في سياستها الكونية تحديداًماالذي تريده الإدارة الأمريكية؟

( صحيفةالثقافية ) كانت قناعتي,ولا تزال على نحو أو آخر تتجه إلى فهم وتقويم مؤشرات السياسة ومجمل إيقاعاتها الميدانية وخطواتها ومواقفها العملية التي تقودها وتنفذها الإدارة الأمريكية على الصعيد الخارجي العالمي,منذ أحداث11من سبتمبر2001م الإرهابية التي تعرضت لها الولايات المتحدة الأمريكية,على أنها سياسة أو إستراتيجية شاملة تهدف إلى إحكام هيمنة وسيطرة أمريكا الأحادية والمطلقة على شئون العالم بأسره ومصائر بلدانه وشعوبه وأممه وتقرير حاضرهم ومستقبلهم,وصولاً إلى تحقيق مشروع إمبراطوري كوني شامل ترى الإدارة الأمريكية الحالية بأن مرحلة انتهاء الحرب الباردة التي أسقطت مبدأ توازن القوى الدولية عبر قطبية ثنائية كبرى,قد هيأت الظروف الملائمة و الوقت المناسب والأمثل ,أمام الولايات المتحدة الأمريكية,وقد أصبحت هي وحدها القوة الأعظم,بدون منازع,لبسط سيطرتها وهيمنتها الأحادية المطلقة على شئون العالم ومصائره وحاضره ومستقبله,ووضع مشروعها الإمبراطوري الكوني موضع التطبيق أو التنفيذ العملي على الواقع الدولي. ً وعبرتُ عن قناعتي تلك في سلسلة من المقالات الصحفية كان آخرها حلقات ثلاث أو أربع نشرتها صحيفة«الثقافية» المتألقة الصادرة عن مؤسسة الجمهورية الصحفية في تعز في إعدادها لشهر أغسطس المنصرم تحت عنوان «ماذا هناك ..ماذا بعد .حقيقة أهداف الحملة الأمريكية المعادية للسعودية؟» والحقيقة أن قناعتي تلك لم تنطلق من هوى شخصي أو موقف مناوئ مسبق تجاه أمريكا,ولكنها تكونت من مدلولات المؤشرات والظواهر والتحرك الميداني والإجراءات والمواقف العملية التي اتخذتها وتتخذها الإدارة الأمريكية على النطاق العالمي, وعززتها وأكدتها تصريحات ومقابلات وتأكيدات جميع مسئولي وقادة الإدارة العليا مدنيين وعسكريين بل وحتى مضامين الخطاب السياسي الإعلامي للنخبة السياسية والثقافية في أمريكا,مما أشرت إلى أهمها أو بعض منها أهمها في المقالات الصحفية المشار إليها أنفا.. وعادة فيما يتعلق بقناعات وأراء ووجهات نظر الأفراد تجاه مختلف الشئون والقضايا فإن أحدا لا يمكنه,ولا هو من طبائع وحقائق الأمور,الادعاء أو الاعتقاد بأنه يعبر عن الحقيقة أو الصواب, وتظل جميع القناعات ووجهات النظر والآراء بدون استثناء,مجرد اجتهادات ورؤى نسبية حتى وإن كانت مصيبة فهي ليست مطلقة,ولم أرى قناعتي التي عبرتُ عنها إلا في هذا الإطار وداخل نطاقه.. ولأن الأمر هو كذلك,حقيقة ثابتة,فقد وجدت من بين قصاصات وأوراق اعتاد شقيقي العزيز محمد سلاٌم على تزويدي بها بين فترة وأخرى وتتضمن مقالات ودراسات ومواضيع يقوم بنسخها عبر«الإنترنت»بحسب ما يراه من أهميتها وفائدتها لي من واقع معرفته بفشلي المخزي في التعامل مع وسائل الاتصالات الحديثة,أقول وجدت بين تلك القصاصات مقالة رصينة وعميقة ومهمة للمفكر السياسي الدكتور/برهان غليون نُشرت كما فهمت يوم الأربعاء 27/8/2003م ولم أتمكن من معرفة الصحيفة التي نشرت فيها وهي تحت عنوان«المصلحة الأمريكية في التغيير العربي»والمقالة برغم حجمها الصغير إذ لم تتجاوز مساحة العمود الصحفي,إلا أنها تحمل مضامين ومفاهيم بالغة العمق والأهمية,وفي مجملها تطرح رأياً أو وجهة نظر تخالف ما ذهبتُ إليه في قناعتي التي عبرت عنها, وخاصة فيما يتعلق بالسياسة والأهداف الأمريكية تجاه عالمنا العربي خاصة والمنطقة شرق الأوسطية بشكل أعم, ولأن مفكراً بارزاً بوزن ومكانة وتمكن الدكتور/برهان غليون يفرض على الكثير من المحللين والمراقبين والسياسيين والمهتمين عموماً بالقضايا والشئون الدولية,الوقوف ملياً أمام ما يطرحه من آراء ووجهات نظر وأفكار والاستفادة منها لمزيد من الانفتاح والإثراء والبلورة لوجهات النظر والآراء الأخرى,وإذا كان ذلك مطلوباً من قبل من ذكرتهم آنفا من المحللين والسياسيين