“صندوق الإقتراع” .. المفترى عليه! (الحلقة الاولى)

حين بدأت موجة “الديمقراطية” ومايتصل ويرتبط بها من مبادئ وقيم كحقوق الانسان والحريات الفردية والعامة ؛ حرية الصحافة وحرية التعبير وحرية الاعتقاد وحرية التنظيم السياسي والاجتماعي والنقابي والحق في السفر والتنقل وغير ذلك من الحقوق الاقتصادية والثقافية ، اضافة الى كفالة وحماية حقوق الاقليات الاثنية والقومية والثقافية ،وحقوق المرأة الى آخر هذه المنظومة المترابطة المتكاملة التي تندرج ضمن اطار ومفهوم الديمقراطية “الليبرالية” ، اقول حين بدأت هذه الموجة تمتد وتنتشر وتتصاعد وتائرها على الصعيد العالمي كله متجاوزة الحدود الوطنية ومعايير السيادة والاستقلال الوطني ، عقب انهيار “جدار برلين” اوائل العقد الاخير من القرن العشرين المنصرم الذي شكل معلما ورمزا لانقسام العالم بين معسكرين دوليين عظيمين ؛ المعسكر الرأسمالي الغربي بقيادة الولايات المتحدة الامريكية ، والمعسكر الاشتراكي الشرقي بقيادة الاتحاد السوفيتي ، ونشوب الحرب الباردة بينهما على اثر الحرب العالمية الثانية ، وما تلى انهيار جدار برلين من انهيار وسقوط احدى القوتين او المعسكرين العالميين الكبيرين اي الاتحاد السوفيتي والمنظومة الدولية الاشتراكية الموالية له .. حتى رأينا الكثير من الدول او الانظمة الديكتاتورية الشمولية القمعية الاستبدادية في العالم الثالث تخوض معركة “البقاء” والاستمرار عبر عملية بهلوانية غوغائية تهدف الى “تكييف ” نفسها ومحاولة التكيف مع المتغيرات الدولية مذهلة التسارع والعمق ، وراحت تُفصِل لنظمها الحاكمة الغارقة بالديكتاتورية والاستبداد والشمولية ، ملابس وأردية وأقنعة وديكورات ديمقراطية ترفع شعاراتها وتردد مقولاتها في الحريات وحقوق الانسان.. الخ ، فاصبحت بين ليلة وضحاها نُظماً ديمقراطية يتعالى في مختلف اجهزة الدعاية والاعلام الرسمية الخاضعة لها ضجيج التغني والتمجيد بل وحتى التقديس للشكل والمظهر الجديد الذي تبنته ورفعت لواءه ،وباتت تلك الأنظمة، التي ماعرفت يوماً معنى الديمقراطية ولا مارست ادنى مقتضياتها ، اكثر مزايدة وادعاء حتى على الجماعات والاحزاب ذات المنشأ الديمقراطي الليبرالي ، والواقع ان هذا التغيير الدراماتيكي الشكلي المفرغ من المحتوى لم يقتصر فقط على الانظمة الحاكمة بل امتد ليشمل احزابا ومنظمات وجماعات ولدت وترعرعت وشبت على افكار شمولية احادية لاتعترف بالتعدد والاختلاف ولا تُقِر باي حال من الاحوال ثقافة الديمقراطية الليبرالية .                                                                                                                ان هذا الانتقال او التَغيُر الفجائي الشكلي لم يقتصر على النظام الحاكم في اليمن فحسب ، بل امتد ليشمل الكثير من انظمة الحكم في البلدان العربية ناهيك عن انظمة الحكم في الكثير من بلدان العالم الثالث . وان كان الواقع وشواهده يشير الى ان نظام الحكم القائم في اليمن يبقى النموذج الابرز بدون منازع من حيث حقيقة كونه صارخا واكثر تعبيرا عن ذلك ” التبدل والتغير الديمقراطي” الفجائي والذي يتناقض فيه الشعار مع الممارسة والشكل مع المضمون تناقضا كليا ، ولذا فقد رأينا من المناسب اتخاذه نموذجاً لمعالجتنا هذه التي نسعى من خلالها الى التدليل واثبات زيف ومغالطة المزاعم والادعاءات حول ديمقراطية نظام الحكم والتي اتخمت الحياة السياسية والاعلامية في بلادنا بضجيجها وزعيقها المُصِِِم لآذاننا واسماعنا صبح مساء وبمناسبة وبدونها!                                                        