لا تعتذروا.. لن نؤمن لكم ، قد نبأنا الله من أخباركم

  أحدثت الجرائم اللا إنسانية البشعة والمقززة التي ارتكبتها قوات الاحتلال الأمريكي بحق المعتقلين والأسرى العراقيين داخل السجون ومعسكرات الاعتقال في العراق رغم الحجم الضئيل جداً لما أظهرته الصور ، صدمة عنيفة لمشاعر الرأي العام العالمي وهز الضمير الإنساني من أعماقه ، بما في ذلك وفي المقدمة منه الرأي العام والضمير الوطني لشعب الولايات المتحدة الأمريكية ، الذي بدأ تحركاً فورياً واسع النطاق للتحقيق في تلك الجرائم واستجواب كبار مسئولي الإدارة والجيش والأجهزة الأمنية المختلفة لكشف الحقائق وتحديد المسئوليات ومحاسبة من تثبت علاقتهم بارتكاب تلك الجرائم بشكل علني وشفاف على نحو ما يقوم به مجلس الشيوخ في الكونجرس الأمريكي ، إضافة إلى ما عبر عنه الرأي العام الأمريكي عبر منظماته وسياسيه ومثقفيه وأفراده ، من استنكار شديد ورفض قاطع لتلك الجرائم المفزعة والبشعة والتي لا تضاهيها في الإجرام والبشاعة سوى الجريمة النكراء ، بقتل أسير أمريكي بطريقة همجية مقززة في العراق كما أوردتها وسائل الإعلام العالمية ، وهي جريمة لم يكن لها من مبرر أو هدف ، من حيث توقيتها وأسلوبها بالغ الوحشية ، سوى صرف أنظار واهتمام العالم عن جرائم قوات الاحتلال في العراق وتخفيف الضغوط الداخلية المتزايدة التي يمارسها الشعب الأمريكي ضد مسئولي الإدارة الحاكمة !! ولو ألقينا نظرة على ما تم نشره وتسريبه من صور وتقارير الجرائم الهمجية الوحشية التي مارستها قوات الاحتلال الأمريكي في العراق ، وهو أقل القليل مما حدث بالفعل ، فإننا سنخرج بعدد من النقاط والملاحظات الأولية لعل أهمها على النحو التالي : 1-     أن تلك الجرائم بدأت مباشرة بعد سيطرة قوات الاحتلال على العراق . 2-  أن القيام بتلك الجرائم على لنطاق واسع وممنهج وموجه وفق خطة مدروسة وبأوامر من جهات استخبارية وأمنية ومسئولين كبار ، بل ولقاء مكافآت مالية تشجيعية لمنفذيها من الجنود ، وكأنها مكافآت لقاء جهد أو عمل إضافي . 3-  أن تلك الجرائم نفذت بوسائل وأساليب متعددة ومتداخلة بدءاً بالحرمان من النوم والإجهاد الجسدي والنفسي والإهانة والإذلال مروراًَ بتعرية المعتقلين من ملابسهم وتسليط الكلاب المدربة لنهش وتمزيق أجسادهم حتى الموت ، وهم مكبلون بالأغلال وانتهاء بالاغتصاب الجنسي للنساء والرجال معاً وإجبار المعتقلين على ممارسة الشذوذ الجنسي فيما بينهم وغير ذلك من الأساليب القذرة التي لا تزال محجوبة عن علمنا . 4-  تشير التقارير أمن ما يقارب نسبة 90% من عشرات الآلاف المعتقلين في العراق لا ذنب لهم ولا مبرر لاعتقالهم ، كما أشارت إلى ذلك السيدة هيلاري كلينتون عضو مجلس الشيوخ الأمريكي . وإذا رجعنا بالذاكرة إلى الوراء قليلاً لنرى ممارسات قوات الاحتلال في أفغانستان من قصف المدن والقرى والقتل الجماعي العشوائي لكثير من المدنيين وقتل الأسرى والقيود على أيديهم وأرجلهم ، والاعتقالات العشوائية واسعة النطاق ونقل أعداد منهم إلى ( قاعدة جوانتانامو ) الأمريكية في كوبا ، وعزلهم جميعاً سواء في معتقلات أفغانستان أو في جوانتنامو عزلاً كلياً عن العالم الخارجي وحرمانهم من أبسط حقوقهم الإنسانية والقانونية ، والإصرار على عدم إخضاعهم لأية تشريعات قانونية أميركية أو دولية ، ومنع المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان والحريات والديمقراطية عن الاتصال بهم ، إضافة إلى الاعتقالات العشوائية الواسعة لمجرد الاشتباه في ملامحهم العرقية ولون بشرتهم ( شرق الأوسطية ) ، وهوياتهم الدينية داخل الولايات المتحدة نفسها وخارجها