ماذا هناك ماذا بعد؟ حقيقة وأهداف الحملة الأمريكية على السعودية الحلقة الاولى

ظل من المسلم به والثابت يقينا، في عالم السياسة والعلاقات الدولية، لعقود ممتدة طويلة خلت، بأن العلاقات القائمة بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية اتسمت بمستوى راق بلغ درجة التحالف الاستراتيجي بالاستناد على قاعدة التوافق والانسجام السياسي بين الدولتين، وبالنظر الى شمول واتساع مجالاتها ورسوخ مقوماتها واسسها والثقة المتبادلة التي حكمت مسار نموها وتطورها، وذلك ما كوّن قناعة في أوساط منظري الفكر السياسي ومتابعي شئون العلاقات الدولية، بأن تلك العلاقة ذات الطابع الخاص هي من الثبات والرسوخ الى حد يصعب فيه تصور امكانية ظاهرة ومتوقعة لإحتمال تعرضها لأي انتكاسة جوهرية بالقياس الى حقيقة عدم تسجيل أية هزات أو توترات هامة طوال تاريخها ومحافظتها على طابع الاستقرار والثبات رغم فترتها الزمنية الطويلة. ولهذا فقد كان باعثاً أو بالاصح مثيرا لحالة حقيقية وجادة من الاستغراب والدهشة والتساؤل أن تشهد تلك العلاقة، ولأول مرة وبشكل مفاجئ بدون مقدمات أو توقعات مسبقة، أزمة كبرى وحادة ظلت تتصاعد وتتشعب وتتعقد شيئا فشيئا منذ ما بعد أحداث 11سبتمبر عام 2001م الارهابية التي تعرضت لها الولايات المتحدة الامريكية،وشروع الصحافة الأمريكية اولاً ثم داخل أروقة الكونجرس الأمريكي، في توجيه اصابع اتهام غير مباشرة للسعودية وتكييف تحميلها مسئولية غير مباشرة عن تلك الأحداث المأساوية التي دارت داخل الأراضي الأمريكية، تأسيساً على مبرر ظاهري وحيد يشير الى أن غالبية أسماء مجموعة الاشخاص( التسعة عشر) الذين قيل بانهم من قاموا بتنفيذ تلك الأحداث الإرهابية، يحملون الجنسية السعودية، وكان هذا المبرر، وحده حينها، كافياً لتحميل السعودية، حكومة وشعباً ومؤسسات، المسئولية غير المباشرة حينها، من وجهة نظر الصحافة الامريكية وبعض أصوات داخل الكونجرس الأمريكي! واذا نحن نحّينا جانباً حجم الإعتراضات والشكوك التي أحاطت بكيفية وسلامة ودقة تحديد مجموعة الاسماء ال19 واتهامهم بالمسئولية المباشرة عن تنفيذ احداث 11سبتمبر، من حيث عدم صدوره عن هيئة قضائية مسئولة أو جهة تحقيق محايدة، وتاكيد بعض الجهات لمعلومات تشير الى وجود بعض الاشخاص الذين ذُكرت أسماؤهم في لائحة الاتهام ممن يفترض أنهم قد فارقو الحياة وسط نيران تلك الاحداث، لا يزالون أحياء يُرزقون وموجودين منذ ما قبل الأحداث واثنائها في بلدان أخرى ، وتضارب وتناقض الروايات الأمريكية الرسمية لوقائع تلك الاحداث وكيفية وقوعها والمشاركين فيها… الخ. اقول اذا نحُينا جانباً كل هذا وغيره كثير، الا أننا سنظل مُلزمين بإجراء وقفة تحليلية جادة تتم باقصى مستوى ممكن من التجرد الانساني في محاولة للإجابة على السؤال المحوري الجوهري البارز حول الدوافع والأسباب الحقيقية التي أوجدت أزمة خطيرة في العلاقة الخاصة والاستراتيجية بين السعودية