انتهى حديثنا في الحلقة السابقة بسؤال كبير حول ماهية المنطلقات والأبعاد والغايات الايديولوجية لكل المبادرات المطروحة من قبل الدول الغربية الرأسمالية لإصلاح اوضاع دول منطقة الشرق الأوسط الكبيراو الواسع او بالأصح على الدول العربية بالذات التي تشكل المساحة الأعظم لنطاق الشرق الأوسط المقصود بالمبادرات الاصلاحية.. وبالعودة الى ما سبق ان استعرضناه في سياق الحلقات السابقة حول سقوط وانهيار(المعسكر الاشتراكي الشرقي). بزعامة الاتحاد السوفيتي سابقاً وانتهاء حقبة الحرب الباردة بين القوتين او المعسكرين العالميين الأعظمين، وما اعقبها من حملة مكثفة وواسعة ومركزة شنها( المعسكر الغربي الرأسمالي ) وخاصة قائدته المتفردة دون منازع الولايات المتحدة الأمريكية، شملت كافةالمجالات الفكرية والسياسية والاعلامية، وتمحورت حول اثبات وتأكيد وترسيخ مقولة السقوط التاريخي، النهائي للاشتراكية والانتصار التاريخي النهائي والحاسم للرأسمالية الليبرالية كنظرية ومنهج فكري حياتي للبشرية جمعاء على أنقاض وأطلال كافة الأفكار والنظريات والأيديولوجيات التي افرزها الفكر الانساني عبر كافة مراحل ومسيرة تطوره وتفاعلاته التاريخية.. وعلى ضوء طبيعة الاتجاه والمنحنى الذي تسير عليه خطط وبرامج( وجرعات) صندوق النقد والبنك الدوليين وسياسات وشروط الدول المانحة والدائنة تجاه دول العالم الثالث المتخلفة او النامية يتبين امامنا بكل جلاء ووضوح ان (الأيديولوجية الرأسمالية العالمية) التي بنيت على اساسها ورؤيتها كافة مبادرات الإصلاح وسياسات وخطط وبرامج المنظمات النقدية الدولية والدول المانحة الأكثر تقدماً وتطوراً في العالم، تتجه الى فرض الاهداف الرئيسية الثلاثة الاتية: الهدف الأول: إعادة بناء وهيكلة وصياغة اقتصاديات دول ومجتمعات النصف الجنوبي من الكرة الارضية ، وخاصة ما تسمى بمنطقة ( الشرق الاوسط الكبير او الأوسع )، لتصبح (اقتصاديات رأسمالية) تقوم وتتأسس بالكامل على الفلسفة والقوانين الرأسمالية على نحو كلي، وتحكم انشطتها قوانين وآليات(السوق) وحرية المنافسة وإلغاء كافة القيود والمعوقات، اياً كان نوعها ومبررها، التي قد تحد من حرية النشاط الاقتصادي والمنافسة التجارية. الهدف الثاني: إعادة البناء والهيكلة والصياغة الجديدة بطبيعة النظم السياسية الحاكمة في دول المنطقة وشكلها، وعلاقاتها، ووظائفها، واساليب ادائها لوظائفها، وقواعد مشروعيتها وفقاً وعلى اساس قوانين ورؤى فلسفة اوأيديولوجية (( الليبرالية )) السياسية، القاضية بترسيخ وسيادة النهج والممارسة الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة عبرالانتخابات الشعبية المباشرة والحرة والفصل القانوني والمؤسسي بين السلطات، اضافة إلى الإحتكام لسيادة القانون ورعاية الحريات الفردية والعامة وحقوق الانسان والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع مواطني الدولة، وحماية الاقليات العرقية والدينية والمذهبية من الاضطهاد والتمييز والاخضاع وغير ذلك من المبادئ والأسس الديمقراطية وعلى نحو