عولمة متوحشة مدمرة أم إنسانية أخلاقيـــة

بمبادرة متعددة الأطراف شملت، بحسب وسائل الإعلام المحلية دول الاتحاد الأوروبي كندا سويسرا، الصندوق الإنمائي للأمم المتحدة ، الحكومة اليمنية، ومنظمة لا سلام بدون عدالة ، انعقد في صنعاء المؤتمر الإقليمي (الديمقراطي وحقوق الإنسان والوضع القانوني لمحكمة الجنايات الدولية)، بمشاركة عالمية واسعة ورفيعة المستوى من كبار القادة الرسميين والمفكرين والمثقفين ومنظمات من مجتمعات الغرب والعالم الإسلامي والعربي. وهو بهذا الحجم والمستوى يعد حدثاً مهماً، بل بالغ الأهمية لا يقلل من أهميته في ما نعتقد سوى غياب أو شبه غياب المشاركة الفاعلة في فكرته وتحضيراته وفعالياته للولايات المتحدة الأمريكية. أن أبرز ما يضفي أهمية خاصة لمثل هذا المؤتمر، انعقاده بعد فترة عقد ونيف من وبسقوط قاعدة القطبية الثنائية التي قام عليها النظام العالمي لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية ، وانتهاء واقع الحرب الباردة التي حكمت علاقاته وصراعاته وتوازناته بين المعسكرين الغربي ـ الرأسمالي، والشرقي ـ الاشتراكي. وسقوط وانتهاء المعسكر الشرقي الاشتراكي بقيادة “الاتحاد السوفيتي” سابقاً، انتصبت “الولايات المتحدة” وسط الميدان العالمي، موظفة كل قواها وإمكانياتها وقدراتها الهائلة، لتؤكد وتفرض ما رأته حقيقة ثابتة بأنها هي وحدها القوة الأعظم بدون منازع والقطب الأوحد الذي يجب أن تتمحور حوله وتصاغ على أساسه عملية إعادة بناء وتشكيل وإدارة نظام عالمي جديد، وعلى الجميع القبول بهذه الحقيقة، والتعايش معها، والتكيف وفق مقتضياتها، باعتبارها صانعة الانتصار الحاسم، وبالتالي صاحبة الحق في صياغة وتشكيل العالم كله وفق رؤيتها وظهرت دراسات وتنظيرات هنا وهناك، تدور في مجملها حول نقطة رئيسية مؤداها أن الرأسمالية الليبرالية بإسقاطها نهائياً الاشتراكية قد حققت انتصاراً تاريخياً  حاسماً ونهائياً  وأن تاريخ البشرية  في مسيرة  تطوره قد بلغ نهايته تماماً بالتأكيد القطعي  على أن الليبرالية الرأسمالية هي وحدها النظرية المثلى التي يجب على العالم بأسره العمل بها دليلاً ومنهاجاً نظرياً لمسيرة حياته المستقبلية وإلى الأبد . ورغم ما في هذا الحكم من مجازفات وزلات وشطحات لا يُقر بها المنطق والعلم وفلسفة  التاريخ التي أكدت  ولا تزال تؤكد على حقيقة عدم صواب ودقة أي تفسير أحادي  للتاريخ الإنساني الذي لا يمكن فهمه أو تفسيره إلا وفق منهجية تقوم على تداخل وتضافر جملة من العوامل والمؤثرات، كما أن قطعية القول أن الحكم بسقوط الاشتراكية كمنهج اقتصادي اجتماعي يسعي  إلى تحقيق العدالة والمساواة بين البشر، لا تستند إلى أية حقيقة علمية وموضوعية، ذلك أنه لم يحدث طوال التاريخ الإنساني وحتى اليوم أن قامت أية تجربة اشتراكية حقيقة من حيث أن هدفها الرئيسي يتمثل في تحقيق “ملكية الشعب لوسائل الإنتاج” وكل التجارب التي قامت في بعض المجتمعات والتي يطلق