سقوط حكم الإخوان في مصر.. نظرة حول الأسباب والتداعيات صحيفة الوسط (الحلقة الثانية)

في الحلقة السابقة استعرضنا بعضاً من اهم وأبرزالاسباب والعوامل والأخطاء السياسية القاتلة التي وقعت بها واقترفتها القيادة العليا لجماعة الإخوان المسلمين في مصر في إدارة السياسة والحُكم والدولة وجعلتها تتحمل الجزء الأعظم من المسئولية في ايصال تجربة حُكم الاخوان، التي لم تدم اكثر من عام واحد، الى الفشل والسقوط المدوي عشية الثالث من شهر يوليوالجاري، والواقع اننا اكتفينا ببعض اهم وأبرز تلك الاخطاء وبصورة عامة وتحاشينا الدخول في التفاصيل او سرد الكثير من الأخطاء الاخرى باعتبارمعرفتها من قبل الكثيرين، وانتهينا في ختام الحلقة الى الوقوف عند الشعار الذي ترفعه الجماعة وهو شعار الشرعية المُختَلف توصيفاته، وذلك كوسيلة لتجاهل مطالب الجماهيرالحاشدة بتصحيح مسار الثورة وصَم الآذان عن سماع المطالب الشرعية للجماهير والتعامل الايجابي الديمقراطي السليم ازائها واتخاذه ذريعة للهروب من الاستجابة لها واحترامها.. وعن هذه الشرعية المُدعاة وحولها يدورحديثنا ويتواصل في هذه الحلقة الثانية.. والحقيقة أن قيادة الجماعة باستخدامها المفرط لشعارالشرعية بالتوصيفات العديدة له (دستورية – قانونية – ديمقراطية – صناديق الانتخاب)..الخ، والتلويح به في مواجهة مظاهرات الملايين العديدة من ابناء الشعب وفي رفض الاصغاء والاستجابة لمطالبهم المشروعة ارتكبت بوعي او بجهل خطأ سياسياً كان له تأثير فعال في استفزازالشعب وإثارة غضبه وكرامته ودفع بأعداد متزايدة منهم الى المشاركة العملية في المظاهرات والاحتجاجات والاعتصامات الهائلة التي عمت الغالبية الساحقة من مدن ومحافظات مصروجعلها تبدو كمعركة تحدٍّ بين ارادة الشعب وإرادة جماعة الإخوان المسلمين.. ومن جانب آخر فإن شرعية الانتخابات مصدرها ومانحها الشعب وحده ومن له الحق في المنح له الحق ايضاً في المنع، ولما كان الشعب بنص الدستورهو مصدر السلطات جميعاً فهو الطرف الأصيل الذي اعطى ثقته للرئيس وغيره وتفويضه كوكيل عنه لإدارة الدولة، والقاعدة القانونية تقتضي بأنه اذا حضر الأصيل جَبَ الوكيل، ووفقا لهذا فإنه عندما يتظاهراو يحتج او يعتصم الملايين من افراد الشعب ويرفع مطالب يريدها من الحاكم الوكيل فإنه يسترد صفته كطرف أصيل ويَجُبْ الوكيل الذي نَصًبه وتنتقل الشرعية تلقائيا من الوكيل الى الأصيل أي من الرئيس الى الشعب، وإلا يصبح الرئيس مغتصباً للشرعية ومنتحلاً صِفة، مما يخضعه للمساءلة والعقاب، ومن ناحية اخرى فإن الحاكم يحصل على اصوات وثقة الشعب وتنعقد له في حالة فوزه شرعية الوكيل في تمثيل الشعب وفقاً وعلى اساس الالتزامات والوعود والعهود التي يقطعها الحاكم على نفسه سواء في برنامجه الانتخابي او خطب وخطابات وتصريحات ومناظرات حملته الانتخابية كلها متكاملة، وأي إخلال بها اوتنصل او نقض لها اوعجز اوفشل في الوفاء بها وتنفيذها يسقط