فضاعة الهجمات على الدفاع .. ناقوس خطر داهم صحيفة الوسط

إن ما تعرضت له، اليوم ، وزارة الدفاع ومشفاها ، في قلب العاصمة صنعاء، من هجمات ارهابية دموية مريعة راح ضحيتها عشرات الشهداء والجرحى من رجال الجيش والأمن والمرضى والاطباء والممرضين والطواقم الطبية والزوار ، يُعد ابشع وأحط اعمال الإجرام والارهاب الهمجي ويجب شجبه وادانته بكل عبارات الشجب والادانة والتنديد باعتباره عملا مرفوضا بكل المعايير والقيم الانسانية والدينية والاخلاقية والقانونية والعُرفية، وقد هزت الضمير الوطني والعربي والعالمي من اعماقه.. ونحن هنا لسنا بصدد تحديد الجهة او الجهات التي تقف وراء تلك الهجمات تخطيطا واعدادا وتمويلا وتنفيذا، حيث لا يزال الوقت مبكرا جدا للقيام بمهمة كتلك والدماء لاتزال تنزف واجساد الضحايا ما فتئت دافئة، والخيوط والدلائل لا تزال مبعثرة ومفككة.. ولكننا اردنا فقط ان نواكب الحدث ونحوم حوله وفوقه وعلى جنباته لتكوين رؤية عامة حول البيئة والمناخ والظروف والملابسات التي دارت تلك الاحداث الارهابية البشعة تحت ظلالها ووسط اجوائها وتأثيراتها المختلفة.. وبادئ ذي بدء نقول بأن الهجوم الدموي الذي استهدف صباح اليوم وزارة الدفاع ومشفاها الطبي، من حيث حجم المشاركين في تنفيذه وعددهم الكبير، الى حد ما ،ونوع المعدات والاسلحة التي استخدمت فيه، وطبيعة التخطيط والإعداد والتنظيم العسكري ،عالي الاحتراف وكذا الاسلوب المعتمد في تنفيذه ، اضافة الى الانتشار والتمركز في رقعة جغرافية واسعة نسبيا شملت الوزارة ومجمعها والنطاق السكني المحيط بها، والإسناد والإمداد البشري المُسلح واللاحق الذي تم ترتيبه وتأمين وصوله الى منطقة العمليات بعد وقت قصير من المواجهة او الموجة الاولى لها، ثم تواصل الاشتباكات والمواجهات ، بحسب المعلومات والمتابعات المتوافرة حتى الان، الى ساعات المساء وفي مناطق متعددة ومختارة من امانة العاصمة ،وغير ذلك من المؤشرات والملامح، لا تتيح لنا الجزم او التأكيد بأن ذلك الهجوم المنظم والدقيق والواسع يندرج ضمن الأعمال والعمليات او الاساليب التي تقوم بها وتنفذها جماعات او عصابات اجرامية وارهابية خاصة في ظل ما يُعرف عن ضعف عديدها وتدني تدريباتها وإعدادها القتالي وتسليحها وامكانياتها في التعبئة والحشد والتخطيط والتنظيم والأداء في اليمن، بل يمكننا، على ضؤ ما ذكرناه آنفا من حقائق ومؤشرات وطبيعة هجوم الدفاع، ان نعتبره شكلا مُبتكرا ومُطورا من أشكال الانقلابات العسكرية المنظمة والدقيقة ، وأي محاولة لإلقاء مسئولية ذلك الهجوم على ما يسمى(( القاعدة)) او غيرها من المسميات الارهابية المماثلة تجافي الحقيقة ويجانبها الصواب تماما،بل قد تكون بمثابة ذر للرماد على العيون والتمويه والتعمية عن الحقيقة لصرف الانظار عن اكتشاف الجهة او الجهات الحقيقية التي تقف وراءه وتنفذه.. ومما يعزز وجهة النظر هذه ويجعلها وجيهة ومعقولة، انه وعلى مدى العامين الماضيين، إلا قليلا ، جرت سلسلة من عمليات التصفيات الدموية والاغتيالات ،بلغت المائتي عملية او كادت ، لقيادات وكوادر امنية وعسكرية في المحافظات الجنوبية – على وجه الخصوص – وفي العاصمة صنعاء وبعض محافظات البلاد، وعدد من الهجمات المسلحة