على هامش التطورات الحدودية اليمنية السعودية : هل أخطأت الادارة اليمنية دبلوماسية المفاوضات !! صحيفة الامة

قبل ان أبدا بالخوض في هذه القضية الحساسة والهامة للغاية على الصعيد الوطني والاقليمي والقومي اود ان اسجل واؤكد حقيقتين اساسيتين وهما : الحقيقة الاولى : انني كمواطن يمني عربي ذو توجه قومي وحدوي عربي اشعر دائما بحالة عميقة  من الاشمئزاز والضيق والتبرم حينما اشاهد تلك الخطوط الهندسية التي رسمتها القوى    الاستعمارية على خارطة الوطن العربي الواحد واكدتها وفرضتها حدودا سياسية سيادية تمزق  وتشتت الوطن والامة العربية الواحدة الى عدد كبير من الكيانات والدول والدويلات  المختلفة والمتناحرة غالبا وخاصة بسبب مشاكل الحدود فيما بينها التي زرعها الاستعمار قنابل  موقوتة قايلة للانفجار في اي وقت ، واؤمن بان تلك المشاكل المتأججة نارها وضرامها ، وقد باتت امرا واقعا ليس بمقدورنا تجاوزه او القفز عليه ،يجب ان تتم معالجتها وتسويتها بين الاشقاء بروح عربية صافية وفي اطار من الاخوة والمصير الواحد ، ومن منطلق الايمان الراسخ بان الجميع ، في المحصلة النهائية اعضاء اسرة واحدة وشركاء بيت واحد بصرف النظر عن حجم المساحة التي يشغلها اي منهم في ارجاء ذلك البيت الكبير . الحقيقة الثانية : ان شواهد وحقائق التاريخ ومنطق ومعطيات الجغرافيا كانت عبر مختلف العصور والازمان كلها تؤكد وهي لاتزال تؤكد على ان منطقة شبه الجزيرة العربية التي تشكل كل من السعودية واليمن اليوم قاعدتها الاساسية ومركز ثقلها الاكبر ، لايمكن باي حال من الاحوال الا ان تكون كتلة واحدة متعاونة ومتناغمة ومتكاملة في كافة المجالات ، وكل ما تعارض مع هذه القاعدة الثابتة لايعدو ان تكون سوى عارض مؤقت عابرلا يلبث ان يسقط ويتلاشى امام قوة ورسوخ الحقائق التاريخية والجغرافية الثابتة ، وعلى هذا الاساس فان واقع ومستقبل علاقات الاخوة والمحبة والتعاون والتناغم والتكامل الشامل والصادق بين الشعبين والبلدين الشقيقين الجارين اليمن والسعودية ، يجب ان يظل دائما هدفا وغاية اسمى وابقى واهم كثيرا من خط يرسمه الطرفان على خارطة الحدود السياسية بينهما وسواء كان لصالح اليمن او لصالح السعودية فان الثابت والمؤكد انه في صالح الشقيقين معا  ما دام ذلك الخط الحدودي مرسوما في نطاق البيت العربي الواحد .                                                                                 وعلى اساس هاتين الحقيقتين وفي ضوئهما سنتناول موضوعنا المتعلق بطبيعة وابعاد   التطور الاخير في محادثات ترسيم الحدود بين البلدين والمتمثل بتصريح الامير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي لصحيفة الحياة اللندنية وفحواه كما نقلته صحيفة (( 26 )) سبتمبر في عددها الصادر بتاريخ 10 / ديسمبر 1998م (( ان السعودية ارسلت الى اليمن خطابا يعرب عن استعداد الحكومة السعودية للتحكيم واحالة موضوع  الخلاف الحدودي بين البلدين الى محكمة العدل الدولية اذا اراد اليمنيون ذلك )) .  ورغم التكتم الشديد وحجب المعلومات حول مسار المحادثات التي كانت جارية بين البلدين وخاصة منذ التوقيع على مذكرة التفاهم بينهما بمكة المكرمة في 27 رمضان عام 1417 ه التي وضعت اطارا معقولا ومقبولا لمحادثات وكيفية حل المشكلة الحدودية بين البلدين الشقيقين الا اننا نستطيع من خلال التصرحات المحدودة والعامة من قبل مسئولي البلدين ان نستخلص جملة من الملاحظات والاستنتاجات اهمها : 1- ان الاشقاء في السعودية كانوا دائما يتحدثون عن الحل الاخوي الودي للخلاف الحدودي . ولم يسبق ان تحدثوا عن امكانية اللجوء الى التحكيم الدولي مطلقا فيما اعلم .. 2- ان اليمن كانت غالبا ما تلوح باللجوء الى التحكيم الدولي في حالة عدم التوصيل الى حل ودي .. 3- ان مجمل تصريحات مسئولي البلدين كانت تشير في الغالب الاعم الى ايجابية سير المحادثات وتقدمها بل ان بعض التصريحات ذهبت الى ابعد من ذلك مؤكدة لحل اكثر من 95% من مشكلة ترسيم الحدود ، وان اعلان الحل النهائي بات وشيكا جدا . 4- ان اعلان السعودية استعدادها للتحكيم واحالة الخلاف الحدودي الى محكمة العدل الدولية اذا رغبت اليمن بذلك ، يعتبر الاول من نوعة منذ بدء المحادثات بين البلدين . 