سقوط حكم الإخوان في مصر.. نظرة حول الأسباب والتداعيات صحيفة الوسط (الحلقة الخامسة)

تناولنا في سياق الحلقة الرابعة السابقة من حلقات هذه النظرة التحليلية العامة، ثاني تداعيات سقوط حكم الإخوان المسلمين في مصرعلى مستقبل مشروع الشرق الأوسط الكبير أو الجديد الذي أعلنته الإدارة الأمريكية عام 2002 م، والذي يبدو – الآن – أنه يتعرض لترنح وانكساركبير يجعل أمرالاستمرار في تنفيذه ووضعه موضع التطبيق السياسي على الأرض، صعباً للغاية وغير ممكن، على المدى المستقبلي المنظور، ويفرض على واضعيه والقوى المشاركة في تنفيذه اعادة النظرجذرياً لأهدافه وقواه ووسائله وأخذ التطورات والمتغيرات الأخيرة، غير المتوقعة، في الاعتبار والحسبان وسنواصل حديثنا في هذه الحلقة حول التداعي الثالث لذلك السقوط والمتعلق بتركيا وسياستها وطموحاتها الواسعة في قيادة تلك المنطقة الشرق أوسطية المترامية الأطراف وخاصة تزعم العالم الإسلامي في قلبها وعمودها. ثالثاً : تداعي سقوط حكم الإخوان على تركيا ودورها ومطامحها في المنطقة : منذ إلغاء الجنرال مصطفى كمال أتاتورك وإنهاء “الامبراطورية العثمانية” المتهاوية، وإعلان تأسيس الدولة التركية الحديثة على أنقاضها عام 1923 م عقب الحرب العالمية الأولى، وقطع كل الوشائج والروابط والصلات التاريخية والثقافية والدينية التي كانت تربطها بدولة ”خلافة إسلامية” لأكثر من سبعة قرون متواصلة من الزمن، وبنائها على أسس ومقومات ومضامين ثقافية واجتماعية واقتصادية وفلسفية تستلهم التجربة الأوروبية استلهاما كلياً، وظلت الدولة التركية الحديثة، منذ تأسيسها وحتى الآن، تتوق وتتطلع وتعمل لتصبح جزءا من اوروبا ولاحقاً عضواً في الاتحاد الأوروبي، وهو مسعى استراتيجي اعترضته معوقات وعراقيل وموانع عديدة، تحت مختلف الذرائع والأسباب، وإن كان السبب الأكبروالأساس يكمن في ثقل تركيا السكاني الكبير والأغلبية الإسلامية الكاسحة ومخاوف الأوروبيين العميقة منذ تأثير انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي على الهوية والطابع الثقافي الديني المسيحي للاتحاد، رغم العلمانية المفرطة والمتطرفة للدولة التركية ونظامها السياسي.. لكن اوروبا والغرب من جهة أخرى، قبل بأن تكون تركيا عضواً مؤسساً وفاعلاً في حلف شمال الأطلسي العسكري ”الناتو” بالنظر إلى أهمية موقعها ”الجيوسياسي” وثقلها السياسي، في إطار واقع الحرب الباردة التي حكمت العالم وعلاقاته الدولية وفق ثنائية ”القطبية‘‘ بين المعسكرين العظيمين الدوليين، المعسكرالرأسمالي الغربي والمعسكر الاشتراكي الشرقي بقيادة كل من أمريكا وحلفائها والاتحاد السوفييتي وحلفائه كواقع شكل النظام الدولي لما بعد الحرب العالمية الأولى وتحديداً الحرب العالمية الثانية، الذي اضفى لموقع ودور تركيا أهمية خاصة، ومع بروز وتنامٍي ”التيار الديني الإسلامي” وتوسعه وانتشاره شعبياً، وقيامه بإنشاء تشكيلات حزبية متعددة للتعبيرعنه سياسياً، بمسميات ومضامين ليبرالية علمانية دون الاقتراب من قريب أو بعيد، من أية إيحاءات أو إشارات عن أيديولوجيتها السياسية، ومع ذلك ورغماً عنه فقد قام الجيش والقضاء باعتبارهما، دستورياً، رعاة وحماة النظام العلماني لتركيا، بحل وإسقاط تلك الاحزاب وحكوماتها المنتخبة، ديمقراطياً، بدعوى نشأتها على أسس دينية تناقض فلسفة الدولة، والتي كان آخرها الحُكم بحل حزب نجم الدين اربكان