كانت اليمن ، قبل عام 1990م ، دولتان قائمتان في شمال وجنوب ، وكلتاهما جمعهما معا ، قاسم مشترك واحد هو الشمولية الاستبدادية الديكتاتورية الأحادية .. في الشمال كان دستور الدولة يُحرم ويُجرم قيام الاحزاب او الانتماء اليها تحت طائلة جريمة “الخيانة العظمى” وعقوبتها  “الإعدام” اتخذت لها شعارات مثل “الحزبية تبدأ بالتأثر وتنتهي بالعمالة ” او ” اننا نرفض الحزبية سواء طلعت علينا بمسوح الرهبان او بقرون الشيطان” ..الخ . اما في الجنوب فقد كانت الدولة فيه يقودها ويتحكم بها حزب حاكم واحد ووحيد اي نظام الحزب الواحد ، وتم تصفية واجتثاث واقصاء كل القوى والاحزاب والجماعات السياسية الاخرى تحت شعارات او تهم “الثورة المضادة” او “الرجعية” او “اليمين المتطرف” او “اليسار الطفولي” الى آخر تلك الشعارات الاتهامية الاقصائية ، غير ان ماتجدر الاشارة اليه هنا ان نظام الحكم في الجنوب بدأ عقب الاحداث الداخلية المأساوية المروعة في 13 يناير عام 1986م ، بمحاولات خَجلى وعلى استحياء لتقييم تجربة الحكم منذ الاستقلال في 30 نوفمبر 1967مـ ، وكانت اشجع واجرأ واعمق تلك المحاولات ورقة فكرية سياسية تكتسب اهمية تاريخية صاغها وطرحها الشهيد الوطني العظيم جار الله عمر عنوانها ” وجهة نظر” ورغم ماتحمله صاحبها من معاناة واستهداف واتهامات وتهديدات إلا أن تلك الورقة الهامة فرضت على الجميع في النظام الحاكم ، حكومة وحزباً ومنظمات وافراد ، بل وخارجه ايضا ، الشروع والتوجه العملي نحو مراجعة شجاعة وشاملة لتجربة الحكم ، وطرح مبدأ ” التعددية الحزبية ” المحدودة في البداية واعادة الاعتبار لاحزاب وتنظيمات وجماعات وطنية اُقصيت اوصُفيت في الماضي ، وبالفعل شهدت الجنوب عودة بعض الاحزاب والجماعات السياسية الى ساحة الحضور والنشاط العلني ، في حين بقيت السلطة الحاكمة في الشمال  على موقفها في تحريم الحضور والنشاط الحزبي العلني وان اضطرت الى التعامل مع الاحزاب السياسية السرية القائمة عمليا وذلك بشكل غير مباشر لايعترف بها ولايقرها دستوريا ويشرك بعض قياداتها في نشاطات السلطة وخاصة فيما يتعلق ببناء واعلان قيام “الحزب الواحد الحاكم” وظلت السلطة تجرم كلمة ” الحزب ” وتمنع التعامل بهذه التسمية وتفضل بدلا عنها استخدام كلمة ” التنظيم” !! حيث كان اشراك بعض قيادات الاحزاب لا باعتبارها تمثل احزاباً وانما باعتبارهم اشخاصاً يمثلون انفسهم !! كما تجسد ذلك في تجربة انشاء واعلان قيام ” المؤتمر الشعبي العام” من خلال ” لجنة الحوار الوطني” .. وحين اعلن عن قيام ” دولة الوحدة ” بجمع دولتي الشمال والجنوب في 22مايو 1990م ، ظلت مسألة الديمقراطية والتعددية الحزبية يكتنفها الغموض الشديد وعدم الوضوح والتحديد ، حيث لم يتضمن دستور ” دولة الوحدة ”  الذي قامت عليه تلك الدولة نصاً صريحاً وواضحاً ومحدداً باعتبار النظام السياسي قائماً