والمهتمين,فإنه مطلوب على نحو أكبر وأكثر إلحاحاً حينما يتعلق الأمر بشخص مثلي باعه قصير وزاده قليل في مثل تلك الأمور. ونظراً لأهمية وعمق ما تضمنته مقالة الدكتور/غليون فسأحاول فيما يلي تلخيص أبرز ما ورد فيها تعميماً للفائدة: 1_أبدا التلخيص من الفكرة التي انتهى إليها الدكتور غليون في مقالته مختتماً بها المقالة حيث يقول:«ليس هناك شك إذن في أن للولايات المتحدة مصلحة في إحداث تغيير ملموس في المنطقة حتى تقطع الطريق على أي بديل آخر يشكل تهديداً لمصالحها,سواء أكان بديلاً ديمقراطياً أو بديلاً إسلاميا». ثم يواصل مستدركاً بالقول :«لكن ينبغي في نظري التحذير من وهمين كبيرين ارتبطا عند الرأي العام العربي بدخول الأمريكيين القوي للساحة الشرق أوسطية منذ احتلال العراق,الوهم الأول:أن الولايات المتحدة تنوي تغيير الأنظمة الراهنة لصالح أنظمة ديمقراطية,مما يعني أن مثل هذا التغيير يتماشى مع مصالحها الرئيسية.. والوهم الثاني :هو الاعتقاد بأن الولايات المتحدة قادرة,إذا وجدت النية والإدارة على تحقيق مثل هذا الهدف». ويواصل مؤكداً بالقول :«أن ما تريده الولايات المتحدة هو بالتأكيد وضع حد للفساد المدمر في أنماط الحكم والإدارة الذي يهدد في العالم العربي بتفجير أزمة اجتماعية وبالتالي سياسية وعقائدية لا يمكن لأحد السيطرة عليها في المستقبل,مع تراكم عشرات ملايين العاطلين عن العمل وتدهور مستويات المعيشة والفراغ العقائدي والسياسي,مما يقدم فرصة كبيرة لمنظمات مثل منظمة القاعدة لتتحول من منظمات صغيرة وسرية معزولة إلى منظمات لا تقهر مدعمة بجمهور واسع من المتعاطفين والمتعاونين والمتحمسين وهو ما بدأت معالمه تظهر في عراق ما بعد صدام». ومن أجل ما سبق ذكره يصل الدكتور غليون إلى القول«ومن أجل تحقيق مثل هذا الهدف سوف تستخدم الولايات المتحدة جميع وسائل الضغط على النظم والنخب الحاكمة,العسكرية والسياسية والدبلوماسية,كما أنها ستستخدم وسائل الترغيب والدعم والمكافأة,لكن لا يعني التغيير,في هذه المرحلة على الأقل,التبديل المنهجي أو المنظم للنخب الحاكمة أو تغيير الأنظمة كما قد يخطر للبعض,فليس لدى الولايات المتحدة كما رأينا,بديل واضح,أوهي لا ترى أن هناك بديلاً لها بعد.. وهذا يعني أن المنحى الرئيسي للإستراتيجية الأمريكية لهذا الوقت هو التفاهم مع هذه النخب والتعامل معها بقصد تطويرها وتحديثها,أي تحسين مستوى أدائها ومساعدتها,مالياً وتقنياً وسياسياً,لتتغلب على بعض نقائصها وثغراتها لقاء ما يمكن أن تقدمه من تعاون فعال في تحقيق الأهداف الأمريكية وضمان الهدوء والسلام والحيلولة دون انفجار عام». 2_ وكان الدكتور برهان غليون قد استهل مقالته بسؤال جوهري يقول:«هل تحمل السياسة الأمريكية الجديدة بذور تغيير حقيقي في العالم العربي»وأردف بعده قائلاً:«هذا ما تحلم به أغلبية واسعة من الرأي العام العربي,رغم كل الاعتراضات الأخرى التي تضعها على السياسات الأمريكية في فلسطين والعراق,وهو أيضاً ما توحي وتعد به بيانات الإدارة الأمريكية ومقالات  كبار مسؤليها من كولن باول إلى كونداليزا رايس حتى يكاد المرء يعتقد من متابعة المناقشات الدائرة داخل أوساط النخبة الأمريكية السياسية والثقافية نفسها أن الولايات المتحدة قد اكتشفت للمرة الأولى أن هناك بالفعل مجتمعات عربية في الشرق الأوسط,وليس مجرد خيم وجمال وبدو وإرهابيين حمقى ومتعصبين يحاولون السيطرة على آبار النفط,وأنها أصبحت تعتقد أن لدى هذه المجتمعات مثقفين وأحزاباً وقوى اجتماعية تستحق النظر إليها والحوار معها,حتى لو لم يصبح بعد من الممكن أخذ وجهات نظرها البدائية بالاعتبار,كما يمكن القول أنه لأول مرة يشعر المرء كما لو أن المسئولين الأمريكيين بدأوا يعتقدون,عن جد بأن هذه المجتمعات ليست ذات طبيعة خاصة تدينها بالاستمرار في نظم حياتها وأنماط سلوكها وتفكيرها الدينية والقومية التقليدية والمغرقة في الخصوصية,وأنها تستطيع,ربما إذا قبلت بالوصاية الأمريكية,الارتفاع في مستوى حياتها وتنظيماتها السياسية والمدنية إلى مستوى القيم والمبادئ الأخلاقية من ديمقراطية وحقوق إنسانية وتنمية بشرية». 