الأوسع والأكبر التي استهدفت بعض معسكرات ومقرات وحدات الجيش والأمن في محافظات ابين وعدن وحضرموت والبيضاء ومأرب، ولا تزال تلك الاغتيالات متواصلة بشكل يومي، تقريبا،الى اليوم ، مع توسيع نطاقها مؤخرا لتشمل قيادات صحفية ونشطاء وسياسيين ومراسلين اعلاميين ومعظمها تتم في وضح النهار، وفي مناطق مزدحمة وبذات الاسلوب والوسيلة، ومع ذلك لم يحدث ولم نسمع او نعلم بواقعة واحدة تمكنت فيها اجهزة الأمن اوغيرها من القاء القبض او محاكمة ولو مجرم واحد من منفذي تلك الاغتيالات او الهجمات الارهابية المريبة حقا! واذا اضفنا الى كل ما سبق إشعال نيران الفتن والحروب الاهلية ذات الطابع المذهبي الطائفي العنصري المناطقي ، يصبح من الواضح والجلي امام اعيننا وعقولنا ان كل تلك الجرائم والاعمال الارهابية المشار اليها آنفا والتي توجت اليوم بهجوم نوعي وبالغ الخطورة على وزارة الدفاع في وضح النهار وفي وسط وقلب العاصمة، إنما هي، في حقيقة الامر، خطوات وعمليات تُمهد وتُعد وتهيئ الاوضاع السياسية في البلاد ، على نحو مدروس ومخطط ومنظم للقيام بانقلاب عسكري كهدف نهائي لها، وهو ما يدركه ويُسلم به كل من له إلمام بسيط في المسائل السياسية والعسكرية والامنية وخاصة اساليب واشكال واليات الانقلابات العسكرية على المستوى العالمي وسجلات تجاربها التاريخية قديما وحديثا ، ومعلوم، بديهيا، ان هذا الامر، اي التخطيط والإعداد للقيام بانقلاب عسكري فيه ولا تعمل على تنفيذه سوى جهة او جهات متحالفة تملك مجموعة من وسائل وادوات القوة والتأثير والحسم العملي مثل وحدات من الجيش وقوى الأمن ومصادر القوة والتأثير المالي الكافي ، وقوى ووسائل التغطية السياسية والشعبية كالاحزاب والقوى السياسية والاجتماعية والمنظمات وغيرها، اضافة الى توفر الاداة المُفكرة والمُخططة والمُنظمة من القيادات والكوادر المؤهلة وذات الخبرات والتجارب الكافية والمتصفة بالشجاعة والإقدام وخصوبة الخيال والطموح المتأجج، المتمتعة بقدر كبير من التكتم والسرية اللازمتين لضمان وتأمين بلوغ هدف الانقلاب العسكري في المحصلة الاخيرة، وجميعنا يعلم ويدرك حقيقة ان الجماعات والعصابات الارهابية المسلحة لا تتوفر لها كل، او بعض، تلك القدرات والخصائص والسمات، لانها لا تجيد سوى القتل والتدمير وسفك الدماء وغالبا ما تكون ادوات تستخدمها وتوظفها مراكز قوى ونفوذ ذات سطوة لتحقيق اهدافها وحساباتها ومصالحها السياسية والنفعية الأشمل.. وحتى لو افترضنا- جدلا – ان جماعات وعصابات مسلحة ارهابية محترفة قد شاركت في الهجوم الاخير على وزارة الدفاع وبعض المناطق في العاصمة، وفي غيره من عمليات اغتيالات ومواجهات مسلحة سابقة، فان مشاركتها لا تكون عادة إلا في اطار تقديم او بيع خدماتها لمن ترتيط بهم من مراكز القوة والنفوذ ذات السطوة والهيمنة والقوة الأكبر والرؤية الاشمل التي تستخدمها كادوات تنفيذية على طريق تحقيق اهدافها وحساباتها السياسية لقاء بعض المصالح والمنافع المادية والحصول على مظلة تغطيها وتبسط عليها الحماية والتأمين وتسهيل تحركاتها وعملياتها ! ولهدا نجد بان كل الجماعات او العصابات الارهابية المسلحة والاجرامية عادة بل دائما ما تكون متكئة او مستندة او مرتبطة إما بسلطة