وأمريكا، تلك الازمة المفاجئة التي نخالُها ازمة مفتعلة لاتنسجم والمبررات والأسباب المستندة عليها والتي ظلت تتغير وتتبدل وتزداد وتتوسع بشكل متصاعد بين فترة وأخرى مما يوجب علينا محاولة البحث عن دوافعها وأسبابها الحقيقية الكامنة. على أنه ومن أجل ضمان أقصى قدر من الدقة والموضوعية لمحاولتنا هذه في بلوغها هدفها المنشود فان الضرورة تفرض علينا البدء أولا باستعراض مجمل السياسة والمواقف والاجراءات والتصرفات التي قامت بها الادارة الأمريكية على الصعيد العالمي، وتحديدا منذ أحداث 11سبتمبر2001م وكرد فعل لها، وتحليل وتقييم ابعادها وطبيعتها وأهدافها الحقيقية، اذ من شأن ذلك أن يضع أمامنا صورة أوضح وأكثر شمولية للاستراتيجية الأمريكية على المستوى العالمي، وفي الاطار العام لهذه الصورة الاشمل يمكننا على نحو أكثر سهولة ويُسر أن نفهم حقيقة الأسباب والدوافع الكامنة وراء تصعيد الحملة العدائية الأمريكية المفاجئة ضد السعودية، ذلك لأن هذه الحملة لايمكن ان تاتي بمعزل عن تلك الصورة الاشمل للاسترتيجية الأمريكية العالمية، بل يجب أن ينظر اليها في سياق واطار تلك الاستراتيجية وهو ما يقتضيه المنطق والتفكير السليم. وفي سياق محاولة رسم معالم الاستراتيجية الكونية الأمريكية يحسن بنا ابتداء تسجيل بعض الحقائق الأسياسة المتصلة بموضوعنا هذا، وهي حقائق مستقاة إجمالا من الكتابات الاخيرة للمفكر السياسي العربي الأبرز محمد حسنين هيكل في مجلة وجهات نظر المصرية حول الامبراطورية الأمريكية وصناعة القرار الأمريكي الآن، وتتبلور تلك الحقائق الأساسية بشكل مقتضب على النحو التالي: الحقيقة الاولى: بعد حروب تحرر وطني ضد قوى الاستعمار البريطاني وانتزاع الحرية والاستقلال الوطني.. وبعد حرب أهلية طاحنة ومريرة بين الشمال والجنوب يجنح نحو التجزئة والإبقاء على مشروعية تجارة العبيد،وانتصار الرواد المؤسسين الأوائل في تأسيس وبناء وترسيخ أسس ومقومات الكيان السياسي الفيدرالي الواحد لشعب وأرض الولايات المتحدة الأمريكية على رقعة جغرافية شاسعة ومترامية الأرجاء تختزن – وهي لاتزال- أرضا بِكراً ثروات طبيعية هائلة وخرافية.. وعلى الرغم من خيار العزلة والانكفاء على النفس وتركيز كل الاهتمام،تقريبا على شئون البناءوالاستثمار الداخلي الذي سار عليه هذا الكيان السياسي العملاق القابع خلف المحيط ، الا أن فكرة التحول الى مشروع امبراطوري كوني ظل حُلماً ما انفك يداعب مخيلة السياسيين والاستراتيجيين والمفكرين والقادة الذين تعاقبوا على ادارة شئون الحكم فيه استنادا الى ما يمتلكه الكيان السياسي من قوى بشرية كبيرة ومساحة جغرافية شاسعة الأرجاء، ومايختزنه من خيرات وثروات وامكانيات طبيعية واقتصادية هائلة الى حدود مذهلة ،ورسالة انسانية حضارية تؤهله مجتمعة ومتضافرة، للتحول بيسر الى مشروع امبراطوري كوني، ولم يكن خيار العزلة والانكفاء على الداخل بصورة كلية أو شبه كلية الذي اختارته الولايات المتحدة