لايكفي ابدا ان تعلن الدول العربية عدم تأييدها لعدوان امريكي بريطاني مسلح مزمع على العراق، بل عارعليها ان يقتصر دورها على مثل ذلك الموقف المكتفي بدور المتفرج الذليل اذا ما وقع الفأس على الرأس يوما ، فالدول العربية اعضاء في منظمة اقليمية دولية هي الجامعة العربية ملتزمة بميثاقها وبعهودها ومواثيقها النافذة في المقدمة منها اتفاقية الدفاع المشترك، وعلى الدول العربية احترامها لتعهداتها، وأحكام تلك المواثيق والتعهدات والاتفاقيات التي سبق ان اقرتها والتزمت بها، ليس إزاء اي عدوان يتعرض له العراق فحسب، بل في مواجهة اي عدوان ظالم، غير مبرر تتعرض له اي دولة من الدول العربية الاعضاء في جامعة الدول العربية بدون استثناء. واذا كنا نتفهم ونُقدر وجاهة الهواجس والشكوك والمخاوف الكويتية إزاء نوايا واهداف السياسة العراقية تجاه الكويت التي ظلت منذ استقلالها مطلع الستينيات هدفاً لتهديدات واستفزازات عراقية من منطلق إعتبارها جزءاً لا يتجزأ من كيان العراق السياسي بلغت ذروتها المأساوية الرهيبة باجتياح العراق لدولة الكويت والسيطرة الكاملة عليها وإعلانها محافظة من محافظات العراق الادارية في صيف 1990م، بالاضافة الى تفهمنا لخلاف عدد من الدول العربية لسياسة العراق وتوجهاته الخارجية ، وكنتُ شخصياً واحداً من الذين عبروا عن اختلافهم ومعارضتهم العلنية للسياسة العراقية ، وخاصة الخارجية منها، منذ شن العراق حرباً وقائية ضد اشقائه في ايران الاسلامية التي لم يمض على انتصار ثورتها الاسلامية على نظام حكم شاه ايران سوى بضعة اشهرقليلة ، تلك الحرب العبثية التي تواصلت لأكثر من ثماني سنوات ، إنتهاء باجتياح والغاء دولة اشقائه في الكويت وضمها للعراق، اقول انه ومع الاقرار بوجاهة وواقعية الهواجس والمخاوف سالفة الذكرإلا ان نظرة فاحصة للاحداث العاصفة ووقع المعارك والحروب وايقاعاتها ودقات طبول الحرب المترددة اصداؤها من حولنا، هنا وهناك ، على امتداد العالم بأسره وادراك ابعادها واهدافها القريبة والبعيدة ، تجعلنا في موقع يمكننا من القطع يقيناً ان العراق لن يكون هو وحده الهدف الوحيد، ولكنه قد يكون الهدف الاول الذي تعقبه وتتلوه اهداف عربية عديدة اخرى، هذا اذا استثنينا الأهداف الاسلامية غيرالاعضاء في جامعة الدول العربية ، وعلى الدول العربية ذات الوزن والثقل والتي تحترم نفسها ودورها ان تتبين هذه الحقيقة وتعيها تمام الوعي وتتحسب منذ اللحظة لأسوأ الاحتمالات والتوقعات حتى لا تداهمها العاصفة الهوجاء على حين غرة تجبرها قهراً وعلى غيرارادتها ، على القبول بأن تبقى رقماً هزيلا مشلولا وتابعاً مسلوب الارادة لأمريكا واسرائيل وعلى هذه الدول العربية تحديداً ان تفتح عينها وعقلها الفاحص والمدقق لدراسة معاني ودلالات وأبعاد جملة من الشواهد والمؤشرات نعتبرها على درجة عالية جداً من الخطورة واهمها: *قبل اسابيع قليلة مضت نشرت صحف أمريكية معلومات مؤداها ان امراً رئاسياً سرياً اصدره الرئيس الامريكي يطلب فيه من البنتاجون إعداد الخطط التنفيذية اللازمة لسيناريو قيام أمريكا بشن حرب نووية ضد سبع دول من دول العالم هي : روسيا ـ الصين ـ كوريا الشمالية ـ ايران ـ العراق ـ سوريا ـ ليبيا !