حاكمة او بمركز قوة نافذ من مراكزها او بقوة كبرى ذات قدرة وسطوة ونفوذ واضح، وبمعنى آخر فان تلك الجماعات والعصابات المسلحة الارهابية الاجرامية لا تملك أي مشروع سياسي متكامل خاص بها وتسعى الى تحقيقه والانتصار له، وهوما يجعلها دائما مجرد مُلحق او ذيل تابع لهذه القوة او تلك ، وفي حالة فقدانها لمثل هذا الغطاء والسند السياسي النافذ سرعان ما تتفكك وتتوارى وتتلاشي وكأنها لم تكن، هذا ما تؤكده تجارب التاريخ الانساني كله بدون استثناء ، فاننا لا نعثر على اي جماعة مسلحة ارهابية احترفت العنف والقتل والاجرام في العالم، قد وصلت يوما الى سدة الحُكم او ادارة شئون دولة ومجتمع في اي بلد من بلدان العالم كله! بهذه الرؤية التحليلية الموضوعية وعلى ضوئها، التي اسهبنا بالحديث عنها وقد كان ذلك ضروريا، يجب علينا جميعا، احزابا وقوى سياسية ومنظمات مدنية وفعاليات اجتماعية وشخصيات عامة ، وفي المقدمة منهم، القائمين على السلطة والحُكم في بلادنا اليوم، ان ننظر ونقيم ونشخص الهجوم الاجرامي الخطير على وزارة الدفاع ومشفاها وغيرها من المناطق في امانة العاصمة وكذا ما سبقه من مسلسل الاغتيالات والمواجهات المسلحة المتواصلة والتي اشرنا اليها في سياق حديثنا هذا، واي نظرة او تشخيص لها بغير تلك الرؤية الموضوعية من شأنه ان يجعلنا نمضي في التيه ونستمر في الظلام والضياع ، ونتخبط في دهاليز وسراديب الظلال والاظلال، إظلال في احكامنا وسياستنا وإظلال لشعبنا والعالم المحيط بنا.. إن الهجوم الارهابي على وزارة الدفاع اليوم وتداعياته مثله مثل سائر عمليات الاغتيالات المتواصلة والمتصاعدة والهجمات على معسكرات الجيش ومقرات الامن، ما كان لها ان تتم ، بأي حال من الاحوال، وعلى ذلك المنحى الخطير والمتصاعد ، لولا تمتعها وحصولها على دعم ومساعدة وتمويل وتغطية حماية وتأمين امني كامل من قبل اطراف ومراكز قوى نافذة ومهيمنة داخل الدولة بمختلف مستوياتها، ومن قيادات مسيطرة على اجهزة الامن ووحدات عسكرية ومؤسسات مدنية، في غلبة وسيطرة منطق وواقع الصراع التنافسي المرير بينها للاستراد والاستحواذ على السلطة لنفسها واقصاء وازاحة غيرها، وبالتالي فإن ما تعانيه البلاد من تدهور مريع لاوضاعها العامة كلها وانفلات امني شامل واضطرابات وقلاقل وحروب وعدم استقرار وفساد مستشر في كل نواحي ومجالات الحياة في بلادنا من فعل وصنع مراكزالقوى والنفوذ المهيمنة والمكونة للسلطة الحاكمة والدولة، وعلى مراكز القوى والنفوذ المهيمنة تلك ان تتيقظ ، ولو للحظة واحدة، لتدرك حقيقة ساطعة بأن استمرار حالة التردي والانفلات والتدهور بالغ الخطورة لاوضاع البلاد العامة، من شأنه ان يدفع البلاد والشعب والكيان الوطني سريعا نحو هاوية الانهيار والضياع الشامل ، وان انفجار بركان الفوضى والانهيار ستحرق حممه الملتهبة كامل الوطن والشعب، وستحرقهم وكل مصالحهم ومراكزهم وامتيازاتهم ووجودهم هم انفسهم قبل غيرهم حين لن يبقى هناك وطن ولا يمن ولاكيان ولا شعب على خارطة الجغرافيا السياسية.. لقد آن الاوان الآن وفورا وبدون إبطاء ان تبادر مراكز القوى واطراف السلطة الحاكمة  المنتخبة- ومعها كل الاحزاب القوى السياسية والاجتماعية والمدنية والخيرين الشرفاء من ابناء