عليها وصف “اشتراكية” لم تكن اشتراكية في حقيقة الأمر، بل كانت تجارب يصدق عليها تماماً مفهوم ووصف” رأسمالية الدولة” وهي تجربة اقترنت بنظام بوليسي قهري وقمعي وديكتاتوري أفضى في الخير إلى سقوطها . أما الاشتراكية فهي لم تقم أصلاً حتى يمكن القول بسقوطها . وفي اعتقادي، إن الاشتراكية كنظرية ومنهج ، ستظل قائمة وحية ومتجددة ما دام وجد فقر وظلم اجتماعي بين بني البشر؛ قلة قليلة منهم يملكون كل شيء، وأغلبية ساحقة لا تملك شيئاً .   غير أن هذا موضوع لسنا بصدد مناقشته هنا، وربما نعود إليه قريباً في معالجة أخرى . وبالعودة إلى موضوعنا الرئيسي الذي بدأناه أنفاً، وبينا فيه أن الإدارة الأمريكية، وخاصة بعد صعود اليمين المتطرف من المحافظين الجدد إلى سدة الحكم، انطلقت بكل قواها وثقلها وإمكانياتها، لتجسد وتؤكد عملياً، وعلى الأرض، قناعتها الثابتة بأنه وحدها القطب الأوحد والقوة الأعظم صانعة النصر التاريخي النهائي والحاسم على المعسكر الشرقي الاشتراكي المضاد، ولها الحق وحدها في صياغة وتشكيل النظام العالمي الجديد بطبيعته وعلاقاته وأسسه ومضامينه المسيرة.. رغم جهود ومبادرات نظرية وإستراتيجية جادة صاغتها وبلورتها منظمات وشخصيات فكرية وثقافية أوروبية مرموقة، تحمل تصورات تستحق الوقوف إزاءها احتراماً وتقديراً ودراسة حول طبيعة النظام العالمي المنشود وبنائه وغاياته وعلاقاته وأسسه، على قاعدة التفاهم والشراكة بين دول وأمم وشعوب الأرض، وبما يحقق الأمن والسلام والعدالة والتعاون والعالمي، اهتداء بقيم ومثل ومبادئ إنسانية أخلاقية سامية . وجاءت أحداث 11 سبتمبر 2001م الإرهابية المأساوية في مدينتي نيويورك وواشنطن  لتوفر للإدارة الأمريكية مسوغاً ومبرراً  مثالياً لا نظير له كي تشرع في وضع مشروعها الاستراتيجي بغرض سيطرتها وهيمنتها المطلقة على العالم تحت غطاء “الحرب ضد ألإرهاب” ثم بحجة نشر وفرض “الديمقراطية وحقوق الإنسان” وإسقاط أنظمة الحكم الشريرة والديكتاتورية” وكذا ضرب ومنع سعي دول بعينها لـ”امتلاك أسلحة الدمار الشامل ” متخذة جبروت القوة العسكرية استخداماً أو تلويحاً بها، والضغوط والتهديدات أسلوباً ومنهجاً وحيداً لتحقيق تلك المطالب والأهداف دون وضع أية اعتبارات أو مراعاة للمواثيق والمعاهدات والقوانين والدولية ، وبالتجاوز لنظام المشروعية الدولية التي لا تزال تمثل مرجعية وناظماً لعلاقات دول العالم وشعوبه . وهكذا راحت الإدارة الأمريكية في اندفاعات محمومة وجموح مجنون ومفلوت تشن حرباً مدمرة ضد بلد شديد التخلف مثل “افغانستان” وتحتل أرضه عسكرياً، ثم تنتقل إلى شن حرب عاصفة ضد دولة “العراق” وتحتل أرضه بالقوة الرهيبة وخلال وبعد الحربين ترتكب فظائع إنسانية مرعبة وتنتهك الحرمات وحقوق الإنسان وكرامته على نحو بالغ الفظاظة والسحق لآدمية الإنسان، ويقتل العشرات والمئات، بل والآلاف من المدنيين الأبرياء من خلال الغارات العشوائية بأكثر الطائرات فتكاً وتدميراً، وبالصواريخ والقذائف المبتكرة حديثاً والأشد تدميراً وأثراً، وبأسلحة القتل الشامل المحرمة دولياً، كالنابلم والقنابل العنقودية والقذائف المصنوعة من البورانيوم المستنفد والمشع وعلى جانب أخر، أخضعت دولاً وأنظمة وأحزاباً وحركات سياسية وتحررية لحالة مستديمة من الرعب والخوف والقلق، بفعل وضعها تحت أجواء من التهديدات والضغوط  والتلويح باستخدام القوة  العسكرية ضدها، على نحو مبرمج ومتصاعد . كل هذا وغيره كثير من الممارسات والأفعال الأحادية  المفلوتة، في ظل إصرار مستميت من قبل الإدارة الأمريكية على عدم إلزام نفسها بالتقيد واحترام أبسط الالتزامات الأخلاقية والإنسانية ، مثل المعاهدات الدولية، لمعالجة الآثار المدمرة على الإنسانية جراء الاحتباس الحراري وتلويث البيئة، وحقوق الإنسان ومحكمة الجنايات الدولية المختصة بمحاكمة مجرمي الحرب  ومرتكبي جرائم الإرهاب أو الجرائم ضد الإنسانية والفساد والإجرام المنظم وعصابات المتاجرة بالمخدرات والجنس.. الخ مشترطة تحصين مواطنيها واستثناءهم عن المساءلة والحساب دون سائر خلق الله. ولعل أكثر ما يبعث على القلق والمخاوف الحقيقية، أن كل تلك الممارسات والمواقف الجامحة والمفلوته تجري وسط مناخ تنامت  فيه، واتسعت وتعمقت” نزعة دينية” متعصبة  ومتطرفة، إلى حد باتت تشكل جزءاً من مضامين الخطاب السياسي والإعلامي الرسمي للإدارة الأمريكية، ولأول مرة في تاريخ الدول العلمانية، وعلى نحو ملفت . والواقع أنه بناءً على  ما أشرنا إليه أنفاً وباختصار شديد، وبالنظر إلى إصرار الإدارة الحاكمة للقوة الأعظم في عالم اليوم/ على أن تمنح نفسها مهمة ودور “المسيح المنقذ والمخلص للبشرية” وتعطي نفسها كامل الحق والمسؤولية ومطلق الحرية في التصرف بشؤون العالم والتحكم بمصائره . وتحديد شكله ومضمونه وحاضره ومستقبله ونشر الحق والخير والفضيلة فيه كيفما شاءت، ومتى ما شاءت، فقد نتج عنه تداخل صارخ وخلط واسع وعميق بين ادعاءات نشر قيم الخير والحرية والفضيلة والغايات الإنسانية النبيلة، وبين حقائق مقتضيات أهداف ومصالح ومطامع وحسابات الدولة الأعظم ، حتى بدا واضحاً الآن أن الأولى لا تعدو كونها مجرد واجهة غطائية ومبررة وسائرة للثانية ولهذا فأن الصورة العامة للواقع الذي يعيشه عالمنا اليوم ، ومنذ بدأت الإدارة الحاكمة للولايات المتحدة تتصرف في شؤون العالم وكأنها ألأمرة الناهية الوحيدة، ويجب على العالم  بأسره أن ينفذ مشيئتها وإرادتها دون نقاش أو تردد باعتبارها القطب الأوحد والقوة الأعظم وصاحبة الحق المطلق في تسيير وإدارة شؤون البشرية، والتحكم بمصائرها.. إن صورة العالم  اليوم تبدو قاتمة ومخيفة بل ومرعبة حقاً تشكل  تهديداً جدياً يهدد العالم بمرحلة حالكة من الفوضى والاضطراب والتوتر والحروب والدمار، تفوض أمن العالم وسلامه واستقراره وتعاونه ورغم ذلك، نرى العالم بصفة عامة وقواه الفاعلة والمؤثرة والنافذة بصفة خاصة، يقف حائراًَ مشدوهاً مشلول الإرادة