مرتين وإسقاط حكومته وإدخاله السجن، بعد ذلك برز أو بزغ نجم السيد رجب طيب اردوغان الذي استوعب دروس التجارب السابقة وخاصة تجربة استاذه نجم الدين ارباكان ومعلمه وأجرى عملية تقييم نقدي لأسباب وعوامل الإخفاق، تحديداً أخطاء استاذه في عدم اعطاء اهتمام وحنكة في التعامل الذكي والبعيد النظرمع طبيعة الدولة ومؤسساتها المتجذرة، واتجه اردوغان إلى بناء حزب سياسي قوي وفعال، كوارثٍ للتجارب السابقة ومُقوم لها، اتجه بالدرجة الأولى إلى النزول الى جماهيرالشعب وتلمّس مشكلاتها والعمل على حلها، وتحاشى تماما أي مظهر قد يشي الى مشروعه الاسلامي او يُشتمّ منه غراماً بالخلافة العثمانية، ومغالياً في اظهار ولائه واقتناعه بالنظام العلماني ورغبته القوية بالتعاون والانسجام مع الجيش، فكان “حزب العدالة والتنمية” بزعامته الذي خاض غمار الانتخابات وفاز فيها وشكل الحكومة، ونجح خلال سنوات قليلة في تحقيق مكاسب وانجازات مهمة وملموسة في محاربة الفساد المستشري ورفع معدلات التنمية وانتعاش اقتصاد البلاد على الصعيد الداخلي ، يقابله على الصعيد الخارجي، تنشيط وتقوية وتوسيع الدورالتركي اقليمياً ودولياً، مما عزز وقوى ووسع قاعدة شعبية الحزب ودوره، ما مكنه، عبردورات انتخابية برلمانية ومحلية، معدودة من تحقيق اغلبية كاسحة جعلته صاحب القوة والقرار والقدرة والنفوذ الكافي يؤهله لإحداث تغييرات سياسية مهمة وجذرية، بدأ معركة مواجهة هيمنة المؤسسة العسكرية والسلطة القضائية المرتبطة تقليدياً بالجيش، مستغلاً ضرورة تلبية وتنفيذ الشروط والمعاييرالأوروبية لانضمام تركيا الى الاتحاد الأوروبي، وبالفعل نجح الحزب في هذه المعركة التي نتج عنها اخضاع الجيش للنظام الدستوري بعد أن ظل عقودا طويلة فوق الدستوروحاكما له، وكذا نجح في معركة مواجهة القضاء، وتم ازاحة الكثيرمن قياداتهما بقوة الأغلبية البرلمانية الكاسحة وجرت تعديلات مهمة على الدستور.. الخ، وهكذا أصبح “حزب العدالة والتنمية” بزعامة اردوغان المسيطر والمهيمن القوي على كامل الدولة ومؤسساتها الدستورية، مدنية، وعسكرية دون منازع أو منافس يُخشى جانبه، على الأقل في المدى المستقبلي المنظور، وفي ظل هذا الوضع المتميزوالقوي، جاء السيد احمد داوود أوجلو في البداية مستشاراً للأمن القومي للحكومة ثم وزيراً للخارجية وهو واحد من المع المنظرين الاستراتيجيين للأتراك، ومؤلف الكتاب الأهم ” العمق الاستراتيجي” ، الذي يبين فيه أهمية الموقع ”الجيوسياسي” لتركيا بإمكانياته وقدراته وخلفيته التاريخية ومكوناته الحضارية والدورالإقليمي والدولي الذي يجب على تركيا النهوض بأعبائه والقيام به مستدعياً إرث ومورث ” الامبراطورية العثمانية” ، وداعياً إلى استلهامه والاستفادة من عبره ودروسه وحقائقه وجذوره الضاربة في واقع تركيا المعاصرة مع التأكيد على سعي تركيا وتوجهها إلى تصفير مشكلات تركيا الداخلية والخارجية مع القوى الاقليمية والدولية وخاصة دول الجوار الجغرافي. وفي ظل ذلك الواقع المشار إليه آنفا وأجوائه ومؤشراته بدأنا نلحظ بوضوح بوادر وخطوات تشير إلى معالم تحول في سياسة الدولة التركية، لأول مرة تقريباً منذ تأسيس تركيا الحديثة يتجه نحو الشرق، وخاصة نحو دول وبلدان العالمين العربي والإسلامي على نحو اخص، وكان هذا التحول في سياسة تركيا نحو الشرق يتم بقدرملحوظ من الذكاء والدهاء السياسي، حيث اتخذ من القضية الفلسطينية أهم متكأ ومنطلق له ادراكا من صانع القرارالتركي لحقيقه كون قضية فلسطين والظلم التاريخي الفادح الذي لحق بها هي قضية العرب والمسلمين المركزية عاطفيا ودينيا وسياسيا، وسار تحول السياسة التركية نحو الشرق في خطين متوازيين ومتكاملين الاول: تنشيط وتوسيع وتطويرعلاقات تركيا بالدول العربية وخاصه الكبرى والمؤثرة منها كسوريا وبلدان شمال افريقيا ومصروالعراق ودول الخليج العربية واليمن..