عنه شرعية تمثيله للشعب تماماً.. ومن ناحية ثالثة الشرعية الشعبية التي يمنحها الشعب للحاكم ليست ولا يجب ان تكون صكاً يمنح الحاكم حماية او حصانة مطلقة يجعله بمنأى عن المساءلة والمحاسبة والعقاب اذا هو قصٌر او انحرف او اخطأ او فشل او اساء في وظيفته وقراراته وسياساته في أي وقت وحين، وتصل خيانة الامانة والمسئولية ذروتها في حالة سوء استخدام الحاكم للثقة والشرعية الشعبية الممنوحة له والتستر على الفساد او الانحراف او الفشل والعجز عن القيام بواجباته ومسئولياته كافة ولم يرعَ مصالح الشعب ويصون حقوقه ويحافظ على مقدراته ويحافظ على امنه واستقراره ووحدته وتقدمه ،حينها تصبح الشرعية ساقطة ومعدومة حُكماً، والرئيس الحاكم الذي يحترم نفسه وشعبه هو الذي لا يتردد لحظة في حالة اثارة أي قدر معتبرمن اللغط والتشكيك بشرعيته من النزول الى الشعب والرجوع اليه لاستفتائه وتأكيد شرعيته او سحبها والقبول بإرادة شعبه كيفما تكون دون اللجوء الى اساليب الكذب والخداع والمكابرة والتزييف وإلا فإن الشعب قادرعلى فرض ارادته وإزاحة وإسقاط كل متجبرعنيد مهما بلغ جبروته وقوته وسطوته، كما تؤكد لنا تجارب البشرية عبرمختلف مراحل تاريخها لمن اراد ان يتعظ ويعتبر.. وبالعودة الى المنهج السياسي المتخلف والعقيم الذي انتهجته قيادة الاخوان المسلمين في تسييرشئون الحُكم وإدارة الدولة إبان فترة حكمها القصيرة فإننا نلاحظ بجلاء ووضوح كيف تعمدت إساءة الاستخدام المفرط لشعار(الشرعية) وامتهنته وابتذلت في توظيفه وتسخيره كغطاء لسعيها المهووس الى إحكام قبضتها على مقاليد الحُكم والدولة والإستئثار بها واحتكارها لها وحدها وإقصاء الجميع بمن فيهم احياناً حلفاؤها المقربون وجعلها سلاحاً لتصفية خصومها ومعارضيها السياسيين وقمع حرية الرأي والتعبيروخنق الحقوق والحريات لأن هذه القيادة كابرت وعاندت ولا تزال في الاستخدام المفرط والمبتذل لشعار( الشرعية)، مُصرة على إضفاء طابع الديمومة والقداسة على شرعية ممثلها الرئيس محمد مرسي، وأن الشعب المصري عند انتخابه في انتخابات شرعية كرئيس لكل المصريين، وبالتالي لا يجوز مساءلته او محاسبته او نقده او حتى مجرد المطالبة بانتخابات رئاسية مبكرة يعيد الرئيس مرسي طرح نفسه مجددا كمرشح فيها بحجة ان تطبيق هذا المبدأ المعمول به في الديمقراطيات كلها من شأنه ان يتكررمع كل رئيس جديد يأتي فور فوزه وتلك مغالطة وحُجة متهافتة وغيرمنطقية دون ان تنظر تلك القيادة الى الكيفية والظروف الاستثنائية المرتبكة التي انتخب فيها الرئيس مرسي والتي استغلتها قيادة الجماعة بأسلوب انتهازي لإيصال مرشحها الى سدة الحُكم ،وبهدف انعاش ذاكرة تلك القيادة نكتفي بالحقائق الرئيسة المهمة التالية: 1-   1-ان نسبة المشاركة في الجولة الأولى للانتخابات من إجمالي المسجلين على جداول الانتخابات بلغت فقط 46.42% أي أن غالبية الناخبين لم يصوتوا، وحصل الرئيس مرسي على نسبة 24.78% من اصوات