تحدثنا في الحلقة الخامسة حول ثالث تداعيات سقوط حكم الاخوان المسلمين في مصرعلى تركيا ودورها الإقليمي المتصورفي الإطارالعام لمشروع الشرق الأوسط الكبير أو الجديد الذي صاغته وأعلنته الإدارة الأمريكية عام 2002م لإعادة رسم وصياغة الخارطة السياسية لهذه المنطقة الإقليمية المترامية الأطراف والمهمة إقتصادياً واستراتيجياً .. وفي هذه الحلقة سيتطرق حديثنا حول رابع التداعيات المُتصورة على الحاضروالمستقبل السياسي للدول العربية في أرض وطنها الكبيرالممتد من المحيط الأطلسي في المغرب العربي غرباً وحتى البحرين على الخليج العربي شرقاً ، والذي يحتل من حيث الأهمية والموقع قلب منطقة الشرق الأوسط الكبير … والواقع أن هذا الوطن العربي الكبير ظل منذ ما بعد مرحلة التحررالوطني لبلدانه مطلع الخمسينيات والستينيات والسبعينيات ، تحديداً ، في ظل حالة مريرة ومزرية من الصراعات والإنقسامات والتنافرات بين دوله وأنظمة حكمه الوطنية حديثه النشأة والتجربة ، ولم تستطيع قيادات تلك الأنظمة الحاكمة ، على إختلاف مشاربها ومناهجها السياسية ومصالحها المتباينه ، أن تبتكروتتفق على صيغة سياسية لإدارة تبايناتها وخلافاتها وتعارض توجهاتها والإتفاق على أرضية لقاء مشتركة وواقعية ومثمرة لتعاونها وعملها المشترك حول حماية مصالحها الوطنية واهدفها وتطلعاتها المشروعة غيرالمختلف عليها لتكوين وحدة موقف لمواجهة التحديات والمعوقات وتعرضها للاستهداف الناتج عن صراعات وتنافسات القوى الدولية الكبرى والإقليمية المؤثرة ، وهو ماجعلها جميعاً بطيئة الخطى ،ضعيفة القوة، متثعثرة في إنطلاقتها التي كانت ضرورية ومُلحة في صنع التقدم والإزدهار والنهوض الحضاري الشامل في مختلف المجالات العلمية والصناعية والتكنولوجية والإقتصادية والإجتماعية ، أسوة بأمم أخرى بدأت في مسيرتها بعدها وسبقتها وتجاوزتها على سُلم الرقي بمراحل طويلة … ولعل السبب الرئيسي لذلك الواقع العربي المتصارع والمنقسم والمفكك والمضطرب بالغ السؤ والمتردي يكمن في صعود زعامات الى سدة الحُكم في العديد من البلدان أو الدول العربية بعضها كانت له رؤى وتوجهات سياسية وأيدولوجية تتجاوز نطاقها الوطني المحلي الذي تحكمه وتديره دستوريا وقانونياً ،وتمتد طموحاتها إلى النطاق القومي وأيضاً الأممي العالمي ، وبصرف النظرعن الإتفاق أو الإختلاف معها حول ما تمثله من قناعات وتوجهات ، إلا أن الحقيقة الماثلة تشيرأن تلك الزعامات وظفت إمكانيات وطاقات وقدرات الدولة الوطينة التي تقودها وتحكمها نحو تنفيذ وتحقيق أهداف وغايات الرؤى والتوجهات الأيدولوجية السياسية التي تؤمن بها وتعتبرها أساس شرعيتها ومشروعيتها، مما جعلها تستهدف أنظمة حُكم في دول عربية أخرى وتشكل تهديداً لزعامتها الحاكمة التي لم تجد أمامها مفراً بهدف حماية وجودها ، سوى التوجه صوب قوى دولية عظمى ونافذة لعقد اتفاقات وتحالفات غير متكافئة معها للحماية مقابل منحها مصالح ومكاسب مختلفة في مختلف المجالات لحمايتها من الشقيق الذي يتهددها ، وهي التي لا تعرف ولا تعترف سوى بمصالحها الخاصة بها على حساب مصالح الحليف الأضعف، وهناك صنف آخر من الزعامات العربية ظلت على اختلاف المستويات ، متأثرة ومحاكية لعقلية شيخ القبيلة والدفاع عن حمى القبيلة وشرفها وعرضها ومتشربة لثقافة (( الثأر )) و(( العار )) حاصرة رؤيتها واهتماماتها على نطاقها الوطني المحلي ومنكفئا عليه ، عازفة عن التعامل والتعاطي مع مجريات وأحداث ما يدورحولها والى جوارها القريب والبعيد والذي سيؤثرعليها حتماً ويتأثر بها بحكم منطق وطبيعة الأشياء في عالم السياسة والعلاقات الخارجية الإقليمية والدولية ، وما بين جموح وشطحات والإندفاع الحماسي المتأجج