يقضي على المركزية المتطرفة لجهازالدولة وتسلطها اللا محدود، وإضعاف وتهميش وتحجيم ((الدولة الوطنية)) الى الحد الذي يحولها الى واجهة شكلية او رمزية مع تقوية وتضخيم دوروتأثير منظمات المجتمع المدني والرأسماليات المحلية.. الهدف الثالث: العمل المبرمج والمتعدد الاساليب والبعيد المدى الهادف الى إذابة وإماتة(الثقافات الوطنية والمحلية) وخصوصياتها من العادات والتقاليد وأنماط الحياة المتكونة حضارياً عبر مراحل طويلة وممتدة من تاريخها، تحت شعلر (( عولمة الثقافة )) وبما يؤدي في الاخيرالى تغليب وتسييد الثقافة الليبرالية، ونمط الحياة وقيم ومُثل المجتمع الأمريكي، خاصة، ومعاييره الأخلاقية والسلوكية على العالم اجمع وبكل شعوبه وأممه ومنظومات قيمه وتقاليده ومثله العليا، انطلاقاً من الإيمان بضرورة سيادة (( ثقافة كونية )) واحدة للبشرية الواحدة كلها.. تلك هي ،اذن، الأهداف الرئيسية الثلاثة لمبادرات الإصلاح المقدمة من الدول الغربية الرأسمالية والولايات المتحدة في مقدمتها،منسجمة تماماً مع فلسفتها الأيديولوجية المتكاملة (الليبرالية الاقتصادية والسياسية) او ( الراسمالية، الديمقراطية )، وأعتقد أن السواد الأعظم من المفكرين والسياسيين والمثقفين في العالم يتفقون حولها، وان كانوا بعد ذلك يختلفون في مواقفهم إزاءها بين مؤيد ومعارض ، بين من يراها خيراً مطلقاً، ومن يعتبرها شراً مطلقاً، كل بحسب إتجاهه وقناعته الفكرية الايديولوجية والسياسية، ونحن هنا لا نريد، ولا ينبغي لنا، الوقوف موقفاً سلبياً تجاه وإزاء ما تطرحه تلك المبادرات من افكار ومعالجات فنرفضها جملة وبالمطلق تحت التأثيراوالتأثر بنزعات التعالي الشوفيني، او بِعُقد الشعور بالنقص والدونية لمجرد كونها وافدة علينا من دول وايديولوجيات وثقافات خارجية وبعيدة عنا ، بل يجب علينا إجراء مناقشة حوارية موضوعية وجادة ومسئولة معها وحولها بهدف خروجنا برؤية تحدد بوضوح مجالات اللقاء والاتفاق ومجالات الافتراق والاختلاف، ولماذا وما هي الافكار والمعالجات البديلة التي نراها اكثر دقة وصوابا وفاعلية لإصلاح اوضاعنا؟ وذلك ما ننوي القيام به كإسهام أولي ومتواضع، ضمن عملية حوار واسع ومعمق وعام ومتعدد المستويات. وقبل البدء، ينبغي التأكيد على حقيقة علمية أساسية ومتعارف عليها وهي أن التغييرات والتطورات والإصلاحات الهامة التي ترقى الى مستوى التحولات التاريخية الحاسمة في أي مجتمع انساني إنما تأتي، عادة، نتاجاً تلقائياً لعملية حراك مجتمعي فاعل ونشط ومتدفق وتفاعلات وصراعات حية وعميقة بين فئات وقوى المجتمع تُفرزعلى نحو طبيعي وحتمي انماطاً واشكالاً من العلاقات الاجتماعية والنظم السياسية والنشاطات الاقتصادية والمضامين الثقافية والمنظومات القانونية التشريعية كإنعكاس طبيعي لحركة الواقع ومستوى تطوره التاريخي وقواه الاجتماعية الصاعدة والفاعلة ودرجة تطورالوعي والمعرفة والثقافة السائدة فيه، حيث ان التغيرات والاصلاحات السياسية تشكل الحكم وطبيعته والقوى المؤهلة لقيادة المرحلة ، والبنية الاقتصادية من