الأمريكية لنفسها يعني إسقاطاً وإلغاء للمشروع أو الحلم الأمبراطوري الكوني من حساباتها، بل على العكس من ذلك كان يتقدم صوبه في خطين متوازيين ومتكاملين.. الأول يركز على عملية البناء الداخلي المتكامل والمتسارع لإعداده كي يصبح قوة عالمية عظمى قادرة على النهوض بأعباء ومتطلبات وتبعات المشروع الامبراطوري عالمياً، والثاني، يتجه الى تَحيُن حدوث ونضوج ظروف موضوعية متعلقة بطبيعية القوى الدولية وتوازن القوى بينها، حيث كانت ولا تزال،حينها، القوى الدولية الأكثر نفوذاً وتأثيراً وقدرة، والانتظارالى حدوث متغيرات تعمل على استهلاكها واستنزافها وازاحتها الى الصفوف الثانوية والى أن تصبح الظروف والتوازنات الدولية مواتية تماماً أمام أمريكا للشروع في حُلمها الامبراطوري الذي راود مخيلتها منذ زمن طويل. الحقيقة الثانية: ولقد ظلت الولايات المتحدة ترقب وتتوق وتعمل وفقاً وعلى ضوء حساباتها الواضحة والمحددة وبوسائلها الخاصة،على التسريع في إنهاك واستهلاك طاقات وقوى وامكانيات الأمبراطوريات الاستعمارية الاوروبية، وخاصة منها البريطانية والفرنسية، التي هيمنت على العالم وتحكمت بثرواته وموارده الغنية اللامحدودة لصنع تقدم ونهضة ورفاهية تلك الامبراطوريات، والدفع بها الى التضعضع والتحلل والضعف الكافي لازاحتها عن موقع الصدارة والهيمنة المطلقة على مصائر العالم وشئونه، وبالفعل تحقق لأمريكا الأكثر والأهم مما تسعى الى تحقيقه عبرمعطيات ونتائج الحربين العالميتين الأولى والثانية، والأخيرة منها على وجه الخصوص التي نتج عنها استنزاف هائل لقوى وقدرات الأمبراطوريات الاستعمارية الاوروبية التقليدية، وأيضا القضاء المبرم على مشروع امبراطوري ألماني نازي جديد وفتي وواعد الى حد كبير، ثم تصاعد عملية تصفية الاستعمار وانتصار حركات التحرير الوطني في الكثير من دول العالم الثالث في أسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، وبازاحة تلك الامبراطوريات الاستعمارية والهرمة عن مركز الصدارة والهيمنة العالمية برزت الولايات المتحدة كقوة أعظم لم تتعرض للاستنزاف والاستهلاك بل ظلت قوة فتية مرفودة بموارد وثروات طبيعية خيالية وغير محدودة، وهو ما دفع بها الى تسلم موقع قيادة المعسكر الغربي الرأسمالي كله على امتداد العالم، مع بروز قوة عالمية كبرى منافسة في أعقاب الحرب العالمية الثانية تمثلت بالمعسكر الشرقي الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتي، وظل الصراع محتدماً ومريراً وشاملاً العالم بأسره بين المعسكرين الغربي الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والشرقي الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتي فيما عرف بمرحلة الحرب الباردة التي انتهت بسقوط الاتحاد السوفيتي ومن ثم المعسكر الاشتراكي مطلع التسعينيات من القرن العشرين المنصرم.. الحقيقة الثالثة: وبسقوط الاتحاد السوفيتي ومعسكره الاشتراكي كمنافس قوي ومتكافئ،شعرت