ليتهم عيروا بما هو عار ! (( صحيفة الشورى))

عندما يرتبط شخص – اي شخص – بروابط صداقة مع شخص اخر او جهة او دولة ، فان من اهم الشروط ومقتضيات الصداقة الحقيقية ، ان يصدق الصديق صديقه  فيبين له مواطن الخطأ والخلل في تصرفاته واعماله حتى يعينه على تجنبها ، ولايجنح الى تزيين سؤ عمله وخداعه بقلب الحقائق وتزييف الوقائع امامه بغرض تحسين القبيح لكسب رضاه ووده ، اذا ان مثل هذا المنهج غير السوي يعد من اخطر الخيانات لمقتضى الصداقة الحقة واسسها الاخلاقية .. واذا كنا في مقالات سابقة قد وجهنا انتقادات للسياسة الامريكية ونهجها واسلوب تعاملها مع العالم العربي والاسلامي ، ثم لسياسات ومواقف الغرب تجاه قضايا العرب والمسلمين فاننا لم ننطلق في انتقاداتنا تلك من موقع العداء كموقف تجاه امريكا ، بل انطلقنا – على العكس من ذلك تماما – محكومين بمنطلقين رئيسيين هما :- الاول : منطلق الارتباط والتعبير عن قضايا ومصالح شعبنا اليمني وامتنا العربية والاسلامية المشروعة ، ذلك انه لايمكن الوثوق بصداقة من لم يجعل قضايا ومصالح شعبه وامته في المقام الاول .. الثاني : منطلق الشعور باهمية وحيوية وضرورة الصداقة مع امريكا بصفة خاصة والغرب بصفة عامة ، وحرصنا على ان تنبني تلك الصداقة على اسس متينة وراسخة من الصدق والوضوح والاستمرار ، بان لاتكون على حساب قضايانا ومصالحنا وعدوانا عليها دون حق او مبرر .. لقد اردنا بانتقاداتنا واعتراضنا على السياسات الامريكية خصوصا والغربية عموما تجاه عالمنا العربي والاسلامي ، ان ننبه ونوضح مدى ما يمكن ان يلحق من اضرار وتهديد لمستقبل صداقتنا في حال استمرار مثل تلك السياسات والمواقف تجاهنا ، وكنا في انتقاداتنا تلك نعبر تعبيرا صادقا عن حرصنا الشديد على علاقات وعرى الصداقة بيننا وبين امريكا والغرب ، ونتمثل ونستوحي مقتضيات وشروط الصداقة الحقيقية التي توجب الصدق والوضوح والمسؤلية .. ولا اعتقد ، بل انني على يقين ان امريكا – وهي قلعة الديمقراطية الاعظم في العالم – بحاجة الى اصدقاء لايجيدون سوى المديح والثناء والتطبيل لها ، بل انها تحتاج الى اصدقاء حقيقيين يوضحون ويبينون لها عيوبها واخطاءها بهدف تحاشيها وصولا الى علاقات صداقة اوثق وارسخ واخلد ..اصدقاء بقدر ما يحرصون على صداقتها مع اوطانها ، فانهم لايفرطون بقضايا ومصالح شعوبهم واوطانهم .. ومع ذلك فان البعض يخطئ السبيل حين يتصور ان جسر الوصول الى صداقة امريكا او الغرب يمر عبر كيل عبارات المديح والثناء والارتماء ، ومن خلال التنكر لمصالح وقضايا وهموم شعبه وامته .. ومن هذا المنطلق فاننا عندما كتبنا منتقدين – في سلسلة من المقالات في هذه الصحيفة – بعض المواقف والسياسات الامريكية والغربية عموما ، وازدواجية المعايير التي تنتهجها ازاء دول عربية او اسلامية ، انبرت لنا مثل تلك الصداقات ،التي لا تشرف امريكا ولاتنفعها ، بحملة اعلامية مهزوزة ومرتعشة لتذيع علينا اسطوانة قديمة اعتادت على ترديدها منذ امد طويل تعزف على وتر اتهامنا – كما هي العادة – بالعمالة والارتباط بالسعودية ، متوهمة انها قد اشهرت في وجوهنا سيف ارهاب فكري قادر على تخويفنا وبالتالي اخراس السنتنا عن قول ما نعتقده صحيحا وحقا ، ولاشك انها قد وقعت في خطأ فادح للاسف الشديد ، وبرهنت على انها صاحبة حسابات خاطئة وتقديرات غير موفقة ..   