حيث طبيعة النظام الاقتصادي وغاياته والقوى الاجتماعية المعبرعنها وثقافتها ومصالحها وغيرها تفرض نفسها حينها فرضاً، لا مجال لتجاوزها لأنها تعبيردقيق وامين لقوى اجتماعية واقتصادية متجذرة وفاعلة ومسيطرة في الواقع المعاش، بعكس الرؤى والمشاريع النظرية مهما كانت صياغتها وأهدافها وشعاراتها جميلة وراقية ومثالية، فانها حتى في حالة فرضها على الواقع لكنها تظل تحلق بعيداً في الفضاء دون آليات وفعاليات لتطبيقها، وسرعان ما تتهاوى وتنهار مع اول هبة لرياح عاصفة تدمرعلى طريقها كل ما ليس له في الواقع اساس عميق وراسخ وثابت.. ومع ذلك فان هذا لايعني بحال من الاحوال، أن أي مجتمع انساني لا يقبل من الرؤى والافكار والنظريات إلا ما كان نتاجا خاصاً وخالصاً به ومن إبداعاته، فعطاءات الفكرالانساني تتجاوز كل الحدود الجغرافية والوطنية، وانما نعني بأن المسألة تتعلق بطبيعة ذلك الفكر ومدى نجاحه في التعبيرعن حقائق وحركة واقع هذا المجتمع او ذاك.. وبالمقابل فان وضع صيغة نمطية واحدة واعتبارها حلا ومعالجة لمشكلات وأزمات كل دول ومجتمعات النصف الجنوبي المتخلف من الكرة الارضية يُعد نزوعاً ارتجاليا جامحاً يفتقر الى الواقعية والموضوعية والحقائق والمعايير العلمية بالنظرالى التفاوت والتباين الكبيروالواسع في مستويات تطوركل مجتمع على حده وموارده وقاعدته العلمية والصناعية وطبيعة اولوياته واحتياجاته ومشكلاته..الخ فاين نتفق ونتعارض والى أي مدى يكون ذلك التوافق او التعارض مع مبادرات الإصلاح الخارجية لأوضاع دول ومجتمعات منطقتنا العربية وتلك المحيطة بها فيما يعرف بالشرق الاوسط الكبير، في ضوء تلك الاهداف الرئيسية الثلاثة المشار اليها آنفا؟ والحقيقة أنه، بإستثناء (الهدف الثاني) المتعلق بمسألة الديمقراطية والحريات العامة وحقوق الانسان وشكل وفلسفة الحكم ووظيفته ووسائل ادائه لمهامه من حيث اللامركزية وتوسيع نطاق المشاركة الشعبية والانتخابات العامة والحرة والتداول السلمي وغيرها من الأسس والمبادئ التي يقوم عليها ما اطلقت عليه المبادرات مصطلح(الحكم الصالح) وهو الهدف الذي نتفق مع مساعيه ومقاصده الكلية بشكل عام بصرف النظرعن بعض الجزئيات والتفاصيل التي لا تؤثر على جوهر الاتفاق إلا أن كثيرا من اوجه الخلاف والتعارض في المنطلقات والرؤى والغايات سيتركز حول الهدفين الاول بصفة اساسية والثالث بمستوى اقل، الاول المتعلق بـ (رسملة الاقتصاد)، والثالث المتعلق بعالمية الثقافة او(عولمة الثقافة) أي بواحدية الثقافة على المستوى العالمي كله على حساب (الخصوصيات الثقافية والدينية والحضارية التاريخية)، لشعوب وأمم العالم. أما ما يتعلق بالهدف الأول الهادف الى تعميم وتسييد وفرض النظام الرأسمالي وقوانينه على كافة اقتصاديات دول العالم بصرف النظرعن تفاوت واختلاف مستوى تطور كل واحدة منها عن الاخرى، وفي ظل وجود تباينات واسعة وعميقة في الامكانيات والموارد والبنى التحتية الاقتصادية والقوى والطبقات الاجتماعية ،أمر يتنافى مع الرؤية العلمية والمنهج التشخيصي الواقعي، ذلك