رسالة ودية مفتوحة للشعب الأمريكي:تحسين صورة أمريكا عربياً وإسلامياً..لماذا وكيف؟

خلال الشهور القليلة الماضية برزت اهتمامات ومناقشات وطُرحت أفكار واُتخذت إجراءات في أروقة مجلس النواب ودوائر الإدارة الرسمية، تصب في مُجملها أو تدور حول محور مركزي واحد وهو كيفية تحسين صورة الولايات المتحدة الأمريكية في العالمين العربي والإسلامي، ووسائله وخططه. ولاشك بأن مثل هذا التوجه والمسعى يعتبر طيباً وايجابياً ومهماً يَفرِضْ على العرب والمسلمين ضرورة الاهتمام به والتعاطي معه على نحو بناء وإيجابي، والوقوف إلى جانب الشعب الأمريكي ودوائره ومؤسساته، ومساعدتها على تحقيق ذلك الهدف النبيل بأفضل وأحسن ما يمكن، باعتباره يخدم مصالح الشعوب العربية والإسلامية والشعب الأمريكي على حد سواء. ولعل السؤال الذي يطرح نفسه علينا ابتداءً، هل صورة الولايات المتحدة في أذهان الشعوب العربية والإسلامية قد بلغت حداً كبيرا جداً من السوء والبشاعة تُوجِبْ ذلك التحرك السريع والواسع لمواجهته؟ واذا كان كذلك فعلا فما هي عوامله وأسبابه ودوافعه؟ والواقع أن الولايات المتحدة ظلت ،تاريخياً، تُمثِل الصورة الأكثر إشراقاً والدورالإنساني الأمثل والأرقى، وكانت بمثابة النموذج الآسر لقلوب وعقول العرب والمسلمين، والقدوة المثلى لهم حتى مطلع الستينات من القرن العشرين المنصرم، على وجه التقريب، وبلغت تلك الصورة ذروة تألقها بالموقف الأمريكي الحاسم ضد العدوان الثلاثي البريطاني الفرنسي الإسرائيلي على مصر عام 1956م ، ذلك الموقف الذي كان له الدور الرئيس في وقف العدوان وانسحاب القوات المعتدية، وكانت الشعوب العربية والإسلامية تَعتبِرالولايات المتحدة القوة العالمية الأولى المدافعة عن الحرية وحق الشعوب في التحريرمن الاستعمار ومناصرة قضايا الشعوب المظلومة والمقهورة والمضطهدة في العالم. وحتى حينما اتخذت الولايات المتحدة سياسات ومواقف عدائية تجاه العديد من حركات التحرر الوطني والثورات الوطنية في بلدان عربية وإسلامية وفي بلدان أفريقية وأمريكية جنوبية، وخاصة القومية التحررية التي قادها الزعيم الراحل جمال عبدالناصر من مصر، وعرقلة تمويل مشروع السد العالي، والاعتراض على حقه في التسلح، وكذا الموقف العدائي المباشر الذي ادى إلى ضرب وسقوط ثورة محمد مصدق في ايران وغيرها من المواقف المماثلة، فان صورة الولايات المتحدة في العالمين العربي والإسلامي،خاصة، لم تلحقها أضرار جسيمة ولم تتدهور كثيراً، لوجود وعي عام وإدراك بأن تلك السياسات والمواقف اقتضتها وفرضتها على الولايات المتحدة طبيعة الصراع والتنافس الدولي في اطار مرحلة الحرب الباردة بين المعسكرين الدوليين العظميين الشرقي الاشتراكي والغربي الرأسمالي. بدليل أن الدول العربية والإسلامية ظلت وعلى مدى عقود عديدة من الزمن مرتبطة بالولايات المتحدة بمستويات متفاوته. بعضها ظل مرتبطاً بها بعلاقات تحالف استراتيجي وثيق. وبعضها بعلاقات تعاونية شاملة ووثيقة، والبعض الثالث ـ وهم أقلية من الانظمة ذات النزوع الوطني التحرري ـ لم يكن لهم موقف عدائي مُسبق أو ثابت من الولايات المتحدة بل ظلوا تواقين إلى مد جسورالعلاقات والتعاون معها، وعملوا بمختلف السبل والوسائل وحاولا مد تلك الجسور وإقامة علاقات طيبة وايجابية مع الولايات المتحدة وان لم يوفقوا إلى ذلك. كما أن كثيرا من الاحزاب والمنظمات والمفكرين والمثقفين والسياسيين في العالمين العربي والإسلامي يمكن أن يُصنفوا على نحو أو آخر، باعتبارهم أصدقاء للولايات المتحدة، ولعل أبرز وأوضح ما يُعبرعن ذلك ويبرهن عليه الحرب الطاحنة والشاملة ضد الاتحاد السوفيتي وقواته في أفغانستان اواخرالسبعينات وأوائل الثمانينات من القرن الماضي، وهي حرب أمريكية بالدرجة الأولى، وغربية بالدرجة الثانية، كانت عاملاً رئيسياً في إنهيار وسقوط الاتحاد السوفيتي ومعسكره الدولي الاشتراكي، حيث كان مئات الآلاف الذين قاتلوا وحاربوا في معارك تلك الحرب جميعهم عرباً ومسلمين وقفوا إلى جانب الولايات المتحدة وقدموا تضحيات هائلة تأييداً ونُصرة لها. فما الذي حدث إذن حتى تنقلب تلك الصورة الرائعة للولايات المتحدة إلى النقيض تماماً في العالمين العربي والإسلامي؟ ولماذا وكيف حدث الذي حدث؟ والحقيقة تفرض علينا أن نعترف بكل أسف بأن صورة الولايات المتحدة من خلال سياساتها ودورها، وصلت إلى درجة مخيفة من السوء والبشاعة في العالمين العربي والإسلامي خاصة. وهي نظرة لم تنحصرعلى مستوى الصفوة أو النُخب المثقفة فحسب، بل امتدت لتشمل أوسع قطاعات وشرائح الرأي العام الشعبي العادي، وهو مكمن المشكلة والخطورة، وقطعاً ويقيناً ان مثل هذا الوضع الذي آلت اليه صورة الولايات المتحدة ليس مبعث رِضى أو سرورأو ارتياح لنا، بل على العكس يثير في أنفسنا بواعث القلق والانزعاج والأسى. إذاً لا اعتقد بأن هناك من يَسُرَه ويُبهِجُه ان تكون علاقتنا بالقوة العظمى في العالم اليوم وشعبها بمثل هذه الصورة المخيفة والمأساوية التي لا تخدم مصالح شعوبنا ولا مصالح شعب الولايات المتحدة، ومن هنا يترتب علينا جميعا واجب العمل بمختلف السبل والوسائل الممكنة لتغيير تلك الصورة ، ومحاولة العودة إلى الصورة السابقة المشرقة، بالتعاون والتنسيق مع شعب الولايات المتحدة ومؤسساته ومنظماته ومفكريه ومثقفيه. ومع ذلك فنحن ـ بكل أسف ـ أمام واقع سوداوي مزعج ومُغلَق وجدناه مفروضاً علينا بحقائقه وآثاره وتداعياته التي امتدت لتشعل ليس فقط الموقف السياسي بل والمشاعر والأحاسيس والموقف النفسي العميق، والخطوة الأولى على طريق السعي نحو تجاوزه ما أمكن تتمثل بدراسته وتحليل عوامله وأسبابه أو بعبارة أخرى لماذاحدث؟وكيف حدث؟ وكمحاولة لفهم ما حدث ولماذا حدث؟ وكيف حدث؟ من وجهة نظري، هناك منعطفان أو نقطتا تحول رئيسيتان وبارزتان تفاعلتا وتضافرتا معاً لِتُسهِما بشكل جوهري في جعل صورة الولايات المتحدة كسياسات ومواقف تصل إلى أسوأ وأبشع درجة وعلى نطاق شامل في العالمين العربي والإسلامي، شعوباً وأحزاباً ومنظمات وسياسة وهما: نقطة التحول الأولى: بدأت أواخرعقد الخمسينيات وأوائل عقد الستينيات من القرن العشرين المنصرم،وهي الفترة التي بدأت فيها عملية الإحتضان والتبني والحماية الاستراتيجية الشاملة لدولة إسرائيل تنتقل شيئاً فشيئاً من أوروبا، وخاصة بريطانيا وفرنسا إلى الولايات المتحدة الأمريكية. وقد شهدت سياسات ومواقف نقطة التحول هذه تطورات عديدة ومراحل متدرجة ومتصاعدة منذ بداية الستينيات وحتى اليوم. نقطة التحول الثانية: فقد بدأت عقب أحداث11سبتمبرعام 2001م الإرهابية البشعة، التي استهدفت أهدافاً حيوية ومهمة في مدينتي((نيويورك)) و ((واشنطن)) بالولايات المتحدة، وتمثلت بسياسات ومواقف وممارسات بالغة الحدة والتطرف والعنف اتخذتها ونفذتها الإدارة الأمريكية الحالية التي يهيمن عليها صقورومتطرفو تيار المحافظين الجدد، وهي وان كانت قد استهدفت مباشرة العرب والمسلمين في أوطانهم الأصلية أو في مواطنهم الجديدة ومهاجرهم في أمريكا والدول الغربية عموماً، فإنها بدت بجلاء ووضوح وكأنها نزوع أمبراطوري جامح ومتهور للسيطرة الأحادية المطلقة على العالم بأسره. وواقع الأمرأن نقطتي التحول هاتين وما ترتب عليهما من تفاعلات وافرازات وسياسات ومواقف وآثارونتائج عميقة الأثر وواسعة الشمول لمختلف المجالات والشئون، لعبتا الدور المحوري الأبرز في الإساءة إلى صورة الولايات المتحدة وتشويه دورها، وفي إتساع وعمق مشاعر الكراهية والعداء للسياسة الأمريكية في العالمين العربي والإسلامي خاصة ،على نحو قَلَ أن نجد له مثيلاً في مراحل التاريخ الإنساني الحديث والمعاصر. ونظراً لأهميتهما وخطورتهما البالغتين ينبغي علينا الوقوف إزاءهما وحولهما بالدراسة والتحليل وبقدرأكبرمن التفصيل والإيضاح كخطوة اُولى ضرورية للعمل على تغيير الصورة السيئة القائمة.. وهو ما سوف نتناوله ان شاء الله تعإلى في الأجزاء التالية لهذه الدراسة التي أقدمها كرسالة وُدية مفتوحة إلى الشعب الأمريكي الصديق علّنا نتعاون معه ونساعده في تحقيق هدفه المشروع والنبيل الذي هو هدفنا ومسعانا في ذات الوقت.. لنتاول الان نقطة التحول الأولى ، وهي تتعلق أساسا بالقضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي المرتبط بها، وقلنا ان نقطة التحول الكبرى والأولى بدأت مع بدايات عقد الستينات شرعت (إسرائيل) في العمل على نقل عملية إحتضانها وتبنيها وحمايتها الاستراتيجية من مركز الثقل الدولي القديم في أوروبا، وخاصة بريطانيا وفرنسا إلى الولايات المتحدة الأمريكية الجديدة والصاعدة بِخُطى سريعة لإحتلال موقعها كقوة اعظم عالمياً، حيث اخذت علاقاتها بإسرائيل تاخذ منحنى تصاعدياً ومتسارعاً لتصبح علاقة تحالف استراتيجي شامل تحتل المرتبة الأولى في سُلّم أولويات السياسة الخارجية الأمريكية بدون منازع، وباتت الولايات المتحدة، منذئذٍ الحاضنة والداعمة والحامية والمدافعة الكبرى الأولى عن (إسرائيل) وسياساتها ومواقفها وممارستها دون أي تحفظات أو ضوابط اومعاييراوقيم، حتى بدت الولايات المتحدة في دفاعها عن (إسرائيل) وممارستها أشد وأمضى من دفاع (إسرائيل ) عن نفسها!!! فهي التي تُحرِض (إسرائيل) وتشجعها على التمادي في جرائم القتل والإبادة والتجويع والتدميرالتي تمارسها ضد الشعب الفلسطيني الرازح تحت إحتلالها العسكري. وفي تحديها لإدارة المجتمع والشرعية الدولية، وفي تعطيل أية قرارات بإدانتها تصدرعن مجلس الأمن الدولي.. ووصل الأمر أخيراً إلى حدإعطاء الإدارة الأمريكية مشروعية القتل والجرائم ـ وهي قوة احتلال ـ تحت شعار حق اسرائبل في الدفاع عن نفسها، وفي الوقت نفسها إعتبارالفلسطينيين المقاومين للاحتلال والمدافعين عن حقوقهم الوطنية المسلوبة إرهابيين ومجرمين!! وحتى لا نسترسل في الحديث حول تفاصيل وجوانب ومواقف السياسة الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي الناتج عنها، فإننا سوف نحرص هنا على مناقشة هادئة وموضوعية ومتجردة إلى أقصى الحدود الممكنة لتلك السياسة من اجل إكساب حديثنا قدراً من الجدية والفائدة. وفي هذا الاطار، وبادئ ذي بدء، نقول بأننا نفهم ونتفهم تعاطف الولايات المتحدة مع اليهود بسبب الاضطهاد وحروب الإبادة التي تعرضوا لها تاريخياً، وحساسيتها تجاه ما عُرِفَ بمعاداة السامية فنحن كعرب ومسلمين لا يمكن ان نقبل او نؤيد أي اضطهاد أوإبادة أو