وتجميد أرصدة وممتلكات وحظر أنشطة جمعيات خيرية ومؤسسات مالية ومراكز ثقافية وتنفيذ عمليات اغتيال سرية كل ذلك ، وغيره كثير ، يتم دون أدنى الضمانات القانونية والمراجع القضائية وبالتجاوز لكل قيم الحرية وحقوق الإنسان . أقول لو وضعنا الممارسات أنفة الذكر ، وغيرها كثير ، في الاعتبار وبالترابط والتكامل فيما بينها .. فإن حقيقة واضحة تبرز أمامنا تشير إلى أن كل ذلك ما هو إلا تجليات ومواقف وسياسات لمنهج استراتيجي كوني دشنته وشرعت الإدارة الأمريكية الحالية في وضعه موضع التنفيذ العملي مستخدمة أحداث 11 سبتمبر 2001م الإرهابية المفزعة التي تعرضت لها كل من مدينتي (نيويورك ) ، و(واشنطن ) في الولايات المتحدة تحديداً ، كذريعة ومبرر لانتشارها العسكري ، غير المسبوق تاريخياً على النطاق الكوني العام وحروبها العسكرية التي شملت ، حتى الآن ، ضرب واحتلال أراضي دولتين مستقلتين ومعترف بهما دولياً وهما (افغانستان ) و( العراق ) ، تحت شعارات ومبررات تراوحت وتعددت وتناقضت في الحالتين ، فأفغانستان مثلاً كانت الذريعة المعلنة إيوائها ودعمهما للإرهاب ويقصد به ما سمي تنظيم القاعدة ، بزعامة أسامة بن لادن ومساعده أيمن الظواهري وسائر القادة الآخرين معهما ، وأضيف إليها لاحقاً تحرير شعب ( افغانستان ) ، من حكم حركة طالبان ، الديكتاتوري المستبد والمتخلف .. أما بالنسبة للعراق فقد كانت الذريعة الرئيسية المعلنة في البدء عدم امتثال نظام حكم الرئيس صدام حسين لقرارات الشرعية الدولية القاضية بتخلصه من كامل ما سمي بأسلحة الدمار الشامل وتعمد إخفائها وتظليل فرق التنسيق الدولي ، وعلى هذا الأساس أعلنت الإدارة الأمريكية الحرب العسكري الشاملة على العراق التي أخضعته بكامله للاحتلال العسكري من قبل القوات الأمريكية وبعض الدول المتحالفة معها تم كل ذلك بالتجاوز والقفز على سلطة شرعية الأمم المتحدة ومجلس أمنها ولما كانت الإدارة الأمريكية تعلم علم اليقين عدم امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل وهو ما أكدته الفرق الدولية للتفتيش التي مسحت أرض العراق وغرف نومه ولأن الأمر هو كذلك بالفعل كان على الإدارة الأمريكية ، من باب التحسب لكافة الاحتمالات ، أن تضيف إلى المبرر أو الذريعة الرئيسية التي شنت الحرب تحت دعاويها ، سلسلة من المبررات والذرائع منها إزاحة النظام الديكتاتوري الرهيب وتخليص الشعب العراقي من الظلم والاضطهاد والمقابر الجماعية وإقامة الديمقراطية النموذجية في العراق الجديد ومنح العراقيين حقوقهم الإنسانية وحرياتهم ، ورفع الظلم الذي حل الشيعة والأكراد إلى آخر هذه المبررات والذرائع اللا متناهية ، ولم تنس تلك الإدارة أن تردد بأن الحرب قامت والاحتلال لتجنيبها من خطر داهم وتهديد ماحق كان يمثله نظام العراق على أمن ومصالح الولايات المتحدة والمجتمعات الغربية بل وعلى الأمن والسلام الدوليين ، ولقد أثبتت الدلائل والشواهد والبراهين المستخلصة من واقع الحرب والاحتلال للبلدين وخاصة العراق الممتد حتى الآن لأكثر من عام كامل والمجازر والقتل العشوائي والواسع للمدنيين والتدمير الشامل باستخدام أحدث أسلحة الدمار وأكثرها فتكاً وتدميراً كالطائرات الحربية بجميع أشكالها والدبابات والصواريخ والقنابل الرهيبة التي تزن الواحدة منها عشرة طن وتسمى (أم القنابل ) والاعتقالات لعشرات الآلاف من العراقيين والعراقيات ، ومن بينهم الأحداث ، وإخضاعهم لتلك الممارسات الهمجية من الإذلال والإهانة والتعذيب الإغتصابات ، كل هذا يثبت بأن الإدارة الأمريكية أفقدت الولايات المتحدة ، شعباً وحضارة ، مصداقيتها ومشروعيتها الأخلاقية