ان خطط وبرامج التطوير الاقتصادي والاجتماعي والأسس والمبادئ المنهجية لعملية التطوير تلك ينبغي ان تستند وتُبنى على تحليل وتشخيص علمي ميداني دقيق لحقائق ومعطيات الواقع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، بهدف التوصل الى معالجات وحلول موضوعية وناجحة وفعالة لمشكلات ذلك الواقع وأزماته سيراً واثقاً وثابتاً على طريق التطور والتقدم والازدهار الدائم.. ومن هذا المنطلق جاءت الرأسمالية،كفلسفة ومنهج اقتصادي أول ما جاءت في أوروبا تاريخياً، التعبيرعن طبقة رأسمالية فتية وصاعدة في المجتمع، ولتحمي وتحقق اهدافها ومصالحها كقائدة لعملية التطور التاريخي للمجتمع ، بعد سقوط وانتهاء دور الطبقة(الاقطاعية) التي استنفدت مهامها واصبحت تشكل عقبة أمام التطورالطبيعي للمجتمع، أي ان(الطبقة الرأسمالية) الصاعدة التي تبلورت ونضجت وتشكلت كطبقة اجتماعية من خلال الحراك والتفاعل والصراع الاجتماعي الاقتصادي والثقافي التاريخي، وفرضت نفسها ودورها كقائدة لعملية التطور التاريخي للمجتمع على أنقاض واطلال (الطبقة الاقطاعية) المتهالكة، كانت اي الطبقة الرأسمالية بحسب رؤية الدكتور ياسين سعيد نعمان الحامل اوالأداة الاجتماعية للفلسفة الفكرية والاقتصادية الليبرالية المعبرة عنها والمحققة لدورها والمدافعة عن مصالحها وتطلعاتها وما كان للايديولوجية الليبرالية بجوانبها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية أن توجد وتُحدِث التأثير العميق والتغيير الجذري لواقع مجتمعها ، دون وجود(الطبقة الرأسمالية)، المتبلورة والناضجة والمتشكلة اجتماعيا كطبقة لها قوتها ونفوذها وتأثيرها ، وهو وجود (سابق لصياغة) الايديولوجية التي تجيء لاحقاً لصوغ التأصيل والتنظيرالفكري الفلسفي الأيديولوجي المتكامل لدور وطموح وتطلعات طبقة قائمة في الواقع بالفعل، وبهذه الرؤية التاريخية الموضوعية فاننا نعتقد بان اتجاه مبادرات الاصلاح المطروحة مؤخراً، ومن قبلها برامج الاصلاحات الاقتصادية والمالية والادارية لصندوق النقد والبنك الدوليين، ومطالب وشروط الدول المانحة، وسعيها الحثيث والدؤوب لفرض تطبيق الفلسفة الرأسمالية وقوانينها وغايتها على اقتصاديات جميع بلدان العالم، وخاصة منها دول مجتمعات منطقتنا العربية ومحيطها الاقليمي كله عبر (وصفات او خُطط) نمطية واحدة لها جميعا، لن يكون له النجاح في تحقيق اهدافه، بل انه سيقود العالم الى كوارث وازمات مدمرة لاسباب واعتبارات لعل من اهمها: 1ـ ان دول ومجتمعات منطقتنا وكذا معظم دول ومجتمعات محيطها الاقليمي في آسيا وافريقيا، تعيش اوضاعاً وظروفاً لم تستطع، في ظلها، النماذج الرأسمالية الاولية والبدائية، من المضي قدماً في عملية تاريخية طبيعية للتشكل والتبلور والنضج كطبقة اجتماعية بالمعنى والمفهوم العلمي للطبقة، في خضم حراك وتفاعل وصراع مجتمعي طبيعي، ولم تحظى بتوفير المناخات والشروط الموضوعية اللازمة لعملية التشكل والتبلور والتكامل الاجتماعي التي توفر لها الخبرات والقدرات والامكانيات اللازمة لتحمل تبعات وأعباء