على التعددية الحزبية العلنية ، وان كان مبدأ مطروحاً في اروقة المناقشات والحوارات التي اعقبت الاعلان عن قبام ” دولة الوحدة ” ، ولعل اهم وابرز مايسترعي الانتباه في هذا الصدد حقيقة ان قيادات ورموز ” دولة الشمال ” المنخرطة في ” دولة الوحدة ” الجديدة بذلت جهوداً مضنية ومستميتة لاقناع قيادات ورموز” دولة الجنوب ” بان تجربة” تعدد الاحزاب” فكرة خطيرة ومدمرة ولاتناسب الشعب اليمني بل ستؤدي الى اثارة وتفجير الحروب والمنازعات والانقسامات والتمزقات بين ابناء الوطن الواحد ، وان الفكرة المثالية والممتازة والمناسبة لليمن واليمنبين تكمن في خلق وبناء واعلان تنظيم سياسي حاكم واحد يقوم وينشأ من ناتج عملية دمج آلي بين” الحزب الاشتراكي اليمني” الذي كان حاكماً للجنوب والشريك الآخر في ” دولة الوحدة ” و” المؤتمر الشعبي العام” الذي كان حاكماً في الشمال والشريك الآخر في   “دولةالوحدة” ! وشهدت الساحة السياسية والاعلامية اليمنية ، عقب اعلان قيام “دولة الوحدة” سيلا من التصريحات والمواقف والتنظيرات والتبريرات المؤيدة لمسعى ” دمج الحزب والمؤتمر” في تنظيم سياسي حاكم واحد!! والمستميتة في اظهار مخاطر الحزبية والتعددية الحزبية واحتمالاتها الكارثية المهولة ، ولعل ابرز قادة ورموز” الشمال” الذي تصدى لتسويق هذه الفكرة واكثرهم ثقافة واقتداراً هو الدكتور عبدالكريم الارياني ، وكادت هذه الفكرة الخبيثة ان تقنع قطاعاً لايستهان به من قيادات ورموز ” دولة الجنوب” المندمجة في ” دولة الوحدة ” ، ولولا ان تيارا نشطاً ومقتدراً وفاعلا داخل ” الحزب الاشتراكي اليمني” استطاع ان يحسم  الجدل والسجال في الاخير لصالح ” التعددية الحزبية ” ورفضاً لفكرة ” التنظيم السياسي الواحد” ، ومجدداً يبرز القائد الرمز الشهيد جار الله عمر في الانتصار لتجربة ” تعدد الاحزاب ” في دولة الوحدة ، كما استطاع من قبل ان يحرك بشجاعة وعمق رأيه وثقافته وحنكته جمود تجربة الحكم في الجنوب عقب احداث 13 يناير 1986م المأساوية . وهنا كان موقف ” الحزب الاشتراكي اليمني” حاسماً ونهائياً بجعل خيار ” التعددية الحزبية الديمقراطية ” خيارا وشرطا اساسيا لدولة الوحدة الوليدة ؛ ولم يكن امام ” الشريك الآخر” الممثل لدولة الشمال في دولة الوحدة ، حزباً وحكومة الا الرضوخ مكرها وعلى مضض والقبول بمبدأ تعدد الاحزاب وهو له رافض وعن قناعة راسخة !! . والواقع ان طرفي او شريكي “دولة الوحدة” في حيثيات وبواعث واسباب موقف كل منهما ، القابل والرافض لمبدأ التعددية الحزبية ، قد انطلقا من حسابات ودراسات تشخيصية للواقع والظروف السائدة في البلد ورؤى وتقييمات متباينة ، فالحزب الاشتراكي اليمني ، مثلا ربما رأى بانه يمثل ” الطرف الاضعف” تجاه شريكه الآخر ” المؤتمر الشعبي العام ” ومايمثله من قوى وثقل عسكري قبلي فئوي طائفي.. الخ ، فاقتنع بان طرح مبدأ “التعددية الحزبية ” كاساس للنظام السياسي الناشئ باعلان قيام الوحدة هو وحده الكفيل والضامن لوجوده وبقائه واستمراره خاصة في ظل ماسوف يستند عليه من قاعدة تحالفات عريضة مع احزاب وقوى سياسية تجمعها به قواسم مشتركة عديدة .. وبالمقابل فربما نظر “المؤتمر الشعبي العام” بما يمثل من قوى وفعاليات عسكرية واجتماعية