عن الحملة التركية: اللهم اجعله خيرا ( صحيفة الامة )

ان الموضوع الذي سأتناوله في هذا المقال يتعلق بالضجة الكبرى التي احدثتها الحكومة التركية مؤخرا حاملة على المملكة العربية السعودية بسبب قيام الاخيرة بازالة قلعة ( اجياد )العثمانية المطلة على الحرم المكي الشريف لتنفيذ مشاريع توسعة جديدة وزيادة القدرة الاستيعابية لأعداد الحجاج المتزايد باستمرار. غير انني وقبل البدء ارى من الضروري ان اؤكد على ما لتركيا كدولة اسلامية عريقة وكشعب شقيق، بمختلف اعراقه وهوياته القومية من مكانة خاصة في انفسنامحاطة بكل مشاعر الود والحب والاحترام، وانه عندما نضطر الى ابداء بعض الملاحظات ووجهات النظرلبعض جوانب السياسة والمواقف الرسمية ذات التأثير والمساس بقضايا ومصالح سائر المسلمين، د ولا وشعوبا، فاننا لا ننطلق في ذلك من موقف عدائي مضاد لتركيا وللشعب التركي، وانما بدافع من حرصنا ورغبتنا الصادقة في ان نرى تركيا، ثقلا وسياسة ومواقفا، حيث يجب ان نراها في موقع القيادة الفاعلة لمسيرة العالم الاسلامي مثل ما كانت على امتداد حقب طويلة من التاريخ الاسلامي ، ولقد حرصت على هذا التأكيد ابتداءا حتى لا يساء فهمي من قبل سعادة الاخ الفاضل سفير تركيا في بلدنا كما سبق ان حدث حين ابد يت وجهة نظر تتعلق بمعاناة ومأساة الشعب الكردي الشقيق، وهئ وجهة نظر جاءت مواكبة لعملية اعتقال القائد الكردي التركي عبدالله اوجلان، واشهد ان سعادة السفير كان مثالا للنشاط والحيوية والحماس في خدمة بلاده حيث نشر ردا صحافيا وزاد عليه رسالة شخصية وجهها لي معبرا عن وجهة نظره او حكومته ، وهئ وجهة نظر احترمها من حيث المبدأ وان خالفت وجهة نظري وتعارضت معها.   وبالعودة الى موضوعنا نقول بان تركيا فاجأت الجميع واذهلته تماما من حيث الحدة والعنف المبالغ بهما للحملة السياسية والاعلامية والديبلوماسية التي شنتها ضد السعودية بسبب ( قلعة اجياد ) التي قررت الاخيرة ازالتها لصالح توسعة الحرم المكي وزيادة قدرته الاستيعابية، ومشاركة الحكومة وبخاصة وزيري الخارجية والثقافة وبعض اعضاء البرلمان واجهزة اعلام ، على نحو غير معهود لاسلوب ونهج الادارة السياسية التركية تقليديا والتي تتسم عموما بالهدؤ والتروي والرصانة، حيث صورت الحملة ازالة ( القلعة ) وكأنه ازالة لشئ ديني مقدس وتعد متعمد على اثار تهم البشرية والثقافة الانسانية واثارت القضية رسميا على منظمة الامم المتحدة للثقافة والعلوم والتربية  (اليونسكو ) مشبهة هدم القلعة بهدم ( حركة طالبان ) التي كانت حاكمة على افغانستان ، لتماثيل (بوذا ) العملاقة!! وذهبت الحكومة التركية بعيدا جدا فطالبت ب ( تدويل ) المشاعر الدينية المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة ونزعها من مسؤلية السعودية وسيادتها بحجة عدم اهليتها لادارة تلك المشاعر!! ولما كنت اجهل ولم اسمع من قبل اي شئ عن هذه ( القلعة ) اؤكد هنا بكل صدق وأمانة باني تخيلت تلك القلعة واعتقدت بانها جزء من البيت الحرام اقام قواعدها انبياء الله ابراهيم واسماعيل عليهما السلام تنفيذا للامر الصادر لهما من الله سبحانه وتعالى، واستنفرت مشاعري وعبأت على الفور لنقف ضد السعودية ونقول لها باعلى صوتنا بان ما ستفعله امر بالغ الخطورة ولا يجوز بل هو محرم دينا، لولا لطف الله وفضل وسائل الاعلام العربية التي زودتنا بمعلومات دقيقة حول تلك القلعة وماهيتها وتاريخها وطبيعتها فاذا هئ ( قلعة حربية عسكرية ) اقامتها قوات الدولة العثمانية فبل حوالي قرنين من الزمان على جبل محاذ ومطل على الحرم المكي ابان الحروب والمعارك الدموية الطاحنة التي خاضتها جيوش الدولة العثمانية ومن ضمنها جيوش محمد علي باشاضد الدولة السعودية الاولى