ومهام دورها ورسالتها التاريخية في قيادة عملية التطور والنهوض الشامل للمجتمع، حيث تعرضت البدايات الاولى للتشكل الطبقي الرأسمالي في منطقتنا منذ اواخر القرن الثامن عشر وحتى وقتنا الراهن لثلاث ضربات إجهاضية مدمرة وهي: الاولى: بدأت مع المحاولات التمهيدية الاولى للتحرك الأوروبي الرأسمالي العالمي نحو احتلال واستعمار دول العالم الثالث، وخاصة منه منطقتنا العربية، بدءاً بتحويل وتغيير مسار الطرق التجارية العالمية التي كانت تحت سيطرة منطقتنا العربية انذاك ثم السيطرة الاستعمارية على تلك الطرق كلها، مما افقد التشكلات الطبقية الاولى في منطقتنا المصدر الرئيسي لتحقيق التراكم الرأسمالي والتبلور الطبقي.. الثانية: بدأت فوراستكمال الاحتلال العسكري وبسط السيطرة الاستعمارية الكاملة من قبل الدول الاستعمارية الاوروبية لدول منطقتنا حيث تركز الهم الكلي للاستعمار على نهب واستنزاف الثروات الطبيعية لدول المنطقة لصالح الرأسماليات الاستعمارية من ناحية، وحرمان الرأسماليات المحلية، في بدايات ولادتها الاولى، من العمل والحركة لتاخذ مسارها الطبيعي في النمو والتبلور والتشكل الطبقي، وإجهاض ذلك المسار بسحب وإلغاء شروط التطورواجوائه الصحية امامها وتشويه عملية تطورها الطبيعي لتصبح مجرد فئة وسيطة (كمبرادورية) بين منتجات الرأسمالية الاستعمارية واسواقها المحلية، بدل ان تتطور لتصبح طبقة اجتماعية قادرة على القيام بدورها القائد.. الثالثة: بدأت مع تنامي دور وتأثير حركات التحرر الوطني في إنتزاع حرية واستقلال بلدانها عن السيطرة الاستعمارية ومع البدايات الاولى لتشكل (الدولة الوطنية) التي اقترنت ، في غالبيتها بتطبيق نهج اقتصادي(اشتراكي) باسم او بالنيابة او لصالح (الطبقة العاملة) في مرحلة لم تكن هذه الطبقة موجودة وتبلورها (كطبقة اجتماعية ولو بالحد الادنى) حيث من المعروف بأن( الطبقة العاملة هي بنت الصناعة الرأسمالية الثقيلة ) وهكذا وجهت الضربة الثالثة لطبقة واعدة راسمالية اجهض الاستعمار تكونها الطبيعي وشوه تطورها وأكملت (الدولة الوطنية) في بداياتها ما تبقى لها من حياة وحيوية، واكملت هذه الدولة بعد سقوط تجربة الدولة الوطنية بنهجها الاشتراكي، ومجي نُظم حُكم مستبدة فاسدة بإنهاء اي آمل لانعاش الرأسماليات الوطنية المنتجة وذلك بخلق فئات طفيلية دخلت الميدان الاقتصادي التجاري مستفيدة وموظفة عائدات فساد الأنظمة وسلطاتها مع سياسات الوأد المنظم لأية احتمالات بإحياء دور ملموس لرأسمالية محلية حقيقية ومنتجة.. وهكذا يبدو إتجاه وإصرار المبادرات المطروحة للاصلاح في دول المنطقة على فرض الفلسفة والنهج الاقتصادي الرأسمالي بأسسه وقوانينه وغاياته في ظل غياب او شبه غياب، للطبقة الرأسمالية المنتجة الحقيقية، بالمفهوم العلمي للطبقة يعد ضرباً من ضروب العبث والسير في طريق خاطئ، حيث كان من المنتظر والمحتم على تلك المبادرات ان تصيغ خططها ومقترحاتها من اجل تهيئة الاجواء وخلق الشروط والاوضاع الضرورية واللازمة لتنشيط وتفعيل الرأسماليات المحلية وتمكينها من العمل الطبيعي لبناء نفسها وأسسها ومقوماتها اللازمة للقيام بدورها القائد لعملية التطوروالتحديث، لا أن تفرض آليات وقوانين السوق الرأسمالية في غياب وتواري الرأسماليات المحلية ودورها الهامشي بالغ الركاكة والهشاشة في الاوضاع الحالية. 