معاناة لليهود لمجرد إنتمائهم الديني أوالعرقي شأنهم في ذلك شأن أي جماعة او طائفة عرقية أو دينية انسانية او حتى لا دينية. فلقد عاش اليهود داخل المجتمعات العربية والإسلامية منذ أقدم العصور والأزمان دون التعرض لعمليات اضطهاد اوإبادة جماعية منظمة، بل عاشوا في الغالب بأمان وسلام وإنسجام وتولوا في كيان الدولة مناصب ومسئوليات مرموقة ورفيعة، وكانت لجماعات منهم أوضاع اجتماعية واقتصادية متميزة لم يصل إلى مستواها غالبية شرائح وفئات المجتمع الأخرى ولم تكن هناك حوادث كبيرة وواسعة نوعاً ما اُستهدف فيها اليهود في تلك المجتمعات إلا عَقِبْ قيام (إسرائيل) كدولة عبرية على حساب الشعب الفلسطيني الذي شُرد ووطنه الذي اُغتصب، وكَرَد فعل سياسي، وليس دينياً على ذلك وسبب له.. في حين ان الثابت والمؤكد غيرالمختلف فيه تاريخياً أن مشكلة معاداة السامية وما نتج عنها من عمليات اضطهاد وإبادة جماعية منظمة في حق اليهود كانت مشكلة أوروبية في اساسها ومنشئها وافرازاتها وفلسفتها، ولم تكن على الاطلاق مشكلة عربية واسلامية.. لا بل كانت بلدان عربية وإسلامية ملاذاً وملجأً آمناً لليهود الفارين من جحيم الاضطهاد والإبادة في المجتمعات الأوروبية، كما تشير إلى ذلك وقائع التاريخ الثابتة،ومع ذلك ورغم ذلك كله، فقد فُرض على العرب والمسلمين ان يدفعوا الثمن الباهظ ويقدموا قرباناً غالياً للتكفيرعن ذنب وجُرم لم يرتكبوه اصلاً، ولم يتسببوا في حدوثه من قريب او بعيد، فكان الشعب الفلسطيني ووطنه هما الضحية المظلومة التي دفعت الثمن وقدمت القربان دون حق او سبب، نيابة عن مرتكبي الجريمة الاصليين!حيث جاء القرارالشهيربتقسيم فلسطين الصادرعن مجلس الأمن الدولي عام 1947م ليعطي ما نسبته 53 في المائة من كامل الوطن الفلسطيني لليهود ليقيموا وطناً قومياً لهم عليه، في حين أعطى النسبة الباقية للفلسطينيين أصحاب الارض الاصليين، ورغم ذلك فقد كانت (إسرائيل) ولاتزال ترفض ذلك القرار ولا تقبل به رغم حقيقة كونه الأساس الشرعي والقانوني الوحيد الذي تأسست بموجبه! لم يتوقف الأمرعند هذا الحد فبعد اقل من عقدين من الزمان وتحديداً في حرب عام 1967م احتلت (إسرائيل) ما تبقى من الوطن الفلسطيني في ((الضفة الغربية)) وقطاع(( غزة)) وأراضي من ثلاث دول عربية اخرى انسحبت من بعضها ولاتزال تحتل بعضها الآخر .. ومنذ ذلك الحين وحتى اليوم قدم العرب مبادرات الواحدة تلوالأخرى لحل المشكلة الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي سلمياً، وإقامة سلام شامل ودائم بين العرب وإسرائيل. وهي مبادرات لم تستند إلى قرار تقسيم فلسطين. وانما اكتفت وقبلت باقامة دولة للفلسطينيين على نسبة من كامل الوطن الفلسطيني تقل عن 22 في المائة فقط، في حين أن قرار التقسيم يعطيهم ما نسبته 48 في المائة!! وإضافة إلى المبادرات السلمية العربية كانت هناك مبادرات دولية وأمريكية كمشروع((ميتشيل)) وخطة ((تينيت)) و((خارطة الطريق)) وغيرها ، ورغم ذلك كله فلا ذا تأتي ولا ذاك حصل ! ولا نريد هنا ان نستعرض ما تعرض له الشعب الفلسطيني من عمليات اضطهاد وجرائم إبادة منذ بداية نكبته الكبرى عام 1947م ، ولكننا نكتفي بإيراد بعض الأرقام بما تَعرضَ له خلال فترة الانتفاضة الشعبية الاخيرة فقط، التي لايتجاوز عمرها أربع سنوات على يد قوات الإحتلال الإسرائيلي تقول الارقام : = * أكثر من أربعة آلاف قتيل فلسطيني. =*  أكثر من خمسة وخمسين ألف جريح، إصابة أكثر من سبعة الآف منهم عاهات مستديمة. =* تدمير أكثر من خمسة وأربعين ألف مسكن منها أكثر من ثمانية آلاف مسكن دمر تدميراً كلياً. =* إجتثاث أكثرمن سبعمائة ألف شجرة مثمرة.  فما الفارق إذن بين الإضطهاد وعمليات الإبادة التي تعرض لها اليهود في أوروبا، وما يتعرض له الشعب الفلسطيني على يد قوات الإحتلال الإسرائيلية؟ وأية قِيمْ ومُثلْ وأخلاقيات تستند إليها سياسة ومواقف الإدارة الأمريكية في إعتبار جرائم القتل والإبادة البشعة التي يمارسها الغاصب المحتل حقاً مشروعاً في الدفاع عن النفس، وإعتبار الشعب الرازح تحت الإحتلال والمُطالب بحقوقه المغتصبة مجرماً وارهابياً وشريراً ؟؟! إن مشكلة السياسة الأمريكية ومواقفها إ زاء ما يسمى بمشكلة الشرق الأوسط ، أو الصراع العربي الإسرائيلي تكمن في كونها تتأسس على رؤية لا تُفرِق بين التعاطف والتأييد لليهود لتعرضهم لإضطهاد وأعمال إبادة ومُحاربة نزعة ((العداء للسامية)) التي تستهدفهم، وهو إتجاه إنساني لاغبار عليه. وبين سياسات وممارسات(إسرائيل) باعتبارها دولة يهودية يجب ان تخضع لمعاييروسلطة القانون الدولي وأحكامه وقيمه ومرجعياته الشرعية. ومع تسليمنا بحقيقة أنه لا يحق لأي جهة أن تُملي على الولايات المتحدة سياساتها فهي وحدها صاحبة الحق في تقرير سياستها وفقاً لمصالحها وحساباتها وأهدافها.. فمن حقها وحدها ان تضمن أمن (إسرائيل) وسلامته وتُقدم لها كافة المساعدات التي تحقق تفوقها العسكري والتكنولوجي والاقتصادي على كافة الدول العربية، وترتبط بها بعلاقات تحالف استراتيجي شامل ورفيع المستوى، وان تجعل منها جزءاً لا يتجزأ من مشروعها واستراتيجيتها الكونية .. كل ذلك من حق الولايات المتحدة وحدها عمله وتحقيقه ولا احد بمقدوره الاعتراض على ذلك إلا أننا مع ذلك نعتقد بأن ذلك الحق ينبغي ألا يصل إلى حد مصادرة حقوق الآخرين وضرب تطلعاتهم وأهدافهم المشروعة مثل الشعب الفلسطيني الذي وقع عليه ظلم عالمي فادح يصل إلى حد الجريمة والعار، وفقد وطنه وشرد من دياره، والجزء المتبقي منه خاضع لاحتلال عسكري إسرائيلي دموي تصفوي بشع ..كما ينبغي للولايات المتحدة ان تستغل وتوظف وترمي بكل امكانياتها وثقلها باعتبارها القوة الأعظم في العالم لممارسة الضغوط من أجل اجبار مختلف دول العالم ومنعها من بيع صفقات أسلحة متواضعة للدول العربية، التي تفرض عليها أمريكا حصاراً شبه كامل حتى لا تمارس حقها المشروع في التزود بالمتطلبات الدفاعية اللازمة لحماية نفسها كما تفعل كل دول العالم بدون إستثناء، ذلك بأن هكذا موقف تقفه الولايات المتحدة يجعلها في موقف عدائي مباشر وحاد ضد دول العالمين العربي والإسلامي وشعوبها، كما أنه يتعارض تعارضاً صارخاً مع رسالة أمريكا وقِيمها ومُثلها التي تريد حملها إلى مختلف شعوب الأرض. هذا ما يتعلق بنقطة التحول الأولى التي أثرت على صورة وعلاقة الولايات المتحدة الأمريكية لدى شعوب العالمين العربي والإسلامي، وحولتها من النقيض إلى النقيض، وهي النقطة المتعلقة بقضية الشعب الفلسطيني المقهور ومانتج عنها من صراع عربي إسرائيلي. دارحديثنا فيما سبق حول النقطة الأولى من نقطتي التحول البارزتين اللتين أسهمتا، إلى حدكبير، في تغيير صورة الولايات المتحدة الأميركية ورسالتها ودورها الحضاري والإنساني تغييراً جذرياً أو في أحسن التقديرات ((شبه جذري)) وخاصة في نظر شعوب وأحزاب ومنظمات ونُخب العالمين العربي والإسلامي، من صورة القوة العظمى في العالم نصيرة الشعوب المقهورة والمضطهدة لتقريرمصيرها ونيل حريتها واستقلالها، وإقامة حياة ديمقراطية تحفظ حقوق الانسان وحرياته وكرامته وتطلق طاقات الشعوب الكامنة لصنع التقدم والازدهاروالرفاهية، إلى صورة مناقضة تبدو فيها القوة العظمى الوحيدة في العالم داعية للحروب ومهددة للأمن والسلام والاستقرارالعالمي، ومستخدمة قوتها العسكرية الرهيبة التي لا نظير لها تاريخياً من أجل بسط وفرض وتحقيق سيطرتها وهيمنتها الأحادية على العالم كله بدوله وشعوبه وقواه وثقافاته ومعتقداته وتنوعه الهائل، دون أدنى إعتبار أو مراعاة أوإحتكام إلى العهود والمواثيق والقوانين والأعراف الدولية وهيئاتها ومؤسساتها ومرجعياتها المنظمة للعلاقات الدولية والضابطة لحركتها ومسيرتها والحاكمة لخلافاتها ومنازعاتها، والعاملة لتحقيق الأمن والسلام الدوليين والراعية والدافعة لتنامي وتَوسع وتَطور علاقات التعاون والتكامل والتعاضد بين مختلف دول العالم وأممه وشعوبه، بما يحقق الخيروالرفاهية والسعادة للجميع، حيث برزت هذه الصورة السلبية المخيفة للولايات المتحدة على نحو أكثروضوحاً وحدة منذ مابعد أحداث 11سبتمبر2001م الإرهابية الدموية التي تعرضت لها الولايات المتحدة، وما نتج عنها وترتب عليها من سياسات ومواقف وردود أفعال وأحداث وتحركات عسكرية مهولة إتخذتها على النطاق العالمي بأسره. والآن سنواصل حديثنا حول نقطة التحول الثانية الأخرى، المُسببة لذلك التغييرالجذري المؤسف، وهي النقطة التي تبدأ تاريخياً مع بدأية أحداث 11سبتمبرالمأساوية عام 2001م ، ومجمل الآثار والتداعيات والنتائج التي تلتها كرد فعل عليها خَططت لها وشَرعت في تنفيذها وترجمتها على الصعيد العالمي بأسره الإدارة الأمريكية الحالية التي يُهيمن عليها ويُوجهها ويُحركها صقور ومتطرفوا تيارالمحافظين الجدد المعرفون بأقصى التطرف اليميني على الصعيد الاقتصادي والسياسي، وبأعلى مستويات التطرف الديني الانجليكاني الخاضع حتى الهوس لسيطرة النبوءات والاساطيرالتوراتية، حيث اتسعت سياساتها ومواقفها وإجراءاتها وأعمالها العسكرية، وكذا السياسية والقانونية والاقتصادية والأمنية بل ومُجمل خطابها الإعلامي بأعلى درجات التسرع، وربما الإرتجالية والتخبط في بعض الأحيان والحالات، وبقدرمُبالغ فيه من الحدة والفجاجة بل والغطرسة والعنف والتطرف المبالغ فيه إلى حد ملحوظ. ولعل مما يبعث على الأسى والأسف أن مُجمل تلك السياسات والمواقف والإجراءات والأعمال بمختلف أشكالها ومجالاتها، بدت بكل وضوح وجلاء أنها تستهدف كل عربي وكل مسلم وما يمت لهما بصلة من حيث الهوية العرقية الأثنية اوالإنتماء الديني دون تمييز وتفريق بين متهم وبرئ وبين مجرم ومسالم , وتَعرض هؤلاء كلهم لصنوف وأشكال من العذاب والمعاناة والإهانة والإذلال بل والضرب والقتل , ليس من قِبلْ المجتمع الأمريكي اوالغربي عموماً الذي اصبحوا مواطنين فيه بالتجنس أباً عن جِدْ , اومقيمين فيه كعمال او طلبة او زائرين فحسب، بل وحتى من أجهزة الأمن والشرطة والهجرة والمخابرات الرسمية في تلك المجتمعات , والأشد مرارة من كل ذلك أنهم اصبحوا متهمين ومحل شُبه عَرّضهم للاهانات والاجراءت التعسفية التمييزية داخل الطائرات المسافرين عليها اوالمطاعم اوالمحلات التجارية او حتى في الحمامات العامة ! هذا بالإضافة إلى ماتعرضوا له في أوطانهم الاصلية اوبلدانهم من حروب طاحنة ودمار شامل وقتل مرعب وسفك دماء مريع