والثانية وسائر الامارات القائمة بهدف اخضاع منطقة الجزيرة العربية بما فيها الاماكن الاسلامية المقدسة ( الحرمين المكي والمدني ) لسيطرة وسيادة الدولة العثمانية ، وتلك حروب ومعارك ذات دوافع واهداف سياسية- اقتصادية-استراتيجية لا علاقة لها البتة بالدين لان الحرمين المقدسين كانا انذاك تحت رعاية وادارة امارات اسلاميةلا غبار عليها من الناحية الدينية الاسلامية، ولست ادري كيف اجيزت مشروعية اقامةوانشاء قلعة حربية داخل الحرم المكي وظيفتها الوحيدة الحرب والقتال وسفك الدماء وازهاق الارواح في حين يقول الله سبحانه وتعالى في ايات كتابه العظيم : ( اولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى اليه ثمرات كل شئ رزقا من لدنا ولكن اكثرهم لا يعلمون ) ( او لم يروا انا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم )    ( واذ جعلنا البيت مثابة للناس وآمنا ) وفي هذه الآية الاخيرة يتجلى المغزى الانساني العظيم للاسلام حيث لم يجعل الله تعالت قدرته بيته المحرم مثابة وآمنا للمسلمين فقط بل للناس عامة، حيث حرم القتال فيه. والواقع ان الغضبة التركية العارمة التي تجاوزت في مبررها وحدتهاوعنفها كل حدود المعقول والمقبول ضد السعودية بالرغم من العلاقات الممتازة والواسعة والعميقة بين الدولتين، والتي ذهبت الى حد المطالبة بتدويل المقدسات الاسلامية ، بمحرك غيرة دينية متفجرة هئ ابعد ما تكون عن طبيعة الدولة التركية العلمانية منذ قيامها على انقاض انهيار الامبراطورية العثمانية عقب الحرب العالمية الاولى! ولم يسبق لها منذئذ ان سجلت موقفا سياسيا لاعتبارات دينية على الاطلاق، وهو امر جديد وغريب على الدولة التركية، لكن الاكثر غرابة ان تختار مسألة هدم القلعة الحربية المشار اليها وتصر اصرارا عجيبا على اضفاء طابع قداسة دينية عليها ثم تتخذها مبررا وذريعة لغضبتها وحملتها العدائية الرهيبة ضد السعودية رغم انتفاء اي صلة دينية مقدسة للقلعة باي حال من الاحوال. ولهذا فان مقتضيات المنطق السياسي السليم تلزمنا بان لا ننظر الى ما حدث بحسن نية واعتباره شكلا من اشكال سؤ التقدير والتسع الانفعالي، وهو ما يجعلنا نعتقد اعتقادا قويا بان ما قامت به الحكومة التركية ، تناقضامع طبيعة دولتها ونهجها العلماني المتطرف، يمثل رسالة سياسية بالغة الاهمية والخطورة معا، يمكن فهمهاضمن سياق الاحداث العاصفة التي يشهدها العالم بأسره من حولنا تحت ما سمي بحرب العالم ضد الارهاب والتطرف، تلك الحرب التي تقودها امريكا ضد افغانستان كفصل اول من فصولها المفتوحة التي لا يعلم بتسلسلها ومنتهاها الا الله سبحانه وامريكا، ولقد اختيرت الحكومة التركية للقيام بدور مرسوم في اطار ما يجري في العالم من احداث دراماتيكية شاملة باعتبارها دولة اسلامية ، بالرغم من العلمانية المفرطة لنظامها السياسي، تجنبا للحساسيات وتحاشيا لتفجر المشاعر الدينية العارمة في حالة القيام بالدور من قبل بلد غير اسلامي، واذ نعتقد هذا الاعتقاد الجدي ، فاننا نستند الى جملة من الاعتبارات والحقائق والشواهد الملموسة والواقعية اهمها بحسب وجهة نظرنا الاتي: 1)  ان الغضبة السياسية والتصعيد السياسي المبالغ فيه الذي تفتعله تركيا مع السعودية حول مبرر قلعة اجياد، يلفت النظر ويثير الريبة والشكوك العميقة باعتباره موقفا سياسيا افتعل افتعالا اذ لا توجد له مبررات منطقية لتحقيق اهداف سياسية مرسومة سلفا. 2)  ان تصعيد الحملة السياسية والاعلامية العدائية والمفتعلة ضد السعودية تأتي متزامنة ومتكاملة مع الحملات السياسية والاعلامية الشعواء والمعادية للسعودية والتي تشنها دوائر سياسية واعلامية امريكية واسرائلية مستغلة الاحداث الارهابية التي حدثت في امريكا يوم 11 سبتمبر 2001 م وذلك للضغط على السعودية وابتزازها سياسيا بما يخدم اهداف تلك الحملة العدائية والدوائر التي تقف خلفها.. 