الخ.. واتخاذ مواقف سياسية قوية وحادة في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزة خصوصا وكذا لبنان المرتبط بقضية فلسطين عضويا ودعم صمود ومقاومة فلسطينيي غزة وصولا الى تلك المشادة الكلامية الحادة التاريخية بين رجب اردوغان وشيمون بيريز، وتسيير أسطول مدني تركي يحمل اعدادا كبيرة من المتضامنين الدوليين لفك وكسرالحصار الاسرائيلي المضروب حول غزة تحت شعار “الحرية لغزة” في مايو 2010م، وحققت تلك السياسة التركية ” المشرقية ” بالفعل نجاحا كبيرا في استقطاب تأييد شعبي واسع جدا لدى الشعوب العربية وايضا لدى مسلمي العالم، وبدت تركيا وكأنها تسيربخطى واثقة ومتسارعة نحو دورقيادي رئيسي للعالم العربي خصوصا وللعالم الاسلامي على نحو او آخر، وبدت وكأنها تنطلق بسرعة صاروخية لتصبح قوة اقليمية كبرى وقوة دولية ذات شأن مهم في المستقبل القريب. كل تلك الاحداث والتطورات جرت بعد مضي ما يقارب سبع سنوات منذ اعلان الإدارة الأمريكية، رسميا عن مشروع ما سمي “الشرق الاوسط الجديد”، او” الكبير” الذي حظي بمباركة القوى الدولية الغربية وكذا قوى دولية اخرى على نحو او اخر، وهو مشروع تناولنا مضامينه وأهدافه وابعاده بشيء من التفصيل في سياق الحلقة السابقة ولا داعي لتكرارها هنا ،على ان اهم وابرزملمح له انه كان يركزتصريحا وتلميحا الى تركيا الدولة كدور اقليمي بارزمناط بها ، وتركيا كتجربة سياسية ناجحة من وجهة نظرالغرب يتزاوج فيها وبها المرجعية الدينية الإسلامية للحزب الحاكم بشكل واضح وجلي وإن غيرمصرح به بفجاجة، والاطار الليبرالي العلماني غير المتطرف، واعتبرت تركيا منذئذ بمثابة معامل التفريخ والبلورة لمشروع ومعالم ما اطلق عليه “الإسلام المعتدل” والمتعايش والناجح الذي تجسده التجربة التركية بقيادة “حزب العدالة والتنمية” الناجح والحائزعلى رضى ومباركة ودعم امريكا والغرب ليكون مشروعا يقود بلدان العالم الاسلامي التي تشكل العمود الفقري للشرق الاوسط الكبيرتحت العباءة الأمريكية الغربية وضمن استراتيجيتها الكونية وتحت القيادة والتوجيه الاقليمي لتركيا ضمنها!! ووسط اجواء هذه المرحلة التاريخية وملابساتها وتمخضاتها المتلاطمة انطلقت وعلى غيرتوقع من قبل الكثيرين في المنطقة أحداث ما يسمى ثورات الربيع العربي مطلع العام 2011م، والتي انطلقت شرارتها الاولى من ارض تونس لتتأجج نيرانها في مصرفاليمن وليبيا واخيرا سوريا مع ارهاصات وتململات وبوادر في هذا البلد العربي او ذاك وبدا واضحا ارتباك واضطراب الرؤية السياسية التركية في اسلوب التعامل مع تلك الثورات والتعاطي معها تماماً كما حدث للسياسة الأمريكية والغربية التي سرعان ما حسمت خيارها بالوقوف مع المد الشعبي الواسع لتلك الثورات ودعم مطالبها بإسقاط الانظمة الحاكمة فيها، الا انه بالنسبة للسياسة التركية ظل التردد والارباك قائما لفترة اطول يعصف بها صعوبة الحسم بين الحفاظ على ما بنته تركيا في السنوات القليلة