5- وزاد وزير الخارجية السعودي الى ذلك القول بان اليمنيين وتحت كل الظروف لن يحصلوا من التحكيم على ما هو افضل مما سيحصلون عليه بالمفاوضات الودية . 6- ان موقف بلادنا ، كما يستخلص من تصريحات المسئولين عقب اعلان الموقف السعودي الجديد ، بدا اكثر تشبثا واستحسانا للحل الودي واختفى او كاد التلويح باللجوء الى التحكيم هذا اذا استثنينا رد الاخ نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية د/ عبد القادر باجمال الذي رحب فيه بتصريحات سمو الامير سعود الفيصل وان اليمن ترحب برغبة الاشقاء في المملكة العربية السعودية باللجوء للتحكيم الدولي لحل قضية الحدود بين البلدين الشقيقين . ولسنا هنا بصدد المفاضلة بين الخيارين فذلك متروك لارادة البلدين في الاخير ، ولكن وعلى ضوء الملاحظات والاستنتاجات سالفة الذكر ، فان سؤالا كبيرا يطرح نفسه عن سر ودوافع هذا الانقلاب المفاجئ في موقف البلدين ازاء مسألة الخلاف الحدودي ؟ ان المتتبع عن بعد لاعمال اللجان وسير عملية المحادثات التي بدات بعد التوقيع على مذكرة التفاهم يلحظ بان اللجان المتخصصة المشتركة كانت تعقد اجتماعات دورية وتدون نتائج اعمالها في محاضر اجتماعات رسمية موقع عليها من الطرفين ، وان هناك رسائل رسمية متبادلة بين قيادتي البلدين حول ما انجزته المحادثات والعقبات والقضايا التي لا تزال معلقة ومحل خلاف ، وقد تكون التصريحات السابقة القائلة بان 95% من المشكلة او اكثر قد تم حله وان الاتفاق النهائي بات على وشك التوقيع مبنية على تلك المحاضروالمراسلات المتبادلة وعلى ضوء ذلك يعتقد البعض ان الاشقاء في السعودية تهيأت لهم فرصة للحصول وتجميع اكبر قدر من الوثائق والمستندات الرسمية من خلال محاضر الاجتماعات والرسائل الرسمية المتبادلة عملت على تعزيز وتقوية موقفهم القانوني والتفاوضي في حالة اتفاق الطرفين على احالة الخلاف الحدودي الى التحكيم الدولي ، وعلى العكس من ذلك بالنسبة للموقف القانوني والتفاوضي لبلادنا . واذا ما كان هذا الاعتقاد صحيحا فان معنى ذلك يشير الى ان الذين اوكلت لهم مسؤلية الملف الحدودي ديبلوماسية ادارة المحادثات وصولا الى هدفها النهائي في حل يلبي مصالح الطرفين الشقيقين ، وهو ما ادى الى اضعاف الموقف التفاوضي لبلادنا والوقوع في فخ تسليم اوراق قوته للطرف الاخر دون ان يضع في حسابه التاكد من توافر الضمانات الكافية للحصول على مقابل مواز للتنازل عن اوراق قوته ومؤدى ذلك كله ان مثل هذا الاحتمال ان كان صحيحا فانه يكون قد تسبب في خسارة وطنية فادحة ومدمرة وتطرح امام قيادتنا السياسية تساؤلات جوهرية مؤلمة ابرزها : 1- هل من المعقول ان تقع القيادات المسئولة عن الملف الحدودي وادارة دفة المحادثات الديبلوماسية في خطا بمثل هذه الفداحة وهي صاحبة كفاءات ومؤهلات وتجارب وحنكة عالية ؟ 2- واذا كانت – لاسمح الله – قد وقعت في مثل ذلك الخطا الفادح ، فهل وقعت فيه بحسن نيه ام بسوء نيه ؟ وان كان بسوء نيه فلماذا ولصالح من ؟ ومن اجل اي هدف ؟ 3- هل يمكن اجراء تحقيق على مستوى عال ، وتتم مساءلة ومحاسبة المسؤولين عن ضياع المصالح الوطنية لبلادنا ؟  كل ذلك وغيره يظل مجرد تساؤلات وافتراضات مبنية على اعتقاد تعززه شواهد واستنتاجات ولسنا في وضع يمكننا من معرفة الحقيقة لافتقارنا الى معلومات صحيحة حول ماجرى .. ولكننا هنا انما نعبر عن مخاوف حقيقية وجادة ان يكون الاعتقاد صحيحا .. والقيادة السياسية هي وحدها التي تملك المعلومات الصحيحة والكاملة ، وهي وحدها المسؤولة وصاحبة الحق في اتخاذ الاجراءات الصحيحة ان كان ما اعتقد بان حدث قد حدث بالفعل .  ان دافعنا لهذه المخاوف ليس بهدف تاجيج مشاعر العداء والاحقاد بين الشعبيين الشقيقين والبلدين الجارين ، بل بهدف التوصل الى حل مرض للطرفين باي طريقة تحقق هذا الحل . المهم هوان نضع نصب اعيننا وعقولنا دائما الحقيقة الساطعة واليقينية والازلية بان اليمن والسعودية لايمكن الا ان يكونا توامين متجانسين ومتكاملين ومتعاونين على نحو شامل وصادق وراسخ لانهما من اصل واحد وارض واحدة ودين واحد وتاريخ واحد ومصير مشترك واحد ، ولامكان لشئ اخر بينهما غير ذلك رغم اي شئ وكل شئ .      

By Editor