3)  ان الحملة العدائية المتصاعدة التي تشنها وتصعد وتيرتها الحكومة التركية ضد السعودية انما تندرج في سياق حالة الشعور العميق والمتأصل بالعداء التاريخي الذي يسيطر على الحكومات التركية ضد العالم العربي عموما، وهئ حالة وشعور متولد من طبيعة النظام السياسي التركي منذ قيام الجمهورية التركية على انقاض الدولة العثمانية، على نحو يتناقض مع مشاعر الاخوة والود القائمة بين الشعوب التركية والعربية الشقيقة، والحملة المعادية للسعودية ليست سوى امتداد للمواقف التركية المعادية للدول العربية وخاصة كل من العراق وسوريا والتي بلغت حد الحصار او التجفيف المائي النهري لهما في اطار التهديد بوقف تدفق مياه نهر الفرات عن البلدين عبر اقامة سدود ضخمة وعديدة في جنوب تركيا، والتلويح بسعيها الى بيع المياه للبلدين العربيتين اللتين يخترقهما مجرى النهر بيعا بثمن مالي ولغيرهما من الدول!! 4)  طبيعة العلاقات العميقة والواسعة بين تركيا و ( اسرائيل ) والتي شهدت في السنوات القليلة الماضية قفزة نوعية جعلتها اقرب ما تكون الى وضع التحالف الاستراتيجي وخاصة في المجالين العسكري والامني ، ممايعزز الشكوك بتوظيف نتائج ومترتبات تلك العلاقة في جانب من جوانبها على نحو يؤثر ويضر بالمصالح العربية والاسلامية.. ولعلى مما له دلالة ومغزى في هذا الصدد، ان الحكومة التركية اتخذت من الاماكن المقدسة في مكة المكرمة وقلعة اجياد الحربية فيها ذريعة لحملتها المتصاعدة ضد السعودية، في حين كانت بعض الكتابات الصحفية قد ظهرت علينا في صحف ( اسرائلية ) عقب الاحداث الارهابية في امريكا يوم 11 سبتمبر العام الماضي، ينصح الاسرائليون فيها امريكا والتحالف العالمي معها في الحرب ضد الارهاب بان افضل وسيلة للقضاء النهائي المبرم على الارهاب يتمثل بقصف وتدمير الكعبة المشرفة وازالتها من الوجود والحكومة التركية ذهبت في تصعيدها للحملة العدائية ضد السعودية الى حد المطالبة بتدويل الاماكن الاسلامية المقدسة !! في ظل هذه الحقائق والشواهد والاعتبارات، تبدو الضجة والحملة العدائية الحادة والمتصاعدة التي تشنها تركيا على السعودية مثيرة لقدركبير من الشكوك والريبة، وان افتعالها على غير اساس يؤكد على ان وراء الآكمة ما وراءها، خاصة ان تركيا مصرة على المضي قدما في تصعيد حملتها السياسية والاعلامية ضد السعودية على الرغم من استغراب واستهجان ودهشة قطاع واسع من الرأي العام العربي والاسلامي، ولا نكاد نتبين اي مؤشر او وقائع او احتمالات يمكن استنادا اليها تصور اي اعتقاد اخر غير الذي  ذهبنا اليه اذ لو افترضنا – جدلا- ان غيرة دينية مفاجئة قد داهمت الحكومة التركية ودفعتها الى شن مثل تلك الحملة حرصا وخدمة للاماكن الاسلامية المقدسة، فان مثل هذا الافتراض يصطدم تصادماكليا مع الطبيعة العلمانية المغالية والمتشددة للدولة التركية التي ترى من واجبها محاربة واستئصال كل  ما يمت الى الدين بصلة مباشرة او غير مباشرة ، الى حد منع ارتداء ملابس وازياء قد يفهم منها صيغة دينية في كافة مؤسسات الدولة والوظيفة العامة والدراسة …الخ .. وهو ما جعل الحكومة تحول دون تمكين امرأة فازت ديمقراطيا بعضوية البرلمان من اداء دورها وعضويتها بمجرد انها ترتدي طرحة قماش على رأسها رغم سفور وجهها، كما جعلها قبل ذلك ترفض اعتماد مصاريف مالية لأداء العمرة التي قام بها رئيس الحكومة السابق ( اربكان ) والوفد المرافق له في سياق زيارة رسمية بحجة ان النظام العلماني غير معني بالامور الدينية !! .. ولو افترضنا ان حملة الحكومة التركية بسبب ازالة قلعة اجياد راجع الى حالة من العودة والحنين الى امجاد الامبراطورية العثمانية او الخلافة العثمانية الاسلامية كما يسميها البعض ، وعمل كل ما من شأنه الحفاظ على الاثار والشواهد التي تذكر وتخلد تلك الامجاد ، فاننا نصطدم بحقيقة ان الامبراطورية او الخلافة العثمانية التي انقلب عليها نظام الجمهورية التركية الذي اسسه الزعيم التركي مصطفى كمال اتاتورك، وكانت الدولة العثمانية، ولا تزال ، محل ادانة وتجريم من قبل الجمهورية التركية التي لم تدخر جهدا لطمس وازالة كل ما يدل او يشير او يذكر بها، على مختلف الاصعدة، وكم تعالت اصوات وندأات المنظمات الدولية وخاصة اليونسكو لوقف عمليات تدمير واغراق مناطق اثرية واسعة وبالغة الاهمية في جنوب تركيا بفعل انشاء السدود العملاقة عليها!! ودعونا نفترض ، على سبيل الجد ل ، صحة الافتراضين السابقين ونحينا جانبا شواهد الواقع العملي الملموس المناقض لهما، حينها فان مصداقيتها كانت ستكون محل تقدير واجلال فيما لو اتخذت الحكومة موقفا مماثلا وشنت حملة مشابهة، او اقل حدة، بل لو انها اكتفت بمجرد اعلان ادانتها لاحتلال اسرائيل للاراضى الفلسطينية ومن ضمنها القدس الشريف اولى القبلتين وثالث الحرمين عند المسلمين ومحاولتها المتكررة لاحراق وهدم المسجد الاقصى باعمال الحفريات الواسعة تحت قواعده لاقامة ( هيكلها ) على انقاضه واستئلائها على الكثير من الاماكن المقدسة والمساجد الاكثر قدما وتاريخية من قلعة اجياد وتحويل تلك المساجد الى بيوت للدعارة وتصوير الافلام الخلاعية او الملاهي الليلية. اما ان تنطلق الحكومة التركية لاول مرة بعد صمتها المطبق منذ بداية تأسيس جمهوريتها، وتقيم الدنيا ولا تقعدها بسبب ( قلعة اجياد الحربية ) فان ذلك لا يعدو كونه مجرد افتعال متهافت وذريعة اوهى من خيط العنكبوت تخفي نوايا سئية وخطيرة لا تستهدف السعودية وحدها فحسب بل تمتد لتشمل مقدسات ومصالح الاسلام والعالم الاسلامي كله ، اما( قلعة اجياد ) وسواء اقامتها قوات الدولة او الامبرطورية العثمانية لتوسيع نطاقها، ام بناها اشراف مكة كما يرى البعض في اطار الصراعات والتنافسات، والحروب المحلية ، فان في الحالين لا شأن للحكومة التركية بها باي حال من الاحوال، واقامتها داخل  الحرم المكي مخالف للتعاليم الاسلامية وارادة الله سبحانه  وتعالى الذي جعله حرما آمنا وحرم فيه القتال واعتبر أمنا كل من دخله من الناس، وقلعة اجياد الحربية التي انشئت لأغراض القتال والحرب وسفك الدماء وترويع وترهيب داخلي الحرم الآمن، تعتبر خطأ ومخالفة دينية صريحة، ومن شأن الابقاء عليها واستمرارها ان يكون شاهدا صارخا على مخالفة المسلمين لتعاليم دينهم وارادة خالقهم تعالت قدرته. واخيرا، وفي الوقت الذي ندعوا فيه العرب والمسلمين عموما الى التعامل مع الحملة والزوبعة السياسية التركية المعادية بأقصى درجات الانتباه والحذر والتيقظ والتحسب لأسوأ الاحتمالات والتوقعات ، فاننا لا ندعوا الى قيام مواجهة صدامية مع الحكومة التركية الشقيقة بل اننا في الحقيقة ندعوا بالحاح الى فتح كافة قنوات وسبل الحوار الجاد والمكاشفة الصريحة على كافة الصعد الرسمية والشعبية بهدف الوصول الى اعادة تقويم مسيرة العلاقات العربية التركية، والوصول الى صيغة تفاهم وتعاون وتكامل شامل وراسخ بين العرب وتركياتقوم على المصالح المشتركة واواصر التاريخ والثقافة والدين الواحد ، وبما يكفل تضافر قواهم وتماسك صفوفهم ووحدة مواقفهم ازاء الحاضر والمستقبل والمصير الذي لا يمكن الا ان يكون واحدا وعسى الله سبحانه وتعالى ان يجعل ما حدث مؤخرا رغم مرارته وايلامه خيرا.                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                

By Editor