والحضارية والإنسانية في العالم . ولقد بات واضحاً اليوم بأن ذلك المنهج الاستراتيجي المتكامل الذي شرع في وضعه موضع التنفيذ والتحقيق العملي عقب أحداث 11 سبتمبر الإجرامية مباشرة كان يمثل أيدلوجيه شامله لتيار ( المحافظين الجدد ) ، المهيمن أساساً على الإدارة الأمريكية الحالية ، وهو تيار معروف بتطرفه اليميني المغالي والمعبر عن الشركات العملاقة ومصالحها الممتدة عبر العالم وبجموحها المجنون لتحقيق الربح والسيطرة مهما كان الثمن والنتائج ، بالإضافة على ما هو مشهور عنه كتيار متعصب ومهووس دينياً بإيمانه بما يعرف النبوءات التوراتية الأسطورية ومعاداته للتيارات الليبرالية والعلمانية والديانات الأخرى في العالم ، وفي مقدمتها وعلى رأسها ( الإسلام ) ، على خلاف لما عرفت به الولايات المتحدة الأمريكية منذ نشأت ، وعبر تاريخها من قيادة وتزعم ومساندة النهج الديمقراطي العلماني وقيم الحرية والتسامح الإنساني . ويمكننا استناداً إلى الأدبيات والمراجع الفكرية والعقائدية لتيار ( المحافظين الجدد ) ، وعلى ضوء مجمل وطبيعة الممارسات والمواقف والسياسات التي حدثت بالفعل في أفغانستان مروراً ( بجونتانامو ) والعراق على وجه الخصوص ، مما أمكن معرفته حتى الآن وهو قليل للغاية بما حدث فعلاً ، يمكننا على ضوء ذلك وبالاستناد عليه أن نحدد أهم معالم وملامح النهج الإستراتيجي الشامل الذي يقوده المحافظون الجدد ( عالمياً ) على النحو التالي : 1-   فرض هيمنة وسيطرة الولايات المتحدة الأحادية والانفرادية على شعوب وبلدان العالم بدءاً من قلبه ومركزه المسمى ( الشرق الأوسط ) ، ويقصد به تحديداً العالم العربي والبلدان الإسلامية الأسيوية وخاصة إيران وأفغانستان والباكستان وتركيا حيث الثروة البترولية الإستراتيجية القائم عليها الاقتصاد العالمي سواء عن طريق الإكراه بالحروب والحصار والاحتلال ، أو طواعية ، بالضغوط والتهديدات وإثارة المنازعات والفتن الداخلية حتى تقرر التخلي عن إرادتها والقبول بالخضوع التام للسياسة الأمريكية دون قيد أو شرط . 2-   الدخول في مواجهة شاملة مع الدين الإسلامي بكل ما يعبر عنه أو يمت إليه بصلة ، أفكاراً ومناهج تعليم وأحزاب وحركات سياسية ومؤسسات وجمعيات ثقافية وخيرية وإنسانية بفرض رؤية أو قناعة أو قرار يعتبر الإسلام ديناً ذا طابع إرهابي يحث على التطرف والعنف والقتل وعدم التسامح والقبول بالأخر وينشر الكراهية وذلك وفق منهج وخطوات متدرجة وبنفس طويل تحاشياً لإثارة واستنفار مشاعر المسلمين ، وصولاً إلى فصله الكلي عن حياة المسلمين ، أفراداً وجماعات بإحالته إلى خزائن متاحف التاريخ المغلقة . 3-   وفي سبيل الوصول إلى هدف ضرب الإسلام وتغييبه نهائياً عن حياة وسلوكيات وعلاقات وأخلاقيات الفرد والمجتمع المسلم ، واستيعاباً للدروس والعبر المستخلصة من نتائج المحاولات والتجارب التي حدثت عبر مختلف مراحل التاريخ ، لضرب الإسلام وتدميره بأبشع وسائل العنف والإكراه والقوة والبطش الرهيب والتي انتهت بفشل ذريع في المنهج الاستراتيجي الشامل الذي ينفذه تيار ( المحافظون الجدد ) المهيمن على الإدارة الأمريكية الحالية يتجه ، كما هو واضح ، لتحقيق هدف القضاء على الإسلام عبر وسائل وأساليب مبتكره ومقززة وغير مباشرة من أهمها وأبرزها ، كما كشفته أجهزة الإعلام الدولية مؤخراً في العراق الآتي : 1-   نشر الفساد والتحلل الأخلاقي والرذيلة مثل الإباحية الجنسية والعلاقات المثلية الشاذة على أوسع نطاق ووفق خطة مدروسة وطويلة المدى بالإكراه القسري غالباً ، وبالإثارة وتهيئة المناخات والأجواء الدافعة إليه كخطوة مكملة مثل بث القنوات الفضائية للخلاعة والانحراف والتحلل الأخلاقي وفرض تشريعات تضفي على الممارسات اللا أخلاقية الشاذة مشروعية قانونية تحت شعار الحرية وحقوق الإنسان …. ألخ . 