الولايات المتحدة شعوراً يقينياً راسخاً بأنه لم يعد هناك أية قوة دولية منافسة، وأنها باتت هي وحدها وبدون منازع القوة الأعظم في العالم لاينافسها منافس ولاينازعها منازع، واصبح من حقها المشروع والكامل أن تنفرد في تقرير شئون العالم أجمع ومصائره وحركته وعلاقاته انفراداً احادياً واحدياً دون شريك ، وحتى حلفائها التقليديين في المعسكر الرأسمالي من الدول الأوروبية الكبرى فرنسا المانيا وغيرهما،ليس أمامهم سوى خيارين لاثالث لهما فأما أن يقبلوا بدور تابع تحت المظلة الأمريكية وارادتها .. أو أن يختاروا سبيل المواجهة معها مما يترتب عليها تبعات واعباء لاقبل لهم بها!هذا على صعيد الحلفاء، أما مايتعلق ببقية القوى الدولية الكبرى والنافذة كروسيا الاتحادية والصين والهند وكذا الحليف الياباني ومجموعة دول النمور الاسيوية فهؤلاء ليس أمامهم الا التقيد بالأوامر الأمريكية وتنفيذها طوعاً وبدون اعتراض، أما بقية دول العالم فان عليها أن تُعلن الخضوع التام والاستسلام الكلي والتنفيذ الفوري لكل الأوامر والتوجيهات الصادرة اليها من أمريكا طواعية ان هي آثرت السلام أو كرهاً بمواجهة الحرب العسكرية مع أمريكا بقوتها الطاغية. الحقيقة الرابعة: وكان واضحاً، عند هذا الحد، أن دوائر وصانعي القرار في الولايات المتحدة تولدت لديهم قناعة وايمان راسخ بأن الفرصة التاريخية التي ظل الحُلم الامبراطوري الكوني ينتظرها منذ زمن بعيد قد لاحت وأصبحت حقيقة واقعة وملموسة حيث تهيأت كل الظروف والاجواء والشروط الموضوعية ونضجت واصبحت ملائمة تماماً على الصعيد الدولي للشروع في تحويل الحُلم الامبراطوري الى واقع عملي متحقق فعلياً وهو بداء العمل به بالفعل ولكن في ظل مفارقة غريبة وعجيبة يتفرد به المشروع الأمبراطوري الكوني الأمريكي عن كل مشاريع الامبراطوريات السابقة له عبر التاريخ حيث يلحظ الاستاذ الكبير محمد حسنين هيكل مستندا الى حقائق ودلائل موثقة ورسمية أن المشروع الامبراطوري الأمريكي الراهن يتم  تبنيه والتنظير له ورسم حركته وتحديد أهدافه ووسائله واستراتيجته والتحكم بخطواته وايقاعاته بدرجة أساسية كبيرة من قبل الرأس المال الخاص بكاوتيلات شركاته الاحتكارية العملاقة ومؤسساته البحثية الفكرية والسياسية والاستراتيجية والاقتصادية والعسكرية التابعة لها حيث أصبحت بالواقع الملموس بمثابة حكومة الظل أو الحكومة الخفية التي تحرك وتوجه وتتحكم بمفاصل ومفاتيح صناعة القرار والادارة السياسية لمنظومة الحكم الدستورية في الولايات المتحدة التي أصبح دورها شكليا أو خاضعا لمتطلبات ومقتضيات ومصالح المشروع الرأسمالي الخاص المسيطر على احتكارات الطاقة وصناعة السلاح والمقاولات، وهو وضع يتعاكس ويتناقض تناقضاً كلياً مع طبيعة تكون ونشوء الامبراطوريات الاستعمارية عبر التاريخ، والتي نشأت وتكونت كمشروع وطني تنهض بعبء تحقيقه وقيادته الدولة الوطنية من حيث هي مؤسسات لها صفة المشروعية الدستورية، أما الرأسمالية