3_ولكن إذا لم نقبل بالوعود كوقائع محققة ولا التفكير الرغبوي الذي يسيطر على الرأي العام العربي المعطَل والعاجز بالفعل عن الإنجاز,كما قال الدكتور غليون مواصلاً الحديث«لا يمكن أن يكون هناك رد على هذه المسألة الكبيرة,يقصد الرد على السؤال الجوهري الذي استهل به بداية مقالته,من دون الإجابة ,قبل ذلك,على سؤالين:هل للولايات المتحدة مصلحة في التغيير؟ وهل تستطيع الولايات المتحدة وهل لديها الوسائل الفعلية لإحداث هذا التغيير؟ ثم يمضي مستطرداً للإجابة على هذين السؤالين وذلك هو جوهر المقالة فيما اعتقد,فيقول:«ليس هناك شك عندي في أن الإدارة الأمريكية,التي تحتفظ بمصالح حيوية لم تكف يوماً عن التذكير بها في الشرق الأوسط,تشعر منذ الحادي عشر من سبتمبر2001م على الأقل أن النظم العربية المشرقية التي رعت إنشاءها وساهمت في تعزيز سيطرتها وبقائها قد أصابها التعب وأنها لم تعد قادرة على حمل المسئوليات التي كانت السبب في تقديم الدعم الشامل لها,ومن هذه المسئوليات تحقيق الاستقرار والسلام الإقليميين والعالميين والرد,ولو جزئياً,على حاجات المجتمعات المحلية حتى يمكن ضمان الأمن والاستقرار فيها,فقد خسرت في معركة الأمن الداخلي ولا تزال العديد منها تواجه مقاومات مسلحة عنيفة,كما خسرت في معركة الاستقرار والسلام الإقليميين فلم تنجح في ضبط القوى والمنظمات الأهلية المكافحة ضد إسرائيل ولا قبلت بتسوية عربية إسرائيلية واقعية تضع حداً لمناخ المواجهة والعنف في المنطقة وشعوبها,بل أن قسماً من هذه الأنظمة المتضامنة في إطار الجامعة العربية لا تتورع هي نفسها عن دعم بعض منظمات المقاومة الإرهابية وتشجع بالتالي على العنف وزعزعة الاستقرار الإقليمي والعالمي وقد جاءت تقارير الأمم المتحدة التي أظهرت بالفعل الحجم الهائل لهدر الموارد والطاقة والفرص في المنطقة لتقدم للإدارة الأمريكية حجة جديدة تبرر بها غضبها على هذه الأنظمة وحملتها الشعواء عليها,وهكذا أخذت هذه الإدارة ترسم للنظم العربية والنخب الحاكمة صورة سلبية تماماً يقترن فيها الاستبداد والخديعة والنفاق وما يمثله من انعدام الصدقية مع الإخفاق الخطير في نمط الإدارة والتسيير وانعدام الشعور بالمسئولية..وتشعر الولايات المتحدة أنها في سباق مع الزمن في الشرق الأوسط أمام الحركة الإسلامية التي أصبحت ألد أعدائها بعد أن كانت حليفتها الرئيسية,وأن استمرار التدهور الراهن في الأوضاع لا يمكن إلا أن يقود إلى عودة الحركات الإسلامية إلى مقدمة الساحة السياسية الشرق أوسطية,إن لم يكن إلى السلطة في أكثر العواصم العربية وفي مواجهة مثل هذا الخطر البارز,ومن أجل الإمساك المباشر بالأوضاع المشرقية وقطع الطريق على نشوء حالة تجد الولايات المتحدة نفسها فيها مضطرة إلى التخلي عن كثير من مصالحها,بلورت الولايات المتحدة إستراتيجية جديدة ثلاثية الأركان:الحرب ضد الإرهاب,أي ضد الحركات الإسلامية التي تشكل الخطر الرئيسي على الاستقرار في المنطقة,ثم العودة إلى طريق التسوية السلمية للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني وأخيراً السعي إلى إصلاح النظم القائمة.. فبهذه الإستراتيجية الجديدة تأمل واشنطن في وضع حد لتدهور الوضع الشرق أوسطي وإزالة ألاحتقان والتوتر,ثم ربط الشرق الأوسط العربي بالاقتصاد الأمريكي بحيث يمكن التغلب على مخاطر القطيعة المحتملة في المستقبل». بهذا لم نلخص مقالة الدكتور برهان غليون بل أوردنا نصها حرفياً وبالكامل,وبالمناسبة فقد نُشرت المقالة في صحيفة«الاتحاد»الإماراتية بعد أن أُفهمت بذلك,والواقع أنها كانت تستحق إعادة نشرها هنا بالكامل عن جدارة لأنها تمثل وجهة نظر جادة وعميقة إزاء تطورات ومتغيرات بالغة التسارع والعنف والخطورة تحيط بوطننا العربي وتعتمل متفاعلة في صميم أوضاع بلدانه وشئونها وتمس حاضرها ومستقبلها,ثم لحرصنا على تعميم أوسع وتمكين لقطاع أكبر من الاستفادة منها..