، ولم تنف الادارة الأمريكية تلك المعلومات وإن قللت من اهميتها باعتبارها مجرد احتياطات اوبروفات على سبيل التمرين، وغالب الظن ان نشر مثل تلك المعلومات يدخل في نطاق التسريبات الموجهة لأغراض الحرب النفسية ، واذا اخذنا في الاعتبار إستحالة توجيه ضربات ذرية لكل من روسيا والصين باعتبارهما دولتين تملكان اسلحة نووية بما يكفي لردع النزعة العدوانية الأمريكية وخاصة روسيا، كما ان ضرب كوريا الشمالية نووياً غير ممكن للتاثيرات المدمرة التي ستلحق بدول المحيط المجاوروخاصة الصين ، بل وحتى كوريا الجنوبية نفسها وغيرها، حينها يتضح ان هدف التهديد والتخويف والحرب النفسية ينحصر في الدول الاسلامية الاربع المتبقية ايران ـ العراق ـ سوريا ـ ليبيا، يضاف اليها عدد من الدول العربية الاخرى التي دأب مسئولو الادارة الأمريكية منذ ما بعد احداث ال 11 سبتمبرالارهابية، على تكرارالاشارة اليها، تلميحاً وتصريحاً باعتبارها داعمة او مؤوية للارهاب وارد احتمال توجيه ضربات عسكرية أمريكية ضدها مثل اليمن ـ لبنان ـ السودان ـ الصومال ـ السلطة الوطنية الفلسطينية في اي وقت تراه أمريكا ، ويأتي تحديد كل هذه الدول العربية بالترابط الوثيق والتزامن الملفت للنظر مع إصدار فرامانات أمريكية سامية لا راد لها تقضي بالصاق تهمة او بالأصح مهزلة الارهاب بمنظمات وحركات تحررية مناضلة شريفة وشامخة وعلى رأسها وفي المقدمة منها ( حزب الله) اللبناني الذي يعتبره الضمير القومي العربي والاسلامي أنبل وأشرف وأعظم ظاهرة في تاريخ الكفاح العربي الاسلامي التحرري المعاصر ومعه وبنفس المعيار جميع حركات وفصائل النضال التحرري الفلسطيني كفتح وحماس والجبهات الشعبية والديمقراطية والعامة والجهاد. * الحملات العدائية المسعورة والمكثفة التي لا تزال أمريكا تشنها على المملكة العربية السعودية متهمة إياها بشكل اساسي بدعمها وتحريضها وتشجيعها للارهاب اضافة الى تهم اخرى تبرز على التوالي بحسب الحاجة، والذي شاهد المقابلة التلفزيونية التي اجراها برنامج ( اول حروب القرن) من قناة الجزيرة مساء يوم الجمعة 22 مارس الجاري مع الكاتب الصحفي الأمريكي المشهور توماس فريدمان المعروف بانتمائه وميوله المتعصبة لليهود والصهيونية يسمع كلاما عجيباً غريباً متناقضاً يكاد يفقد العقل السوي توازنه واتزانه، وما اكثر مثل هذا الكلام الذي تتضح به ايام هذا الزمن الرديء الذي نعيشه ، فالسيد فريدمان يتكلم مثلا عن السعودية عِلماً انه يُعتبر المهندس والمحرض الرئيسي للحملة العدائية القائمة ضد السعودية فيقول ان الأمريكيين يعلمون بانهم لا يستطيعون ان يطلبوا من السعودية او يضغطوا عليها من اجل تحويل نظامها السياسي الى نظام ديمقراطي على غرار النموذج الليبرالي الغربي لان