ونريد ان نقول لهؤلاء ان الزمن قدتغير تغييرا جذريا وان عالمنا قد شهد متغيرات هائلة في طبيعة القوى المهيمنة وفي العلاقات الدولية واتجاهاتها ، ولم يعدالحديث عن تلك التصنيفات التي درجنا عليها ردحا من الزمن كالتقدمية والرجعية والثورية والتقلدية واليسارية واليمينية..الخ ، الا من قبيل احاديث  الذكرى والاتعاظ والعبرة ، وفيما يتعلق بنا فان اتهامنا بالارتباط او الاتصال بالسعودية شرف لاندعيه ، ودور لم نقم به بعد .. واذا ما قمنا به فاننا نملك من الشجاعة ما يجعلنا نقوم به علنا وفي وضح النهار ، وليس في اطار من الخفية والتكتم وتحت جنح الظلام ! وليس في ذلك ما يعيبنا او ينقص من قدرنا طالما كانت الصداقة التي نؤمن بها مبنية على الصراحة والوضوح والصدق ومستهدفة خدمة قضايانا ومصالحنا الوطنية والقومية والاسلامية . واذا كان هؤلاء ينطلقون في حملتهم الهزيلة علينا من غيرة على امريكا بسبب انتقاداتنا لبعض جوانب سياستها ومواقفها تجاه امتنا العربية والاسلامية فانهم ينطلقون من تفكير سطحي وغبر سوي ، ونحن احرص منهم على تعزيز صداقتنا بامريكا من خلال انتقادنا لجوانب من سياستها ومواقفها تجاه قضايانا ومصالحنا العربية والاسلامية التي نراها متضادة ومتحيزة ضدها دون سند من حق او منطق ، وذلك حتى ندفع الى تحاشيها ومعالجتها بشكل يقود الى بناء صرح شامخ ومتين لصداقة حقيقية ودائمة . ودعونا ،بهدف توضيح الحقائق ، نطلب من اؤلئك الذين اختلطت عليهم الاوراق وتداخلت الالوان فلم يتمكنوا من تحديد الاولويات وتاهت بهم الدروب المتفرعة عن معرفة مواقع اقدامهم ، ندعوهم ليشاهدوا معنا مشاهد خاطفة لفيلم كئيب ومزعج ، تبدو مشاهده الخاطفة والرئيسية على النحو التالي :  * حصار جوي سيعقبه قريبا حصار اشمل ضد ليبيا والسبب ان امريكا حكمت وقررت مسؤلية ليبيا عن حادثة طائرة (( لوكربي )) في اسكتلندا قبل سنوات عديدة ، وان عليها ان تسلم مواطنيها الى امريكا لتحاكمهم ، من الذي حقق ومن الذي حكم ومن الذي قرر ومن الذي سيحاكم؟ ؟ امريكا وحدها ، علما بان مسؤلية ذلك الحادث سبق ان حملته امريكا لاكثر من اربع او خمس جهات .. ومع انني لا اؤيد السياسات الليبية لكنني اعلم ان السبب المعلن والهدف المنشود لحصار ليبيا ليس قضية الطائرة بل كان السبب في الحقيقة وجود معسكرات فلسطينية هناك ، طالبت امريكا بطردهم الى المجهول . * حكمت امريكا وقررات ان السودان دولة تدعم الارهاب وادخلتها ضمن قائمتها السوداء التي ستكون قريبا قائمة دولية ملزمة للجميع ،ويعلم الله وحده وربما امريكا ماذا ينتظر السودان. * العراق مضروب عليه الحصار لاكثر من ثلاث سنوات بشكل كامل وشامل ، ومطلوب منه ان يدمر اسلحته وعلى نفقته ، ورغم مسؤليته عن كارثة الخليج ، لكن الهدف من وراء ذلك الحصار والتجريد من الاسلحة ابعد من ذلك واخطر. * تفرض امريكا حصارا جديدا غير معلن ضد جميع الدول العربية اضافة الى الدول الاسلامية للحيلولة دون حصولها على الاسلحة للدفاع عن مصالحها وحقوقها ،وليس بعيدا الملاحقات البحرية التى قامت بها البحرية الامريكية للسفينة الصينية التى قيل انها تحمل اسلحه او مواد كيماوية الى ايران ، ولم يسمح لها بمواصلة سيرها الا بعد ان فرضت امريكا تفتيشها، وحينها لم تعثر على شئ ،وليس بعيدا الضجة التي