ومع إننا في الحقيقة نقف,بكل الاحترام,أمام هذه الرؤية العميقة والجادة والوجيهة التي يطرحها مفكر كبير بحجم الدكتور برهان غليون,إلا أننا ونحن نعيش دوامة من الحيرة والاضطراب والتشويش تجعلنا غير قادرين على تكوين فهم دقيق واحد لحقيقة النوايا والمقاصد والأهداف الأمريكية أو بعبارة أخرى تمديد ما الذي تريده الولايات المتحدة بالضبط في إستراتيجيتها وتحركاتها عقب أحداث 11سبتمبر2001م سواء في وطننا العربي والمنطقة الشرق أوسطية الأوسع,أو على مستوى العالم بأسره,وترجع أسباب مثل هذه الدوامة إلى الخطاب السياسي الإعلامي وتصريحات ومواقف المسئولين القياديين في الإدارة الأمريكية مدنيين وعسكريين وما يتخللها من تناقضات وتضاربات وتغيرات وتطويرات مستمرة في تحديد طبيعة أهداف ومقاصد الإستراتيجية الأمريكية من ناحية,وما نشاهده ونحس به من آثار وتداعيات ونتائج التحركات الميدانية الأمريكية عسكرية وسياسية واقتصادية وأمنية على امتداد رقعة واسعة من كوكبنا الأرضي وتحديداً في أفغانستان والعراق وفلسطين,كل ذلك وغيره كثير,يدفعنا إلى تسجيل جملة من الملاحظات والتساؤلات حول الرؤية التي طرحها الدكتور برهان غليون ليس من قبيل أو بهدف المخالفة والمعارضة والانتقاد لها,ولكن فقط بهدف الخروج برؤية أوضح وأدق حول حقيقة أهداف ودوافع وغايات الإستراتيجية الأمريكية في منطقتنا العربية وما حولها,ولعل أهم تلك الملاحظات والتساؤلات يمكن بلورتها على النحو التالي: الملاحظة الأولى: مع الاتفاق الكامل والتسليم بصحة ما أشار إليه الدكتور برهان غليون بأن أغلبية واسعة من الرأي العام العربي,المعطَل والعاجز بالفعل عن الانجاز,حلمت واستبشرت وتمنت بل تيقنت بأن السياسة الأمريكية الجديدة عاقدة العزم ومصممة على إحداث تغير حقيقي واسع وعميق في عالمنا العربي الخاص ومنطقة الشرق الأوسط عامة في أوضاعها ونظمها وتنظيماتها وكافة مجالات حياتها السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية وعلى نحو يفضي إلى تطويرها وتحديثها وجعلها أكثر اقترابا وتعبيراً عن روح العصر وحقائقه ومقتضياته, وخاصة في مجالات الديمقراطية وتوسيع نطاق المشاركة الشعبية السياسية وحقوق الإنسان وحرياته والقضاء على الفساد ومظاهر الاختلالات والمتناقضات الكابحة للنهوض. ذلك أنه وبالنظر إلى إدراك جماهير المنطقة عموماً للحقيقة الواقعية الساطعة بعدم امتلاكها قدرة التغيير ووسائله والياته,وحالة العجز والتعطيل والشلل شبه الكلي عن التعبير عن تطلعاتها وطموحاتها وأمالها وتجسيدها على أرض الواقع المعاش,نتيجة طبيعة التركيبة السياسية المغلقة والقمعية على الإجمال للأنظمة الحاكمة لها,فقد كان من الطبيعي والمحتم أن تضع الجماهير,أو أغلبيتها الواسعة,آمالها وتعول على العامل أو المؤثر الخارجي في تحقيق حلمها في التغيير نحو الأفضل,خصوصاً بعد أن بدا ذلك العامل أو المؤثر الخارجي في الآفاق المرتسمة في سماء العالم,طاغياً ومزمجراً ومكتسحاً لكل العوائق,أن تجارب التاريخ الإنساني تشير في مجمل دروسها المستخلصة,إلى انه عندما تعجز الأنظمة الحاكمة الوطنية عن استشعار واستلهام أحاسيس وطموحات وتطلعات وآمال شعوبها في حياة أفضل,وتتحول تلك الأنظمة,بوعي أو بدون وعي,إلى عقبة أمام مسيرة التطور والتحديث الذي تفرضه طبيعة الحياة المتنامية والمتجددة والمتغيرة باستمرار,فإن المجال ينفتح حينها بالكامل أمام خلخلة وتفكك واضطراب التماسك والتوحد الوطني الاجتماعي والسياسي,ومن هنا تتجه الأنظار,بل والأفعال والمواقف, إلى استدعاء وطلب العامل أو المؤثر