وسلطوية ، بانه الطرف الاقوى ازاء شريكه “الحزب الاشتراكي اليمني” ولهذا فان جهوده الدؤوبة ومحاولاته المستميتة في رفض وعدم القبول بمبدأ او تجربة “تعدد الاحزاب” تستند ، اساساً ، الى ان التعددية الحزبية العلنية والمشروعة قد تشكل عائقاً وكابحاً ومعطلاً لحساباته وخططه الرامية الى التفرد بالسلطة واحتكارها بعد اقصاء وازاحة الشريك الآخر ، وهو ما اتضح بجلاء واثبتته تفجير حرب صيف 1994م الكارثية المدمرة بعد ذلك !! اذ يسهل على الباحث العادي ان يلمح ، بوضوح تام ، كيف ان تجربة التعددية الحزبية شهدت منذ اعلان قيام ” دولة الوحدة ” في 22مايو 1990م  زخماً واندفاعاً وحيوية وتطوراً بارزاً، إن من حيث ثقافتها الديمقراطية والحقوقية أم من حيث ادائها وممارستها السياسية العملية الميدانية ، ثم عادت بعد حرب صيف 1994م التي تمخضت عن ازاحة الشريك الآخر ” الحزب الاشتراكي اليمني” واخراجه من الحكم وتصفية مايمثله من قوى وفعاليات سواء في المؤسسة العسكرية والأمنية او في مواقع الدولة ومؤسساتها المدنية او من حيث ثقله وتأثيره وحركته الحزبية الشعبية ، لتشهد نكوصاً وتراجعاً  وانكساراً واضعافاً تحت سطوة وجبروت اجراءات وممارسات السلطة الحاكمة التي عادت ، بعد فترة إنكفاء وتواري قصير الى منهجها واساليبها وطبيعتها قبل اعلان ” دولة الوحدة ” والمتسمة بالشمولية والتفرد بالسلطة واحتكارها وبالديكتاتورية والقمع والاستبداد ، حيث انعكست كل تلك الممارسات والاساليب غير الديمقراطية على الاحزاب والقوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني التي تعرضت لاسوأ واخطر اساليب اجهزة استخبارات النظام في اختراقها وبث الصراعات والانشقاقات داخل صفوفها وتفريخ واستنساخ اشكال حزبية مسخة بنفس اسماء وعناوين الاحزاب القائمة وخوض معارك ومواجهات تحت اسماء تلك الاشكال الحزبية المفرخة والمستنسخة وبقوى وامكانيات وسلطات واموال الدولة نفسها !! واستخدمت اساليب “الترغيب” و “الترهيب”  و “التهديد”  و “الارهاب” لتحقيق وتنفيذ تلك الاهداف والغايات الهادفة ، في مجملها لتشويه وتخريب وافساد الحياة السياسية الحزبية القويمة ووأد تطورها الطبيعي التاريخي المنشود ، والاخطر من كل ذلك ، او على الاقل المُساوي لكل ذلك في الخطورة، شهدنا وعايشنا العودة المشئومة لإحكام قبضة وسيطرة وتحكم اجهزة الاستخبارات الأمنية التابعة للسلطة في كافة مؤسسات ومرافق ووزارات ومصالح وهيئات الدولة كافة من خلال اعادة تعيين “مندوب الامن” في كل منها كما كان عليه الحال في الشمال قبل اعلان ” دولة الوحدة ” بل واشد واقوى واشرس مما كان سابقاً !! ولم يقتصر ذلك التراجع والارتداد الى الخلف ، قسراً واكراهاً وفرضاً، على الاحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني فحسب ، بل امتد ليشمل كل نواحي الحياة ومجالاتها التي بدأت لفترة قصيرة من الزمن تتنسم وتستنشق عبير الحرية والديمقراطية كحرية التعبير وحرية الصحافة وحرية الاجتماع والتظاهر وغيرها من الحقوق والحريات ، حيث اصبحنا نشهد اقتحامات عسكرية مسلحة للصحف واعتقالات واختطافات للصحفيين والكتاب وتعذيبهم واخفائهم عن الوجود لفترات متباينة واغلاقات ومحاكمات صورية للصحف والصحفيين