اليمن ورجالاته- الى الوقف الفوري والنهائي لفصول المسرحية التراجيدية العبثية للمأساة الرهيبة التي يعانيها شعبنا ووطننا والتي صنعناها ونصنعها بأيدينا وبعقلياتنا الغبية اللامسئولة ، وان يعود الجميع الى ضمائرهم ويغلبوا الشعور بالمسئوولية العامة والقيم الوطنية والاخلاقية السامية في انفسهم، ويقرروا جميعا، وبدون استثناء، التخلص النهائي من الماضي البغيض الذي اعماهم وافسد فطرتهم الصافية بكل رواسبه وتجاربه المريرة والآمه القاسية وحساسياته ومشاحناته المتراكمة وأحقاده وبغضائه وعداواته السخيفة ، ويجلسوا جميعا الى بعضهم البعض تحت فضاء مفتوح ومشرق بانواره واجوائه الصحية النقية المفعمة بالرجاء والأمل والخير، ليتحدثوا حديث مصارحة ومكاشفة شاملة ليستخلصوا منه، في بداياته عِبَرودروس وتجارب الماضي وكيف قادت اهواؤنا ومطامحنا ومصالحنا الضيقة الزائلة البلاد والعباد الى ما وصلت اليه احوالهم واوضاعهم المريرة المنهارة ،وننطلق بعد ذلك لرؤية المستقبل الجديد المنشود ورسم معالمه وصورته الايجابية الافضل للحاضر والاف من الاجيال، وحينها ، واذا خلصت النوايا وصدقت، فإن حديث المصارحة والمكاشفة الشاملة ذاك سيوصلهم،حتما، الى الاقرار والتوافق على الحقائق الاساسية التالية: 1)  ان الوطن يتسع لكل ابنائه ،بمختلف قواهم وفئاتهم ومكوناتهم ومشاريعهم وتوجهاتهم دون استثناء، وانه بأمس الحاجة لجهود وطاقات واسهامات وابداعات كل ابنائه لبناء حاضر حياتهم الكريمة، ومستقبل اجيالهم القادمة مشرقا حرا سعيدا عزيزا قويا منتجا للخير والرفاهية.. 2)  ان نزوع ورغبة قوة او فئة او مكون بعينه ، بالتفرد والاستحواذ لوحده على مقاليد ومقدرات البلد والشعب، وإقصاء او تهميش او إبعاد الاخرين لم ينتج عنه ولن يقود إلا الى الازمات والكوارث المدمرة للجميع، وان احتكار قوة السلطة والدولة والثروة لمفردها منهج عقيم وهدام بشكل مطلق ، وان بناء حاضر ومستقبل الاوطان لا يتحقق الا عبر اسلوب المشاركة والتوافق الحقيقي بين جميع القوى والفئات والمكونات الوطنية دون اقصاء او تهميش او ظلم او قهرلأي منها..   3)  ان الحصول على مكاسب ومصالح وامتيازات فردية او حزبية اوفئوية بطرق غير مشروعة وبدون وجه حق، سبب في انتشار واستفحال اساليب الفساد والافساد وخلق الفوضى والازمات وتدمير اسس ومقومات الدولة الوطنية ، التي تحفظ للجميع مصالحهم وحقوقهم المشروعة والعادلة. 4)  ان الدولة الوطنية الحديثة الراشدة والنزيهة والنظيفة والقوية هي المُحقق والضامن لعزة وكرامة وتقدم وشرف الشعب والوطن وهيبته وحريته ورفاهيته، ويجب على الجميع المساعدة والمشاركة على اقامتها وبنائها وتطورها على قواعد الدستور والقانون والحق والعدل والمساواة وعبر مؤسسات دستورية سليمة تضمن اوسع مشاركة شعبيه ممكنة في اتخاذ القرار وادارة شئون الحُكم، وهي المحققة والضامنة والكافلة لكرامة وعزة وحقوق ومصالح الافراد والجماعات بالقانون والحق والعدل والمساواة، وعلى الجميع ان يحرصوا ، دائما، على عدم التدخل او التأثير على شئون ادارة الحُكم والدولة للانحراف بمسارها وخلق الفساد والافساد المتعدد الاشكال في مؤسساتها ومرافقها واجهزتها التنفيذية او الرقابية او القضائية، لأن ذلك نذير شئوم بانحلالها وسقوطها في الاخير، مما يهدد مصالح وحقوق وتطلعات الجميع سواء منهم الجيل الحالي او الاجيال القادمة من بعده وهدم للوطن والشعب من خلال انتشار الفقر والتخلف وفقدان الأمل ومن ثم فتح الابواب امام التدخلات الخارجية وسيطرتها على مقدراتنا الوطنية وحريتنا واستقلالنا الوطني برمته..