الخارجي.. ومع التسليم والاعتراف بأننا جميعاً قد حلمنا وعقدنا آمالا,بهذا القدر أو ذاك,على إحداث التغيير الحقيقي المنشود معوِلين على مارسمته شعارات الخطاب السياسي والإعلامي للسياسة الأمريكية الجديدة في بداية أمرها عقب أحداث 11سبتمبر2001م ,إلا أن ما هو جدير بالملاحظة أن ذلك الحلم أو الأمل ظل يتأرجح ويتذبذب بين مد وجزر,وصعود وهبوط,وشك وريبة,وأمل ويأس,بسبب دوامة عاصفة من التصريحات والشعارات والمواقف غير المترابطة والمتناقضة تناقضاً صارخاً الصادرة عن كبار مسؤلي الإدارة الأمريكية سياسيين وعسكريين وأجهزة إعلام,وهو ما جعل الرأي العام العالمي بأسره,وليس الرأي العام العربي أو الشرق أوسطي فحسب,في حيرة مستبدة أوصلته إلى مرحلة لم يعد عندها قادراً على معرفة وتحديد حقيقة النوايا والأهداف التي تريد السياسة الأمريكية الجديدة أو تسعى إلى تحقيقها على طريق التغيير الذي بدا أنها عازمة عليه في منطقتنا ومحيطها,في بدايات التعبيرأو التسويق لتلك السياسة الجديدة كان الهدف المعلن الحرب على الإرهاب,كرد فعل لأحداث 11سبتمبر,وانطلقت أمريكا في تعبئة وحشد كل قواها العسكرية الضاربة ونشرها في أرجاء العالم,وضربت أفغانستان بإحداث أسلحة الدمار والفتك وبإفراط غير مسبوق لاستخدام القوة,وهي بلد وشعب عانى من ويلات الحروب المدمرة طويلاً في حين لا يزال يعيش عند تخوم القرون الوسطى,وربما السابقة لها,وحدثت خلال تلك الحرب وضرباتها العسكرية الرهيبة مآس وتجاوزات بل وجرائم ضد الإنسانية وانتهاكات لكافة حقوق وكرامة الإنسان وحرياته,واقتيد المئات بل الآلاف إلى السجون والمعتقلات داخل بلادهم وفي خارجها داخل قواعد عسكرية أمريكية منتشرة في أرجاء العالم دون تحقيق أو تحريات أو اطمئنان إلى أبسط الأدلة ووسط عزلة تامة لا محامين ولا حقوق ولا زيارات,معصوبي العيون مقيدي الأيدي والأرجل ومحشورين بأقفاص لا تليق حتى بالحيوانات ومن بينهم أطفال أعمارهم ما بين 15-16 سنة كل ذلك جاء أو ترافق مع توسيع مفهوم الحرب ضد الإرهاب لتصبح الحرب مستمرة ومتواصلة ومفتوحة الزمان والمكان,ولتشمل الإرهاب تمويلاً ودعما وحماية وإيواء…الخ..واتسعت الحرب لتشمل جمعيات خيرية وإنسانية ومؤسسات مالية واقتصادية وبيوتات استثمارية تعرضت لمصادرة أو تجميد أموالها وأرصدتها بل واعتقال وملاحقة أصحابها على امتداد العالم,وتعرض أناس في أمريكا وأوربا وبعض دول العالم إلى مختلف أشكال الانتقام والقتل والضرب والإهانة وسوء المعاملة والاعتقال والإجراءات التعسفية بدون أبسط ضمانات وضوابط قانون أو حتى عُرف,لا لذنب اقترفوه سوى أن ملامحهم تشيء إلى هواياتهم وانتماءاتهم الشرق أوسطية ورغم هذه الصورة المخفية والمرعبة إلا أن كثيرين,ربما نظروا إلى الأمر بشيء من حسن النية ومن زاوية كونه من قبيل ردود الأفعال العصبية الطبيعية لإحداث 11 سبتمبر لن تلبث إلا قليلاً وتزول..     الملاحظة الثانية: وبدلاً عن توقع زوال الصورة الكابوسية لردود الأفعال العنيفة وهيجانها الشديد بعد حين,حدثت انتقاله جديدة مغايرة على هدف الحرب ضد الإرهاب عالمياً تنفيذاً وتخطيطاً وتمويلاً ودعماً وحماية وتشجيعاً,حيث بدأ مسئولو الإدارة الأمريكية يطلقون مفاهيم وتصنيفات جديدة ذات مدلولات وخلفيات دينية تاريخية واضحة وصارخة مثل «الحرب المقدسة»ودول«محور الشر»والدول«المارقة»و«العدالة المطلقة»مع إشباع مضامين الخطاب السياسي الرسمي بروح ومفهوم ديني محدد,حتى بدا الأمر لغالبية الرأي العام وكأن أمريكا تعد العدة وتحث الخُطى لإدارة وشن حرب مقدسة دينية عالمية,كما أن تحديد أمريكا وتصنيفها لدول الشر وتلك المارقة وحصرها بدول بينها وبين أمريكا تباينات وخلافات سياسية وغير متفقة مع توجهات السياسة الأمريكية في المنطقة والعالم,جاء ليوجه ضربة لا يستهان بها لمصداقية ونزاهة الخطاب السياسي الأمريكي وأهدافه المعلنة,فلقد أدرك كثير من شرائح الرأي العام العالمي عموماً بوضوح أن الولايات المتحدة إنما تتجه –أساساً- إلى تصفية حساباتها مع خصومها ومخالفيها السياسيين من دول العالم لاعتبارات تتعلق بمصالحها وإستراتيجيتها تحت ذريعة وغطاء الحرب الكونية ضد الإرهاب!