إنه الجنون بعينه .. إنه أمر يفوق الخيال بهذا المعنى وصف السيد/ ياسر عبد ربه وزير الإعلام والثقافة الفلسطيني الأحداث الرهيبة المدمرة التي جثم كابوسها المخيف على الولايات المتحدة الأمريكية منذ بدايتها الأولى عند حوالي ا لساعة الرابعة من عصر يوم الثلاثاء بتاريخ 11 سبتمبر 2001م بالتوقيت المحلي لليمن ، والتي استهدفت موا قع إستراتيجية حساسة في كل من مدينتي نيويورك وواشنطن وأسفرت عن التدميرالكامل لمبنى مركز التجارة العالمي ببرجيه الذي يرتفع كل واحد منهما إلى مائة وعشرة أدوار، إضافة إلى مجمع مباني وزارة الدفاع (البنتاغون) ومباني وزارة الخارجية وربما المقر الرئاسي ( البيت الأبيض ) وأهداف أخرى يبدوا أن الطائرات كانت متوجهة إليها لولا تعرضها لعملية إسقاط عسكري قبل وصولها إلى أهدافها . إن تلك العملية الإرهابية الفظيعة تعتبر متفردة ولم يسبق لها مثيل على امتداد التاريخ الإ نساني المعلوم تقريبا سواء من حيث طبيعة التخطيط المبتكر أو من حيث الاعداد والتنفيذ المتناهي والدقة والاحكام،او من حيث الأساليب والتقنيات المستخد مة في التنفيذ إضافة إلى توفر قاعدة معرفية معلوماتية ملفتة للأنظار، إن توفر المقدرة المذهلة لمنفذ العملية على السيطرة واختطاف خمس طائرات مدنية أمريكية من مطارات أمريكية واستخدامها وسائل أ و أدوات لتنفيذ عدة هجمات متفرقة في حيز زمني واحد أ ومتقارب للغاية ونجا حهم في احداث أفدح الخسائر المتجاوزة لحد ود الخيال التوقعي في الأرواح والإصابات البشرية وحجم الأضرار المادية الجسيمة كل هذه الحقائق وحقائق تفصيلية أخرى تدل دلالة واضحة ويقينية على أن هذه العملية تختلف اختلافا جذريا عن كافة ما عرفه العالم من أعمال إ رهابية حتى الآن نوعا واسلوبا وأبعادا وأصبح العالم أمام منحى مختلف وجد يد وأكثر خطورة وأبعد أثارا في سياق أعمال العنف الإرهابية، انه نمط جديد في التفكير و الأداء الإرهابي لا هدف له سوى إحداث أقصى قدر من الضحايا والخسائر البشرية المدنية البرية بتجرد تام عن كافة صور وأشكال المشاعر والعواطف الإ نسانية كالرحمة والشفقة، وبدون تمييز بين بري ومذنب ومدني ومسلح وأمراة ورجل وطفل وشاب وعلى نحو يتعارض مع كافة الشرائع والأعراف والقيم والسلوكيات الدينية والإنسانية السامية. إن الذي حدث في أمريكا يوم 11سبتمبرلايمثل كارثة قومية لأمريكا والشعب الأمريكي فحسب ولكنه يمثل في حقيقة الأمر كارثة وفاجعة إنسانية وعالمية للجنس البشري كله الذي يعيش على كوكبنا الأ رضي على اختلاف أصوله وأعراقه وأجناسه ودياناته وثقافاته ، ولأن الآلاف ا المؤلفة من ضحايا ذلك العمل الإرهابي الشرير ينحدرون أصلا من ذلك الجنس البشري باختلاف مكوناته وجذوره وأصوله الحضارية الدينية ، ولا يعتقد مطلقا أن هناك ا نسانا في عالمنا يمكنه أن يشعر بالغبطة والسرور والفرحة حين يرى مجموعة من المجرمين يختطفون بالنهب طائرات مدنية تقل مسافرين مدنيين أبرياء أمنين ثم يوجهون تلك الطائرة المخطوفة بمن فيها من المسافرين للنسف أو تدمير منشئات مدنية بمن فيها من البشر، انه مشهد مخيف ومرعب ومقزز تمقته الفطرة الإ نسانية السوية . وأيا ما كانت الهويات والانتماءات الوطنية والدينية لمخططي ومنفذي تلك الأحداث المأساوية فإن اتجاه أو