مثل هذا الطلب غير ممكن في السعودية على حد قوله، ولكن اقصى ما يريده وتريده أمريكا من السعودية مجرد هامش من الحرية في التعبير تتمكن فيه الصحف والأفراد من التعبيرعن ارائهم وتوجهاتهم ووجهات نظرهم بحرية، وواضح انه يتحدث هنا عن حقوق الانسان في مفهومه العام، ويبدو من ذلك ان السيد فريدمان وأمريكا يجهدون انفسهم ويتحملون المتاعب والمشاق ويضحون بأوقاتهم وجهودهم وإمكانياتهم في سبيل مصلحة وحقوق وتطويرمستوى حياة الانسان السعودي العربي المسلم خدمة له وحرصاً على ادميته وحريته، وهذا إيثار وتضحية في سبيل الاخرين، يشكرون عليها على اية حال، إلا ان ما يحز في نفوسنا ويؤلمها ويكاد يخرجها عن طورها ان السيد فريدمان في خضم هذا السمو والنبل الانساني الذي يتحدث عنه بالنسبة للمواطنين السعوديين نسي او بالأصح تناسى متعمداً الصورة المخيفة المرعبة والوحشية التي تجلت فيها أمريكا صارخاً في ادارتها وممارساتها وتصرفاتها لحربها ضد الارهاب عامة وفي افغانستان خاصة، مئات وربما الاف من المدنيين الابرياء حصدت ارواحهم الغارات الجوية الرهيبة والتي لا سابق لها في التاريخ، قتلْ مجموعات من الأسرى المقيدة ايديهم وارجلهم بالسلاسل بعد ان صرح المسؤولون الأمريكيون انهم لا يحبون رؤية اعدائهم اسرى المعاملة الهمجية البشعة للاسرى الذين تطلبت ضرورة التحقيق معهم للحصول على المعلومات سواء منهم الذين تم نقلهم الى قاعدة غوانتانامو الأمريكية في كوبا او من بقي منهم في القوات الامريكية العسكرية في افغانستان، وهي معاملة لا يمكن لاي انسان ان يقبل بها حتى في التعامل مع الحيوانات والحشرات ورفض اعتبارهم ومعاملتهم كأسرى حرب رغم ان أمريكا اعلنت دخولها رسمياً في حرب ضد تنظيم القاعدة وحركة طالبان التي تؤويه ويبدو للمشاهد الفاحص لمنظر وأجسام وطريقة مشي أسرى الحرب اولئك داخل اقفاص حديدية اسوأ بكثيرمن اقفاص الحيوانات ، إنهم قد تعرضوا لتعذيب جسدي ونفسي مريع ويخشى ان يكونوا قد اُخضعوا لحقنات من العقاقير والمواد الكيماوية المتطورة وتم تحويلهم الى فئران تجارب معملية لانتزاع اعترافات ومعلومات منهم على غير وعي او إرادة منهم، ولم يذكر السيد فريدمان الحملة الضاربة والمكثفة التي شنتها أمريكا على قناة الجزيرة الاعلامية التي وصلت حد ممارسة الضغوط الهائلة على دولة قطر لدفعها الى إغلاق القناة رغم انها كانت ولا تزال تحرص على نقل وجهات النظرالمختلفة والمتعارضة بدون تحيزناهيك عن الضغوط المماثلة التي مارستها أمريكا على الكثير من الدول العربية والاسلامية لقمع وإخراس وكبت حرية مواطنيها وحقهم في التعبيرعن وجهات نظرهم المخالفة والمتعارضة مع السياسة الأمريكية وخاصة على مستوى الصحف والمساجد، ولم يقل لنا السيد فريدمان كيف ينظر الى السلسلة الطويلة جداً من المداهمات والاعتقالات والاستدعاءات البوليسية التي شنتها الاجهزة البوليسية الأمريكية وطالت الالاف من المسلمين والعرب ، ومنهم من اصبح مواطناً أمريكياً بالتجنس