وانتهاكات وتعديات صارخة ومُخجلة لحقوقهم الإنسانية وحرياتهم وكرامتهم الإنسانية على يد وبأسلحة القوات الأمريكية الغازية والمحتلة , كما حدث ويحدث في افغانستان والعراق الشعبين اللذين وعدتهما أمريكا بان تقيم على ارضهما وحياتهما جنة الحرية والديمقراطية المثلى , هذا إضافة إلى الفضائع الهمجية التي اُرتكبت بحق معتقليهم في (جوانتانامو) وسائر سجون العراق وافغانستان وغيرها من المعتقلات السرية وتخلل كله وتزامن معه عدد لاحصر له من الإجراءات والخطوات والممارسات غير المستندة لأبسط معايير ومقتضيات القانون والعدل في وقف أنشطة وأعمال جمعيات خيرية وإنسانية وثقافية وتعليمية ودينية ومؤسسات مصرفية وتجارية واستثمارية وتجميد ارصدتها المالية او مصادرتها , ودوهمت جامعات وكليات ومعاهد ومساجد سواء في أمريكا او الدول الأوروبية او مختلف دول العالم لمجرد كونها ذات طابع إسلامي , او لأن القائمين عليها عرب او مسلمون , كل ذلك تحت شعار او مبرر(الحرب العالمية المقدسة على الإرهاب) ثم امتد الأمر بعد وقت قصير ليشمل القيام بحملة منظمة ومكثفة وواسعة النطاق لِتُصوِرالإسلام او المناهج التعليمية التي تُدرس الإسلام وتتهمه بانه المنبع والمُحرض والمُغذي الدائم للارهاب والمُوجد له! وأقترن ذلك بحملة عدائية شرسة ومتصاعدة ضد المملكة العربية السعودية , وتوجيه الإتهام لها بدعم الإرهاب ورعايته وتشجيعه سواء عبر التعليم الديني المعمول به فيها او من خلال الدعم المالي والمادي والمعنوي له , واستدلوا على ذلك بما تقوم به السعودية من بناء مساجد للعبادة ودور للتعليم الديني وجمعيات خيرية وانسانية في الكثيرمن البلدان الإسلامية والعربية وغيرها من البلدان , حيث يوجد بها اقلية اسلامية , واصبحت السعودية في نظرهم العدو الأكبر الراعي للارهاب رغم العلاقة الحميمة والاستراتيجية التاريخية الممتدة التي تربطها بالولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية , في حين يسمع العالم كله ويرى ويعاين المنظمات الخيرية والإنسانية والتبشيرية العملاقة والقوية المدعومة من قبل الولايات المتحدة وسائر الدول الغربية تمارس وتعمل وتنشط في أرجاء الدنيا في افريقيا وأسيا وأمريكا اللاتينية واوربا الشرقية , وتبني الكنائس والمراكز والجامعات التعليمية المسيحية ومؤسسات الدعوة والتبشير الديني المسيحي وسائرالاعمال الخيرية والإنسانية على نحو لامجال لمقارنته بما تفعلة السعودية والدول الإسلامية مجتمعة , دون ان يُبدى أحد اي اعتراض او مجرد تساؤل . وإلى ذلك وفي الوقت ذاته اصدرت الإدارة الأمريكية حكمها منفردة , باعتبار جميع فصائل وحركات التحريرالوطني الفلسطينية التي تقاوم جبروت وطغيان قوات الإحتلال الاسرائلي للجزء الضئيل المتبقي من وطنها المغتصب وإقامة وطنها عليه , بأنها إرهابية وضغطت على الكثير من دول العالم بذلك الحكم الانفرادي الجائرالظالم ونفس الحُكم اصدرته بحق حزب الله اللبناني , وهو الحزب الذي اقتصر دوره في مقاومة الإحتلال الإسرائيلي لجزء من ارض وطنه فقط , ولم يحدث ان قام بأية أعمال خارج نطاق المقاومة في لبنان , ليس هذا فحسب بل تصاعدت التصريحات الأمريكية المهددة والمنذرة لإيران وسوريا والسودان واليمن , وإلى حد ما مصر والصومال وشرق آسيا , اضافة إلى شخصيات ومنظمات وجماعات في تلك البلدان , ومما زاد الأمرسؤاً وخطورة ان كل ما ذكرناه آنفا تخللته وترافقت معه تصريحات مقيتة وحقيرة معلنة ومنشورة في مختلف وسائل الاعلام المرئية والمسموعة والمقروءة أدلى بها عدد من كبار المسؤلين الأمريكيين وعسكريين ومدنيين وقساوسة وآخرين غيرهم في أوربا , وجّهوا خلالها أعمق مشاعرالعداء والكراهية للاسلام والمسلمين وابلغ الاتهامات والاساءات والاهانات البذيئة والساقطة للاسلام ولنبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم واعتبروا ان إله ورب الإسلام صنم , وأن المسلمين يعبدون صنماً يُحرض على القتل وسفك الدماء وغيرها، ذلك من التشويهات والاساءات , وصلت حد الإنكار ورفض إعتبار الإسلام ديناً سماوياً مع ما يُفجره كل ذلك من مشاعرالعداء والكراهية والعنصرية البغيضة , ضد الإسلام والمسلمين , ومع ذلك لم نسمع بأن أحد من اولئك المسؤلين المتطرفين والمتعصبين قد تعرض للتأنيب والتأديب , اوالإقالة كما حدث ذلك على نحو ما في بعض الدول الأوربية مثلا , هذا إضافة إلى الكم الكبير من مواقع الانترنت المسيحية الإنتماء التي لا هم لها ولا شُغل ولاهدف سوى الهجوم على الإسلام وتشويهه , والاساءة اليه وسبه وذمه مُصرة ومُصممة على عدم الشعور بشي من المسؤلية ولا واجب، الذي يفرض عليها الحرص والعمل على نشرالحب والاحترام , والدعوة لإقامة علاقات التسامح والتعايش والتعاون الإيجابي البناء بين جميع أتباع الديانات والمعتقدات الدينية على امتدد العالم ليسود الوئام والسلام والإخاء بين الجميع . والحقيقة ان الإدارة الأمريكية اخطأت خطأ جسيماً وفادحاً حين ركزت حملتها بشكل رئيسي على مناهج التعليم الديني في مختلف الدول العربية والإسلامية , وخاصة منها السعودية , واعتبرتها قضية مركزية ذات اولوية خاصة في سياستها وتحركاتها وضغوطاتها مطالبة بتغييرها , لأنها تُفرخ الإرهاب وتبرره وتشجعه وتحث عليه وتعطيه شرعية دينية …الخ, ولما كانت قضية الدين في العالمين العربي والإسلامي وما يرتبط ويتصل بها قضية على درجة عالية من الخطورة والحساسية المفرطة , فقد فَهم الرأي العام العربي والإسلامي أن أمريكا تتجه اساساً إلى تصفية وضرب الدين الإسلامي في نهاية المطاف , وبالمناسبة فقد نبهنا – عبر كتابات صحفية مبكرة – الإدارة الأمريكية إلي الخطورة البالغة الناتجة عن مطالبتها وضغوطها لتغييرالمناهج الدينية , ونصحناها أن توقف مثل هذه الحملة , وتترك القضية للعلماء المتخصصين والمستنيرين من ابناء البلدان ذاتها ! ويبدو ان ذلك التنبيه والنصح لم يجد له آذاناً صاغية . ولعل من المؤسف بِناء على ما حدث ويحدث من مآسي رهيبة ومجازر مروعة واسعة النطاق للاطفال والنساء والمدنيين والأبرياء , وفضائع وفضائح وجرائم بشعة وهمجية ولا أخلاقية في كل من افغانستان والعراق وجوانتانامو . وفي كل السجون الأمريكية ودعمها وحمايتها المطلقة لجرائم الإبادة والتدميرالشامل الاسرائلية ضد الشعب الفلسطيني المظلوم والمقهور المضطهد , وكل ذلك وغيره كثيرمما ذكرناه في هذا السياق وما لم نذكره , قد خلق شعوراً وقناعة راسخة لدى الغالبية الساحقة من شعوب العالمين العربي والإسلامي بعدم مصداقية الشعارات التى ترفعها الإدارة الأمريكية في تمكين الشعوب المقهورة من تقرير مصيرها وتاكيد الحرية والديموقراطية في حياة ومسيرة مجتمعاتها . وباتوا يشعرون بقوة بأن تلك الشعارات خادعة لا تعدو كونها واجهات ووسائل لتحقيق سيطرة أمريكا وإحتلالها لأوطانها والتحكم بإرادتها وثرواتها ومقدراتها وإخضاعها وإجبارها على الاستسلام للسيطرة الاسرائلية والأمريكية معاً , على أن مقتضى الموضوعية والأمانة يفرض علينا الإعتراف بحقيقة أن تلك السياسة والمواقف والاجراءت الأمريكية الفجة والمتغطرسة وبصرف النظر عن مآخذنا العديدة عليها قد أسهمت إلى حد ما في فرملة العديد من الحكومات الدكتاتورية المستبدة وجَعلها تَحُد وتُضيق من ممارساتها القمعية ضد شعوبها تحت تأثير الخوف والرعب من عواقب ردود الفعل الأمريكية , كما حققت هامشاً اوسع من السابق أمام القوى والأحزاب والمنظمات المدنية الديمقراطية وتلك المعنية بالحريات وحقوق الانسان والمرأة لتعزيز دورها وتوسيع نطاق تأثيرها وإنجازاتها إلى حد لا بأس به , وهذا يتحقق فقط في حالة عدم إتجاه الإدارة الأمريكية إلى عقد صفقات مع تلك الحكومات تحت شعار مكافحة الإرهاب الذي عادة ماتستغله الحكومات الدكتاتورية لقمع الحريات وضرب التوجهات الديمقراطية الناشئة في بلدانها ! . بعد هذا الاستعراض الدائر حول نقطة التحول الثانية اوالأخرى في تغيير صورة أمريكا عربياً واسلامياً ..يبقى أمامنا السؤال الكبيرحول كيف يمكن تحسين صورة الولايات المتحدة في العالمين العربي والإسلامي ؟ تحدثنا حول توجه المؤسسات الرسمية الأمريكية ((الكونجرس)) ودراستها لأسباب وعوامل الكراهية وسوء صورة الولايات المتحدة الأمريكية في العالمين العربي والإسلامي، وكيفية تحسين تلك الصورة. ثم استعرضنا مقارنة بين صورة أمريكا المشرقة المتألقة التي كانت سائدة حتى عقد الستينات من القرن الماضي، والتي كانت تمثل النموذج الرائع، وبين الصورة التي آلت اليه وهي على النقيض، وناقشنا عوامل وأسباب ذلك التحول الجذري من خلال نقطتي تحول رئيسيتين لعبتا معا الدورالاكبرمن إثارة مشاعرعدم الرضى وربما الْكُره للسياسة الأمريكية، وجعلتا صورتها بشعة ولم يكن ذلك مبعث إرتياح وسرور لدى تلك الشعوب بل اضطرت إليه آسفة ومتحسرة. وقد أوصلنا الحديث في ختام الجزء السابق عند سؤال جوهري كبيريقول كيف يمكن تحسين صورة الولايات المتحدة ودورها لدى شعوب العالمين العربي والإسلامي؟! وستكون محاولة الإجابة عليه موضوعاً لحديثنا في هذه الحلقة وما قد يقتضيه الأمر من حلقات قادمة. وفي اعتقادي بأني لن أكون وحدي من يقوم بمثل هذا الجهد المتواضع الهادف إلى مشاركة المؤسسات الأمريكية العاملة على ذلك الهدف، ومساعدتها مخلصين بما نستطيع من آراء وتصورات، فالمؤكد أن هناك آخرين كُثر سيسارعون في هذا المسعى، لشعورنا بأن هكذا مسعى يمثل واجباً من حيث أننا لا نقبل بأن تكون علاقتنا بالولايات المتحدة عدائية ومتوترة والغالبية الساحقة لا تحب ذلك ولا تسعى اليه بل تسودها رغبة حقيقية بالإرتباط بأمريكا بعلاقات وثيقة وممتازة لصالحنا ولصالح الولايات المتحدة معاً، بل إن علاقات تعاون طيبة وايجابيةيعتبر أمراً بالغ الأهمية والضرورة بالنسبة للولايات المتحدة على نحو أخص، وذلك لأنها وهي تتربع حالياً موقع القوة العظمى بدون منازع في عالمنا الراهن بكل ما يرتبه ذلك ويفرضه عليها من مسئوليات والتزامات سياسية واقتصادية ومعنوية وأخلاقية جِدْ جسيمة وخطيرة تجاه العالم كله بدوله وشعوبه وأممه ومشاكله وعلاقاته وأمنه واستقراره وسلامه، وهو ما يوجب عليها أول ما يوجب أن تكون علاقاتها وسياساتها وموقفها وحركتها تجاه ذلك العالم بكل مكوناته إيجابية وودية تقوم على التعاون والتشاور والعمل المشترك، بما يُترجم ويُجسد رسالتها الحضارية وقيمها ومُثلها الإنسانية الخيرة والسامية . وكمحاولة أولية وإسهام متواضع في التصورات والمقترحات والاراء التي تسعى إلى إعطاء إجابة مفصلة نوعاً ما للسؤال الجوهري الآنف الذكر، المتعلق بكيفية تحسين صورة ودور رسالة الولايات المتحدة في العالمين العربي والإسلامي.. فاننا سنحصر محاولتنا هذه على المحاور الرئيسية التالية: المحور الأول: مأساة الشعب الفلسطيني والصراع العربي الإسرائيلي وتأثيره على مجمل الرأي العام في العالم الإسلامي كله، وانعكاس كل ذلك على ردود الافعال وتنامي مشاعرعدم الرضى والسخط والعداء للسياسة الأمريكية. المحور الثاني: تعمق وتنامي واتساع نطاق مشاعر الغضب والعداء المتأجج لدى شعوب العالمين العربي والإسلامي للسياسة، والممارسات والإجراءات الأمريكية التي أعقبت الأحداث الإرهابية الإجرامية المأساوية في 11 سبتمبر 2001م كرد فعل بالغ الحدة والعنف والشراسة لها. المحور الثالث: القناعة والشعور اللذان يزدادان رسوخاً وتعمقاً، يوماً بعد يوم بأن الولايات المتحدة لا تستهدف الإخضاع والسيطرة لبلدان وشعوب وثروات ومكونات العرب والمسلمين فحسب، وإنما تستهدف ما هو أخطر وأهم كثيراً، وهو محاصرة وضرب وتصفية الدين الإسلامي وتغييبه وإزاحته من حياة وثقافة المسلمين لصالح المسيحية الصهيونية المتطرفة عقيدة تيار المحافظين الجدد، المسيطرين والمتحكمين بالإدارة الأمريكية الحالية، المحور الرابع: كيف يمكننا العمل المشترك الإيجابي والمنظم عرباً ومسلمين وأمريكيين، لمعالجة وتجاوزحالة العداء والنفور والكراهية المتبادلة بيننا وبين الولايات المتحدة ، شعباً ومؤسسات ومنظمات وثقافة وادارة وسياسة… عودة بصورة ورسالة ودورالولايات المتحدة إلى سابق عهدها ومكانتها المتألقة والمشرقة والسامية أثناء عقد الستينات وما بعده؟ وسوف نحرص في مناقشاتنا واستعراضاتنا لهذه المحاور الرئيسية الأربعة على توخي أقصى قدر ممكن من الإيجاز وعدم التطويل والإسهاب، حتى لا نثقل على القُراء أو نشق عليهم ما أمكن. المحور الأول: مأساة الشعب الفلسطيني والصراع العربي الإسرائيلي المرتبط بها والتعاطف والتأييد الإسلامي الديني الواسع معها: ولا اريد هنا ،وفي هذا المحور اعادة تكرار ما تناولته الأجزاء السابقة من بعض التفاصيل حول هذه المأساة، وما ارتبط بها وتداخل معها، ويكفينا القول باختصار شديد ان المأساة والظلم التاريخي المريع الذي فُرض ومُورس على الشعب الفلسطيني تحت سمع وبصر ومباركة المجتمع العالمي كله كان وسيظل لحقب طويلة وممتدة من الزمن جريمة شنيعة ومهولة ، ووصمة عار في حق الضمير الإنساني ستلازمه وتلاحقه وتعصف بكيانه وتوازنه على امتداد الزمن، لأنها اُرتكبت ومُورست ضد شعب آمِن مستقرعلى وطنه وبرئ ومسالم قدّم ثمناً وقرباناً لآثام وجرائم وفضائع إرتكبها غيره،ولا يزال هذا الشعب المظلوم والمقهور يتعرض لأعمال همجية وحشية من القتل والإبادة والتشريد وتدمير مساكنه وتجريف زراعته من قِبلْ وبواسطة قوات الإحتلال الإسرائيلي، التي فاقت( النازي) في أساليبها وبشاعتها، في أشكال من الدعم والمساعدات العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية ومواقف التشجيع والتأييد والحماية اللامحدودة واللامشروطة واللامعقولة، وتعطيل دور وفعاليات مؤسسات ومنظمات المشروعية الدولية، ومنعها من إبداء أي موقف يوحي من قريب أو بعيد بإثارة تنديد أوحتى عدم رضى مؤدب تجاه تلك الممارسات والجرائم الإسرائيلية البشعة من قبل الإدارات الأمريكية المتعاقبة، والأشد مرارة من كل ذلك توظيف الولايات المتحدة لقواتها وثقلها ونفوذها الدولي للضغط على دول العالم، وإجبارها على إدانة وتجريم الشعب الفلسطيني وحركاته التحررية وسلطته الوطنية ـ منزوعة السلطات ـ الساعي إلى مقاومة الإحتلال وتقرير مصيره، بإعتباره هو المجرم والشرير والإرهابي والمعتدي.. ليس هذا فحسب، بل والسعي لإحكام التطويق والحصار على الدول العربية وبعض الدول الإسلامية  بممارسة أقوى وأعتى الضغوط الأمريكية على مختلف دول العالم لمنع عقد او إتمام صفقات أسلحة عادية وتقليدية بينها وبين الدول العربية والإسلامية في تحرك يستهدف تجريدها من السلاح تماماً! يتجلى ذلك مما نشاهده منذ فترة ليست قصيرة من إعتراض القوات البحرية الأمريكية للسفن والبواخر وتفتيشها ، ومصادرة الأسلحة فيها احياناً في الممرات البحرية الدولية وأعالي البحار، هذا في حين تمتلك فيه (إسرائيل) ترسانة هائلة من الأسلحة الذرية والهيدروجينية والكيماوية والبيولوجية والصاروخية ، ولها كامل الحق في شراء الأسلحة وتصنيعها وإشراكها في مشروع أمريكا الاستراتجي العالمي (الدرع الصاروخي) أو ما كان يسمى بـ (حرب النجوم) .. الخ، ومع ذلك لا يجرؤ احد على مجرد الحديث أو مناقشة ما تملكه أو تنتجه إسرائيل بالفعل، لكن أمريكا تقيم الدنيا ولا تقعدها على ايران والعراق سابقاً، وسوريا وليبيا سابقاً، وتحشد المجتمع الدولي وتعبئه وتستخدمه ضد هذه الدول التي لا تنتج ولا تملك يقيناً أياً من الأسلحة النووية، لكن أمريكا تبرر حربها الشعواء ضدها بأنها قد تفكر وقد تسعى، وقد تعمل في المستقبل الذي لا يزال في رحم الغيب أو بالأصح لم يدخل في أحشائه بعد!ثم تعال وانظر معي ذلك الهيجان والثوران الأمريكي الحاد والمكثف الذي نتج عنه صدور قرار من مجلس الأمن الدولي يزبد ويرعد ويهدد الحكومة السودانية بالعقوبات والتدخل العسكري، بحجة ما وصف بأنه أعمال ابادة في اقليم((دارفور)) وهو قرار ممتاز كان يمكن تفهمه وإحترامه لو كان يُعبِر عن موقف مبدئي ثابت إزاء أعمال الإبادة، لكن حقائق الواقع تشثرإلى أن حجم القتلى والمصابين والنازحين في اقليم((دارفور))لا يزيد في أقصى التقديرات عن 5% من حجمهم بالنسبة للشعب الفلسطيني ، فلماذا لايصدر  قرار هنا ويصدر هناك؟! ثم تعالوا معي إلى القرار الأخير الصادر من مجلس الأمن الدولي، بخصوص لبنان وسوريا، الذي تقدمت به الولايات المتحدة ومعها للأسف الشديد فرنسا وهو القرار الأول والوحيد الصادر عن الامم المتحدة طوال تاريخها، يبيح لنفسه التدخل في الشئون الداخلية المتعلقة بالانتخابات واسلوبها وكيفيتها في بلدمثل لبنان عريق في مؤسساته الدستورية الديمقراطية المنتخبة، ليس هذا فحسب بل وطالب القرار ايضاً بسحب القوات السورية من لبنان! لكن المنظمة الدولية ومجلس أمنها والأعضاء الدائمين فيه لم يلتفتوا أو لعلهم نسوا أو تناسوا بأن (إسرائيل) تحتل بالقوة العسكرية والعدوان مرتفعات الجولان السورية منذ ما يزيد عن 37عاما ولا تزال ترفض الإنسحاب منها مقابل السلام، بل وتعتبرها جزءاً من دولتها! أعود إلى صلب موضوع حديثنا في هذا المحور الأول فأقول إن قضية فلسطين شعباً وأرضاً ليست قضية عادية بالنسبة للعرب والمسلمين، بل هي قضية مقدسة ودينية بالنظر إلى وجود أماكن مقدسة كبرى للمسلمين فيها، وكل ما حدث لها ويجري فيها يستفز ويستنفر مشاعر وعواطف كل واحد منهم بدون استثناء وتُحدد مواقفهم وردود أفعالهم إزاء كل الاطراف والقوى سلباً وايجاباً وفقاً لسياساتهم ومواقفهم إزاءها. والحقيقة، وكما سبق أن اشرنا إلى ذلك في سياق الحلقات السابقة، فقد كانت الشعوب العربية تحديداً والشعوب الإسلامية عموماً تنظر إلى أمريكا، وتعتبرها الصديقة الكبرى والنصيرة الأولى والحليفة القوية لها باعتبارها المدافعة عن حق الشعوب في الحرية والاستقلال وتقرير المصير، كان ذلك حتى ما بعد عقد الستينات من القرن الماضي، وكان من شأن هذا الاساس المتين والراسخ أن يؤسس ويُقيم أروع وأقوى نموذج لعلاقات صداقة تحالفية استراتيجية شاملة بين الشعوب العربية والإسلامية من جهة والولايات المتحدة الأمريكية شعباً وحكومة وثقافة على نحو لا نظير له. غير أن ما ضَربَ المشروع التاريخي وأجهضه، وعطّله للأسف الشديد، هو (إسرائيل) والسياسات والمواقف الأمريكية، وتعصبها الأعمى وحمايتها وتشجيعها لكل المواقف والممارسات والأعمال الإسرائيلية المنافية لكل القيم والأعراف والمواثيق والعهود والقوانين الدولية على نحو يوصف بالأكثر إسرائيلية من إسرائيل نفسها، يقابله مواقف وسياسات وممارسات أمريكية لا يمكن وصفها إلا بأنها تمثل استهدافاً عدائياً عميقاً ومتاصلاً ضد العرب والمسلمين والواقع وكما سبق ان اشرنا في سياق الحلقات بأنا لا نطالب ولا نطمح من الولايات المتحدة ان تعادي(إسرائيل) وتواجهها، او بأن تصادق العرب والمسلمين وتقف إلى جانبهم بل كان بمقدورها أن تربط بإسرائيل عضويا وتتحالف معها استراتيجيا وتضمن أمنها وسلامتها وحمايتها وتجهل منها القوة الاكثر تفوقا على جميع الدول العربية والإسلامية، بل وحتى ان تجعلها واحدة من ولاياتها الـ51 ان ارادت دون ان يقودها ذلك بالضرورة إلى اتخاذ سياسة ومواقف متطرفة في استهدافها وعدائها للعرب والمسلمين وضرب وإجهاض حقوقهم وتطلعاتهم العادلة المشروعة فالولايات المتحدة هي القوة الوحيدة – إن ارادت – القادرة على فرض حل عادل لمأساة الشعب الفلسطيني لا يقوم على الظلم والقهر والغبن والمهانة والإخضاع، كما تريد(إسرائيل) فذلك هو المدخل والجسر الطبيعي القادر على إعادة صورة أمريكا إلى سابق عهدها من التألق والرفعة في العالمين العربي والإسلامي.ا المحور الثاني: استغرق الجزء السابق كله تقريباً في الحديث والمناقشة للمحورالأول من المحاور الرئيسية الأربعة التي حددناها إطارا عاماً للحديث حول ما نتصوره من معالجات وأراء وأساليب مقترحة لكيفية السير على طريق تحسين صورة ودور ورسالة الولايات المتحدة الأمريكية لدى شعوب العالمين العربي والإسلامي خاصة وسائر شعوب العالم الثالث عموما .. وسنواصل حديثنا في هذا الجزء حول المحور الثاني من تلك المحاور. والمتعلق بحالة تنامي وتعميق وإتساع وتأجج مشاعر السخط والغضب والعداء والكراهية التي عمّت مختلف أرجاء وشعوب العالمين العربي والإسلامي وعلى نحو غير مسبوق، وتحت تأثير وبسبب مجمل المواقف والسياسات والتحركات والإجراءات التي اتخذتها الإدارة الأمريكية المتسمة بالعنف والحدة والشراسة المبالغ فيها إلى حد يفوق المتوقع بكثير كرد فعل لأحداث 11سبتمبر 2001م الإرهابية، وتحت شعار الحرب العالمية الشاملة ضد الإرهاب وفي هذا الصدد يلاحظ أن الإدارة الأمريكية الحالية وقعت او ارتكبت ثلاثة أخطاء سياسية استراتيجية فادحة: الخطأ الأول: تمثل بالتسرع والاستعجال في إصدار حكم فوري مباشر بعد تلك الأحداث بتحديد مسؤولية ما تسمى (القاعدة) وزعيمها أسامة بن لادن عن تلك الأحداث الإرهابية المأساوية، وذلك ما ولد الشعورأوالانطباع العام بوجود قصد متعمد ومدروس ومسبق بتوجيه ذلك الاتهام حيث ان الأمر الطبيعي المتعارف إزاء أحداث بذلك الحجم والخطورة والتأثير ان يجري تحقيق أمني وقضائي دقيق وواسع يحدد كيفية حدوثه وأساليبه ومنفذيه والواقفين وراءه، غير ان شيئاً من هذا للأسف الشديد لم يحدث حتى هذه اللحظة ، وسط إرتياب وشكوك تبديها بعض الجهات ومنها جهات أمريكية حول المسئولية والمتهمين، ومن تلك الجهات من يؤكد بأن سجلات أسماء المسافرين تلك على رحلات الطائرات الأربع المختطفة والمأخوذة رسمياً من شركات الطيران المعنية لا يوجد بينهم أي اسم عربي أو مسلم!!  