2ـ ولوكانت أمريكا ودول الغرب الرأسمالي الكبرى صادقة وجادة في تعميم وفرض النموذج (الليبرالي) بشقيه الاقتصادي الرأسمالي والسياسي الديمقراطي على دول ومجتمعات الشرق الاوسط الكبيروالواسع والعريض، لركزت في مبادراتها الاصلاحية المطروحة على دول المنطقة على تنشئة وتقوية وتوسيع الطبقة الرأسمالية الناشئة والمنتجة ،وتعزيز دورها السياسي بمختلف السبل والوسائل مثل حصرعملية خصخصة المشاريع الاقتصادية العامة في كل بلد على الرأسمالية المنتجة المحلية فيها دون غيرها من الرأسماليات العالمية المتطورة او الفئات الطفيلية المحلية المرتبطة في نشأتها ونشاطها ودورها على الفساد القائم، وإعطاء مدة زمنية معقولة وكافية كمهلة تعفي دول المنطقة من الالتزام وتنفيذ الشروط الموضوعية للانضمام لمنظمة التجارة العالمية وذلك بهدف رعاية وحماية الرأسماليات المحلية المنتجة الناشئة وتأهيلها بما يمكنها من الدخول الى حرية التجارة العالمية وحرية المنافسة بالحد الادنى من القدرة المنافسة، اضافة الى تقديم الدعم والمساعدات والتسهيلات المادية والفنية المسيرة لها من الدول الرأسمالية الكبرى وغير ذلك من السبل والوسائل. 3ـ ان النهج والنمط الاقتصادي الذي تسعى تلك المبادرات الى فرضه على دول منطقتنا ينم ويعبرعن نزوع رأسمالي عالمي بالغ التطرف والوحشية برز مؤخراً في أعقاب انتهاء مرحلة الحرب الباردة وسقوط المعسكرالاشتراكي تحت عنوان(العولمة) وهو نزوع لا يعرف سوى الربح والربح فقط وبأي ثمن كان، وهو محل رفض ومقاومة واسعة داخل المجتمعات الرأسمالية بالغة التطور والتقدم نفسها لما يشكله من تهديد مباشروعميق لحياة ومعيشة الغالبية الساحقة في تلك المجتمعات كما تدل على ذلك حركة (مناهضة العولمة) على المستوى العالمي ومظاهراتها العنيفة. وواضح تماماً أنه في حال رفض هذا النهج والنمط الاقتصادي الرأسمالي على دول ومجتمعات العالم الثالث، ومنطقتنا جزء منه، حيث الفقرالمدقع الواسع والتخلف الاقتصادي والاجتماعي والصناعي والثقافي السائد، فإن النتيجة المنطقية الوحيدة المتوقعة هي تحول مئات ملايين البشر في هذه البلدان والمجتمعات الى مجرد سوق استهلاكية معدومة القدرة الشرائية واستعبادها لصالح جشع ووحشية الرأسمالية المتقدمة، حيث سيؤدي هذا النمط والمنهج الى ضرب وإقفال الباب نهائياً لأية احتمالات بنشوء رأسماليات منتجة ووقف الاستثماروالتنمية وانتشارالبطالة والفقرعلى نحو خيالي مخيف.. 4ـ ان طبيعة وخصوصيات المكونات الثقافية والدينية والاجتماعية التي بَلورت وشكلت تقاليد وأعراف وأنماط حياة المجتمعات الشرقية عموماً عبر الاف السنين، ترفض رفضاً قاطعاً تَقبُل مثل ذلك النهج والنمط الاقتصادي الرأسمالي المتطرف والمتوحش في إيمانه بالفردية والربح كهدف وحيد مهما كان الثمن، لأن تاريخها سارعلى أنماط تجمعها صيغة (تكافلية تعاونية) تحقق قدراً معقولاً ومقبولاً من شروط العدالة الاجتماعية بين افراد المجتمع تَحُد من مظاهر وحالات الفقر والبطالة وتضمن التماسك والتلاحم للنسيج الاجتماعي والسياسي للمجتمع. 