ومنهم المقيم وفيهم الزائر طُلابا وعُمالا وسائحين ، والمئات منهم لا يزال معتقلا منذ احداث 11سبتمبر الارهابية وما بعدها حتى الان في انتهاك صارخ للقوانين السائدة وحقوق الانسان، ولعله شاهد او سمع بالمداهمات البوليسية المسلحة الاخيرة لعدد من الجامعات والمؤسسات العلمية والبحثية الاسلامية القائمة بشكل قانوني سليم منذ سنوات طويلة وإغلاقها ومصادرة ممتلكاتها ومتعلقاتها الخاصة ومنها مواقع على شبكة الانترنت وشركات عاملة في هذا المجال، ثم يواصل السيد فريدمان كلامه فيقول بأسى وألم يعتصره ان الهم الأكبر الذي يعتصره ويقض مضجعه ويؤرق منامه ومعه بطبيعة الحال أمريكا، يتعلق بوضع المرأة السعودية الذي وان كان قد اعترف في سياق كلامه بأن المرأة السعودية متعلمة إلا انه يتمنى من الحكومة السعودية ان تعمل على خروجها وتتيح لها مجال المشاركة في الحياة العامة او بهذا المعنى، ولم يوضح لنا السيد فريدمان ما اذا كانت امنيته الغالية تلك تتحقق حين يتمكن ان يُكحل عينيه برؤية مواكب النساء السعوديات يخرجن في طوابيرالصباح لأداء تحية العلم بالشورت والمايوه فهو يعلم ان اعداداً واسعة من السعوديات حظين بالتعليم حتى أعلى مستوياته وأن اعداداً متزايدة منهن يزاولن أعمالا مختلفة مثل التدريس والمهن الطبية والادارية وقيادة منظمات مجتمع مدني نسوية وغير ذلك، واذا اردنا إجراء مقارنة فسوف نقول للسيد فريدمان ان النساء الايرانيات مثلا في ظل نظام حكم اسلامي يلعبن الدورالأبرز في الحياة السياسية والعامة في البلاد، وبمقدورهن بالفعل اسقاط او تصعيد الحاكم عبرالانتخابات ويتولين مواقع قيادية عُليا في جهازالدولة ومؤسساتها التشريعية والتنفيذية ويمارسن مختلف أشكال الرياضات ويشتركن في المباريات والمسابقات الاقليمية والدولية، كل ذلك الدور البارز والخطير بمظهر محتشم وجاد غير مبتذل او متهتك يحفظ لها كرامتها وتميزها اللائق، ودور المرأة الايرانية البارزوالخطيروالذي لا نجد له نظيراً لا في العالم الاسلامي ولا حتى الغربي نفسه لم ينل رضى أمريكا بكل تأكيد وبدون شك لن يحظى بمباركة السيد فريدمان لأن ما يريدونه في الحقيقة من المرأة شيئ أخرمناقض تماماً للدور السياسي والاجتماعي الحقيقي والفعال والجاد، إن ما يريدونه في الواقع وضعاً مائعاً متهتكاً مبتذلا إباحياً يُحوِل المرأة الى وسيلة للامتاع والمؤانسة الشهوانية الحيوانية وهوما يستحيل تحقيقه لدينا. * ومؤشراخر بالغ الدلالة والخطورة، ما تتعرض له جمهورية مصر العربية وزعيمها محمد حسني مبارك من حملات إعلامية سياسية عدائية قوية وممتدة من سنوات إضافة الى ضغوطات ومؤامرات سرية، بدأت منذ مطلع الثمانينات تارة بإجراء اتصالات ولقاءات سرية بين مسؤولين أمريكيين وبعض قيادات الحركات والمنظمات المسلحة السرية الارهابية ذات التسميات الاسلامية في اوقات كانت تنفذ فيها هجمات وعمليات ارهابية بشعة مثل الاغتيالات لقيادات في الدولة واجهزتها الأمنية والمفكرين والصحفيين