الخطأ الثاني: ان السلطات الأمريكية تعمدت على نحو لافت ومستغرب، الربط الوثيق والتوحد بين الاشخاص الـ 19 الذين اتهمتهم بالتنفيذ وبين جنسياتهم وانتماءاتهم الوطنية وهوياتهم الدينية، ثم راحت تخلط بين المسئولية الجنائية وبين الحسابات السياسية الأمريكية، فأصبح كل ما يمت بصلة إلى كل ماهو عربي ومسلم مُتهماً ومُستهدفاً من قبل أمريكا كإرهابي او داعم للإرهاب او حاضن له، مؤسسات وجمعيات وشركات ومراكز علمية وأفراداً وأحزاباً ومنظمات ودولاً على حد سواء بما فيها دول كانت معروفة بعلاقاتها التحالفية التقليدية الحميمة بأمريكا منذ القدم! ورغم ان هذه الدول كانت لاتزال هدفاً للإرهابيين وضحية لأعمالهم مكتوية بنيرانها وتأثيراتها العميقة! ووفقاً للمعيارالأمريكي فقد اصبح كل من يختلف ويعارض السياسة الأمريكية، دولاً كانت أم احزاباً وحركات ومنظمات او حتى افراداً، مُتهماً بالإرهاب وهدفاً عدائياً من قِبَل الولايات المتحدة! الخطأ الثالث:   إصرارالإدارة الأمريكية على التفرد والانفراد الأحادي المطلق ورفضها القاطع إشراك المجتمع الدولي بقواه الفاعلة ومؤسسات ومنظمات ومرجعيات الشرعية الدولية(الأمم المتحدة) وهيئاتها في عملية مواجهة الإرهاب والحرب عليه، ومناشدات ونداءات ومطالب مختلف القوى الدولية، حيث أصبحت الولايات المتحدة لوحدها هي صاحبة السلطة والقرار والإتهام والحرب والمواجهة في كل سياساتها وتحركاتها ومواقفها وأعمالها على إمتداد العالم كله متجاوزة ومتجاهلة وملغية كل المواثيق والعهود والقوانين الدولية ومرجعياتها الشرعية التي تَحُكم وتُنظِم وتَضُبط علاقات الدول وتحفظ الأمن والسلام الدوليين. وقد حكمت هذه الأخطاء الاستراتيجية ـ الرئيسية ـ الثلاثة، وتحكمت في رسم وتحديد وصياغة السياسة الأمريكية لمرحلة ما بعد أحداث 11 سبتمبرالإرهابية، وتسببت في تأكيد وبروز وترسيخ قناعتين رئيستين هما: القناعة الأولى: أن الإدارة الأمريكية وظفت واستثمرت أحداث 11سبتمبر لتنفيذ مشروع سياسي كان مُعداً سابقاً يهدف إلى بسط نفوذها وهيمنتها وسيطرتها المباشرة، بالقوة المسلحة غالباً او بالإخضاع السياسي، على الدول العربية والإسلامية وخاصة منها ذات الثروات البترولية والثقل والمقدرة العسكرية والبشرية وضرب وإجهاض مشاريع التنمية والتقدم والرُقي، وتفتيت كيانات بعضها على أسس اثنية او دينية او مذهبية كمقدمة لفرض الهيمنة ((الإسرائيلية))عليها. القناعة الثانية: أن أحداث 11سبتمبر قدمت للإدارة الأمريكية المبرر والذريعة المناسبة للشروع في تنفيذ مشروعها السياسي الاستراتيجي القديم، الهادف إلى فرض أو جعل الولايات المتحدة أعظم إمبراطورية في التاريخ تفرض سيطرتها أو هيمنتها الأحادية المطلقة على العالم اجمع تحت تأثيرات ومحركات ودوافع وأفكار وقناعات دينية بالغة التطرف والغلو! وقد تعززت هاتان القناعتان وترسختا بعد ضرب أفغانستان وإحتلالها عسكرياً، ثم ضرب العراق وإحتلال أرضه عسكرياًِ دون مُسوغ أو مُبررمشروع، والتجاوزات والانتهاكات والفظائع الرهيبة والواسعة النطاق التي اُرتكبت بحق المدنيين الأبرياء والأسرى والمعتقلين في هاتين الدولتين ومعتقلاتهما وفي معتقل (جوانتانامو) سيئ الذكر وغيره من المعتقلات السرية، وإمتهان كرامة وانسانية الرجال والنساء والأحداث على نحو مقزز ومخيف وحرمانهم من التمتع بأي حق من حقوقهم القانونية والإنسانية كالمحاكمات العادلة، وتكليف محامين للدفاع عنهم، اذ لو كان اولئك المعتقلون مدانين وثبت قيامهم بأعمال إرهابية لكان من مصلحة السلطات الأمريكية ان تحاكمهم محاكمات مدنية علنية تتوفر فيها كافة إجراءات وشروط العدالة، ليشهد العالم بأن الولايات المتحدة لها فعلا كامل الحق في إعتقالهم،وبدون ذلك يضل الشعورالسائد بأن جميع المعتقلين أبرياء لا ذنب لهم اطلاقا! ثم اندفعت الإدارة الأمريكية إضافة إلى ما سبق في إطلاق سيل من التهديدات والوعيد لدول وأحزاب مثل سوريا ولبنان وايران والسعودية وباكستان(بسبب مشكلة كشميروالقاعدة وطالبان) ومصر والسودان واليمن والصومال وإلى حد ما ماليزيا وأندونيسيا والمنظمات والسلطة الوطنية والفلسطينية وحزب الله وأحزاب إسلامية في بعض الدول ، وراحت تقيم سلسلة من القواعد العسكرية الجبارة وما شاكلها وتنشرها في مختلف البلدان العربية من المحيط إلى الخليج! لقد كان مما يتفق مع المنطق السليم وقواعد العقل والقوانين والأعراف أن تعتبر أفعال عدد محدود من المتهمين، مهما بلغ عددهم(19)أو (900)او حتى(9000)، من الخارجين على القانون، إدانة واتهاماً لدولهم وشعوبهم المنتمين لها، وتحميلها مسئولية تلك الأفعال كالمملكة العربية السعودية على سبيل المثال، إلا ان يكون ذلك عملاً متعمداً يُقصد به خدمة أهداف سياسية لا صلة لها بتلك الأعمال خاصة حينما تكون مثل تلك الدول ـ السعودية ـ معروف عنها صداقتها التقليدية وتحالفها السياسي الوثيق مع الولايات المتحدة ! والكل يعلم بأن الدول العربية والإسلامية وباقي الدول في العالم لم تعرف مثل تلك الأشكال والأعمال الإرهابية المنظمة الدقيقة إلا عقب حشد وتعبئة وتدريب وتسليح مئات الالاف من الشباب العربي والمسلم لقتال القوات السوفيتية في أفغانستان خلال سبعينات القرن الماضي فيما سُمي بالجهاد والمجاهدين ((في سبيل الله)) ولو حافظت الإدارة الأمريكية على قدر من المصداقية والثقة والإحترام لموقفها في الحرب ضد الإرهاب لكانت وضعت مشكلة الإرهاب العالمي نشأته وجذوره ومنابعه وأسبابه على المجتمع الدولي كله ليحدد الأطراف المسئولة والمتسببة في نشأة تلك الظاهرة وتناميها وقوتها وإستفحالها ولن يكون مُعيباً أن تعترف الإدارة الأمريكية بدورها  ومسئوليتها الرئيسية عن ذلك عندما عبأت وحشدت ودربت ومولت وسلحت تلك المجاميع ممن سموا بالمجاهدين في أفغانستان لخدمة مصالحها وحساباتها السياسية، ومن هذه المجاميع نشأت(القاعدة) و(طالبان) و(المتمردون الشيشان) و(الإرهابيون) في مصر والجزائر والسودان واليمن والصومال وغيرها! ولعل من أهم ما ساعد على تزايد وإتساع وتأجج مشاعر الغضب والعداء الشعبي في العالمين العربي والإسلامي ضد السياسة الأمريكية التناقض الصارخ بين المبادئ والشعارات التي ترفعها في أعمالها وتحركاتها العسكرية والسياسية في المنطقة، وبين ما يشهده الواقع العملي من ممارسات وفظائع نقيضة تماماً للمبادئ والشعارات النظرية المرفرعة، فالسياسة الأمريكية لم تستطع أن تحسم خيارها بوضوح إما أن تتحالف مع الشعوب وقواها ومنظماتها الحية او تتحالف مع الأنظمة الحاكمة، حيث نجد السياسة الأمريكية تقف داعمة ومؤيدة بل ومتحالفة مع أنظمة حكم ديكتاتورية مستبدة قهرية لمجرد أن تلك الأنظمة إستجابت ولبّت ما تطلبه منها الإدارة الأمريكية من مطالب عسكرية وأمنية وغيرها . المحور الثالث: سيكون حديثنا في هذا الجزء من حيث انتهى الجزء السابق حول المحور الثالث من المحاور الأربعة التي حددناها آنفا كإطار عام للحديث حول مانراه من تصورات ومعالجات وآراء مقترحة لتحسين صورة ودورورسالة الولايات المتحدة في العالمين العربي والإسلامي خاصة، عبر إزالة أو على الأقل تخفيف وتضييق وكسر حالة ومشاعر الكراهية والعداء السائد تجاه السياسة الأمريكية، والعمل ما أمكن على تأسيس صرح متين وراسخ لعلاقات وتعاون وتفاهم صادقة مبنية على أسس ومقومات سليمة تحقق مصالح وخير للطرفين معاً. ويتعلق المحور الثالث هذا بقضية الدين. طغى شعور عميق وقناعة ثابتة تزداد إتساعاً ورسوخاً يوماً بعد يوم في أوساط الشعوب العربية والإسلامية بأن الهدف الاستراتيجي للسياسة والتحرك العسكري والأمني الأمريكي لمرحلة ما بعد أحداث 11سبتمبر 2001م الإرهابية لا يقتصرعلى بسط الهيمنة والسيطرة على المنطقة العربية والإسلامية أرضاً وشعوباً وثروات فحسب، بل يمتد ليشمل عقيدتها (الإسلام) مُحاصرةً وضرباً وتغييباً وإزاحة له من حياة وثقافة المسلمين لصالح المسيحية الصهيونية المتطرفة دينياً، مما يجعل هذا المحور الأكثر خطورة وحساسية لقدرته المنفردة والحاسمة في إستنفار وتعبئة وتحريك القوى الشعبية الواسعة بمختلف فئاتها وشرائحها ومستوياتها الثقافية والسياسية ،وخاصة منها الغالبية الواسعة من العامة التي يسيطرعليها العامل الديني ويتحكم بمشاعرها وعواطفها تحكماً مطلقاً ! ولقد ساعد على تقوية وتعزيزهذا الشعور العميق والقناعة شبه الثابتة لدى الشعوب العربية والإسلامية ما سبق ان أشرنا اليه في سياق الحلقات السابقة من سياسات وممارسات وإجراءات عقب أحداث 11سبتمبر إتسمت بحالة حادة من ردود الفعل المتشنجة والهستيرية وأستهدفت كل ما هوعربي ومُسلم داخل المجتمع الأمريكي وسلطاته الرسمية، وفرضته الولايات المتحدة في المجتمعات الأخرى خارجها، وبالذات في الدول الغربية مروراً بالحرب على أفغانستان واحتلال أرضه عسكرياً والحرب ضد العراق واحتلاله عسكرياً، وما جرى وما يجري خلالهما من أساليب قتل للأسرى وتعذيب للمعتقلين والمعتقلات وإخضاعهم لأبشع الأساليب والممارسات اللاانسانية وتطبيق سياسة مدروسة ومنظمة لنشروإشاعة الفساد والشذوذ الجنسي والأخلاقي وحرمانهم من أي حق من الحقوق الإنسانية مثل المحاكمات العادلة ومحامي الدفاع والاتصال بالعالم الخارجي وغيره. إضافة إلى ما تقوم به (إسرائيل) من جرائم ضد الإنسانية ومجازر إبادة وتدميرالانسان والأرض الفلسطينية بتشجيع وتحريض ودعم ومساعدة وحماية أمريكية مطلقة وكاملة ومؤأمرات لنسف وتدمير المسجد الاقصى وملحقاته في مدينة القدس الشريف وهي من أبرز وأهم الأماكن المقدسة لدى المسلمين والمسيحيين.. مروراً بالتهديدات الأمريكية المتواصلة والمتصاعدة ضد عدد من الدول العربية لابقائها حبيسة دائرة الخوف