توجيه ردود الأفعال الانتقامية نحو تحميل شعب من الشعوب أوديانه من الديانات مسئولية تلك الأعمال الإرهابية سيكون خطا فادحا تترتب عليه جملة من النتائج المدمرة والعواقب الوخيمة تصيب شعبا أو أتباع دين من الأديان بكامله وبدون استثناء دون إلحاق أي أذى أو ضرر يذكر بالإرهاب والإرهابيين ، الذين يحصدون فوائد ومكاسب مهمة وواسعة لم يحلموا يوما بها حيث تجبر قطاعات شعبية واسعة على غير إرادتها على الوقوف مع الإرهاب والإرهابيين وتأييدهم ودعمهم والالتفات حولهم ، ولا خيار أخر أمامهم . والحقيقة الثابتة والمؤكدة عبر مختلف مراحل التاريخ الإ نساني تبرهن على عدم وجود شعب من شعوب الأرض ومهما كانت عقيدته الدينية يخلو من وجود أشرار وقتلة وإرهابيين ومجرمين ، قاموا بارتكاب أبشع الجرائم وأفظع المجازر ضد أبناء وطنهم وديانتهم وتدمير مباني حكومية على رؤوس من بداخلها من الموظفين وقتل تلاميذ مدارس وأطفال وحصد أرواح أعداد كبيرة من الأبرياء بإطلاق غازات سامة مميتة داخل أنفاق سكك الحديد وغير ذلك من الأعمال الإرهابية البشعة، لكن أحدا لم يتهم الأمريكيين أو اليابانيين أو البريطانيين جميعا بالإرهاب والإجرام . وإذا كانت دوائر وأوساط إعلامية وسياسية نافذة ومؤثرة داخل الدول الغربية قد استثمرت الأحداث الإرهابية الدموية التي حدثت في أمريكا وقامت بتوظيفها لتعميق وتوسيع وتأجيج مشاعر العداء والكراهية للعرب والإسلام إضافة إلى الاستغلال الحقير والمقيت للكارثة الإنسانية المأساوية من قبل ( إسرائيل ) وا لدوائر الصهيونية العالمية التابعة لها وتوجيه مشاعر الغضب والاستياء في أوساط الرأي العام الأمريكي خاصة والغربي عامة ضد العرب والإسلام وتقديم نفسها وإمكانياتها لمناهضة الإرهاب ومحاربته والإ نتصار للحضارة والحرية في العالم ، في حين يرى العالم أجمع حرب الإبادة والتطهير العرقي الذي تمارسه إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني قتلا للمدنيين والأطفال والنساء والأبرياء على شكل مجازر بشرية يومية ، وتفجر المساكن وتجرف الأراضي الزراعية وتصفي كافة مظاهر الحياة على أرض فلسطين . تلك الممارسات العنصرية الإسرائيلية أحد الأسباب الرئيسية لما تعرضت له أمريكا من كارثة إنسانية مريعة ، ومع ذلك فإن ما يهمنا هنا ، بل يتوجب علينا هو أن نوضح ونبين حقيقة موقف وتعاليم الدين الإسلامي إزاء قضايا ومسائل أساسية وجوهرية كالحرية وقدسية حياة الإنسان وتحريم قتل النفس الإ نسانية والإرهاب والترويع وعدم الاعتداء ووجوب معاملة غير المسلمين معاملة إنسانية راقية يسودها الحب والبر والتعاون والعدل وذلك باختصار شديد للغاية وفي نقاط أو عناوين رئيسة على النحو التالي : 1) يعطي الدين الإسلامي أهمية كبيرة لحرية – الإنسان- في الاعتقاد والتفكير والاختيار والعمل ، ويعتبرها قضية مركزية وفي القران الكريم أكثر من ستمائة أية تضمنتها مختلف سور القران الكريم تحث وتؤكد وتوجب احترام حرية الاعتقاد ( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ). 2) حرم الإسلام على أتباعه القيام بأي شكل من أشكال العدوا ن على الآخرين (ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين ) وأوجب عليهم الجهاد في حالات محددة مثل رد العدوان على أن يكون الرد بمثل العدوان الواقع عليهم وفيما عدا ذلك أمرا لإسلام أتباعه بمعاملة الآخرين بأرقى وأسمى أشكال العلاقات والمعاملات الإنسانية(أن تبروهم وتقسطوا إليهم ) بالعدل المطلق. 