والسياسيين والمدنيين وتخريب المنشأت الحيوية وإستهداف السائحين لضرب السياحة كمصدر رئيسي لدخل مصر القومي، حيث تم ترتيب ملاجئ لايواء وحماية عدد من قيادات تلك الحركات الارهابية المهددة بالخطر في مصر واعتبارهم لاجئين سياسيين او اصحاب رأي مهددة حياتهم بالخطر يتمتعون بالحماية في مختلف دول الغرب إضافة الى الخطط السرية لضرب نمو الاقتصاد المصري وضرب قوة العملة المحلية واثارة الفتنة الطائفية واشعال الجبهة الداخلية بالاضرابات والصراعات المفتعلة وغيرها ، كل ذلك إستهدافاً وزعزعة لأمن واستقرار وتماسك وتصاعد نمو أكبر وأقوى دولة عربية حيث تشكل مصر القلب والمحورالمحرك للامةالعربية كلها، والتي استطاع الرئيس مبارك ان يقود مسيرة مصر بكل اقتداروكفاءة وينطلق بها الى الآفاق الواسعة لنهضة حضارية شاملة وحقيقية، وهو ما يخيف أمريكا واسرائيل من قدرة مصر على إعاقة وإحباط مخططاتهما المستقبلية في إحكام سيطرتهما وإخضاعهما للوطن العربي بكامله، وهكذا بالنسبة لسوريا وليبيا والجزائر والسعودية واليمن والامارات والسلطة الوطنية الفلسطينية وغيرها. * ثم تعالوا فانظروا الى سياسة الاهانات والاذلال والتحقيرالمتعمد والمبالغ في تماديه ورعونته التي ما فتئت أمريكا واسرائيل تمارسهما صبح مساء ضد ياسر عرفات رمز النضال الفلسطيني وقائد شعبه المنتخب، هذا القائد البارزمن قادة حرب التحريرالوطني في العالم القليلين الذين لا يزالون على قيد الحياة، فجنرال الحرب والارهاب وجرائم الحرب ( شارون) يتعمد عن قصد تكرار تصريحاته الاعلامية العلنية بأن عرفات لم يستوف بعد الشروط المطلوبة منه ليعطيه تصريحاً يسمح له بالسفر خارج فلسطين، وإن كان قد استوفى شروطاً تؤهله للحصول على تصريح بالتحرك في نطاق مدينة رام الله ، والرئيس الامريكي ( بوش) ونائبه ووزيرخارجيته يخوضون سباقا ماراثونيا منهكاً مع شارون فيرددون التصريحات بمناسبة وبدون مناسبة بأن عرفات لم يقم بما يجب عليه القيام به في محاربة الارهاب ووقف العنف ضد الاسرائيليين ، ومنذ وصول الرئيس بوش الى الحُكم في أمريكا أعلن موقفاً عدائياً مبكراً من الرئيس عرفات وظل مُصراً على عدم مقابلته وتصاعد ذلك الموقف العدائي من إتهام الرئيس عرفات بالارهاب وتشجيع الارهاب الى التهديد بسحب إعتراف أمريكا بشرعيته وقطع علاقاتها بمنظمة التحرير الفلسطينية ، واخيراً وفي إطار الدورالأمريكي لتحقيق السلام بين الفلسطينيين والاسرائيليين وبسبب الالحاح العربي أعلن الرئيس الأمريكي واركان إدارته بأن على عرفات ان يستوفي شروطاً محددة حتى يصبح مؤهلا لتتفضل أمريكا وتتكرم وتتعطف فتوافق على لقاء الرئيس الفلسطيني بنائب الرئيس الأمريكي، ثم إصدار الرئيس الأمريكي أخر صيحة له مُصرحاً أن عرفات لم يقم بما يجب عليه القيام به ولم يجتزالامتحان الأمريكي ويستوفي شروط لقائه بنائب الرئيس الأمريكي، هل يمكن لأي انسان عادي وبسيط ان يستوعب او يصدق عقلاً بأن يكون موقف راعي السلام بين الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي على هذا النحو غير المعقول ولا المقبول لا عقلا ولا منطقاً ولا سياسة ولا اخلاقاً، ولو أن احداً لايعلم ابداً بحقيقة الصراع الفلسطيني الاسرائيلي ولا يعلم بان أمريكا راعية للسلام بينهما وبلغت مسامعه هذه الضجة الكبرى حول الامتحان الصعب والشروط المستحيلة العجيبة التي يجب ان يستوفيها الرئيس الفلسطيني حتى ينال بركة الموافقة على اللقاء بشخصية يطلق عليها ( ديك تشيني) لتخيل وتصورعلى الفور ان الرئيس الفلسطيني يتحرق شوقاً الى لقاء نبي من أنبياء الله ورسله تهون من اجل بلوغه كل التعسفات والتعنتات والشروط والمطالب التعجيزية، او اذا ما كان الانسان العادي منكود الحظ وعلم بشكل او آخر بأن شخصية ديك تشيني هذا ليس نبياً من انبياء الله ورسله المكرمين، بل هو نائب الرئيس الامريكي ، والذي يُعتبر هو وحكومته اشد عداوة للرئيس الفلسطيني وشعبه من عدوهم المباشر اسرائيل ، وان المطلوب من الرئيس الفلسطيني ان يخوض غمار مسيرة من المعاناة والعذاب والشروط التعجيزية المستحيلة حتى ينال بركة وحظوة رؤية ( طلعته) السمحة، نقول لو قدر لذلك الانسان منكود الحظ ان يعلم بهذه الحقيقة المريرة لذاق الموت حسرة وكمداً ورعباً من وحشية القهر والظلم الذي يمارسه القوي ضد الضعيف متجرداً من كل الأعراف والقيم والاخلاقيات والمُثل الانسانية البديهية. ومن جهتنا ومن منطلق أداء واجبنا ومسؤليتنا المُلزمة قومياً واخلاقياً ودينياً في التحذيروالتنبيه الى ما نراه من أخطار ونُذر وتحديات تُحدق بأمتنا وتحاصرها وتطبق عليها من كل جانب تبصيراً ولفتاً لانظارقادتنا واولياء امورنا ومسؤولينا نقول بأن الدول العربية، وخاصة منها الرئيسة والمؤثرة، لو نظرنا بعين مفتوحة فاحصة وعقل مدقق ويقظ ودرست وحللت وفحصت ما تحمله وتخفيه جملة الشواهد المهمة التي اوردناها من معان ودلالات وأبعاد وأهداف كامنة ومتوارية في بعضها وواضحة وظاهرة في بعضها الآخر، لأدركت بوضوح تام لا لبس فيه ان القضية الحقيقية لا تنحصر في شن الحرب والعدوان العسكري على العراق بحجة عدم التزامه بقرارات الشرعية الدولية او بهدف منعه من امتلاك ما يسمى باسلحة الدمار الشامل حرصاً وحماية لجيرانه وضمان امنهم واستقرارهم وطمانينتهم بالحيلولة دون تمكين العراق من استخدام مثل تلك الاسلحة ضدهم، او في سياق الحرب التي تشنها أمريكا ضد ما يسمى بالارهاب او بذريعة مضحكة هي اقرب الى النكتة او المزحة اللطيفة وهي ذريعة او نكتة حماية الشعب العراقي من ديكتاتورية وقمع واستبداد واضطهاد نظامه ضدهم، فحجة عدم الالتزام بقرارات الشرعية الدولية وان سلمنا جدلا بعدم تقيد العراق بها ، فان عدم تقيده متواضع الى حد كبير ولا يساوي شيئا يذكرأمام حجم عدم تقيد دول عديدة من دول العالم بقرارات الشرعية الدولية وعلى رأسها اسرائيل وأمريكا نفسها ، واسلحة الدمار الشامل بل واسلحة الابادة النووية الشاملة تملكها دول كثيرة من دول العالم وبالأخص أمريكا