لنمط الزعامات العربية ذات المرجعيات الأيدولوجيه الثورية المتجاوزة للحدود الوطنية المحلية ،وجمود ورتابة وسكون وانكفاء نمط الزعامات التقليدية وانحصاراهتماماتها على الشأن الداخلي البحت وحده ،وردود الأفعال والمترتبات التي تمخضت عن سياسات كليهما ، حل العداء المرير محل الإخاء الحميم بين البلدان والدول العربية ، وتقطعت وشائج القربى وصلات المحبة بينهما وسادت حالة بالغة العمق من انعدام الثقة والشكوك فيما بين شعوبها وشبابها وسياسيها ومفكريها واتسعت الشُقة الفاصلة بينهما وتعمقت الهُوة المباعدة بينهما على نحو لا نظيرله حتي بين البلدان والدول الغريبة عن بعضها بعضا بل والمتصارعة في الغالب . وفشلت تلك الزعامات العربية الحاكمة للدول العربية في تنحية حساسيتها واعتباراتها الشخصية والتنازل قليلاً عن كبريائها وانفتها تغليبا للصالح العربي العام والأهم والأبقى لتلتقي جميعها ودياً وحبياً وتتفاهم بهدوء وواقعية وموضوعية متجردة للإتفاق على كلمة سواء والخروج بصيغة لتعاونها وعملها حول المشترك والمتفق عليه والمحقق لمصالحها ومصالح شعوبها جميعاً وتُنحي جانباً كل القضايا والمسائل المثيرة للخلاف والتباين والهواجس والشكوك المتبادلة تجاه بعضها بعضا ، وتغض النظرتماماً عن محدداتها وأحكامها الأيدولوجية المسبقة وعدم إقحامها في مجال العلاقات العربية العربية والتعاون والعمل العربي المشترك بين الدول العربية ، وقبول وإحترام تعدد وإختلاف وتباين الأنظمة العربية أياً تكون مناهجها وطبيعتها، فمصالح البلدان والشعوب العربية هي الأولى والأهم والأجدى والأخلد والأنفع . ومالم تنهض الزعامات العربية الحاكمة في نهضة وتقدم وإزدهار وغزة بلدانهم وشعوبهم الواحدة عقيدةً وأصولاً وتاريخاً ولغة وأرضاً ليأخذوا مكانة لائقة وكريمة في عالم اليوم ، فإن القوى الأخرى غيرهم لن تحقق لهم شيئاً وإن أغدقت عليهم عبارات المديح والحُب والحرص عليهم أبداً على الإطلاق ، إلا إذا أخذوا الزمام والمبادرة بأيديهم أولاً فإن الأخرين سيستجيبوا لمطالبهم وحقوقهم . وعلى ضوء هذه الإطلاله التاريخيه السريعة والتي كانت ضرورية لإلقاء الضوء حول ما سنطرحه لاحقاً ،حول تداعيات سقوط حُكم الإخوان المسلمين في مصر ، في ضوء ثورات الشعوب العربية الأخيرة ، على ضوء حاضر ومستقبل العرب وعملهم المشترك والمُلح للغاية.. والواقع أنه لابد لنا من إجراء مقارنة خاطفة بين ما سُمي بثورات الربيع العربي الأولى التي أندلعت مطلع عام 2011م وأدت إلى سقوط بعض أنظمة الحُكم العربية بقوة شعوبها وثوراتها الهادرة ، وبين موجتها الجديدة والمتجددة التي تفجرت في مصرفي 30 يونيو2013 على نحو ضخم وواسع وأقوى كثيراً من سابقتها ، وشارك في أحداثها ما يزيد عن 33 مليون مواطن على إمتداد مصر كلها فيما أُعتبرأضخم تجمع بشري في التاريخ الإنساني كله ونجحت في إسقاط حُكم الإخوان المسلمين لمصر ، والذي لم يَدُم أكثر من عام ، وهي مقارنة من حيث أسلوب التعامل وطبيعة مواقف شعوب وأنظمة حُكم عربية متباينة في طبيعتها وتوجهاتها من الثورتين ، خاصة وأن موجة الثورة الشعبية الثانية وقد نجحت في مصر ، فإن أحداثها وإرهاصاتها لا تزال تتفاعل وتعتمل في تونس وليبيا واليمن وربما غيرها ، فأحداث الثورات الشعبية في موجتها الأولى ، – مثلاً – قوبلت بموقف سلبي ومتوحش وربما رافض لها من قبل أنظمة حُكم متجذرة كالمملكة العربية السعودية وسائر دول مجلس التعاون الخليجي بإستثناء دولة قطرلإعتبارات وأسباب مختلفة تماماً ،فهذه الدول ذات نظم الحُكم الملكي كان طبيعيا وقد داهمتها الثورة وأحداثها فجأة وعلى غير توقع ، إن تشعر بالريبة والتوجس والقلق من نتائجها وآثارها وأهدافها ، لكنها فيما يتعلق بأسلوب التعامل والموقف من ثورة 30 يونيو /2013م في مصر وهي الأكثر حشداً وقوةً وشمولاً على نحو غير مسبوق ،نظمتها وقادتها قوى شبابية ثورية جديدة ، حيث تعاملت معها تلك النظم التقليدية الراسخة وقابلتها بموقف إيجابي مُرحب بل وداعم على نحوغير مسبوق ، رغم إختلاف وتباين الطبيعة والتوجهات السياسية والفكرية عموماً ، والواقع ان ذلك الموقف يكتسب دلالات وأبعاد ومضامين جوهرية غاية في الأهمية من حيث كونه يؤسس لمنهج جديد ومختلف تماماً عما سبقه في أسلوب إدارة العلاقات العربية العربية والمعايير والأسس الجديدة التي ستحكم وتُنشئ ما يمكن أن نطلق عليه “النظام العربي الجديد” بمعزل عن الإعتبارات والقناعات الأيدولوجية المختلفة لأطراف العمل أو النظام العربي الجديد والمنشود فلكلٍ قناعته – وفكره وتوجهه – التي يجب أن يقربها ويحترمها الجميع ولا يحق لأي دولة أو طرف عربي التدخل والتأثير بشكل مباشر أو غير مباشر في طبيعة الخيارات الخاصة بكل دولة وطرف بدون استثناء ، فلا القوى الثورية الجديدة يحق لها تصدير خياراتها والتدخل في الشأن السياسي الداخلي لأي دولة اونظام حُكم عربي ، كما لايحق لتلك الدولة أو نظام الحُكم العربي لأي دولة عربية أن يتدخل أو يصدر خياراته السياسية والمعتقدية للقوى الثورية الجديدة ، فكل هذه الأمور ينبغي أن تكون محصورة بالكامل بالإرادة الحرة لكل شعب عربي على حده ، دون تدخل أو تأيثر من أي نوع . وفي إعتقادي بأن بوادرهذا المنهج السياسي الجديد الذي يتبلور ويتشكل على نحو إيجابي وسريع لإقامة وإدارة شئون النظام العربي الجديد قد طرحته وعجلت به طبيعة مسار ثورات الربيع العربي الأولى ، التي أستطاعت أمريكا وحلفاؤها الغربيين والإقليميين كتركيا وقطر، أن تخطف نتائجها ومخرجاتها السياسية في إستغلال إرباكات الظرف الإنتقالي وأرباكاته وممارسة مختلف أشكال الضغوط والتدخلات والتأثيرات القوية لصالح الدفع بوكلائهم المحليين ( التنظيم الدولي السري لجماعة الإخوان المسلمين والقوى الإسلامية المرتبطة به) وتمكينهم من السيطرة على مقاليد الحُكم والدولة في مصر وتونس وليبيا واليمن والبقية تأتي تباعاً ، في إطار تنفيذ وتطبيق مشروع الشرق الأوسط الجديد أو الكبيرالذي أعلنته الإدارة الأمريكية عام 2002م والذي شرحناه وتطرقنا لجوانبه وأهدافه في الحلقات السابقة ، والذي يستهدف أول ما يستهدف إسقاط كل أنظمة الحُكم القائمة في البلدان العربية على إختلاف مشاربها وتوجهاتها السياسية والعقائدية بدون تمييز لصالح وكلائها المحليين والقوى الإقليمية المرتبطة بأحلافها العسكرية واستراتيجياتها الكونية على حساب أنظمة الحُكم العربية القائمة كلها بدون استثناء ، وهو مشروع كوني أجهضته ثورة 30 يونيو2013 المصرية العظيمة وأعاقت حركته واربكت خططه بإسقاط الأخوان المسلمين ، وإستمرار تصاعد أحداث الثورات الشعبية للإطاحة بحكمهم في تونس واليمن وليبيا وغيرها من البلدان ، ولتفسح المجال واسعاً أمام تأسيس وبناء أسس ومقومات النظام العربي الجديد بإدارة جديدة لعلاقاته وحركته تحقيقاً للمصالح والتطلعات العربية المشتركة من خلال مركز الثقل الإستراتيجي الحامل لهذا المشروع والذي سيتكون من( مصر والسعودية وسوريا لاحقاً ) ومعهم دول مجلس التعاون الخليجي عدا دولة قطر ، ومركز الثقل الإستراتيجي هو الذي سيحمي ويوجه مسيرة النظام العربي الجديد نحو النهوض الحضاري العربي الشامل… وبإكتمال هذه الحلقة السادسة تكون نظرتنا العامة حول سقوط حُكم الإخوان المسلمين في مصر من حيث الأسباب والتداعيات المتوقعة قد تكاملت أو كادت بعون الله تعالى ،، عبدالله سلام الحكيمي بريطانيا / شيفلد 15 أغسطس 2013م