والقلق والاستنفارالدائم والحُكم على كثير من تلك الدول للحيلولة دون تمكنها من الحصول على متطلباتها الضرورية من أسلحة الدفاع التقليدية والبسيطة للدفاع عن نفسها ، وإيصالها بعد فترة زمنية ليست بالطويلة إلى وضع تصبح فيه منزوعة من السلاح ومجردة من كافة أنواع الأسلحة الدفاعية فتصبح فريسة سهلة للاتهام والسيطرة الإسرائيلية الأمريكية المشتركة! ووصل ذلك الشعور والقناعة الراسخة بأن الولايات المتحدة ومعها إسرائيل تستهدف ضرب وتصفية الإسلام كدين ذروته ومنتهاه، بفعل تضافر وتفاعل وتكامل ثلاثة أخطاء إتسمت بدرجة عالية من الرعونة والتعصب والحقد والنزعة العدائية المقيتة , وهي : الخطاء الأول :  الربط المباشر او غير المباشر وعبر تصريحات ومكاتبات رسمية معلنة بين أحداث 11سبتمبر ومنفذيه المجرمين والإرهاب بشكل عام , وبين الإسلام كدين سواء من خلال كتابه (القران الكريم) ومن خلال مناهج التعليم الإسلامية في الدول العربية والإسلامية او من خلال مراكز ومدارس وجامعات التعليم والثقافة الإسلامية وخطب ومواعظ ائمة المساجد والمرشدين الدينيين المتطوعين , بل وحتى الجمعيات الخيرية والإنسانية الإسلامية وبناء المساجد ومساعدة الفقراء والمساكين والمحتاجين من الواجبات الدينية كالزكاة والصدقات والإنفاق . وكان أخطر ما تضمنه هذا الخطاء إهتمامه وتركيزه الكبير وضغوطه الهائلة لفرض تغيير مناهج الدين الإسلامي , خاصة والمطالبين والمُلحين عليه طائفة دينية معروفة بتعصبها وتطرفها وهوسها الديني وتزخر كنائسهم ومراكزهم الثقافية الدينية وإصداراتهم الثقافية والإعلامية ومواقعهم على الانترنت بكم هائل ومخيف من الرفض والعداء والكراهية لكل الديانات المخالفة لديانتهم وطائفتهم المتطرفة ولا يخفون سعيهم وعملهم المقدس بإسم الله على إجبار كل أتباع الديانات الأخرى المخالفة لهم على الدخول في عقيدتهم قسراً او التعرض للإبادة كما سنبينه لاحقا . الخطاء الثاني: صدور تصريحات ومواقف معلنة ومذاعة وفي مؤتمرات وندوات ولقاءات عامة من قِبَل بعض القيادات العسكرية والسياسية الأمريكية الحالية من المنتمين إلى تيار المحافظين الجدد تتضمن أقذع السباب والشتائم وأكثرها إنحطاطا وسفالة ضد الدين الإسلامي ورسوله النبي الكريم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، مُكيلة من التهم والإساءات والأباطيل ما يترفع عنها البلاطجة وأولاد الشوارع . مثل ما صدر عن بعض مسئولين وشخصيات أوربية وغير أوربية , وهو أمرلا يليق بأناس متمدنين ومتحضرين كما يقولون . الخطاء الثالث :  الظهور المفاجئ والغريب لحملة عدائية شعواء مكثفة ومركزة ومنظمة إستهدفت المملكة العربية السعودية ، تتهم حكومتها وشعبها ومذهبها الديني ومناهجها التعليمية الدينية ومؤسساتها وشخصياتها البارزة بالمسؤلية المباشرة الكاملة عن خلق وتفريخ وتشجيع ودعم ورعاية وحماية الإرهاب العالمي , ومرجع المفاجأة هنا ان السعودية كانت منذ عقود طويلة من الزمن ولا تزال تصنف من أكثر وأقوى الدول التى ترتبط بالولايات المتحدة الأمريكية بعلاقات استراتيجية تحالفية عميقة الجذور , ويعتبرهذا الخطاء الأكثر فداحة وخطورة من سابقيه ولعب الدورالأكثر حسماً في جعل الشعور والقناعة الراسخة بإستهداف الإسلام يقينية لا يتطرق اليها الشك , وذلك لأنه وبغض النظر عن النظام الحاكم فيها ومدى الإتفاق اوالإختلاف معه إلا أنها البلد الذي تحتضن أقدس مقدسات المسلمين على الاطلاق : مكة المكرمة  والكعبة المشرفة والمدينة المنورة ومرقد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو موضع لايمكن لأى مُسلم كان أن يقبل أدنى مساومة او تهاون او مساس بها , ولو أدى الأمرإلى فنائهم جميعاً .. ومما ضاعف خطورة وحساسية هذا الخطاء الفادح أنه تزامن مع كتابات صحفية وإعلامية يهودية ومسيحية تطالب أمريكا بتدمير تلك الأماكن بقنبلة ذرية او غيرها ،او ببسط السيطرة عليها وفرض إ رادتها والإشراف عليها وخاصة الحجيج . والواقع أن المحور الديني هذا بكل ما يرتبط ويتصل به على نحو ما آشرنا اليه آنفا يُعتبر العامل الحاسم الأكبر الذي فاقم واجّج مشاعرالعداء والكراهية ضد الولايات المتحدة وسياستها إلى أقصى الحدود. ولِوَعْيينا وإدركنا العميقين لذلك فقد نصحنا الإدارة الأمريكية وحذرناها مراراً ومنذ وقت مبكرعقب أحداث 11سبتمبر وعبر مقالات صحفية عديدة بأن عليها عدم الإقتراب والإبتعاد عن الخوض في هذا المحور بالغ الخطورة والحساسية , اولاً لعدم توفر الحد الأدنى من الفهم والإلمام بمختلف جوانبه ومجالاته , وثانياً لأن تدخلها والخوض فيه بما سيترافق معه حتماً من ريب وهواجس وشكوك سيؤدي إلى نتائج عكسية تماماً لما تتوخاه , واقترحنا إقامة وفتح جسور وقنوات حوار عديدة بين المفكرين والمختصين والمعنيين من الجانبين يعمل على الفهم والتفاهم المشترك ويعرف كل طرف الطرف الآخر عن قُرب , ويقارب بين وجهات النظر ويعزز علاقات التعايش والقبول المتبادل بالآخر , ويقيم أرضية لقاء مشتركة للتعاون الإيجابي المثمر . ويؤسس لأرضية مشتركة للتصدي ومواجهة ومحاربة الظواهر والعوارض السلبية المدمرة على الجانبين كالإرهاب وثقافة العنف والتطرف وعدم التسامح ..الخ . على انه ينبغي علينا جميعاً أن ندرك حجم وخطورة وحساسية المسألة الدينية المفرطة ، ومن ثم يجب علينا ان نعي تماماً بأن أي لعب او سوء إستخدام او إقحام لها في ميدان العلاقات بين شعوب ودول العالم من شأنه ان يشعل النيران ويزج بتلك الدول والشعوب في دوامة عاصفة ومروعة من الصراعات والحروب والكوراث المأساوية اللامتناهية , ولا يستطيع أتباع ومعتنقوا أي ديانة او معتقد ديني من الديانات والمعتقدات الدينة السائدة في عالمنا , الإدعاء بأن ديانتهم او معتقدهم الديني وحده دون سواه المُعبرعن الحق والحقيقة الالهية المطلقة والمُجرد والخالي من كل شوائب وإنحرافات التطرف والإرهاب ومعاداة الآخر سواء من خلال كتبه المقدسة او من خلال أفكار كبار رجالاته ومفكريه او في مواقف وإتجاهات بعض فرقه وطوائفه وممارساته العملية عبر مختلف مراحل التاريخ كما لايستطيعون ولا ينبغي لهم إصدار الأحكام وإطلاق الإتهامات بحق ديانة او معتقد ديني آخر وأتباعه ومعتنقيه بإعتبارهم إرهابيين او منحرفيين او ضالين وعبدة أصنام وآلهة وهميين فمما لاشك فيه ان كل ديانة او معتقد ديني لايخلوا أتباعه ومعتنقوه من منحرفين وذوي نزعات إرهابية شريرة وعدائية تجاه الآخرين , غالباً ما يكون هؤلاء قلة قليلة من ناحية , ومخالفين في وصايا وأحكام وتعاليم كتبهم المقدسة من ناحية أخرى . ونظراً للأهمية القصوى والخطورة والحساسية البالغة والتي تتسم بها القضية الدينية عموماً فإننا نجد من الضروري والمفيد ان نخصص جزئين إضافيين إلى هذا المحور الثالث قبل ان ينتقل بنا الحديث إلى موضوع المحور الرابع والأخير بهذه السلسلة من الحلقات اوالأجزاء يتناول الجزء الأول مقتطفات إستشهادات مختارة ومختصرة حول معتقدات وأفكارتياراو طائفة المسيحية الإنجيلية او اليمين المسيحي  المتطرف او المحافظين الجدد الذي يهيمن ويسيطر على الإدارة الأمريكية الحالية, والجزء الآخر حول الإسلام مقارنة بين أفكار ومعتقدات بعض الحركات المتطرفة المنسوبة اليه وبين حقيقة تعاليم الإسلام وقيمه وغاياته اعتماداً على القرآن المجيد كتاب الله العزيز . أوضحنا في الجزء السابق، أو بالأصح في خاتمته، كيف ان الضرورة اقتضت ان نخصص جزئين إضافيين في الحديث حول المحور الثالث، المتعلق بالقضية الدينية لأهميتها وحساسيتها البالغة. وهذا الجزء هو أحدهما، سوف نقتصرعلى إيراد بعض الإقتباسات والمقتطفات المختصرة التي تسلط الضوء حول بعض معالم معتقدات وأفكار تيار اليمين المسيحي الإنجيلي ،أو تيار المحافظين الجدد القائم على تشدد ديني أصولي تدميري بتحالف وثيق مع مصالح ((الكارتيلات)) الكبرى للشركات العملاقة المتعدية للجنسية، وخاصة تلك المحتكرة لصناعة الطاقة والأسلحة.. وهو التيار المسيطر على مقاليد الإدارة الأمريكية حالياً والساعية الى بسط وفرض سيطرتها وهيمنتها  الأحادية الامبراطورية على العالم بأسره . سأستند في مهمتي لهذا الجزء، تحاشياً للتطويل والتشعب، على كتاب مترجم صغير في حجمه عظيم في فائدته، وهو كتاب عنوانه (( يد الله)) لمؤلفته الصحفية والكاتبة المرموقة ((غريس هالسل)) التي عملت في فترة ماضية محررة لخطابات الرئيس الأمريكي الأسبق ((ليندون جونسون)) ترجمة(محمد السماك) صادر عن (دار الشروق) بالقاهرة في طبعته الأولى عام 2000م.. واقتباساتنا المختصرة من مضامين هذا الكتاب على النحو التالي : ـ أولا: التعرف بهذا التيار أو الطائفة الدينية في أمريكا: ـ * يقول (دال كراولي) ـ الإبن ـ مذيع ديني في واشنطن : (( توجد حركة دينية جديدة في أمريكا، لا تشكل هذه الحركة مما يسمى(( بالمعتوهين)) ولكن من الناس العاديين، من الطبقة الوسطى والعليا من الأمريكيين. إنهم يقدمون ملايين الدولارات ويستمعون إلى الانجيليين التلفزيونيين الذين يطرحون المفاهيم الأصولية للحركة. إنهم يقرأون(( هول ايندسي))و ((تيم لاهاي)) ان لهم هدفاً واحداً وهو : الأخذ بيد الله ليرفعهم إلى السماء محررين من كل المتاعب من حيث يراقبون (( هرمجيدون)) ودمار الكرة الارضية. إن هذه العقيدة تطغى على كنائس بارزة مثل ((اسمبلي أوف مجيدون)) ودمار الكرة الارضية. إن هذه العقيدة تطغى على كنائس بارزة مثل ((اسمبلي أوف جاد )) (الملتقى الإلهي)، وبنتوكوستال ( كنيسة العنصرة)، وكذلك على الكنيسة المعمدانية الجنوبية وعلى  الكنيسة المعمدانية المستقلة.. وعلى ما لا يحصى من الكنائس الأخرى التي تحمل صفة المعمدانية, ومن بين عشرة أمريكيين يوجد أمريكي يتفانى في إلتزامه بتعاليم هذه الحركة الدينية ، إنها أسرع نمواً من سائر الحركات الدينية المسيحية اليوم)) . * ويقول (جرانت ووكر) ـ التقاليد الإنجيلية في أمريكا ـ : ((يمول حركة منتدى الحملة الصليبية من أجل المسيح التي يقودها بيل برايت، أثرياء كبار أمثال نيلسون بانكر،هانت وت. جوللن دافيز، وتتحه هذه الحركة بسرعة نحو هدفها بجمع مليار دولار لحمل التعاليم المسيحية إلى كل شخص في العالم، ويقوم 16 ألف أكاديمي مسيحي ـ يتزايدون بنسبة أكاديمي واحد في كل يوم بعمل ثقافي خاص بكلفة ملياري دولار سنوياً، ويستقطب المبشرون ما لايقل عن 20 مليونا ،كما أن مساهمات المدخرات تزيد على نصف مليار دولار)). * ويقول (داميان طومبسون) ـ نهاية الوقت-: العقيدة والخوف في ظل الألفية : ((ربما تزيد نسبة نمو المسيحية الإنجيلية على أي إتجاه ديني آخر في العالم، بما في ذلك الاصولية الإسلامية . اننا نشهد أسرع توسع للمسيحية في التاريخ، انه توسع أكبر بكثير من موجات التبشير الماضية)). * تقول المؤلفة: ((ينظرالقدريون نظرة ضيقة لله، وللبلايين الستة من البشر على الأرض . إنهم يعبدون إلهاً قَبلياً لايهتم إلا بشعبين فقط هما اليهود والمسيحيون. ويقولون ان كل ما هو مهم كمسيحيين يتمحورحول إسرائيل. انهم يتمسكون بفكرة تقول إن الله وضع اليهود، الذين يبلغ عددهم الان حوالي 14مليونا على مسار ((أرضي)) ووضع ملياراً من المسيحيين على مسار ((سماوي)) اما البلايين الخمسة الباقون من البشر فان شاشة الرادار الإلهي لا تُسجِل وجودهم إلى أن يدعوهم الله للتقدم إلى محرقة هرمجيدون!