نفسها واسرائيل ولهما سوابق عديدة في استخدامها البشع وغيرالمبرر ضد اليابان وفيتنام والجزيرة الكورية وإبان حرب الخليج الثانية ضد العراق وضد المواطنين الفلسطينيين وخاصة اسلحة وذخائر اليورانيوم المنضب اوالمستنفد المشع الذي لا يقتصر ضرره البشع والمميت على الذين يتعرضون له مباشرة من الادميين بل يمتد لاجيال من ذرياتهم ، وهو ما حدث ولا يزال يحدث للبشر في منطقة العراق والخليج مسرح عمليات عاصفة الصحراء الأمريكية بل وحتى امتد ضرره ليشمل عسكريين أمريكيين وبريطانيين وغيرهم ممن شاركوا في تلك الحرب واستخدموا اسلحة الابادة البشرية الرهيبة تلك، أما نكتة او ذريعة الديكتاتورية والاستبداد فليس مقصوراً على العراق وحده بل يُمارس في كثير من دول العالم وخاصة منها الصديقة والموالية لأمريكا والغرب، ومن الثابت يقيناً أن حجم الأضرار والخسائر والمآسي التي الحقتها الحرب العالمية بقيادة أمريكا ضد العراق والحصار الشامل والتجويع والحرمان من الأغذية والأدوية منذ حرب الخليج الثانية مطلع العام 1991م والهجمات والغارات الجوية المسلحة المتلاحقة تفوقه مئات بل الاف المرات بالقياس الى أضرار ومآسي الديكتاتورية والقمع والاستبداد الداخلي على فرض التسليم جدلا بصورته وحجمه الذي ترسمه أمريكا والغرب، كل ذلك وغيره الكثير لايعدو كونه مجرد حشد وتوظيف لمختلف الحجج والذرائع والمبررات غير الصحيحة والمبالغ فيها والوهمية في معظمها، ونحن على يقين تام بأن الدول العربية سوف ترى بكل جلاء ووضوح ان الضجة الكبرى والايقاعات المتزايدة القوة والتسارع في الاستعداد والاستنفار والإعداد والتعبئة وتصاعد دقات طبول الحرب والتهييج الاعلامي والنفسي للحرب ضد العراق، إنما تتجه لتحقيق أهداف وغايات اخرى اكثر خطورة واتساعاً مما نظن نحن العرب المسلمين، ونستطيع من خلال نظرة استقرائية تحليلية لمجمل الشواهد والوقائع والمؤشرات السابق استعراضنا لها ان نحدد أهم وأبرز تلك الاهداف والغايات على النحو التالي : *توجيه ضربة عسكرية بتعمد المبالغة في بطشها المروع وليس مستبعداً اقدام أمريكا على استخدام قنبلة اواكثرمن القنابل التكتيكية محدودة النطاق ليس خوفاً من قوى العراق التي باتت ضعيفة ، او رغبة في سرعة إخضاع العراق، ولكن إعمالا للمُثل اوالحكمة الاستراتيجية والقائلة بتوجيه ضربة مروعة للطرف الأضعف ينخلع لها قلب القوي وترتعد فرائصه وتنهارارادته في المقاومة، والمقصود بالطرف الاقوى المستهدف الرئيسي من هذه الضربة المحتملة هو بالتحديد سوريا ومصر وليبيا والجزائر والسعودية واليمن وفلسطين من جهة وايران الاسلامية من جهة اخرى ومعهما والى جانبهما كل المنظمات والحركات العربية المقاومة والتي سبق ان اصدرت أمريكا حُكمها الذي لا راد له باعتبارها منظمات ارهابية ومتطرفة. * والاهداف والغايات المنتظرتحقيقها على ضوء تاثيرات وانعكاسات الخطوة اوالضربة الاولى المشار اليها آنفا، تتحدد في كسر شوكة وإخضاع واستسلام مراكز القوة