الماضية من علاقات تعاون ومصالح مع انظمة تلك البلدان الثائرة تخشى ضياعها وانهيارها وبين الموقف الامريكي الغربي واداته العسكرية العالمية ” حلف الناتو” – وتركيا عضو اساسي ومؤسس فيه- المندفع نحو ضرورة اسقاط تلك الانظمة إن طوعا ً أو كرهاً عبر التدخل العسكري المباشر كما في ليبيا ومن قبل ذلك افغانستان والعراق ، أومن خلال التدخل العسكري غيرالمباشر بدعم وتدريب وتسليح الجماعات المسلحة حتى وإن كانت ارهابية كالقاعدة وفصائلها كما هو حادث الأن في سوريا ، ووجدت تركيا من حيث ارادت أم لم ترد وغالباً وفق ارادتها تصطف الى جانب ومع أمريكا والغرب وحلف الناتو في الوقوف الداعم والمساند لتلك الثورات والساعي الى اسقاط الأنظمة الحاكمة ولو بالقوة العسكرية وكان واضحاً تماما بأن كل هذه القوى الدولية ومعها تركيا مدركة تمام الادراك أن القوى الاسلامية الحزبية المنظمة وعلى رأسها وفي المقدمة فيها “جماعة الاخوان المسلمين” التنظيم الدولي هو الوريث -المؤهل والقادر- لأنظمة الحُكم المتساقطة وهو بالتحديد ما كانت تريده وتسعي اليه وتعمل من أجله. وما يهمنا في حديثنا هذا أنه وحتى هذا الوقت لم يكن الكثيرون من احزاب وقيادات سياسية ومفكرين ومحللين وباحثين وكتاب ونحن منهم على علم مؤكد ودقيق بطبيعة العلاقة والتحالفات بين” جماعة الاخوان المسلمين” التنظيم العالمي والنظام الحاكم في تركيا الذي يسيطرعليه حزب العدالة والتنمية بقيادة السيد رجب طيب اردوغان من ناحية ولا تلك القائمة بين” جماعة الاخوان المسلمين” التنظيم الدولي وحلفائه وامريكا والغرب عموماً وإن كانت مسألة ارتباط هذه الجماعة كتنظيم دولي بالقوى الغربية وولائها له واضحة ومستمرة منذ بداية تأسيسها عام 1928م في مصر،ولم تتضح الصورة بشكل قطعي ومؤكد سوى في الآونة الاخيرة حيث بات مؤكدا بما لا يدع مجالاً للشك، بأن “حزب العدالة والتنمية” ذا المرجعية الدينية الاسلامية والحاكم لتركيا، حالياً إمتداد حزبي وفرع رئيسي ومهم للغاية لجماعة الاخوان المسلمين ” التنظيم الدولي” البالغ السرية والتكتم، وأن زعيمه ”اردوغان‘‘ يحمل مرتبة رفيعة جداً في قيادته العليا وكذا عدد من زعماء حزبه، كما بات من المؤكد، قطعياً، أن “جماعة الاخوان المسلمين” ” التنظيم الدولي” السري وسائر الجماعات الاسلامية والمسلحة المرتبطة بالجماعة، على علاقة تحالفية استراتيجية وثيقة ممتدة دون انقطاع منذ تأسيسها قبل حوالي 85 عاما مضت، ولم يحدث في أي يوم من الأيام، أن اهتزت أو تذبذبت أو تغيرت تلك العلاقة تحت أي ظرف من الظروف، لهذا احتلت هذه العلاقة التحالفية والارتباط والولاء بين أمريكا والغرب، درجة من الوثوق والثقة والثبات العميق الذي لا يتزعزع، تلي اسرائيل مباشرة إن لم تتساو معها!! والواقع ان تاريخ هذه الجماعة والجماعات المتحالفة معهما والمتفرعة عنها أساساً، ومواقفها ونشاطها، عبركافة المراحل، وتناغمها وخدمتها للأهداف والمصالح الغربية ووضع نفسها اداة بيد تلك القوى الدولية الغربية، خلال المرحلة الاستعمارية التقليدية وبعدها خلال مرحلة الهيمنة الامبريالية الكونية، في مواجهة أنظمة الحُكم والقوى الوطنية والقومية واليسارية التحررية الثورية حتى اليوم، يؤكد لنا تلك الحقيقة الراسخة.. ولعلنا احتجنا إلى كل هذا الاستعراض الآنف لنصل إلى القول، وقد اتضحت أمامنا الصورة إلى حد ما بأن مشروع ” الشرق الأوسط الجديد” أو “الكبير” الذي صاغته وأعلنته الإدارة الأمريكية عام 2002 م، يعتبر جزءا مهما من الاستراتيجية الكونية لأمريكا في فرض سيطرتها وهيمنتها المطلقة على العالم بالتحالف مع سائرالقوى الدولية الغربية، تتحدد اهدافه، المعلنة وغير المعلنة، في إحكام السيطرة على منطقة “الشرق الأوسط الكبير” والمترامي الأطراف الممتد بالكامل كحزام لكل جنوب القارتين أوروبا وآسيا والتي يشكل العالم العربي والإسلامي قلبها ورئتها ومعظم جغرافيتها بما تختزنه من ثروات ومصادر طاقة هائلة، وذلك من خلال دعم ومساندة وتمكين ” جماعة الإخوان المسلمين”  أو الجماعات الإسلامية الحليفة لها من الوصول والسيطرة على مقاليد الحُكم في الدول العربية والإسلامية، وتنظيم انتفاضات شعبية ومسلحة لإسقاط الأنظمة الحاكمة التي تعتبرها أمريكا تقليدية ولا تدين بالولاء المطلق والعمالة الكاملة لأمريكا في الجزيرة العربية والخليج باستغلال الدين والعواطف الدينية العميقة لدى شعوبها والسيطرة على الحكم فيها ، خاصة تلك التي تمثل رمزية دينية مقدسة للمسلمين جميعاً لاحتضانها للأماكن المقدسة ولما تزخربه من ثروات من ناحية، وضمان استمرارسيطرة من وصل منهم إلى سدة الحُكم والحيلولة دون سقوطه، وإشعال فتنة صراع مذهبي سني – شيعي لإسقاط وتغييرنظام الحُكم في إيران المعادي لأمريكا والغرب.. ثم الشروع في وضع حل نهائي وشامل للصراع العربي الإسرائيلي ، باستغلال تأثيرها الديني الواسع شعبياً، يقوم على التنازل عن كامل الوطن الفلسطيني التاريخي لإسرائيل ،وإنشاء وطن بديل للفلسطينيين في الأردن وجزء كبير من سيناء المصرية يستوطنه الشعب الفلسطيني مقابل اتحاد عربي كونفدرالي فضفاض بقيادة القوى الإسلامية الحاكمة والقبول بدولة “إسرائيل” الموسعة والتعايش والتعاون معها وإدماجها ضمن إطار التكتل الإقليمي السياسي المزمع إنشاؤه تحت مسمى “تكتل الشرق الأوسط الكبير” الذي ستقوده وتوجه سياساته وحركته مثلث راجح يتشكل من تركيا وإسرائيل وإيران بعد تغيير نظامها السياسي المعادي، ويضمن تكامل الثروات النفطية والغازية العربية الإيرانية الهائلة بالقدرات العلمية التكنولوجية الحديثة الإسرائيلية والخبرات السياسية والاقتصادية والصناعية التركية المتطورة وبجانبها الإيرانية والقوى العاملة الضخمة والرخيصة الكلفة العربية، وبهذا يقوم كيان إقليمي استراتيجي كبير يحتل كامل الجنوب الجغرافي لقارتي أوروبا وآسيا يشكل طوقاً ممتداً يحاصر كلا من الصين وروسيا وكذا اليابان المؤهلة لمواجهة ومنافسة امريكا مستقبلا في هيمنتها ومصالحها ، ويضمن الضغط على اوروبا في احتياجاتها إلى مصادر الطاقة من المنطقة ويضمن ابتزازها وإخضاعها سياسياً للهيمنة الأمريكية، والجانب الأهم والأكثر حيوية في هذا المشروع الاستراتيجي الخطير يتمثل بالدفع والعمل من أجل إيصال القوى الإسلامية الحليف الاستراتيجي لأمريكا والغرب إلى السيطرة على الحُكم في بلدان العالمين العربي والإسلامي، ولا يهم بعد ذلك سواء أبنت ومارست تلك القوى الإسلامية الحاكمة بالديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان، أم داست عليها وضربت بها عرض الحائط وذهبت إلى الجحيم، ما دامت حسابات ومصالح أمريكا مصانة ومحترمة ،لكن هذا المشروع الأمريكي الكبيروالاستراتيجي يواجه، اليوم، بحكم تطورات وأحداث هائلة، لم تكن في الحسبان، حملة من التحديات والمعوقات والعراقيل الجدية