5ـ واخيراً فان تسويق ونشرالافكار والعقائد على النطاق الخارجي الدولي لأي دولة، حتى وإن كانت القوة الأعظم الوحيدة بدون منازع مثل الولايات المتحدة الامريكية اليوم، لايمكن ان يتم بأي حال من الاحوال وتحت اي ذريعة ومبرر باستخدام وبالاحتكام الى منطق القوة وجبروتها او حتى التهديد بالتلويح باستخدامها وعبر الضغط والإكراه ولو امكن لمنهج قهري تهديدي قسري كهذا ان ينجح في اهدافه ومقاصده المرجوة حتى وإن نجحت القوة المسلحة باحتلال اي بلد من البلدان تحت ذريعة ومبرر تخليص شعبها من الاستبداد والديكتاتورية والقمع الدموي الحاكم، والتضحية الغالية الجسيمة لمنحه الديمقراطية والحريات وحقوق الانسان لشعب ذلك البلد والإدعاء بجعله افضل نموذج ونظام ديمقراطي في العالم،وذلك لأن استخدام القوة العسكرية والتدمير والقتل المخيف وسفك الدماء وانتهاك حرمات وحريات وحقوق أعداد واسعة من ابناء ذلك البلد لايجوز ولا يمكن قبوله فيما يتعلق بفرض الافكار والأيديولوجيات مهما بلغت عظمتها وايجابياتها وهو ما يمنح تلك الشعوب كامل الحق والمشروعية القانونية والانسانية لمقاومته، وحتى فيما يتعلق بقضايا الإيمان بالله الخالق ودينه القويم فإن الاسلام يُحرِم القهر والقسر والإكراه بجميع اشكاله وصوره لتحقيق ذلك.. هذا بالاضافة الى ما يخلفه ذلك الاسلوب الهمجي المتخلف في الفرض والإكراه والقهر من خلال استخدام القوة او التهديد والترويع باستخدامها من شعور وقناعة راسخة ويقينية لدى الشعوب بأن هذا الاسلوب وإن جاء تحت شعارات مساعدة الشعوب وتخليصها من حكامها الطغاة ومنحها الحرية الديمقراطية وغير ذلك من الشعارات يُعد عملاً ارهابياً يعتمد على القوة والقتل والتدمير والترويع حتى وان كان هدفه انسانياً خَيِراً كما هو معلن ، وهو ما يعطي ويمنح كامل الحق والمشروعية لنزعات الارهاب وقوى الارهاب لأعمالها واساليبها الإجرامية لأنها هي الاخرى تعتمد على القوة والقتل والعنف والترويع لفرض قناعاتها وافكارها وتوجهاتها، تماما كما تفعل الدولة الأعظم والعظمى في فرض القيم والأيديولوجيات الانسانية البديلة!. ولا فرق بينهما وبين الارهاب والارهابيين الذين تَشُن حرباً عالمية شرسة ومخيفة تحت دعاوى محاربته. وختاماً فإن الافكار والقيم والأيديولوجية العظيمة وكذا الخطط والبرامج الهادفة الى تحقيق إصلاحات وتطورات شاملة وعميقة لأوضاع مجتمعاتنا ومجتمعات دول العالم الثالث المتخلفة ينبغي بل ويجب لزوماً، ان تصيغه وتحدده القدرات المؤهلة علمياً والمتخصصة والكفؤة وذوي الخبرة من أبناء كل بلد او مجتمع على ضوء حقائق واقعها وظروفها الموضوعية بالاستئناس والاستفادة من كل مفيد وإيجابي وصالح تضمنته مبادرات الإصلاح الخارجية وعطاءات الفكر الانساني كله دون عُقَد