احدثتها امريكا ازاء صفقة الدبابات التشيكية لسوريا ونجحت في تعطيلها .. والمعاناه الشديدة التي عانتها الباكستان نتيجة الضغوط الامريكية عليها بحجة عدم سماح امريكا مطلقا للباكستان من امتلاك سلاحها النووي في حين ان جارتها المعادية الهند لابأس من وجهة النظر الامريكية ان تملك السلاح النووي وغيره ، ناهيكم عن الضغوط الامريكية المتصاعدة والمستمرة لتقنين وتضييق مصادر السلاح على العرب والمسلمين حتى ضد انظمة حكم صديقة تقليدية لامريكا كالسعودية ودول الخليج العربية والبقية تاتي ، كل ذلك يتم تطبيقه بهمه ونشاط بينما (( اسرائيل )) من حقها في وجهة النظر الامريكية ان تمتلك من الاسلحة ما تشاء وعندما تشاء ذريا كان ام كيماويا ام بيولوجيا وسائر اسلحة الدمار الحديثة بالمساعدات والهبات ام بالشراء والتصنيع وبمساعدة سخية من امريكا . * توظيف امكانيات وقدرات امريكا الهائلة في اطار تخطيط طويل المدى ومنذ سنوات طويلة خلت من اجل ايصال العرب اقتصاديا وعسكريا وسياسيا الى القبول بتسوية (( سلمية )) لصراعهم مع (( اسرائيل )) ووفق الرؤية الاسرائيلية ، فالفلسطنيون يطردون من(( بيروت)) ثم من(( طرابلس)) ويضيق عليهم الخناق على منظماتهم ، وتمارس الضغوط على كافة دول العالم لاقامة علاقات مع (( اسرائيل )) ، وعدم اقامة علاقات مع (( منظمة التحرير )) والحكم على كل من يمارس حق الدفاع المشروع عن وطنه المحتل بالارهاب ومناهضة حقوق الانسان ، بينما (( اسرائيل )) تقتل وتشرد وتحتل وتدمر المدن والقرى وتسجن وتعذب دون ان يكون ذلك من اعمال الارهاب والاعتداء على الشرعية ، ولن يكون بعيدا اليوم الذي يجد العرب والمسلمين انفسهم ضمن ما يسمى ب (( النظام شرق اوسطي ))خاضعين تماما للسيطرة الاسرائيلية . * اجهاض اي مسعى اوبادرة امام اية دولة عربية او اسلامية لتشكيل قوة ذات شأن سواء من الناحية العسكرية ام الاقتصادية ، ولنا في فصول ما اطلق عليه (( حرب الخليج )) عبره ، حيث كانت النتيجه الرئيسية لاحداثه ووقائعه نجاح امريكا والغرب بالتالي في تحقيق هدف امتصاص وشفط فوائض الثروة العربية النقدية الهائلة ، وضرب الامكانية التي كانت بوادرها ظاهرة للعيان تحول الكويت الى قوة نقدية دولية حتى لا تدخل دولة عربية ضمن نادي السيطرة الدولية على المال في العالم ، وتراودني في بعض الاحيان هواجس جادة ان (( ازمة الخليج )) كانت مفتعلة تماما لتحقيق ذلك الهدف، حيث بامكان المتتبع لطبيعة سير الاحداث اللاحقة لتلك الازمة يستطيع ان يلاحظ بوضوح انه رغم الاستنزاف والامتصاص المريع للارصدة النقدية الفائضة لدول الخليج والجزيرة فان التوقع باحتمال ترنح واهتزاز تلك الانظمة لم يتحقق، بما يفسر الحملات التي شنت على تلك الدول مؤخرا تارة باسم(( حقوق الانسان )) وتارة اخرى بنشر الشائعات على نطاق واسع بالافلاس الاقتصادي والمالي ضد تلك الدول بهدف ضرب تماسكها الاقتصادي ومن ثم السياسي .. ولعل الجميع يدرك حقيقة ان التراكمات النقدية تحدث نقلات وتحولات نوعية ومهمة  على مختلف الصعد العلمية والاقتصادية والتصنيعية والتنموية… الخ  من ما يحقق امكانيات الانتقال الى دول صناعية متقدمة .. * وفي البوسنة والهرسك حيث يتعرض المسلمون لحرب ابادة وتطهير عرقي شاملة في ابشع مأساة انسانية مقززة عرفتها البشرية على مرأى ومسمع من