وخلق وفبركة قضايا ومشاكل ملفقة ومختلقة لادانتهم بها وقمعهم وسجنهم واخضاعهم ومصادرة حقوقهم وحرياتهم ، واتسعت رقعة ومساحة نهب اراضي وممتلكات الاحزاب والمنظمات والافراد والجمعيات والشركات العامة وخاصة في الجنوب بعد حرب 1994م وتسريح الآلآف من موظفي الدولة من الجنوبيين ،عسكريين ومدنيين وأامنيين ، ولعل اكثر مايثير الضحك ، الشبيه بالبكاء ، ان اساليب ووسائل تخريب وافساد وتشويه الحياة الحزبية الطبيعية ، ان اساليب تفريخ واستنساخ اشكال حزبية قرينة ومضادة للاحزاب الاصلية ، وصلت الى درجة من الهمجية والشر، ربما حتى الشيطان نفسه لم يصل في مكره وخبثه الى مايشابهها ، فقد حصل ان اجهزة استخبارات الامن التابعة للنظام حينما لاتجد من تعتمد عليه وتسند اليه مهمة الانشقاق داخل حزب من الاحزاب من اعضائه وكوادره المعروفة ، فانها لم تتردد ، حينها في الاعتماد على رجال الحراسة التابعين للداخلية والمكلفين باعمال حراسة مقر الحزب المعني ودفعهم الى القيام بما يسمى ، انذاك ” انتفاضة تصحيحية ” لتصحيح مسار الحزب ” المعوج ” واعادته الى سبيل الرشد والرشاد ، ثم تنصيب “قيادة جديدة” وتقوم ايضا باصدار “صحيفة الحزب” الناطقة بلسانه منتفضة على الحزب وقيادته “المنحرفة” ! وهكذا اصبحنا نرى الكثير من المضحكات المبكيات ولازال الحبل على الغارب ! ووسط هذا الانحلال والتردي والانفلات والفساد والتخريب المنظم المقصود والمدعوم ، عاد الى الحياة “الحاكم الفرد المطلق الأوحد” صاحب السلطة الوحيد والقرار الأوحد ، الذي يجمع في يده كل السلطات والصلاحيات والشئون كبيرة وصغيرة مختزلاً الدولة ومؤسساتها ودستورها وقوانينها ليصبح هو وحده ، عبر اجهزة قمع السلطة وبتسخير امكانات ومقدرات البلاد ، مصدر الشرعية ومعيارها ومقياسها لاينازعه او يراجعه او يحاسبه او حتى ينصحه احد على الاطلاق ، وبات هو “الدولة” و “الدولة”  “هو” لاشريك له ولا منازع ! وهنا وعند هذه المحطة الفارقة يزداد ” الصراخ” ويتعالى ” الضجيج” ويتسع نطاق ” الدعاية ” والتمجيد ، لنعمة ” الديمقراطية ” التي تصم آذاننا بها اجهزة اعلام الدعاية الرسمية للحاكم وبطانته ،ونعيم الحريات التي ينعم بها الانسان والتي – كما تصر اجهزة اعلام الدعاية تلك – فاقت وتجاوزت ماعليه حال وتجربة الدول الديمقراطية العريقة في العالم ! ثم يقال لنا ، مراراً وتكراراً ودون  كلل او ملل ، ان كل من يريد التغيير والتبديل للنظام القائم ماعليه الا ان يولي وجهه صوب ” صندوق الاقتراع ” الذي يختار فيه الشعب بملئ ارادته وبمحض حريته حكامه ونظامه ! وهذه هي الديمقراطية في جوهرها واساسها ومضمونها وآلياتها وحكمها القاطع !! والأنكى والأدهى والأمَرْ والامض على النفس ، فوق كل ذلك ورغما عنه ، نُصدم وننتفض حينما تتبارى الدول الديمقراطية العريقة في العالم ،والحاملة على عاتقها رسالة الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان للبشرية جمعاء ، في اصدار شهادات وصكوك تؤكد بان نظامنا “ديمقراطي” بل و”فريد” وانه تجربة رائدة في منطقة شديدة السواد ديمقراطيا !! . فهل نحن كذلك ؟ ذلك ماسنتناوله في الحلقة القادمة باذن الله تعالى . بريطانيا- شيفيلد- في  4 سبتمبر 2010م   

By Editor