وفاقد القدرة على القيام بفعل إيجابي، ولو في اتجاه لجم ذلك الجموح المجنون ، وعقلنة وترشيد مواقفه وخطواته ، وليس التصدي له ومواجهته . ففي ظل  هذه الأجواء الملبدة القاتمة، والصورة المخيفة والمليئة بالعواقب والنذر، التي تعيشها البشرية في عالمنا اليوم ، انتظمت أعمال وفعاليات ومناقشات المؤتمر الإقليمي أو الدولي حول ((الديمقراطية وحقوق الإنسان والوضع القانوني لمحكمة الجنايات أو الجزاءات الدولية)  في صنعاء بحجمه الكبير وبمستواه الرفيع، وتمثيله الواسع عالمياً، ليجد نفسه، من حيث شاء أم أبي، وجهاً لوجه أمام جملة من القضايا والأزمات والمعضلات الحقيقية بالغة الخطورة والحساسية، تورق الهم العالمي، وتثير قلقه ومخاوفه بشكل مباشر، وليس أمام المؤتمر سوى خيارين مصيريين لا وجود لثالث معهما.. فإما أن يستشعر حجم وجسامة مسؤوليته ويرقي إلى مستوى التحدي الذي يجابهه، وينجح في إحداث نقله نوعية ملموسة تبرهن على أهمية وتأثير الجهد العالمي المتضافر والمتضامن للحفاظ على أمن واستقرار وسلام وتعايش وتعاون دول وشعوب وأمم العالم على طريق أو نحو المثل والقيم الإنسانية والأخلاقية السامية، وبما يحقق الخير و الرفاهية والحرية والمساواة للجميع .. أو يخفق في تحمل مسؤولياته، ويعجز عن الخروج بصيغة عمل وفعل إيجابي مؤثر وقادر على فرملة وعقلنة وترشيد الاندفاع المتهور والجموح المفتون بمنطق القوة وجبروتها، والذي يشكل مخاطر حقيقية ومخيفة على حاضر ومستقبل الإنسانية بأسرها، ويثبت ويبرهن على قدرة العالم ودوره الحاسم في التأثير الحاسم لضمان خير وسعادة ورفاهية وسلام البشرية . إن المؤتمر سيجد نفسه ملزماً ، من الناحية الأخلاقية على الأقل، بالإجابة الواضحة والأمينة الصادقة على أسئلة محورية تتعلق بقضايا ومشكلات محورية لا يمكن التغاضي  عنها أو تجاوزها وتتبلور بالآتي: ـ أولا : الإرهاب ومحاربته : أن قضية الإرهاب العالمي ومحاربته هي القضية الأساس والأهم، ومنها، وبسببها تفرعت عنها سائر القضايا، بالحق أو بالباطل، ولا بد أن يوليها المؤتمر اهتماماً وجهداً  أكبر من كونها مفتاحاً لباقي المشكلات والقضايا الأخرى، وهي تطرح عدة أسئلة جوهرية وملحة، ينبغي الوقوف أمامها والإجابة عليها بكل دقة ووضوح وتجرد ، ودون مواربة أو غموض ومن أبرزها : 1ـ    ما هو الإرهاب؟ ومن هو الإرهابي؟ وكيف يمكن وضع صيغة تعريفية “جامعة مانعة” تكون محل اتفاق وإجماع عالمي، وتشكل مرجعية يهتدي بها ويحتكم إليها كمرجعية قانونية دولية محايدة بعيداً عن تأثيرات  وضغوط الدولة، وحساباتها ومصالحها وأغراضها المختلفة . 2ـ    ما هي الآليات والهيئات القانونية الدولية، وكيف يتم إقامتها لتتولي مهمة الفصل والحكم في قضايا الإرهاب، وتحديد المسؤوليات، وتقرير العقوبات، وما هي جهة تنفيذ وإيقاع العقوبات؟ وكيف ؟ . 3ـ     وهل يحق لهذه الدولة أو تلك أن تقرر وتحكم كما تريد بأن فعلاً ما يعتبر إرهاباً؟ وهل من حقها أن تقرر وتنفذ الإجراء العقابي على نحو ما تهوى؟. 4ـ     وهل نضال الشعوب من أجل نيل حريتها ومقاومة قوات الاحتلال الاستعماري من أجل تحقيق استقلال أوطانها ومقاومة المحتلين، يمكن اعتباره إرهاباً ، والقائمين به إرهابيين ؟!  أم أن مقاومتهم المسلحة للغزاة والمحتلين تعتبر حقاً مشروعاً من حقوقهم العادلة؟ وكيف ، وما هي المعايير التي نفرق بموجبها بين الإرهاب والتحرر الوطني؟. وأخيراً، ماهي المشروعية والحق الذي يعطي لدولة من دول العالم  بـالأقديمة على شن حرب تحت ما يسمى بالحرب الاستباقية، أو الوقائية أو الإجهاضية ضد دولة أخرى، بحجة وجود  خطر عمل إرهابي متوقع ؟ وما هي الضمانات والضوابط الصارمة والقادرة على منع تلك الدولة من سوء استخدام شعار الحرب بالاستباقية وجعله غطاء ومبرر للعدوان وتصفية حساب المصالح والمطامع بينهما وأيه مرجعية قانونية دولية متعارف عليها يناط بها  دور أو مسؤولية تقرير وتأكيد حقيقة وجود خطر إرهابي محتمل، وبالتالي تمنح تلك الدولة حقاً في اتخاذ إجراء وقائي استباقي وتحديد طبيعته ونطاقه ومستواه . ثانياً : أسلحة الدمار الشامل وتحريمها : من المؤكد ـ يقيناً أن البشرية بأسرها عامة، وجميع العقلاء من مفكريها وعلمائها ومثقفيها وحكمائها وقادتها خاصة ، يسعون ويتمنون أن يتخلص العالم كله من كافة أنواع أسلحة الدمار الشامل ، سواءً كانت نووية أو بيولوجية أو كيميائية وما في حكمها، وهي أسلحة تملكها بعض دول العالم بكميات وبقدرات تكفي لتدمير وإبادة كافة أشكال الحياة على كوكبنا الأرضي مرات عديدة، ولهذا لا أعتقد أن هناك إنساناً سوياً وعاقلاً يشجع أو يؤيد وجود وبقاء وإنتاج مثل تلك الأسلحة الرهيبة ويعتبر تدميرها والتخلص منها كلياً ونهائياً، مطلباً عادلاً ومشروعاً، يعبر تعبيراً صادقاً عن الرأي العام العالمي والضمير الإنساني، لأنه يجنب حياة الإنسان على الأرض من هول الكوارث والدمار والإبادة الماحقة الشاملة وعلى الرغم من سمو ونبل دوافع ومقاصد هذا الشعار أو ا لهدف من الناحيتين الأخلاقية والحياتية إلا أنه تعرض وخاصة خلال العامين الأخيرين لضرر بالغ ، وألحقت به إساءة عميقة، وتم تشويهه والانحراف به عن مقاصده السامية والعظيمة عندما استخدم ذريعة ومبرر للحرب والاحتلال بحق دول وشعوب ثبت عملياً عدم امتلاكها تلك الأسلحة، أو أن اتهام البعض منها يقوم على الشكوك والتخمينات الظنية التي لا يسندها دليل إثبات قاطع ولقد شنت القوة الأعظم في عالمنا مؤخراً  حروباً رهيبة، وفرضت احتلالها العسكري على بلدان  بكاملها  وأرعب دولاً وشعوباً  عديدة عبر وسيلة التهديد والتلويح باستخدام القوة العسكرية ضدها متذرعة بمبرر أسلحة الدمار الشامل، في الوقت الذي يعلم فيه الجميع أن هذه القوة الأعظم لا تملك وتخزن أقوى وأكبر مخزون استراتيجي من كافة  أسلحة الدمار الشامل فحسب، بل إنها لا تزال تواصل إنتاجها وتطويرها وتحديثها باستمرار، هذا إضافة إلى امتلاك عدة دول أخرى  من دول العالم، مخزونات هائلة ومخيفة من تلك الأسلحة، ولم تتوقف عن إنتاجها وتطويرها لحظة  واحدة .. والسؤال الذي يبرز هنا: هل إنتاج وامتلاك أسلحة الدمار الشامل محرم وممنوع   بالنسبة لبعض دول وشعوب العالم.. ومباح ومسموح به للبعض  الآخر، وهل التحريم والمنع والإباحة والسماح يستند ويبنى في كليهما على معايير وأسس واعتبارات عنصرية إثنية أو دينية أو عرقية أم ماذا؟ والأهم في هذا السياق، هو تعريف وتحديد ماهية أسلحة الدمار الشامل بشكل واضح ودقيق، لأن القوة الأعظم مثلاً  تعتبر الصواريخ والمدافع والدبابات، وربما بعد حين البنادق أيضاً، أسلحة دمار شامل . وواضح  تماماً أن إعطاء البعض لنفسه الحق في إنتاج وامتلاك أسلحة الدمار الشامل ، ومنعها وتحريمها على البعض الآخر ، يلقي ظلالاً  من الشك بأن الهدف الحقيقي يتمثل بتجريد  ونزع أسلحة وقدرات بعض الدول لتسهيل عملية ضربها واحتلالها بأقل الخسائر!. ثالثاً :  الديمقراطية  وحقوق الإنسان وملحقاتها : ـ أصبح الحديث  حول إدخال الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان في دول العالم ومجتمعاته، حديثاً شديد الضجيج  وعالي النبرة ومتصاعد الوتيرة، خلال فترة العامين الأخيرين خصوصاً، وارتبط  بهذه الشعارات الجميلة شعار أخر ينادي بإسقاط أنظمة الحكم ” الديكتاتورية” بالقوة والغزو المسلح ، وتضاعف كثيراً حجم الضغط المقترن بالتهديد وبالتلويح باستخدام القوة ضد دول كثيرة  إذا هي لم تنفذ المطالب المحددة لها  بإجراء تغييرات أو إصلاحات جذرية وشاملة على أوضاعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية باعتبار أن تلك الأوضاع مسؤولة عن نشوء الإرهاب ونموه وتشجيعه . وكان واضحاً وجلياً تماماً ومنذ البداية أن هدف كل تلك المطالب والإصلاحات والشعارات يتحدد  بالعمل على فرض تطبيق النهج أو الفلسفة “الليبرالية الرأسمالية” بنمطها الثقافي ومناهج تفكيرها  وأسلوب حياتها ومسلكيتها ورؤيتها وتفسيرها للحياة والإنسان والكون، هو هدف يتوافق وينسجم مع المكونات الفكرية والدينية لتيار”المحافظين  الجدد ” المتطرف، الذي يسيطر  على الإدارة الأمريكية الحالية ، والذي يعتقد بأن التاريخ الإنساني، بعد مسيرته الطويلة، قد حط رحاله  في نهاية مطافه وتجاربه ، وبعد سقوط “الاشتراكية” مصدراً حكمه القاطع والنهاني والقاضي بأن ” الليبرالية الرأسمالية” هي الصيغة الأمثل والأكمل والنهائية التي أفرزها الفكر الإنساني لتنظيم وإدارة حياة الإنسان والمجتمعات، ويجب أن تعمم وتسود العالم بأسره بالإضافة إلى اعتقاد ذلك التيار المتطرف، من جانب آخر، واستناداً إلى المصادر معتقداته الدينية وإيمانه بالتنبوءات “التوراتية” أي ” العهد القديم، بأن العناية الإلهية قد ألقت على كاهله وحملته أمانة ومسؤولية محاربة الشر والأشرار، ونشر الخير والفضائل على مستوى العالم كله، توطئة واستعداداً  لنزول ” المسيح” المخلص والمنقذ الذي سيملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت جوراً . ولعل الملف للنظر والباعث على الدهشة، أن كل هذا الذي يحدث من حروب واحتلالات وإجراءات وضغوط وتهديدات، اختار العالم الإسلامي ـ بدوله وشعوبه ومعتقدات الدينية وثقافاته وأحزابه ومنظماته وأفراده ـ مسرحاً وميداناً لفعله وتأثيراته، فأصبح الإرهاب رديفاً ولصيقاً بالإسلام وبالمسلمين، والعمل دؤوب ومكثف لإجبار الدولة الإسلامية على تغيير مناهجها الدراسية للتعليم الديني، وغلق المؤسسات التعليمية الدينية أو جعلها على الأقل ملائمة لما يريده الغرب، وإبعاد من يطلق عليهم بالمتطرفين من الوعظ والإرشاد الديني في المدارس والمؤسسات الإعلامية والثقافية. وليس مستبعداً  أن يطلب منها بعد حين من الدهر غير بعيد، أن تغير كتابها المقدس (القرآن الكريم ). ونجد أنفسنا أمام أسئلة حيرى وكبيرة حول هذا الذي يدور ويجري من حولنا وعلينا: 1ـ        هل الرد على حدث إرهابي محدد بأعمال وأفعال مفتوحة وغير مقيدة في الزمان والمكان، وبإرهاب أفضع وأشد وأوسع هو الأسلوب الأنجع في ما سمي بالحرب على الإرهاب . وهل يحق لدولة أن تغزو عسكرياً دولة أخرى، وتحتل بلادها بدعوى إسقاط النظم الديكتاتورية، ثم تعالوا وانظروا أيهما أكثر  بشاعة وطغياناً  دموية من أطلق عليهم ديكتاتوريون طغاة حكموا في افغانستان والعراق، أم القوات المحتلة التي جاءت بدعوى تحرير الشعوب وتخليصهم من الطغاة؟ . 2ـ        وهل الديمقراطية وحقوق الإنسان ، من حيث هي نظام كلي متكامل من القيم والممارسات، تكون عبر عملية صيرورة تاريخية طويلة وصفة علاجية يكفي أن يستوردها المريض ويتعاطاها، فيصبح صحيحاً معافى، أو هي صنف من البضائع تستورد وينتفع بها، ويتم إشباع حاجات الناس بها، فتتلاشى كل المشكلات، وهل يمكن فرضها وتطبيقها بالحرب والقوة والاحتلال العسكري من الخارج، وإذن، فأين حركة الشعوب ودورها وتأثيرها؟ . 3ـ       ثم هل تجدون ما هو أكثر صفاقة ووقاحة وغطرسة من تدخل دولة لها ديانتها الخاصة بها، وتدس أنفها في شؤون معتقد ديني مختلف خاص بدول وشعوب أخرى؟ وهل المعتقدات الدينية، على اختلافها، من الحكمة والعقل أن تبقى مجالاً لعبث العابثين وصلف المجانين ولعب الجهلة، وليس معلوماً لدى الجميع أن أي مساس بمعتقد ديني من قبل الغير، يدفع أتباعه إلى التضحية  بحياتهم فوراً، وبدون تردد أو حساب  للعواقب؟ وأريد أن أكون واضحاً  وصريحاً ، فأقول لقد صبرنا كثيراً، وتحملنا الكثير والكثير، ونحن  نرى ونسمع من يسيء إلى ديننا الإسلامي، وينعته بأسواء وأقبح  النعوت ، ونبينا محمد  عليه أفضل الصلاة والسلام، يُسب ويجرح بعبارات بذيئة من قبل مسؤولين كبار في أمريكا وأوروبا، وفي الكتب ووسائل الإعلام وغيرها.. وأريد هنا أن أهمس في أذانهم جميعاً بعبارة واحدة قالها شاعر عربي قديم . ” ألا لا يجهلنّ أحدً علينا فتجهل فوق جهل الجاهلينا” .                               والله المستعان ، وهو حسبنا ونعم الوكيل .

By Editor