امريكا والدول الغربية ووسط صمتها وتغاضيها المريب ، بل وفي ظل اصرارها على المساواة بين المعتدي والمعتدى عليه في منع وصول الاسلحة اليهمامعا، وهئ تعلم تمام العلم قدرة المعتدي على تصنيع الاسلحة وامكانية وصول الاسلحة اليه . تلك كانت بعض المشاهد البارزة للفيلم المزعج والكئيب الذي فرض على امتنا العربية والاسلامية بتحرك غربي منظم وقوي تقوده امريكا بكل اسف ، ولا اعتقد ان هناك احدا يمكنه ان يجادل بان الصداقة مع امريكا يمكن ان تزدهر او تستمر في واقع مهين كهذا .. ولهذا السبب ذاته كانت انتقاداتنا للسياسة والمواقف الامريكية في التعامل مع مصالح وتطلعات وقضايا عالمنا العربي والاسلامي ، تعبر عن قلق حقيقي حول مستقبل صداقتنا مع امريكا ، وحرص شديد على تجاوز تلك الاخطاء والاختلالات لبناء صداقة حقيقية راسخة وقوية تتوفر لها عوامل النمو والاستمرار .. فلقد كان لزما علينا ان نقول لاصدقائنا الامريكان ان استمرار رؤيتكم وتعاملكم مع الشعوب العربية والاسلامية من خلال وعبر ثقب ابرة (( اسرائيل )) لايمكن ان يخدم بحال من الاحوال صداقتكم مع هذه الشعوب ويلحق بها افدح الاضرار طال الزمن ام قصر ، اضافة الى كونه يتصادم تمام التصادم مع حقائق التاريخ والجغرافيا ومنطقهما .. ومهما بدا ان الواقع السياسي لامة من الامم راكدا ومسلوب الارادة في مرحلة معينة بفعل عوامل واعتبارات عديدة ومعقدة ، الا ان اسباب القهر والمهانة والاذلال تظل تتفاعل داخل كيان الامم الحية بحيوية ونشاط غير مرئي في الغالب مولدة جملة من مشاعر الكراهية والافكار والرؤى والقناعات المتطرفة للغاية بحكم منطق الفعل ورد الفعل ، الى ان يصل ذلك التفاعل ذروته بحدوث البركان الهائل والكاسح الذي يصعب التحكم بمساره ونتائجه .. ولعل ابرز عبرة يمكن اخذها بالاعتبار في هذا المجال ماجرى لالمانيا بعد الحرب العالمية الاولى ، وما فرضته عليها معاهدة (( فرساي )) من اذلال وقهر ومهانة ظلت تتجرع كؤوسها المرة صبح مساء ، وتعمق مشاعر العداء والكراهية لدى اجيالها ، الى ان تفجر البركان المريع ببروز وسيطرة الفكرة (( النازية )) وقيام الحرب العالمية الثانية بماسيها الانسانية المروعة .. وبعد : هل علم الذين يحرقون البخور ويفرشون الورود لامريكا بدعوى صداقتهم المستحدثة لها ، انهم انما يخونون المعنى الحقيقي للصداقة حينما يزينون لامريكا  ويهللون لسياستها ومواقفها تجاه العالم العربي والاسلامي .. دون ان ينبهونها الى خطأ تلك السياسة وما يمكن ان تقود اليه – في حال استمرارها – من اضرار ومخاطر قد تنسف علاقتها بالعرب والمسلمين من الجذور وتاركة خلفها ركاما هائلا من مشاعر العداء والكراهية لحقب طويلة من الزمن .. ولقد حان الوقت امام امريكا لاجراء مراجعة جادة لسياستها ومواقفها وتعاملها مع العالم العربي والاسلامي ، بانتهاج سياسة جديدة بعيدة عن محاولات الاخضاع والاذلال والقهر والمهانة ، ومستهدفة تحقيق المصالح والمنافع المشتركة والاحترام المتبادل ، فذلك وحده الاسلوب الامثل لتأسيس بنيان الصداقة الشامخ وليس غيره ابدا .. مهما ارتفع صراخ المتزلفين والمزايدين بالشعارات الطنانة ، وتمادت شطحات اللاهثين وراء سراب مراهنات خادعة .. ( فأما الزبد فيذهب جفاء واما ماينفع الناس فيمكث في الارض ) صدق الله العظيم .           

By Editor