2-   ولما كانت هناك صعوبة بالغة لتحقيق الهدف السابق بالنظر إلى عمق ورسوخ وصلابة حصن وسور القيم والتعاليم الدينية الضاربة بجذورها عميقاً في نفسية الفرد والمجتمع ، فقد اتجه المخططون إلى البدء بتنفيذ سياسة إفقار منظم وشامل لأفراد المجتمع عبر البطالة وانهيار القيمة والقوة الشرائية للعملات النقدية المحلية مع الارتفاعات الهائلة للأسعار بواسطة سياسات وبرامج صندوق النقد الدولي والدول المانحة من جهة وعبر العقوبات والحصار من جهة أخرى لإيصال غالبية أفراد المجتمع إلى مرحلة العجز شبه التام في تأمين احتياجاتهم المعيشية الأساسية وعلى نحو يدفعهم دفعاً بعد ذلك للانحراف والانخراط الإجباري في الفساد والشذوذ الجنسي على أوسع نطاق لتبرير معيشتهم الضرورية وذلك هو مدخل المخططون لضرب الإسلام وتدميره في الأخير . 3-   تجريد الدول العربية والإسلامية من أسلحتها الفعالة ، على محدوديتها وضعفها ، تحت شعار منع انتشار أسلحة الدمار الشامل ، بالتزامن مع نطاق الحصار المحكم المفروض عليها لمنع وصول أية أنواع من الأسلحة والذخائر التقليدية البسيطة وضرب الصناعات العسكرية البدائية والمحدودة لديها ، وصولاً إلى تجريدها في نهاية المطاف من كل أسلحتها التقليدية وغير التقليدية ليسهل السيطرة عليها من قبل أمريكا وإسرائيل وحلفائهما بدون خسائر تذكر . 4-   ضرب الاقتصاديات والصناعات الناشئة في هذه الدول من خلال الاتفاقية الاقتصادية العالمية ومنظمة التجارة العالمية التي ستجبر تلك الدول على إلغاء كافة القيود والحمايات الوطنية لمنتجاتها وفتح أسواقها دون معوقات أو قيود أمام حرية التجارة العالمية . حيث لن تتمكن منتجات صناعاتها الناشئة من المنافسة لمثيلاتها الأكثر إنتاجا وجودة والمعتمدة على أكثر أشكال التكنولوجيا حداثة وتطوراً . بالإضافة إلى حرية حركة وانتقال رؤوس الأموال العالمية ، وفي نفس الوقت قيام الدول الأكثر تقدماً بوضع قيود صارمة ومحكمة لمنع حرية تنقل الأيدي العاملة وكل ذلك سيؤدي إلى انتشار البطالة والفقر على نطاق مخيف في الدول النامية مما يدفع إلى خلق التوترات والتفجرات السياسية والاجتماعية فيها وربما الحروب الأهلية لزعزعة أمنها واستقرارها والتمهيد لتفككها وتمزيقها أكثر وأكثر .. وهكذا سيصبح أي حديث عن الإسلام أو الإيمان به إرهابا وكراهية وتطرف يجب سحقه وستصبح إسرائيل مقدسة لا يجوز بل ويحرم دولياً أي مساس بها أو انتقاداً لسياساتها وممارساتها ، فهي تحظى بكامل الحرية لتفعل ما تريد وكيفما تريد دون اعتراض أو نقد أو ممانعة .           وستهدم ( المسجد الأقصى ) ، وستقيم على أنقاضه ما يسمى بالهيكل المقدس ، ولا يحق لأي إنسان أو جماعة أو دولية التلفظ ببنت شفة اعتراضاً أو تبرماً أو نقداً ، وأي محاولة من هذا القبيل ستتكفل بسحقه القوة الأمريكية الرهيبة السائدة والحامية لإسرائيل وتصرفاتها كما هو حادث اليوم في مواقفها المؤيدة تأييداً أعمى وغير معقول ولا منطقي لكافة ممارسات إسرائيل بدون استثناء ضد الشعب الفلسطيني المظلوم والمقهور والمسلوب منه وطنه وحقوقه على نحو غير مسبوق في التاريخ الإنساني فماذا نحن فاعلون إزاء مثل هذه الصورة القائمة المروعة ؟           الواقع أننا نستطيع الكثير ولكن متى ما توفرت لدينا الإرادة والعزم والتصميم وإلا سوف يكون مصيرنا تماماً مثل مصير الهنود الحمر والملايين من البشر السود الذي أبيدوا أو انقرضوا .. والله القاهر فوق عباده .  

By Editor