والخطيرة التي باتت تهدده بالفشل والسقوط، على نحو أو اخر، فثورات الربيع العربي الشعبية التي استطاعت أمريكا والغرب وحلفاؤها من القوى الإسلامية وتركيا وقطرمن تجميد حركتها واختطاف ثمارها السياسية بفعل حالة الاضطراب والضياع التي تعقب عادة، حركات التغييرالجذرية والانتقال الشامل، عادت اليوم، مجدداً لتفرض نفسها ورؤيتها وتفاعلها على نحو أقوى وأوسع وأكثر زخماً وخبرة سياسية من السابق، ولتسقط حُكم ” جماعة الإخوان المسلمين ” وحلفائهم من القوى الإسلامية كما تحقق بالفعل في مصر ، وكما لا تزال تدورأحداثها في تونس وليبيا وإلى حد ما في اليمن في اتجاه زعزعة حُكم الإسلاميين والإخلال بتوازنة وثباته ومسألة سقوطهم أصبح مسألة وقت فقط ، إضافة إلى أن الدور والتدخل التركي شديد الجموح والفجاجة غيرالحصيفة في عسكرة الانتفاضة السورية وتدريب وتسليح الجماعات السورية ، بما فيها قوى القاعدة الإرهابية  نيابة عن أمريكا والغرب وفشل تلك الجماعات في إسقاط نظام الحكم السوري الذي بدأ مؤخرا رغم مرورحوالي عامين ونصف عام من العنف الدامي والمدمر أنه يحرز مكاسب وانتصارات على الأرض، إضافة إلى سقوط حُكم الإخوان المسلمين في مصر وترنح حكمهم في تونس وإلى حد ما في ليبيا واليمن ، كل ذلك لم يفقد تركيا الرصيد الكبيرمن قبول ورضا الشعوب العربية الذي بنته وأحرزته قبل ثورات الربيع العربي  الأولى فحسب ، بل بات الكثيرمن تلك الشعوب ينظر إلى تركيا كعدو للعرب تسعى إلى استعاد نموذج ” الإمبراطورية العثمانية”  مجدداً، والسيطرة على العرب من خلال جعل نفسها رأس حربة لقوى الغرب وحلف الناتو ، ليس هذا فحسب ، بل إن تداعيات وانعكاسات كل تلك التطورات والأحداث السابقة الإشارة إليها من المرجح أن تنعكس على الداخل التركي والفسيفساء العرقية والمذهبية والاثينية والدينية التي تشكل تركيبتها السكانية التي تجعل من سكان تركيا مجموعة أقليات متنوعة يؤثرعليها ويهزها هبة رياح تغييرتهب عليها بسبب تفاعلات ما يعتمل في نطاقها الإقليمي ومحيطها المجاور، والواقع أن سياسة ” حزب العدالة والتنمية”  قد أفقد تركيا دورا إقليمياً إيجابياً كان يبدو رائداً في العالمين العربي والإسلامي، ، وقد لا تتمكن تركيا من إعادة بنائه وترميمه لعقود طويلة من الزمن بفعل انتكاسة وهزيمة حليفها الاستراتيجي ، بل وامتدادها الحزبي الرئيسي والقوي” تنظيم الإخوان المسلمين” وانحسار شعبيته إلى أدنى المستويات غيرالمسبوقة وبروز قوى وتكتلات سياسية وشعبية جديدة صاعدة تفرض نفسها على الساحة السياسية برؤية فكرية وسياسية مختلفة وحديثة وتحالفات إقليمية ودولية جديدة وعلاقات إيجابية ومثمرة، تتوارى في رسمها وإدارتها الاعتبارات الأيديولوجية القديمة لصالح اعتبارات السياسة الواقعية والمصالح والأهداف المشتركة ، إن خارطة سياسة جديدة تُرسم وتتحدد معالمها وقواها سوف تجعل منطقة ” الشرق الأوسط الجديد ” أو” الكبير” غير ذلك الذي أريد بناؤه وفرضه ضمن الاستراتيجية الأمريكية الغربية، وقد لا يكون معادياً لها بل ساعياً لتعاون وعلاقات إيجابية تقوم على الاحترام المتبادل وتتخلص من نزعات التسيد والهيمنة والتبعية العقيمة المدمرة.                            وسنواصل حديثنا في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.. فإلى اللقاء.   عبدالله سلام الحكيمي بريطانيا / شيفلد 15 أغسطس 2013م          

By Editor