الوطنية لتلك الدول فدورها محصور في مراحل لاحقة لانتصار المشروع الامبراطوري في الاستفادة من تحققه في مجالات الاستثمار والنشاط الاقتصادي والصناعي داخل اطار الامبراطورية وفقا لقوانينها وتشريعاتها وسياساتها المعمول بها والمرسومة وليس له أي دور في رسم السياسة أو التحكم أو السيطرة على المشروع الامبراطوري أصلا، وهذا الوضع المعكوس أوالمقلوب هو الباعث على أقصى درجات القلق والهلع والفزع من احتمالات أن يُفضي تحكم وسيطرة الرأسمالية الخاصة على المشروع الامبراطوري الأمريكي القادم وتوجيهها لمساره الى الدفع بالعالم والبشرية الى كوارث ومآس انسانية ماحقة ومدمرة، من خلال تغليب طبيعة الجموح والطموح المجنون واللامحدود التي تتسم به عادة الرأسمالية الاحتكارية المتوحشة في تحقيق مصالحها ومنافعها دون اكتراث لمبادئ أو قيم انسانية واخلاقية سامية في تحقيق الرفاهية والسعادة والحرية والكرامة للانسان والمجموعة الانسانية على أرضنا وكوكبنا، ويتزايد ذلك القلق والهلع والفزع من حقيقة القوة المتفردة غير المسبوقة التي تحظى بها الولايات المتحدة الأمريكية في جميع المجالات والميادين، وهو ما جعل منها القوة الأعظم الوحيدة في التاريخ التي تُحكِم سيطرتها على فضاءات السماء ومساحات أرض الكوكب بكامله بحيث أنها تستطيع أن تدمر الأرض والحياة فيها تدميرً ماحقاً ساحقاً لا أمل في حياة بعده من أي نوع. وفي ضوء هذه الحقائق الرئيسية الأربع،وغيرها يمكننا القول بأن الاستراتيجية، العليا للولايات المتحدة الأمريكية في المرحلة التاريخية الراهنة قد صِيغت ورَسمت وحَددت منطلقاتها واهدافها وخططها ووسائلها على نحو يستجيب ويتوافق ويعمل على تحويل الحلم الامبراطوري الكوني للولايات المتحدة الأمريكية الى حيز التنفيذ أو التطبيق العملي الميداني الفعلي بالاعتماد، أساسا وبدرجة رئيسية، على منطق القوة العسكرية وطغيانها وجبروتها وقوانينها الوحشية الظالمة، وبالاصرار على استبعاد أي شكل معقول من المشاركة أو الشراكة الانسانية في صياغة ورسم معالم وأسس ومضامين علاقات وقيم وغايات نظام علمي جديد يتصف بقدر من العدل والانصاف والتكامل وبالتصرف المُطلق الحرية والرافض كلية الإحتكام الى مرجعيات متعارف عليها انسانياً باعتبارها تمثل المشروعية الدولية أو التقيد بقيم ومبادئ وأحكام القانون والمواثبق والمعاهدات الدولية المتوافق عليها أو الأخلاقيات القانونية والانسانية التي تَضبط وتُنظم وتُوجه النشاطات الانسانية وضمان عدم جنوحها الى العدوان أو الظلم أو القهر والطغيان. والواقع أن يوم الحادي عشر من شهر سبتمبر عام 2001م وهو اليوم الذي تعرضت فيهاالولايات المتحدة لهجمات ارهابية مريعة ومخيفة، قد احتل مكانة بارزة للغاية في سجل التاريخ الانساني باعتباره اليوم الذي أعطى اشارة البدء أو ساعة الصفر لانطلاق المشروع الامبراطوري الكوني لأمريكا من حيز الحُلم النظري الى ميدان التطبيق العملي الميداني الملموس، من