهجمات وتحديد المسئولية فيها تخطيطاً وتنفيذاً ودعماً وتمويلا،وقَتلت واَعتقلت عشرات الالاف من البشر في حربها واحتلالها لافغانستان وزَجت بالمئات منهم في اقفاص وأوضاع ومعاملة لايمكن أن يتعامل بها الانسان سوى مع حيوانات في قاعدتها العسكرية بكوبا، وحرمانهم من كافة حقوقهم الانسانية الأساسية،بل والأدهى من ذلك والأمّر،حرمانهم من الحصول على محاكمة عادلة أمام القضاء المدني الأمريكي أو حتى القضاء العسكري الأمريكي نفسه،ومنع الزيارات عنهم وتوكيل محامين،وإصرار أمريكا التي صَرح رئيسها بالأمس أن مهمة أمريكا تتمثل في الحفاظ على حياة وكرامة الانسان أينما كان!ولو أن الأمر كذلك وكان هناك مجرمون فما الذي يدفع أمريكا الى الاصرار على إجراء محاكمات عسكرية ميدانية سرية وخالية من كافة قواعد العدالة البدائية،إن كانت تريد اقناع الرأي العام العالمي بأنهم مدانون فعلا بالارهاب وخاصة بهجمات 11سبتمبر كما تؤكد!؟ على أن هذه الأمر العجيب الغريب يستدعي الى ذاكرتنا كيف وقفت أمريكا،عقب هجمات 11سبتمبر وهي تعلن الحرب على الارهاب وتحشد كل قواها العسكرية وتنشرها على إمتداد العالم،بكل إصرار وصلابة لرفض المطلب العالمي الذي كان يطالب بتحرك دولي شامل يخرج بوثيقة شرعية تُعرِف الارهاب تعريفاً دقيقاً ومجرداً ويُلزم الجميع بمسئولياتهم في محاربته عبر اليات ومرجعيات ضمن إطار منظمة الشرعية الدولية ،ولكن الادارة الأمريكية كانت حريصة على رفض أية تقييدات وتحديدات وضوابط تحد من حريتها في الحركة وانفرادها في توجيه التهمة لمن تريد وشن الحرب عليه وقتما تشاء وكيفماء تشاء دون اعتراض أو عراقيل،ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد،على عدم معقوليته،بل تعداه الى المزيد من((اللامعقول)) ولأول مرة في التاريخ الانساني كله،على حد علمي،يُصرح قادة دولة عظمى محترمة علناً،وتحت سمع وبصر الدنيا،بأن أمريكا ستمارس قدراً كبيراً من الكذب والتضليل والتزويرالمنظم والمُشرع له قانوناً ورسمياً للتغطية والتمويه على حقيقة تحركاتها واهدافها ومشاريعها،ولست أدري ماالذي يدفع الادارة الأمريكية الى التباهي علناً بأنها ستمارس مثل تلك الاعمال اللاأخلاقية بينما كان بمقدورها ممارسته سراً ودون تشريعه وتقنينه كما تفعل سائر الدول؟! واعتقد،على ضوء هذا الاستعراض لمسار ومحطات وتناقضات المنحنى المتصاعد وغير المترابط منطقياً للمُسوغ أو المبرر الذي أعتمدته أمريكا،في تحركها الكوني التالي لهجمات 11سبتمبر،أن ماتريده أمريكا من السعودية وماتسعى الى تحقيقه فيها يتجاوز الى حد بعيد جداً مايبدو على السطح بل هو أخطر بكثير للغاية مماهو معلن وظاهر،ويمكن فهمه وتحديده بوضوح على ضوء المشروع الامبراطوري الكوني الذي بدأت أمريكا بالشروع في تنفيذه عقب هجمات11سبتمبر2001م وداخل اطاره وليس خارجه،ذلك المشروع الامبراطوري المراد تحقيقه بقوة السلاح للسيطرة على العالم ومقدراته ومصائره،والذي اُختيرت منطقة ماتسمى ((الشرق الأوسط)) أو بالتحديد المنطقة العربية ومحيطها الاقليمي الاسلامي لتكون أول ساحات معاركه وحروبه وكانت الحرب على العراق واسقاط نظامه واحتلاله عسكرياً موطئ قدم ورأس جسر لإستكمال السيطرة على المنطقة البترولية في الشرق الأوسط وهو رأس جسر مثالي للغاية من الناحيتين الاقتصادية والاستراتيجية. فالعراق من الناحية