خاصة عندما اقترنت تلك التصريحات والمواقف المعلنة للإدارة الأمريكية بإطلاق الوعيد والتهديدات بأن أمريكا لن تتردد في استخدام القوة المسلحة لضرب واحتلال وإسقاط حكومات تلك الدول وذلك لان مهمتها لا تقتصر على مواجهة الإرهاب ونتائجه فحسب بل وإسقاط الطغاة و الأنظمة الديكتاتورية وحماية حياة وكرامة الإنسان أينما كان,وضغطت على جميع دول العالم,إلا قليلاً منها,لتسخير أراضيها وفتح سماواتها وبحارها ووضع قواعدها ومنشأتها العسكرية والأمنية والتعاون المطلق مع أمريكا في كل ما تطلبه دون قيد أو شرط أو نقاش وإلا وقعت تلقائياً ضمن قائمة الدول العدوة للولايات المتحدة..ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد,بل تجاوزه إلى حد مريع ومخيف للغاية بإطلاق كبار مسئولي الإدارة الأمريكية سياسيين وعسكريين تهديدات علنية متكررة بأن أمريكا لن تتردد باللجوء إلى استخدام الأسلحة النووية إذا لزم الأمر في حربها,وحدث بالفعل,كما أكدت ذلك وسائل الإعلام وتوضيحات كبار المسئولين,أن أُعطيت توجيهات بإعداد خطط وسيناريوهات جاهزة للعمل في حرب نووية قد تنشب مع روسيا الاتحادية والصين الشعبية,وكوريا الشمالية وأي دول أخرى في العالم تعتبرها أمريكا مناوئة وغير صديقة لها. الملاحظة الثالثة: إن الإدارة الأمريكية راحت تقفز قفزة أخرى,غير متسقة مع هدفها المعلن المتمثل بالحرب ضد الإرهاب العالمي بمختلف صوره وأشكاله,واستكمالاً للدول المارقة ومحور الشر والمخالفين للسياسة الأمريكية,لتطرح هدفاً آخر وهو أنها لن تسمح مطلقاً لأي دولة في العالم بتهديد استقرارها وأمنها القومي بامتلاكها أو سعيها لامتلاك أسلحة دمار شامل ولو باستخدام القوة المسلحة منفردة..وهنا كان تركيز الإدارة الأمريكية على العراق,بدرجة أساسية,وإلى جانبها مباشرة إيران,ومعهما وبحدة أخف كوريا الشمالية,.وكانت الولايات المتحدة مستميتة ومصممة على نحو مريب على التأكيد بامتلاك العراق أو أنه على وشك امتلاك أسلحة دمار شامل وخاصة منها النووية والكيميائية والبيولوجية,رغم وجود فرق تفتيش دولية بتفويض من الشرعية الدولية للقيام بمهام التفتيش وظلت سنوات طويلة تجوب أراضي العراق ومنشأته ومرافقه ومصانعه ومراكزه العلمية والبحثية وصحاريه وأنهاره ووديانه بل وحتى قصور رئيسه وغرف نومه وإقامته ووزاراته ومزارعه وقلبت تراب العراق رأساً على عقب دون أن تجد ما يفيد من قريب أو بعيد بامتلاك العراق لأسلحة دمار شامل وإن ما كان لديه من مواد كيماوية وبيولوجية وصواريخ ذات مدى غير مسموح به قد دُمرت.. لكن أمريكا أدارت ظهرها وضربت عرض الحائط وتجاوزت العالم بأسره ومنظمته الدولية المشروعة,وقامت بشكل انفرادي أحادي,ومعها بريطانيا حليفتها السياسية والعسكرية,بغزو العراق واحتلال أراضيه بالقوة العسكرية وإسقاط نظامه وسط احتجاجات ومظاهرات الرفض الشعبية العالمية العارمة التي جابت مستنكرة الحرب أرجاء العالم بآسرة وخاصة في الولايات المتحدة وبريطانيا واوربا وكندا ودول أمريكا اللاتينية وسائر دول الغرب، والغريب العجيب أنه في سبيل تعبئة وحشد رأي عام عالمي إجمالا وأمريكي خصوصاً وبريطاني من ثم وتبرير شن الحرب على العراق لم تترك الإدارة الأمريكية والبريطانية وأجهزتها ووسائلها الإعلامية ذريعة ولا مبرراً ولا سبباً ولا حجة إلا وجعلتها دافعاً للحرب والاحتلال,بدءاً من تهمة دعم وتشجيع نظام الرئيس صدام حسين للإرهاب والإرهابيين العالميين,رغم إجماع أكثرية دول العالم والرأي العام العالمي على عدم وجود أية دلائل أو إثباتات تؤكد ذلك,مروراً بتهديد جيرانه