منطلق الحقيقة الواضحة بأن الأحداث الارهابية لذلك اليوم المشئوم قد أهدت الادارة الأمريكية أو القوى المتحكمة فيها بالخفاء ووفرت لها المسوغ والمبرر والذريعة والغطاءالكامل والملائم والمعقول بما فيه الكفاية لإضفاء المشروعية للبدء بالخطوات العملية لتحقيق مشروعها الامبراطوري الهادف، كما توضح المؤشرات والشواهد والدلائل، الى تحقيق السيطرة الأمريكية المطلقة والكاملة على العالم بأسره، وذلك المسوغ أو المبرر هو تحديداً ماكان ينتظره ويتمناه مخططو ومهندسو وقادة المشروع الامبراطوري الأمريكي ليكون إيذانا بتدشين المشروع الامبراطوري عملياً.. وتتأكد هذه الرؤية بوضوح لايقبل كثيرا من اللبس أو الغموض، من مجرد القاء نظرة سريعة ومقتضبة لمسار وتطور مسار المسوغ أو المبرر الذي وفرته احداث 11سبتمبر للادارة الأمريكية في صيغته الأولى مروراً بمسار تطوره ونموه وتوسعه وتمدده السريع والمفتوح: في البدء وعقب أحداث 11سبتمبر مباشرة تم توجيه الاتهام لمجموعة عربية اسلامية منظمة تحت أسم(( تنظيم القاعدة)) وزعيمه أسامة بن لادن، قبل أن تبداء إجراءات التحقيق والتحقق الجنائي والقضائي المعتاد، ثم نشرت أسماء 19شخصا قيل أنهم هم الذين قادوا ونفذوا الهجمات الارهابية على مدينتي نيويورك وواشنطن وغيرهما بواسطة طائرات مدنية تم الاستلاء عليها واختطافها وقيادتها نحو أهدافها المرسومة، ومع توجيه الاتهام لتنظيم القاعدة وقائده والتأكيد بأن المجموعة المنفذه ينتمون الى ((القاعدة)) وبالنظر الى كون زعيم التنظيم وقيادته ووجوده يتخذون من أفغانستان قاعدة و مأوى ومنطلقاً لنشاطهم، فقد كان مطلب أمريكا ينحصر في مطالبة حكومة طالبان في أفغانستان، غير المعترف بها دولياً، بتسليم المطلوبين من تنظيم القاعدة لأمريكا لمحاكمتهم بتهمة مسئوليتهم عن هجمات 11سبتمبرالارهابية، ولم تمانع حكومة طالبان في تلبية ذلك الطلب وانما اشترطت إثبات الدليل القاطع الذي يثبت تورط المطلوبين ومسئوليتهم عن تلك الهجمات ، وهو ما رفضته أمريكا معتبرة أن على حكومة طالبان تسليم المطلوبين فوراً وبدون قيد أو شرط، وبهذا أضافت أمريكا حركة طالبان وحكومتها الى قائمة المسئولية عن تلك الهجمات سواء بالتخطيط أو التنفيذ أو الدعم والحماية والايواء،وتَحدد المُسوغ أو المبرر بأن أمريكا قد تعرضت لعدوان إرهابي منظم وأن من حقها مطاردة وملاحقة جميع المسئولين والمتورطين في تلك الهجمات واعلان الحرب على الارهاب لإجتثاثه من جذوره، وبناء على ذلك شنت أمريكا وحلفاؤها حرباً مدمرة ورهيبة واحتلت أفغانستان واسقطت حكومة حركة طالبان، ولم تُصَبْ حركة طالبان ولا تنظيم القاعدة وهما المستهدفان الرئيسيان للحرب بكبير أذى بل كان الشعب الافغاني هو المتضررالواحد، حيث دُمرت مرافقه الأساسية المحدودة والبدائية للغاية وقُتل آلاف الأبرياء وزُج بهم في السجون وتَعرض المئات من الأسرى المقيدين بالسلاسل للقتل بطريقة بشعة واقتيد مئات الأسرى الى