الاقتصادية يختزن أكبر أو ثاني أكبر احتياطي عالمي من مصادر الطاقة،ومن الناحية الاستراتيجية يوفر لأمريكا وضعاً ملائماً للانطلاق منه شرقاً نحو ايران لتحقيق الاتصال بباكستان وافغانستان وغرباً نحو السعودية وشمالا نحو سوريا ولبنان إتصالا بالحليفة الاستراتيجية((اسرائيل))! وهذا السيناريو الوحيد الممكن تصوره لايُرجئ وضعه موضع التنفيذ سوى الفترة الزمنية اللازمة لقوات الاحتلال الانجلوساكسوني((الأمريكي ـ البريطاني)) لتتمكن فيها من إحكام قبضتها وبسط سيطرتها الكاملة على العراق،حينها وحينها فقط سوف تسمح الادارة الأمريكية بنشر مجموعة الأوراق ال 28 في تقرير الكونجرس وتحويلها من السرية الى العلن بعد أن يكون أوانها قد حان. وغالب الظن أن السيناريو المتصور للكيفية التي ستتعامل بها أمريكا مع السعودية لن يكون تكراراً مشابها للسيناريو الذي اتبعته أمريكا مع العراق،بل سيتخذ اشكالا وصوراً واساليب مختلفة ومتعددة ومتكاملة تتضافر مع بعضها لبلوغ الغاية المرسومة،ومن بينها،فيما نعتقد،أو بالأصح من أهمها: 1ـ إتباع اساليب التخريب الاقتصادي والمالي لتازيم الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في البلاد والعمل على انهيارها. 2ـ الدفع بالجماعات المسماة بالارهابية أوالمتطرفة سواء ارتدتْ مُسوح الرهبان أوتقرنت بقرون الشيطان،لتصعيد وتوسيع نطاق عملياتها التخريبية داخل المملكة على نحو يزعزع أمنها واستقرارها وينشر الرعب والفزع والاضطراب بين المواطنين والسلطات معا،وليس خافياً أن أمريكا سبق أن تعاملت مع جماعات مماثلة ولأغراض مشابهة في مصر والجزائر واليمن والاتحاد السوفيتي سابقا وروسيا لاحقا ويوغسلافيا سابقا وليبيا وسوريا وغيرها. 3ـ اللعب على الخلافات الاقليمية واستغلالها في اتجاه اشعال الحروب الاقليمية بين الدول الشقيقة المتجاورة على غرار دفع العراق أولا لشن حرب ضد ايران لأكثر من ثماني سنوات متواصلة ثم دفعه ثانية لغزودولة الكويت،وهو أسلوب برعت أمريكا كثيراً في تنفيذه وهو مايتوقع حدوثه أوتكراره كما تظهره مؤشرات وعلامات كثيرة لاتخفى على المراقب المدقق. 4ـ استغلال ودفع ما يعرف بالاقليات المذهبية داخل المملكة بل وحتى الاكثرية السُنية لتأجيج وتفجير فتن وحروب أهلية على نحو أو اخربين سنة وشيعة واسماعيلية أوحتى بإحياء وإشعال تمايزات وتباينات مناطقية((جيوبوليتكية)) كما يقولون،مع تسهيل تدفق أنواع الأسلحة المهربة الى السعودية. 5ـ الى جانب محاولة تفكيك تماسك ووحدة أُمراء الأسرة المالكة وبث الفرقة والخلاف والانقسام في صفوفهم، ودفع البعض ضد البعض ،والجميع في حقيقة الأمر مستهدف في المحصلة النهائية. 6ـ وأما بالنسبة للخيار العسكري المباشر،في حالة اقتضته الضرورة،فلن يكون إلا خياراً محدوداً و أخيراً لأن هناك من سيتكفل بتغطية متطلباته من الداخل والخارج. اننا لانريد أن نُضخم أو نُهول أو نُبالغ في تصوير الخطر الأمريكي الداهم على السعودية..كما لانريد بالمقابل أن نُهون أو نستهين بمؤشرات وعلامات ودلائل خطر ما برحت ترتسم أمام الأعين على مدى الأفق المنظور،حتى لاتأخذنا الطامة الكبرى وتلتهمنا على حين غرة الواحد تلو الآخر ولمّا نستعد لها ولو بالحد الأدنى. ولكن ماالذي يمكن أن تفعله السعودية في مواجهة اسوأ الاحتمالات؟ذلك ما سنحاول تبينه في الحلقة القادمة بإذن الله تعالى.