وتوتير الاستقرار في المنطقة,ثم اضطهاد شعبه وقمعهم وإبادتهم بالأسلحة الكيماوية,ثم إعدام وتصفية خصومه ومناوئيه السياسيين واتسامه بالدكتاتورية والدموية والقمع,ثم غياب الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان,وأخيراً تهديده للأمن والاستقرار الأمريكي بامتلاكه وإخفائه لترسانة مخيفة من أسلحة الدمار الشامل! وتحت كل هذه الدعاوى شنت أمريكا وحليفتها بريطانيا الحرب ضد العراق واحتلت ارض وطنه,واستخدمت في حربها أسلحة محرمة دولياً كالقنابل العنقودية واليورانيوم المستنفد وغيرها من أسلحة الفتك والدمار الشامل نعلم بعضه ونجهل جُله مضافاً إلى ما سبق استخدامه منها إبان حرب الخليج الثانية,وما خلفته تلك الأسلحة المهلكة من أمراض مميتة ومآس مروعة ومعاناة إنسانية فوق الاحتمال ذهب ضحيتها ألاف مؤلفة من العراقيين الأبرياء وخصوصاً الأطفال والمدنيين وأصبحت تربة العراق ومياهه ومنتجاته مشبعة بالسموم والأشعة القاتلة التي ستدمر أجيالا طويلة قادمة,ثم راحت قوات الاحتلال تتعامل مع الشعب العراقي, الذي قالت أمريكا أنها تجشمت عناء التعب وتحملت الأعباء والتضحيات لتنقذه من جلاده وتمنحه الحرية والديمقراطية وتجعل من بلاده نموذجاً عالمياً يحتذي به,بأبشع وأقسى وأمر أساليب القتل والقهر والإهانة والاضطهاد والإذلال والتجويع في ظل غياب الأمن والاستقرار وانتشار الفوضى والاضطراب على أوسع نطاق,ورغم مرور اشهر عديدة على إحكام قبضة الاحتلال العسكري الأمريكي البريطاني على أرض العراق,فإنه لم تظهر أية دلائل أو مؤشرات,مباشرة أو غير مباشرة,تشير إلى احتمال وجود أو امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل,ولا يبدو أي احتمال لوجودها,وسط تفجر فضائح سياسية مدوية ومخزية وانتقادات وتحقيقات واسعة في كل من أمريكا وبريطانيا تؤكد حدوث عمليات نصب وكذب وتزوير وتلاعب في تهويل وتضخيم خطر أسلحة الدمار الشامل العراقية,غير الموجودة تضخيماً مبالغاً فيه إلى حد كبير لتضليل الرأي العام وإقناعه بتأييد الحرب والاحتلال! ومع ذلك,وإذا صرفنا النظر عن هذه الفضائح السياسية الأخلاقية المجلجلة التي لا تزال تعصف بالإدارتين البريطانية والأمريكية بشأن الكذب حول أسلحة العراق,فإننا نعتقد اعتقاداً راسخاً ونحن على قناعة ثابتة بأهمية وضرورة العمل الدولي الجاد والعاجل لتدمير وإنهاء وتصفية كافة أنواع وإشكال أسلحة الدمار الشامل,نووية وكيميائية وبيولوجية جرثومية وصواريخ باليستية وألغام وقنابل عنقودية وغازات سامة ويورانيوم مستنفد وغيرها من أسلحة هلاك ودمار وإبادة الجنس البشري,وجعل كوكبنا الأرضي بكامله خالياً منها خلواً تاماً..أما أن ترفض أمريكا التوقيع على معاهدة الحد وإزالة أسلحة الدمار الشامل,وتواصل تعزيز وتضخيم ترسانتها الرهيبة منها,بل وتقرر الانطلاق إلى تطويرها وارتياد آفاق أوسع في مجال التسلح على الأرض والفضاء,بالإضافة إلى وجود مجموعة من دول العالم تملك تلك الأسلحة وتطويرها وتحتكرها ومنها«إسرائيل»فإن هدف منع انتشار أسلحة الدمار الشامل المعلن اليوم,على سموه وأخلاقيته ومشروعيته,يفقد تماما مصداقيته ويتحول إلى شعار مريب وخطير ويشكل غطاء وسبيلاً للهيمنة والسيطرة على دول العالم بعد تجريدها من أسلحة المقاومة والدفاع عن مصالحها وسيادتها وكرامتها,ويصبح الأمر,والحال هذه مثيراً للسخرية والعبث واللامعقول على نحو أكبر,حينما تستهدف دولاً يقال أنها ربما تملك بعض تلك الأسلحة على النحو غير مؤكد أو أنها لا تزال تسعى إلى امتلاكها في المستقبل,وتترك مجموعة محدودة من الدول تتمتع بحرية امتلاكها وتطويرها وتخزينها في ترسانات مرعبة هائلة تحت اليد بالفعل,وجزء منها يكفي تماماً لإبادة الحياة البشرية على الكوكب!! الملاحظة الرابعة:وتتمثل في أن الأكثرية الساحقة من الرأي العام العربي والإسلامي والشرق أوسطي المحيط,أذهلتها بل وصدمتها صدمة عميقة قائمة تصنيف السياسة الأمريكية الجديدة وتحديدها الغريب والمقلوب للإرهاب والإرهابيين دولاً وأحزابا ومنظمات وإفرادا,وهو تصنيف يقوم على قلب كل معايير المنطق وقيم ومضامين الشرائع والمعاهدات والأعراف وقواعد القانون الدولي,ومبادئ الإنسانية المتحضرة رأساً على عقب..