المشاركين، أي ان اكثر من ثلاثة ارباع المشاركين لم يصوتوا له اضافة الى الذين لم يشاركوا ونسبتهم اكثر من 53% من الناخبين ،وفي جولة الإعادة بين مرسي ومنافسه احمد شفيق حصل مرسي فقط على نسبه 51.73% بينما حصل شفيق على نسبة 48.27% من الناخبين في حين امتنع عن المشاركة فيها نسبة 48.15% من الناخبين.. ويوضح الفارق الكبير في نسبة من اعطوا اصواتهم لمرسي في الجولتين، أن قوى وأحزاب وتكتلات شباب الثورة قد منحوا اصواتهم لمحمد مرسي للحيلولة دون فوز منافسه احمد شفيق، وتُمثِل اصواتهم النسبة المئوية الأكبر من الاصوات التي حصل عليها محمد مرسي في جولة الإعادة وهي القوى والأحزاب والتكتلات الثورية والشبابية التي انقلبت عليها قيادة الجماعة وممثلها الرئيس مرسي، وتنكرت لها ومارست ضدها كل وسائل الإقصاء والتهميش، ويتضح من هذه الأرقام أن الأصوات الخالصة التي منحت لمرسي من انصارالجماعة وحلفائها لا تزيد إلا قليلاً عن خمس الناخبين والأربعة الاخماس الاخرى بمن فيهم من لم يشاركوا اغلبية ساحقة لم ينتخبوه! 2    2- ان نسبة الـ24% من اصوات الناخبين المشاركين في جولة الانتخابات الأولى التي حصل عليها محمد مرسي هي في الحقيقة اقصى قدرة للجماعة وتنظيمها على التعبية والحشد الجماهيري وفي الظروف والأجواء المربوكة وغيرالطبيعية للدخول في المرحلة الانتقالية وفي ظل رغبة قطاعات من الرأي العام في إعطاء فرصة للجماعة في الحُكم لاختبار مدى قدرتها ونجاحها، ولاشك أن كثيرًا من تلك القطاعات في الرأي العام قد صُدمت وأصيبت بخيبة أمل مريرة بسبب ممارسات الجماعة وفشلها في تحقيق مكاسب وإنجازات ذات شأن للمجتمع، ولاشك ان نسبة الـ24% تلك قد تناقصت الى حد كبير. 3   3- وفي المقابل فإن شعبية وتأييد قوى وأحزاب وتكتلات شباب الثورة قد زادت وتضاعفت واتسعت الى حد كبير، واستطاعت ان تقنع الرأي العام في غالبيتة أنها جديرة، ومؤهلة وقادرة على إدارة دفة الحُكم وشئون الدولة والمجتمع، وذلك على حساب شعبية وتأييد الجماعة وحلفائها من التيارالاسلامي.       4-  إن التجربة المريرة برغم قصر فترتها الزمنية لحُكم الجماعة قد رسخ شعوراً وقناعة راسخة في اوساط الرأي العام الشعبي بأن الجماعة يتملكها ويسيطرعليها شغف مجنون بالسلطة والتشبث بها ولو كان ثمن ذلك تدميرالبلاد والزج بها في اتون الفتنة والحرب الاهلية المُهلكة، وأن مصالح الجماعة هي الأَولى بالاعتبار دون مصالح البلاد والعباد ومستقبل الاجيال القادمة، ولهذا فقد بات ينظر لها على عكس الماضي بأنها قوة خطيرة ومدمرة لا يمكن ان تكون مؤمنة ولا مأمونة الجانب لحاضر ومستقبل البلاد.. ولاشك بأن قيادة الجماعة تعي مجمل الحقائق آنفة الذكر، وتدرك ايضًا وعلى وجه اليقين بأن الحركة الشبابية المبدعة “تمرد” قد استطاعت ان تجمع توقيعات اكثر من 22 مليون مواطن مصري يطالبون بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة لإنقاذ البلاد ،وتعلم