وعلى الجميع ان يدركوا ويقتنعوا بأن بناء الدول وادارة شئون الحُكم والمجتمع، لا يحققه وينهض بأعبائه ومسئولياته الجسيمة، سوى الكفاءات والخبرات والقدرات العلمية المتخصصة والنزيهة والمخلصة من ابنائها المبدعين، وليس اصحاب القوة والنفوذ السياسي او العسكري او الاجتماعي القائمين على قانون الغلبة والفرض والقهر.. كان هذا احد الجوانب الخطيرة للغاية التي كشفت عنها عمليات الاغتيالات والمواجهات الارهابية المسلحة التي جاء الهجوم على وزارة الدفاع وغيرها يومنا الأسود هذا في صنعاء أخر مسلسلها الطويل ولن يكون الأخير ، وهناك الى جانبه وبالتوازي معه، جانب أخر لا يقل خطورة واثرا، وهو امتداد وتوسع وانتشار (( ثقافة العنف والقتل)) المؤسسة والمبنية على الفكر التكفيري الشامل المُستغل والمُحرف لقيم وتعاليم الدين الاسلامي الحنيف، وهي ثقافة وفكر دخيل ومحدث على مجتمعاتنا الاسلامية عبر تاريخها الطويل، ويسعى ويعمل بدأب ونشاط مكثف ومدعوم ماديا بشكل هائل ومن مصادر غير معلومة ، على ترسيخ القيم والسلوكيات الرئيسية التالية: 1) غسل الأدمغة واعادة تشكيلها على نحو يُحقر النفس الآدمية وينسف عظمتها وقدسيتها باعتبارها نفحة من روح الله الخالق جل جلاله، ويكره ويؤثم كل مظهر من مظاهر الحرص عليها والتعلق بها والمحافظة عليها، ويعلي ويرفع مقام ومكانة وصدق ايمان كل من يستهين بها ويكرهها ويمتهنها ويستخف بها، ونشر ثقافة حب الموت واستعذابه والتسابق اليه تخلصا من الحياة وكراهتها! على نحوما نشاهده من عمليات انتحارية مجنونة اجرامية عبثية لا هدف من ورائها سوى القتل والمزيد من القتل وسفك الدماء البريئة.. 2) تعميم وتوسيع نطاق التكفير الى اقصى الحدود، حيث تعتبر كل جماعة على حدة من الجماعات التكفيرية، كل من ليس في اطارها وخاضع لارادتها كافراً حتى ولو كان منضويا في اطار جماعات تكفيرية اخرى مماثلة لها او مُسلما متدينا ومؤمنا من عموم المسلمين بالاضافة الى كافة أتباع ومعتنقي الديانات السماوية والمعتقدات الاخرى، وكذا كافة الاحزاب السياسية بمختلف توجهاتها بما فيها ذات توجهات اسلامية ومنظمات مدنية وحقوقية …الخ، وكل هؤلاء جميعا وقد صُنفوا كفارا يجب قتلهم، ومن يقوم بقتلهم يُجازى بالجنة والنعيم الابدي وينال رضى الله تعالى والقرب منه وابتغاء مرضاته! وهذه الثقافة والفكر التكفيري المنحرف والضال المتعارض مع كل تعاليم وقيم ومبادئ الدين الحنيف، جعلت اعدادا من الشباب المتأثرين به يبحثون عن كل فرصة متاحة ويجهدون في البحث والتنقيب عنها للقيام بقتل النفس الانسانية وسفك الدماء بقناعة وبرودة اعصاب باعتبارها فريضة دينية مقدسة وواجبة رغم ان(( القرآن الكريم)) يحث على احترام حرمة النفس الانسانية عامة ويُحرم قتلها إلا كحق في القصاص العادل في حالة عدم قبول اولياء دم القتيل ببديل الدية النقدية.. 