قاعدة (( جوانتنامو)) العسكرية الأمريكية في كوبا وزُج بهم في أقفاص وبتعامل يستحي أي انسان كان أن يتعامل به مع الحيوانات والحشرات وسُلبت منهم جميع حقوقهم الانسانية المشروعة في تحقيق ومحاكمة قضائية عادلة. بعد ذلك وخلال فترة زمنية وجيزة للغاية، جرت عملية جديدة لإعادة صياغة المُسوغ أو المبرر المُعلن وظهر بصيغة منقحة وموسعة تقول أن الحرب العالمية المقدسة ضد الارهاب العالمي شاملة ومتعددة الميادين والساحات وزمنها مفتوح، وقائمة الإتهام فيها مفتوحة أيضاً وقابلة للاضافة مُتَهمين ومسئولين جدد، دولاً ومنظمات وأفرادا ومؤسسات، بشكل مستمر ومتواصل واعتبارقاعدة الاتهام تشمل التخطيط والتنفيذ والتمويل والايواء والحماية والتشجيع لكل ما يقررإعتباره عملاً من أعمال الارهاب وفقا للرؤية والمفاهيم الأمريكية وحدها..ومنذ ذلك الحين أصبحنا معتادين على ظهور المُسوغ أو المبرر أو الذريعة علينا بطبعات جديدة وصيغ فريدة ومنقحة وموسعة ومختلفة بين فترة وأخرى وتحت خطوط عريضة أو عناوين رئيسية : ـ ظهر علينا أول ما ظهر تحت عنوان(( الحرب المقدسة الشاملة ضد الارهاب والارهابيين)) ـ ثم جاءنا تحت عنوان أخر هو(( الدول المارقة أو محور الشر)) ـ بعد ذلك رأيناه تحت عنوان جديد وهو(( منع الدول من حيازة أسلحة الدمار الشامل)) بالقوة العسكرية إن استدعى الامر. ثم أطل علينا بعنوان جديد وهو(( فرض الديمقراطية وحقوق الانسان عالميا)) أو بعبارة أوضح وأدق أوردها قادة الادارة الأمريكية علناً وهي(( العمل على اسقاط الطغاة والديكتاتوريين في مختلف دول العالم والحفاظ على حياة وكرامة الانسان أينما كان)) ثم أقتضى الامر مزيداً من التوسيع والاضافات والشمول، فبالاضافة الى الحرص على جعل المُسوغ أوالمبرر ذا طبيعة متجاوزة لحدود المكان والزمان، فقد تضمن كل عنوان من العناوين الرئيسية المشار اليها عناوين متفرعة لاحصر لها ولانهاية، وبمقتضى تلك العناوين اعتبرت مناهج التعليم الديني، وحصراً الدين الاسلامي فقط، المعمول بها في دول عربية واسلامية متهمة بالمسئولية عن الارهاب واعداد الارهابيين ويجب تغييرها فوراً، وضمت جمعيات ومؤسسات خيرية وانسانية وشركات وبنوك ومؤسسات اقتصادية ومالية، اسلامية عربية تحديداً ، متهمة هي الاخرى بالارهاب، وتجمد وتصادر انشطتها وممتلكاتها وارصدتها بدون أي سند قانوني قضائى مشروع، واُدرجت منظمات وحركات تحرر وطني تقاوم قوات الاحتلال الاستعماري لأوطانها، وهي أيضا عربية أو اسلامية قصراً، ضمن قوائم الارهاب والارهابيين، أما قوات الاحتلال الاستعماري التي تقتل وتصيب الآلآف من المدنيين الأبرياء وتمارس حملات الاغتيالات الفردية وتدمر الحرث والنسل والمساكن والمنشأت المدنية فهي تمارس حقها المشروع في الدفاع الانساني الرائع عن نفسها!! واُعتبر الملايين المنحدرين من أصول عرقية أو دينية عربية واسلامية من المهاجرين والطلاب ومنهم من اصبحوا هم وابناؤهم واجدادهم مواطنون للدولة