تمام العلم بأن ما يزيد عن 15 مليون مواطن قد شاركوا في مظاهرات وحشود واعتصامات 30 يونيو وما تلاها في عموم محافظات مصر يطالبون بإسقاط حُكم الاخوان، حشد بشري وصفته وسائل إعلام عالمية بأنه حشد جماهيري لم تشهد البشرية كلها عبرتاريخها مثيلا له من قبل وعلى نحو أبهر العالم حقاً، ولكن قيادة الجماعة كابرت وشككت ونفت وأنكرت وأرسلت عناصر مليشياتها المسلحة ومعها مجاميع من المرتزقة المستقدمين من خارج مصر ومن غير المصريين لارتكاب جرائم قتل وقنص وعنف وسفك دماء لترهيب الجموع الشعبية الهائلة الثائرة ودفعها الى العودة الى مساكنها خوفا وترويعا، وكادت البلاد ان تدخل في دوامة كارثية من الاقتتال والتناحر وسفك الدماء والفوضى والتمزق مما دفع القيادة العامة للقوات المسلحة ومعها قوات الأمن الى بذل مساعٍ ومحاولات لجمع كل الاطراف السياسية المعنية للتوافق على عملية إنقاذ وطني عاجلة لإخراج البلاد من أزمتها الطاحنة المنذرة بأوخم العواقب على حاضر ومستقبل البلاد وأطلقت النداءات والتوسلات ونجحت بعد جهود مضنية وشاقة في جمع الاطراف السياسية والشبابية والرموز الدينية وأجمعت على خارطة طريق للمستقبل تُخرج البلاد من ازمتها وتحول دون انجرافها الى هاوية سحيقة، ولكن قيادة الجماعة المسيطرعلى عقلها وتفكيرها منهج سياسي مغلق وعقيم وتدميري أبت واستكبرت ورفضت وحرضت وكتبت بيدها وبمحض إرادتها شهادة فشل وسقوط تجربة حُكم البلاد وإدارته بأخطائها القاتلة وسياساتها المتفردة الشمولية وبجهلها وقلة خبرتها وبغرورها وعنجهيتها الفجة التي لا تمت الى عقليات وتفكيررجال الدولة والحُكم بأية صلة على الإطلاق وحاولت الوقوف امام طوفان الشعب الهادرعلى أمل إيقاف تَدفعُه او تحريف وجهته لكنه عصف بها وقذف بها إلى هامش الحياة السياسية وخارج سياقها علها تراجع مسيرتها وتعيد تقييم تجاربها، وتستخلص كل العظات والعِبَر والدروس التي يجب عليها استخلاصها وتعيد بناء وصياغة منظومتها الفكرية ورؤاها السياسية وأساليب عملها وطبيعة أهدافها على نحو يتوافق مع منطق العصر وتطوراته وحقائقه المتجددة، وعليها ان تقلع نهائيا عن استغلال الدين وتوظيفه في المتاجرة به وجعله أداة ومطية للوصول الى مطامعها ومصالحها وتحقيق مكاسب ومصالح دنيوية لها عبر الإتجار البشع والرخيص بالدين وتعاليمه السامية والعظيمة، وأن تنزه الله سبحانه وتعالى ودينه الحنيف ولا تمتهنه وتنزله الى طاولة المساومات والصفقات الدنيئة والمشبوهة وما لم تفعل فإن الله جل جلاله بعلمه المحيط وقدرته اللا متناهية سيصب عليها سوط عذابه وغضبه وسيحبط أعمالها في الحياة الدنيا ولها في الآخرة عذاب عظيم..ولكن ما هي الآثار والتداعيات المتوقعة لسقوط حُكم الإخوان لأكبروأهم دولة عربية وإسلامية مصر؟؟ ذلك ما سنتناوله – بإذن الله تعالى – في الحلقة القادمة من هذه النظرة..       عبدالله سلام الحكيمي  شيفلد/ بريطانيا 5 يوليو2013م          

By Editor