فكل حركة أو منظمة تقاوم القوى الاستعمارية المسلحة المحتلة لأراضيها وتضحي من أجل تحرير وطنها بمختلف السبل والوسائل باتت في العُرف والقاموس والقرار الأمريكي قوى إرهابية شريرة مارقة,والمستعمر المحتل لأرض الغير بالقوة الباطشة شرعي ومشروع ومن حقه بكل حرية أن يقتل ويسفك دماء ويشرد ويغتال ويعتقل الشعب الخاضع لاحتلاله وقهره ويدمر مساكنه ومزارعه ويصادر أرضه ويجوعه ويطرده من وطنه دون حرج,وضمير أمريكا مطمئن وأعصابها باردة,فالفلسطينيون بجميع منظماتهم وحركات مقاومتهم للاحتلال مخطئون دمويون أشرار,لا تتورع الإدارة الأمريكية عن دعم «إسرائيل»ودفعها وتشجيعها وتحريضها على ضربهم وإبادتهم! ومثل الحال الفلسطيني يسري على الحال اللبناني بالنسبة لحزب الله والمقاومة الوطنية اللبنانية,وامتد التصنيف الأمريكي ليشمل دولاً أدرجها داعمة ومحرضة على مثل ذلك الإرهاب كإيران وسوريا والسعودية ولبنان ومصر والسودان واليمن والصومال واندونيسيا وباكستان,بالإضافة إلى سلسلة طويلة من المنظمات والجمعيات الخيرية والإنسانية والمؤسسات المالية والاستثمارية وحتى العلمية أو الدينية العبادية والتعليمية التربوية,وكأن السياسة الأمريكية من أجل أن تتمكن من منح الفلسطينيين صفة(إنسانية)أو حتى (شبه إنسانية) تريد منهم أن يتركوا الحرية كاملة لقوات إسرائيل تقتلهم وتدمرهم كيف تشاء دون أن يبدوا أية مقاومة ولو برمي حجر,وأن لا يقبلوا فقط بدويلة تتصدق بها إسرائيل وأمريكا عليهم تقوم على مساحة تقل عن20% من مجموع مساحة الوطن الفلسطيني المسلوب,بل ويقبلوا بها مقطعة الأوصال منقوصة السيادة ضعيفة الوجود!! الملاحظة الخامسة:لقد وجد الرأي العام العربي نفسه,تحت نتائج وأثار وتداعيات السياسة الأمريكية الجديدة وسط دوامة من المعاناة والعذابات والمآسي المروعة التي تعصف بأمنه واستقراره واطمئنانه,وأصبح تحت أجواء الرعب والخوف والفزع والقلق المستبد,فملاحقة أبنائه وقتلهم,ومطاردة شبابه والزج بهم في المعتقلات والسجون بدون توفر أدنى وابسط الضمانات والحقوق القانونية والإنسانية أو تحقيقات ومحاكمات قضائية أو زيارات لأقاربهم أو حتى معرفة مصيرهم,حيث بات الجميع وكأنهم متهمون إلى أن تثبت تهمتهم وليس براءتهم,والمثير للسخرية أن الأعداد المتزايدة والكبيرة من الذين القي عليهم القبض وزُج بهم في أقبية المعتقلات دون أن يعرف أهاليهم مصيرهم تحت حجة ومبرر الإرهاب ينتمون إلى شرائح واتجاهات متناقضة منهم المتدين والملحد والإسلامي والاشتراكي والحزبي والمستقل والمؤمن والكافر والسلبي والايجابي والعاقل والمختل عقلياً والمحزن أن كثيرين منهم دخلوا المعتقلات لوشايات شخصية ولغرض سلب حقوقهم وممتلكاتهم بغير حق أو قانون,حيث يكفي أن تتهم غريمك بالانتماء لِوَهم (تنظيم القاعدة)حتى يتم تغييبه في غياهب السجون المعتمة,إن هذا الكلام الذي نقوله هنا ليس جزافاً ولادعائياً ولكنه حق نحن مستعدون لإثباته,فهل هناك قهر وظلم إنساني يمكن أن يتعرض له بشر أكثر مأساوية وفداحة من هذا ؟ وإلى ذلك أصبح طلاب العرب والمسلمين الراغبين في مواصلة دراساتهم العلمية في الغرب لا يجدون سبيلاً لذلك إلا في النادر القليل وليس في التخصصات التي يريدونها .. كل هذه المآسي والمعاناة سببتها السياسة الأمريكية الجديدة لشعوب المنطقة؟ فهل حقاً تريد هذه السياسة إحداث تغيير حقيقي في العالم العربي نحو الأفضل..أم أن في الأمر نوايا وأهدافا أخرى؟ ذلك ما نود استكماله في حلقة أخرى قادمة بإذن الله.   

By Editor