والفعل والتاثير، طوعاً اوكرهاً وهي تحديداً ايران وسوريا ومصر والسعودية والى جانبها ومعها الحركات والمنظمات النشطة والحية والتي لا تزال تتمتع بعوامل ومقومات الصمود والرفض والمقاومة وتمتلك قدراً كبيراً من المصداقية والاحترام الشعبي ما يؤهلها للعب دورهام في إستنهاض هِمم وعزائم شعوبها وتحريضها ودفعها الى المقاومة والتصدي وقيادة وتوجيه فعلها العملي المتصدي والمقاوم للمخاطر والتحديات المحدقة بها والمهددة لآمالها وتطلعاتها ومستقبلها المشرق الواعد، وفي حالة اقتضاء الضرورة توجيه ضربة عسكرية ثانية، على غرار الضربة الاولى الموجهة للعراق في حالة عدم تحقق الهدف غير المباشر المتمثل بخضوع واستسلام مراكز القوة والتاثير المحوري الاستراتيجي عربيا واسلاميا والسابق الاشارة اليها وتحديدها وقبولها اللامشروط بكل الشروط والمطالب والتسليم الكامل بالترتيبات والاوضاع والسياسات المرسومة من قبل أمريكا واسرائيل وسائرحلفائها الغربيين، فانه لا يوجد اي مانع من توجيه ضربة عسكرية مروعة اخرى ضد ايران او سوريا لتعزيزوانعاش امكانيات الاهداف والغايات غير المباشرة في الخضوع والاستسلام الطوعي الكامل من قبل كل الاطراف المستهدفة الاخرى بمطالب وشروط وارادة أمريكا واسرائيل وحلفائها. *وفي حالة تحقق الاهداف والغايات غير المباشرة بفعل تاثيرات وضغوط الضربة المروعة الاولى والثانية اذا اقتضت الضرورة، وقبلت كل مراكز القوة والتاثيرالاستراتيجي المحوري عربياً واسلامياً ومعهما كل القوة الحية والنشطة من حركات ومنظمات رافضة ـ ومقاومة ـ بكل ما تريده أمريكا واسرائيل وحلفاؤها الغربيون طوعا وبدون قيد ولا شرط فإن الهدف الاستراتيجي النهائي المتوخى تحقيقه وتكريسه على ارض الواقع الميداني يتمثل من ناحية في إحكام السيطرة والادارة المباشرة الشاملة والكلية على كل منابع وحقول الثروة البترولية والغازية في المنطقة العربية وايران والتي تمثل ما نسبته حوالي 70% من الاحتياطي العالمي لمصادر الطاقة، وإنهاء السيادة والسيطرة على الارادة الوطنية لاصحاب الحق الشرعي عليها باعتبارها مصدراً حيوياً استراتيجياً للعالم اجمع، ومن الناحية الاخرى المكملة إعادة ترتيب الاوضاع ورسم خارطة سياسية جديدة لما يسمى ب(شرق اوسط جديد ) يتفق مع رؤية وتصور شيمون بيريز الوارد في كتابه المعنون ( نحو شرق اوسط جديد ) ويضمن لاسرائيل من خلال وبتاثيرالنفوذ والسطوة الأمريكية غير المنازعة وضعاً قيادياً متميزاً يُكرس هيمنتها وسيطرتها وتحكمها بشؤن ومصادر وحياة كامل مكونات الشرق الاوسط الجديد! وفي الناحية المقابلة يبرز سؤال جوهري واستراتيجي يتساءل: هل النظام العربي بصيغته ووضعيته الحالية في تنظيم وادارة علاقات دوله وسياساتها وحركتها المشتركة يملك من مقومات القدرة والارادة ولو بحدها الأدنى التي تؤهله للتعامل ومواجهة ما يتكالب حوله من مخاطر وتحديات باتت تهدد وجوده القومي ذاته؟؟؟؟؟ ذلك ما سنناقشه في الحلقة القادمة.. ان شاء الله.