الشعوربالاستعلاء والانغلاق التعصبي الشوفيني العقيم او مشاعرالاحساس بالدونية والنقص. ولا بأس بل من الضروري والمفيد والحيوي إن أمكن إدارة حوارحيوي وخصب يتميز بسعة الآفق والعمق المعرفي والعمليات المفتوحة بين طروحات الخارج، ورؤى واجتهادات الداخل تحقيقاً للأصوب والأفضل والأنجح دائماً في وضع الحلول والمعالجات الفعالة لمشاكلنا وازماتنا الحوارية وتطلعاتنا دون انغلاق او إملاء لا مبرر له ولا جدوى في الإصلاح الشامل.. وفيما يتعلق بالهدف الثالث والأخير لوقفتنا الحوارية هذه الذي يدور حول( عولمةالثقافة) او بالأصح محاولات فرض ثقافة وعادات وتقاليد وأنماط حياة اخلاقية سلوكية عالمية وموحدة على شعوب وأمم العالم أجمع مستوحاة من نمط وثقافة وحياة واخلاقيات وسلوكيات بلد واحد، وإن كان الأقوى والأعظم دون منازع في العالم اليوم، وذلك على حساب امتصاص واذابة خصوصيات الثقافات والمكونات الحضارية التاريخية لمختلف شعوب وأمم العالم وخبراتها وتجاربها الخاصة المتكونة منذ الاف السنين والضاربة بجذورها بعيداً وبعيداً في عمق واقعها، فان ذلك يُعد، بكل بساطة رغبة واتجاهاً وجموحاً صبيانياً سطحياً ومغرقاً في السذاجة والمثالية الخيالية وذلك انطلاقا من حقيقة راسخة وثابتة وجلية تشيرإلى أن ثقافات الشعوب والأمم ومنظومة اعرافها وتقاليدها وأنماط حياتها ومعيشتها وعلاقاتها الخاصة لم تُبن بين يوم وليلة بل صنعت وتكونت عبر تجارب وخبرات اجيال عديدة وممتدة الى الاعماق البعيدة والموغلة في القدم من تاريخها الانساني، وبالتالي فان تغييرها واستبدالها بأخرى من المستحيل تحقيقه بمجرد توفر الرغبة والحماس وبجرة قلم يخط بمداده على ورق صاف!. ولأن مثل هذا الهدف شاطح على ارضية هشة من المثالية والنوايا الطيبة وغير منطقية ولا معقولة ولا ممكنة لن تعود سوى بالإحباط وخيبة الأمل لأصحابها والمعتقدين بها، فاننا لن نجهد انفسنا في الوقوف عندها بالحوار والنقاش ونقتصر بشأنها ومن باب الشعور بالشفقة تجاه اصحابها على الاشارة الخاطفة بأننا نقبل على الفور وبدون ادنى تردد، الثقافة الانسانية الجادة والمفيدة وقيمها الراقية والرفيعة والنافعة، في جميع صورها ومجالاتها، لكننا، وبكل وضوح وصراحة، نقول بأنه يستحيل تمام الاستحالة ان نقبل ونتقبل على الاطلاق قيم واخلاقيات وسلوكيات الثقافة الغربية(الساقطة) المروجة للتحلل والانحلال والشذوذ الجنسي والاباحية الاخلاقية المقززة والمثيرة للتقيؤ والغثيان والاشمئزاز التي تُمارس في مجتمعات الغرب جهاراً نهاراً وبعلنية وبحماية ومشروعية قانونية ودستورية، فمثل ذلك ترفضه المجتمعات الشرقية رفضاً مطلقاً وحاسماً وعنيفاً لأنه لا فائدة ولا جدوى من ورائه سوى الإنحطاط والتدني بطبيعة الانسان السامية الى مراتب الحيوانية والقذارة والحقارة المُهينة لعظمة وسمو الانسان الذي كرمه الله وفضله على كل خلقه ومخلوقاته وشرف ونبل دوره ومقاصده في هذه الحياة الدنيا،ولا انسى ان اطلب المعذرة من الصحيفة العزيزة والقراء الكرام بهذا التطويل الذي ربما كان مملا . صحيفة الأمة