المقيمين فيها في أمريكا وأوروبا مدانين الى أن تثبت ادانتهم بتهمة الارهاب في معاملة تمييزية عنصرية وفي ظل مصادرة ابسط الحقوق والضمانات القانونية والمدنية السائدة عندهم في جهد منظم أجبر الكثير منهم الى العودة الى اوطانهم الاصلية،وبل وطالت تهمة الارهاب تنفيذاً وتمويلاً ودعماً وتشجيعاً، دولاً وأحزاباً وقادة حُكم وأفرادا بل وحتى قنوات إعلامية فضائية وصحف وأفراد، في اطار الانتماء العربي الاسلامي تحديدا، أو ما يسمى بالانتماء الشرق أوسطي تأدباً ! بل بلغ الأمر حدا غير معقول حين أصبح كل معترَض على السياسات الخارجية الأمريكية مرشحاً لإلصاق تهمة الارهاب عليه!! بل واعتبرت كل دولة تسعى الى تسليح نفسها لامتلاك قدرة دفاعية ولو في حدها الأدنى للدفاع عن سيادتها وصد أي عدوان على أراضيها وأوطانها عملا من الأعمال الشريرة الارهابية، في نفس الوقت التي تنفق فيه أمريكا تحديداً وعدد محدود من دول العالم تريليونات الدولارات لامتلاك وتطوير المزيد من أسلحة الابادة والدمار الشامل التي تهدد بابادة الحياة على الكوكب الارضي برمته! والادهى من ذلك النظر الى أي دولة من دول العالم، وتخصيصاً العربية والاسلامية، تتبع منهجاً ونمطاً في التنمية والحُكم لا يتطابق مع النهج والنموذج الأمريكي مُروقاً وارهاباً شريراً يستحق شن الحرب عليه من قبل أمريكا! ولكي لا يُنظرالى حديثناعلى كونه تعبيراً عن قناعات ووجهات نظر شخصية مسبقة، فاننا نترك المجال هنا لآخر حديث للرئيس الأمريكي صرح به يوم 4 يوليوالماضي نورده نصاً كما يلي: وبحسب ترجمته العربية يقول الرئيس الأمريكي جورج بوش: (( واشنطن لن تسمح لأي نظام مارق بتهديد أمنها بامتلاك أسلحة دمار شامل )) وفي تصريح أخر يقول: (( ان مهمة أمريكا لا تتمثل فقط في مكافحة الارهاب واسقاط الطغاة وانما أيضا في الحفاظ على حياة وكرامة الانسان أينما كان))..وأعتقد أن هذا كاف للبرهنة على أن أمريكا قد عقدت العزم على تحقيق مشروعها الامبراطوري الكوني الذي يُمكنها من إحكام قبضتها وسيطرتها الأُحادية الواحدة على مقدرات ومصائر شعوب وأمم وأوطان العالم أجمع بالقوة العسكرية وحدها، والواضح أنها اختارت المنطقة العربية ومجالها الحيوي الاقليمي الاسلامي المحيط بها ساحة لأول معارك حربها للسيطرة على العالم بالنظر الى مخزونه الهائل من مصادر الطاقة والثروات الطبيعية والموقع الاستراتيجي المتربع على قلب العالم وكانت الحرب على العراق واحتلاله عسكرياً أولى حلقات حرب السيطرة تلك.. بهذه الصورة الواضحة لطبيعة وأهداف الاستراتيجية الكونية الأمريكية وفي اطار هذه الرؤية لملامحها ومؤشراتها ومسارها يمكننا أن نتبين بأقصى قدر من الوضوح والدقة حقيقة الدوافع والاهداف الكامنة أوالمستترة للحملة العدائية الأمريكية المتصاعدة ضد المملكة العربية السعودية،فما هي تلك الدوافع والاهداف ؟ ذلك ما سنتناوله في الحلقة القادمة باذن الله تعالى فالى اللقاء عندها.   

By Editor