3)  خلق اجيال ، تتزايد اعدادها يوما بعد يوم، داخل المجتمعات التي تعيش وسطها وتنتمي اليها، اسريا وقرابة ، مشبعة بمشاعر الكراهية والبغض لمجتمعاتها والمجتمعات الاخرى، وتستخف وتحتقر وتتبرم بالحياة والنفس الانسانية ،وتتشوق متعطشة للقتل الجماعي العشوائي وسفك الدماء بما في ذلك نحر وقتل انفسها وحياتها هي بالدرجة الاولى، حيث افتقدت تماما اي شعور بقيمة ومعنى وقدسية الحياة، وحلت محلها قيم الموت وعشقه وإعلاء مكانته، واصبحوا يشكلون خطرا داهما على الحياة الانسانية عامة، وفي مقدمتها حياتهم انفسهم! وباتوا كالحيوانات الضارية المفترسة بل اشد خطرا وفتكا منها، ذلك ان تلك الحيوانات لا تقتل فرائسها إلا لضرورة حياتها وإشباع جوعها فقط لا غير، أما هذا الجيل الشاذ فإنه يحترف القتل الجماعي والشامل لمجرد القتل وسفك الدماء على نحو عبثي، وتحولوا الى قطعان مترحلة عابرة للحدود والقارات والدول من القتلة والمجرمين بحثا عن اماكن توفر لهم فرص اشباع نزعاتهم الشريرة للقتل وسفك الدماء والدمار العبثي المجنون. ان هذا الجيل المنحرف الذي انتجته ثقافة ومناهج العنف والتكفير العدمي وتلقفته الحركات والعصابات الارهابية المنظمة في بلادنا، هو الذي تستخدمه وتوظفه مراكز القوى والنفوذ المتصارعة على السلطة لخدمة مصالحها وحساباتها السياسية عبر سلسلة من العمليات الارهابية الدموية البشعة والخطيرة، مقابل ما تمنحه لهم من مصالح ومكاسب مادية وحمائية معينة.. والواقع ان نموهم يتزايد وخطرهم يتفاقم مع استمرار حالة الصراعات المريرة على السلطة والحُكم بين مراكز القوى والنفوذ المهيمنة، ولا شك انه، وعلى المدى المنظور ، سيهددون أمن واستقرار وتماسك المجتمع والدولة معا بما في ذلك مراكز القوى والنفوذ التي تستخدمهم وتوظفهم ، ربما تكتيكيا ومؤقتا، لمصالحها واهدافها السياسية لكنهم في لحظة ما سوف يلتهمون مستخدميهم حين لم يعد هناك ما يلتهمونه! ان هناك حاجة وضرورة ملحتين لتنظيم مواجهة وطنية شاملة ومتعددة الأوجه والمجالات للتصدي لثقافة ومناهج العنف والتكفير وما نتج عنها من جماعات وعصابات مسلحة ارهابية متطرفة، مواجهة تشترك في فعالياتها كل الاحزاب والمنظمات والجامعات ومراكز البحوث والدراسات والجمعيات العلمية والمفكرين والمثقفين وعلماء الدين الملتزمين بجوهر الاسلام وتعاليمه وقيمه السامية العظيمة التي تحظ على حفظ الحياة والتعاون والسلام والحق والعدل والحرية بين خلق الله تعالى جميعا، مواجهة فكرية اقناعية حوارية تبث القيم البديلة الايجابية الافضل وكما قلنا، في سياق حديثنا هذا، فان المواجهة تبدأ وتنطلق اولا وقبل كل شي من اقامة الدولة الوطنية الحديثة دولة القانون والحق والعدل والمساواة دولة النزاهة والاستقامه والشفافية دولة لا فساد فيها ولا محسوبية ولا فئوية ولا فوضى وعبث ، دولة تقضي على البطالة والفقر وتفتح الآفاق والآمال امام كل ابنائها وتفجر طاقاتهم الكامنة لتحقيق تطلعاتهم وتوقهم لحياة افضل واكرم وارغد.. فهل نحن فاعلون؟ وهل تصحى ضمائرنا واخلاقنا؟ وهل نلتقي جميعا لانقاذ وطني شامل مُلح وعاجل ؟ دعونا نأمل ذلك والله الموفق.      عبدالله سلام الحكيمي           بريطانيا ـ شيفلد-  5ديسمبر2013م                           

By Editor