3) أمر الإسلام أتباعه بالدعوة إلى معتقدهم الديني بأسلوب الحوار السلمي الودي الهادي فقط (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ) 4) في كتب الفقه التي وضعها كبار علماء الإسلام لتوضيح وتفسير وتبيين أحكام وتعاليم القران الكريم الإجمالية ، في مايتعلق بأصول وقواعد وأخلاقيات الحرب وفي حالة قيام المسلمين بالحرب ضد عدوان يشنه الآخرون عليهم نجد حرصا كبيرا وتشددا بالغا في إلزام المسلمين بعدم التعرض للمدنيين الأبرياء غير المقاتلين بأي أذى واقتصار حربهم على المحاربين فعلا فقط، بل أكثر من ذلك يلزمون بعدم قطع الأشجار وقتل الحيوانات والأبلغ من كل ذلك يلزم المسلم المحارب بعدم ملاحقة عدوه المحارب إذا انسحب من ميدان المعركة وولى هاربا ..! 5) وهناك حديث شريف يروي عن رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم يتضمن ما معناه بأن هدم الكعبة المشرفة حجرا على حجر برغم عظمتها ومكانتها الرفيعة عند الله سبحانه وتعالى أهون عند الله من ترويع إنسان إلى هذا الحد الرفيع والسامي يحرص الإسلام على ضمان الأمن والأمان والطمأنينة والسلام والاستقرار للإنسان على نحو لم تبلغه كافة الرسالات السماوية والنظريات والأفكار الوضعية . 6) ولم يقتصر الإسلام على إضفاء قدسية خاصة لحياة الإنسان وضمان حمايتها واحترام حرية الإنسان وحقوقه المشروعة كاملة حيث اعتبر قتل نفس بغير نفس أو فسادا في الأرض بمثابة قتل للبشرية كلها، بل امتدا ليشمل حماية البيئة والحياة البرية وسلامتها حيث ربط حق الإنسان في اصطياد الطيور والأسماك والحيوانات البرية باحتياجاته الأساسية فلا يجوز للإنسان الاصطياد إلا لضرورة حياتية وإلى حد لا يزيد عن سد حاجاته الغذائية الضرورية وكذا بالنسبة لقطع الأشجار واستخدام المياه وأي إسراف في استخدام مثل تلك الحقوق الإنسانية في الاستفادة من خيرات البيئة الطبيعية يعتبره الإسلام فسادا في الأرض ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ) و( ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ) . هذا هو باختصار شديد الدين الإسلامي الحق كما نفهمه وكما فهمه أسلافنا الأوا ئل منذ بزوغ فجر دين يقوم فيه وبه سلام ووئام وتعايش سلمي تام وشامل في حياة البشر كافة تحكمها وتضبط مسارها وغاياتها معايير الحق والعدل والمساواة ويسودها الحب الإ نساني والتعاون والتكافل لتحقيق الخير والأمن والأمان والطمأنينة والرفاهية وتنتفي منها مساوئ وشرور الظلم والطغيان والقهر والاستبداد. هذا هو الإسلام الحق الذي لا يمكن على الإطلاق أن يتيح على أرضه الرحبة وتحت سمائه الصافية موطئ قدم لشرير أو ارهابي او مجرم او سفاح، ذلك هو الاسلام الحقيقي الذي يجب على الغرب والعالم أن يفهمه ويتفهمه أنه إسلام السلام والمحبة والخير شاءت (إسرائيل) أم أبت؟ أعجبها أم لم يعجبها ؟ وشاءالإرهابيون أم أبوا؟ ، وعوا وفهموا أم عموا وصموا ؟ فالله متم نوره وهو القاهر فوق عباده … والموضوع كبير ومتشعب ونأمل أن تكون لنا عودة إليه بإذن الله تعالى.