، إن كهنتهم يبشرون بإله الغضب والإنتقام والحرب . إنهم يعلنون ان الله لا يريدنا ان نعمل من أجل الإسلام، انما يطلب منا أن نشن حرباً نووية تدمر الكرة الأرضية)). * وتضيف المؤلفة غريس هالسل قائلة: (( لقد سمعت ـ فولويل ـ يصرخ: إن المسيح لم يكن جباناً مخنثاً، إنه وغيره من لاهوتي هرمجيدون يصورون المسيح ـ بعد عودته الثانية بحسب اعتقادهم ـ على صورة جنرال بخمسة نجوم، يمتطي جواداً ويقود جيوش العالم كلها مسلحاً برؤوس نووية ليقتل المليارات من الناس المؤمنين)). ثانيا: موقف هذا التيار من المعتقدات الدينية الاخرى في العالم: ـ * ومن نفس المصدر السابق نقرأ لجاك فانا أميب ـ تلفزيوني إنجيلي: (( وهكذا فان الكتاب المقدس يعلمنا أنه ستكون هناك حرب نووية خلال المحنة الكبرى بالتأكيد ، وسوف يُقتل ثلث الإنسانية بالناروالدخان والكبريت.. وسوف تبتلع النار قبلهم الجيش الشمالي الجيش الروسي  الذي يتحرك بإتجاه إسرائيل. ان نارغضبه سوف تبتلع الأرض كلها(زيفاينا 18/ا) . ثم حذار، سيأتي فيه الحريق كالفرن( مالاشي1/4 ) لذلك فان العهد القديم والجديد على توافق بشأن الهولوكست النووية)). * تقول المؤلفة (( انها كانت تسمع من المبشرين قصصاً عن يأجوج ومأجوج إستنادا إلى قصص الكتاب المقدس من دون تحديد مواقع يمكن رؤيتها على الخريطة ، وتقول: ((اليوم يستطيع جيري فولويل وكذلك هول لينسى، ممسكا الكتاب المقدس بيد والجريدة بيدأخرى)) ((ان يحددا هؤلاء الأعداء الذين لابد ان يغزوا إسرائيل مثل روسيا والصين)). * تقول المؤلفة))  في مؤتمر للقساوسة عقد في 15 يناير 1999م في كينجزيورت ـ تينسي، وحضر 1500 شخص، قال جيري فولويل : ان عدوالمسيح ـ الذي صور لنا قبل الفي عام أنه متوج بالشر ـ يمكن ان يكون يهودياً يعيش بيننا اليوم)). انه بالتأكيد يهودي، فاذا كان عليه ان يكون خصماً للمسيح فعليه ان يكون يهودياً، وقال فولويل: (( ان كل ما نعرفه أنه يجب ان يكون ذكرا ويهوديا. * يقول هول ليدنسي ـ كاتب ومحاضر: ((كنت انظر من فوق تل مرتفع إلى سهل مجيد، وعندما قال لي رفيق السفر((كلايد)) ان المسيح سوف يقود في هذا الموقع قوات الخير ضد قوات الشر، وان ثلثي اليهود سوف يقتلون هنا إستنادا إلى إصحاح زكريا 9ـ8ـ13، وبعد عملية حسابية قال: سيقتل ثمانية ملايين يهودي وعلى مدى 200ميل سيرتفع الدم إلى ألجمة الخيل، وعندما ابديتُ اهتماماً بهذا السيناريو شرح ((كلايد)) قائلا: ان الله يفعل ذلك خصيصاً من أجل شعبه القديم ـ اليهود ـ لقد وضع خطة في سبع سنوات لنهاية الزمن من أجل تطهير اليهود، وتمكينهم من رؤية النور والإعتراف بالمسيح مُخلِصاً لهم)) . أما فيما يتعلق بالموقف من المسلمين وبالإستناد إلى كتاب الدكتور رضوان السيد ( الصراع على الإسلام) صادر عن دار الكتاب العربي بيروت، يتبين لنا ان تيار المسيحية الإنجيلية او المحافظين الجدد لا يتقبلون فكرة وجود تيارإسلامي معتدل وعريض في مقابل تيار متشدد او متطرف او إرهابي، وأنه بالإمكان التعامل او التعاون الإيجابي مع ذلك التيار المعتدل والعقلاني والمتسامح، ولا يرون المشكلة او العلة كامنة في وجود متطرف ومعتدل بين المسلمين في أوطانهم وفي مهاجرهم، ويرون أن المشكلة والعلة تكمن اساساً في الدين الإسلامي ذاته، لانه دين يخلق الإرهاب ويحث عليه ويشجع التطرف والعنف.. الخ وأن الحل في نظرهم ينحصر في إجبار المسلمين على ترك دينهم والتخلي عنه نهائياً ليمكن التخلص من الإرهاب!!. ثالثا: حجم هذا التيار ونفوذه وتأثيره: استنادا إلى كتاب ((يد الله)) لغريس هالسل نقرأ الآتي: ـ ·       يقدرعدد الأصوليين في الولايات المتحدة بحوالي خمسين مليوناً ،إنهم منتشرون في العديد من العقائد المسيحية. ·   يوجد في الولايات المتحدة حوالي 800 كاهن أصولي، يقدم معظمهم برامج عبر ألف محطة راديو ومائة محطة تلفزة مسيحية. وفي عام 1998م بلغ عدد طلاب المعاهد الانجيلية أكثر من مائة ألف طالب . ·   يقول القس والتون كادي، المديرالتنفيذي لتحالف التعدد الديني واشنطن: (( يستخدم التحالف المسيحي في عام 1999م موازنة سنوية تبلغ 17مليون دولار لتوظيف مائة ألف شخص يعملون ضباط ارتباط بين التحالف وجماعات دينية محددة، وفي إطار الحزب الجمهوري، يتمتع اليمين المسيحي بقوة مؤسساتية هائلة.. إنه يخطط لإختيار الرئيس المقبل للولايات المتحدة)). ·   ويقوم وليم مارتن، استاذ العلوم الاجتماعية في جامعة رايز: (( يمثل اليمين المسيحي في عشرين ولاية، ويشكلون قوة كبيرة في 12 ولاية أخرى على الاقل)) ·   يقول البرفيسور جون جرين، جامعة أكرون: ((اظهر إستطلاع للرأي أجرته جامعة أكرون في عام 1996م حول الدين والسياسة ان 31% من المسيحيين يؤيدون الاعتقاد بأن العالم سوف يجدد نهايته في معركة هرمجيدون.. وهذا يعني ان 62مليون أمريكي يوافقون على هذا النظام الإيماني)) واخيراً أعزائي القراء الكرام تعالوا معي لنقرأ تصريحاً لرئيس الولايات المتحدة الأمريكية، القوة العظمى في عالمنا : (( يقول الله إنه سيأخذ بني إسرائيل من بين الوثنيين، حيث تناثروا، وسيرعاهم من جديد في أرض الميعاد ..وهذا ما يحصل فعلا بعد ألفي سنة، لأول مرة نرى ان كل شيء صار جاهزاً لحرب مجدو وللمجيء الثاني.. كل شيء صار في مكانه الصحيح، ولن تتأخر ( حرب مجدو) كثيراً بعد الآن . إن حزقيال قال إن النار والكبريت سيمطران على أعداء شعب الله ، وهذا يعني أنهم جميعاً يجب ان يُدمروا بالأسلحة النووية)) ـ الرئيس الاسبق رونالد ريجان. 5 ديسمبر 1985ـsanta Barbara news and review  نقلا عن كتاب (تلمود العم سام) لمنيرالعكش، دار رياض الرئيس للكتب والنشر هذا قليل جداً من كثيركان يمكن إيراده، منه ما يثير الرعب والفزع بأكثرمما ذكرناه، والواقع أنني حرصت إلى أقصى الحدود على تحاشي إشغال القارئ وتتويهه بتفاصيل أكثر، وتشعبات شديدة الوعورة، واقتصرت على أقل القيل مما يكفي لتوضيح الصورة في إطارها العام فقط. وقبل ان اختم هذا الجزء تدافعت إلى ذهني مجموعة من الأسئلة المُلحة لعل أهمها: كيف سمحت الإدارة الأمريكية وسوغت لنفسها ان توجه تهم الإرهاب والعنف والتطرف وعدم التسامح للإسلام ومعتنقيه من العرب والمسلمين، في ظل مثل ذلك التفكير الديني الجامح إلى التدميرالشمولي للكون وللحياة الإنسانية، وهو الأبرز والأكبر والأكثر تأثيراً ونفوذاً وسطوة داخل الولايات المتحدة نفسها؟! وكيف تضغط الإدارة الأمريكية بكل ثقلها وقدراتها على الدول العربية والإسلامية لإجبارها على إلغاء مراكز ومعاهد ومدارس التعليم الديني وتغييرمناهجه الدراسية، وتيار اليمين المسيحي المتطرف والمخيف لديها يدعم ويمول بمليارات الدولارات ويعمل من خلال الآف وعشرات الآف المراكزالتعليمية والمحطات الاذاعية والتلفزيونية والنشاطات التبشيرية على إمتداد الكرة الأرضية، وهو أكثر تطرفاً وارهاباً ووحشية بمئات المرات مما هو عليه لدى الديانات والمعتقدات الدينية السائدة في العالم ؟! فمن هو الأولى بالمنع والإيقاف والتغيير؟! في الجزء السابق إستعرضنا بشكل شديد الإختصار والإيجاز بعض معالم الفكر الديني لليمين المسيحي الإنجيلي وتيارالمحافظين الجدد المسيطروالمهيمن على الإدارة الأمريكية الحالية، وتبين لنا ـ من خلال ذلك ـ ما يتسم به ذلك الفكر الديني المستند إلى الكتاب المقدس ( العهد القديم والعهد الجديد) من نزوع إلى التطرف والعنف والإرهاب وتدمير الكون والحياة إلى حد يثير الرعب والفزع، وتطرقنا إلى حجمه وقوته ونفوذه وما يتمتع به من دعم مالي هائل وحرية كاملة مطلقة في كافة مجالات الحركة والنشاط وخاصة التعليمي والتبشيري . ووعدنا في ختام ذلك الجزء ان نكرس هذا الجزء لحديث بالغ التركيز والإيجاز والإختصار حول الإسلام كدين، مقتصرين في حديثنا على القرآن الكريم كتاب الله العزيز وكتاب الإسلام فقط، وقبل الشروع في حديثنا عن الإسلام كما حدده الله سبحانه وتعالى في القرآن .. لابدلنا ان نعترف بوجود بعض الحركات والتنظيمات المسلحة السرية التي تعلن انتماءها إلى الإسلام وتدعي التعبير والعمل والالتزام بتعاليم الإسلام وقيمه، وتتخذ من العنف والإرهاب والتطرف والإكراه منهجاً واسلوباً لها، وهي في حقيقة الأمر تتعارض وتتناقض مع جوهر الإسلام تناقضاً كلياً، بالإضافة إلى حقيقة كونها مجرد عصابات إجرامية محدودة جداً في أعدادها ولا تمثل أي قاعدة شعبية إسلامية يُعتد بها، بل إن المسلمين يكتوون بنارها ويتعرضون لجرائمها بأكثر بكثيرمما يتعرض له أتباع الديانات والمعتقدات الدينية الاخرى في العالم!. وسنرى حقيقة تعاليم وقيم ومقاصد الإسلام اعتماداً على النصوص القرآنية وذلك على النحو التالي : أولا: احترام وحفظ الحياة الإنسانية: يقول الله سبحانه في القرآن الكريم:( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنتُمْ هَـؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ )البقرة84،85   ويقول: { مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ }المائدة32 { وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ }الأنعام151 ثانيا: إقامة الحياة الإنسانية على مبادئ العدل والمساواة والتعاون: يقول الله تعإلى: { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ }الحديد25 {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }الحجرات13 { وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ }المائدة2 { وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }آل عمران104 { إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }النحل90 ثالثا: منع القتال من أجل السلام وتحريم الإكراه والقسر، والالتزام بالدعوة السليمة: قال الله تعإلى: { ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ * وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ }النحل125،126 {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ }البقرة256 { وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ }يونس99 { وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ }يونس100 .  {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ } هود118،119 { وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ * وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ ، فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ }. البقرة ‘190191،192،193 { وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }البقرة109 {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً }البقرة83 { وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } فصلت34، 35 { لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ }الممتحنة8* إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } الممتحنة9،8  { وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ } الكهف29 { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ }المؤمنون96 { وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَـئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ }آل عمران 199 { لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَـئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ }آل عمران113،114 { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }البقرة62 { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }الحج17 َ{ فَإِنِ ِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً }النساء90 { وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ }الأنفال61 { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً }النساء94 { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ }البقرة208  رابعأ: احترام العهود وتأمين الخائف ونصرة المظلوم مقدم على الدين في الإسلام: يقول الله جل جلاله في آيات القرآن المجيد: { وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً }الفتح10 {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ }النحل91 { وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً }الإسراء34 { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ }المائدة1 { بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ }آل عمران76 { وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ }المؤمنون8  { كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ }التوبة7 وعن المعتدين من الكفار يقول الله تعالي: { وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً * إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىَ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ أَوْ جَآؤُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً }النساء89،90 وعن وضع جماعة المسلمين الذين فضلوا البقاء في مكة ولم يهاجروا مع رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام والمسلمين الآخرين والذين هاجروا إلى المدينة المنورة، وتعرضوا لحرب وقتال وعدوان بسبب معتقدهم الديني.. يقول الله تعإلى: { وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }الأنفال72 وأما عن الموقف إزاء الأفراد والجماعات أو الشعوب التي تتعرض للقهر والإستبداد والظلم والطغيان بصرف النظرعن هوياتها وانتماءاتها العرقية والدينية، فإن الله سبحانه وتعالى يأمر المسلمين والمؤمنين ويُوجب عليهم إلزاماً نُصرة هؤلاء المستضعفين والقتال من أجلهم حتى يتخلصوا من الطغيان والقهر والظلم وينالوا حريتهم كاملة.. يقول تعإلى: { وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً }النساء75 لا بل اكثر من هذا وذاك، فإنه اذا أخذنا في الإعتبار بأن الشرك والمشركين يُعتبرون من الد أعداء الله والمؤمنين على الإطلاق إلا أنه وبالرغم من ذلك، تعال واسمع ماذا يقول الله سبحانه وتعالى في القرآن : { وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ }التوبة6 أي أن الانسان المؤمن مسؤول ومُلزم فقط بتوفير الملجأ والحماية للمشرك الخائف المستجير بل وإضافة إلى ذلك بأنهم قوم مسؤول ومُلزم بعد ذلك بإيصاله إلى المكان الذي يشعر فيه بالأمن والأمان على حياته ووجوده! هذا كانت مجرد إشارات لملامح بعض الجوانب المحددة من جوانب كثيرة تبين وتبرهن وتؤكد على صورة الإسلام المشرقة وعظمة تسامحه وإنسانيته واعلائه لقدسية حياة الانسان وحريته وتأكيده على أولوية قِيَم وأخلاقيات التعايش والتعاون والمحبة بين كل بني الانسان في سبيل الخير والسلام والعدل والمساواة والرفاهية بهم ولهم جميعاً دون إستثناء أو تمييز بسبب العرق أواللون أو الدين.. فهذاهوالإسلام وهؤلاء هم جميعاً المسلمون رغم إنحراف وإفتراء فئة قليلة منهم لا تكاد تذكر تسيء إلى الإسلام والمسلمين وتشوه صورتهم على نحو بغيض، وقَدّمت لكل الحاقدين والمعادين للإسلام لدوافع تعصبية وعنصرية ضيقة سلاحاً فعالاً تضرب به الإسلام وتتهمه بما ليس منه وفيه وتنشر ضده مشاعر العداء والكراهية ظلماً وبهتاناً وافتراء. بعد كل ما ذكرناه في الأجزاء السابقة.. بقي أمامنا جزء أخير وختامي نورد فيه، في ضوء وبناء على أهم ما يمكن استخلاصه مما سبق من رؤى ومقترحات نعتقد بأنها مفيدة على طريق السعي الجاد والمخلص لتحسين صورة الولايات المتحدة الأمريكية في أنظار وأفكار شعوب العالمين العربي والإسلامي.. بعد أن بذلنا، على إمتداد ما سبق، جُهدا في محاولة معرفة ما نعتبره ـ من وجهة نظرنا الشخصية ـ مجموعة عوامل وأسباب ومبررات ،عملت مترابطة ومتضافرة على خلق وتعمق وإتساع مساحة الشعور العام بعدم الإرتياح وعدم الرضى بل والرفض والكُرْه لسياسة الولايات المتحدة الأمريكية وتصرفاتها وممارساتها في أوساط الغالبية المتزايدة من شعوب ودول ومنظمات العالمين العربي والإسلامي بشكل خاص.. فاننا نختم المحاولة بهذا الجزء الأخير الذي سنكرسه لذكر بعض الرؤى والملاحظات وربما المقترحات التي نعتقد ـ من وجهة نظرناـ أنها ربما تكون مفيدة بهذا القدرأو ذاك، في إطار الجهود والمساعي التي تبذلها مؤسسات الإدارة الأمريكية وخاصة مجلسي النواب والشيوخ، والتي تبدو أنها جادة وصادقة، لتحسين صورة الولايات المتحدة في العالمين العربي والإسلامي، وهو موضوع المحورالرابع.. وفي اعتقادي هناك عاملان رئيسان يبعثان على الأمل والتفاؤل بإمكانية نجاح تلك الجهود والمساعي الطيبة وهما: العامل الأول: من المؤكد والثابت، يقيناً، أن مشاعرالرفض والكراهية في العالمين العربي والإسلامي تنحصر وتتوجه ضد مواقف وممارسات السياسة الخارجية الأمريكية الرسمية ولا تمتد لتشمل الولايات المتحدة ـ شعباً ودوراً ورسالة ـ حيث أنها محل إعجاب وإحترام وتقدير بأعلى مستوياته. العامل الثاني: أن الفترة الزمنية التي بدأت عندها المشاعر والمواقف تتحول وتنقلب بشكل تصاعدي متدرج في العالمين العربي والإسلامي إزاء الولايات المتحدة وسياستها الخارجية، من قوة عالمية صاعدة صديقه ومناصرة للسيطرة والهيمنة على العالم والمضادة لحقوق وتطلعات الشعوب التواقة إلى الحرية والتقدم والعدالة، ان تلك الفترة الزمنية التي بدأ عندها الإنقلاب والتحول يتصاعد شيئا فشيئا لا تتعدى ـ في مجملها العام ـ أربعة عقود من الزمن، وهي فترة قصيرة خاصة اذا أخذنا في الإعتبار ان التحول والإنقلاب الحاد والحاسم لم يحدث إلا منذ ثلاث سنوات، وتحديداً منذ ما بعد أحداث 11سبتمبر2001م الإرهابية الإجرامية، وهو ما يجعل مهمة المعالجة والمراجعة ميسورة وسهلة اذا ما توفرت الإرادة السياسية الصادقة. وفي ضوء هذين العاملين الرئيسين، نطرح الرؤى والتصورات والمقترحات التي نراها على النحو التالي: ـ أولا: مسئولية أمريكا ودورها في حفظ الأمن والسلام والتعايش والتعاون الدولي: لا يحاول أحد ولا ينكر الحقيقة الموضوعية الثابتة بأن الولايات المتحدة الأمريكية هي المؤهلة والقادرة على قيادة العالم لِما بعد مرحلة إنتهاء الحرب الباردة، وأن تكون هي صاحبة الدور القيادي الأول في إعادة صياغة وتشكيل وبلورة نظام عالمي جديد في أهدافه وغاياته وفي علاقاته ومصالحه وفي أسسه ووسائله ومواثيقه ومرجعياته الناظمة.. لكن أحداً لن يقبل او يتقبل او يقتنع بأن تتجه الولايات المتحدة وتعمل على السيطرة والهيمنة على العالم وشئوونه وعلاقاته ومصيره بشكل إنفرادي أحادي إعتماداً على جبروت قوتها العسكرية التي لا نظير لها في التاريخ الإنساني، فحقائق ومعطيات الواقع المرئي تؤكد على وجود قوى دولية واقليمية تملك من مقومات ومعايير القوة والتقدم والتأثير والنفوذ ما يمكنها من مقاومة وإعاقة السعي الأمريكي إلى فرض سيطرته الإنفرادية الأحادية على العالم بكل ما يعنيه من مساس وتهديد مباشر لمصالح وتطلعات وطموحات تلك القوى الدولية والاقليمية النافذة والمؤثرة، ناهيك عن بقية دول العالم وشعوبه الأكثر تخلفاً والأكثف سُكاناً، وفي وضع كهذا فان أي طموح جامح لأي قوة عالمية مهما بلغت قوتها وإمكانياتها للسيطرة على العالم بقدرما يتجاوز حدود ونطاق تلك القوة ما يؤدي حتماً إلى تدهورها وتراجعها وإضعافها ، فإنه ـ وهذا هوالأهم ـ سيقود إلى تحويل العالم إلى بؤر ملتهبة من نيران الحروب والمنازعات والصراعات اللامتناهية، ويقضي على كل فرص وإمكانيات إقرارالأمن والإستقرار والسلام والتعايش والتعاون الدولي الإيجابي، خاصة مع عدم إغفال احتمالات اللجوء إلى إستخدام أسلحة الدمار الشامل بإختلاف أنواعها. ان أهم ما يتوجب على الإدارة الأمريكية ان تفعله قبل أي شيء آخر، ان تسارع إلى تغيير سياستها واستراتيجيتها الكونية بشكل يكفي لإزالة القلق والمخاوف العالمية المتعلقة بالمشروع الإمبراطوري الساعي إلى السيطرة الأحادية المتفردة لأمريكا على العالم، وبما يفسح المجال واسعاً للسير على طريق صياغة وبناء النظام العالمي الجديد بمنطق وروح الحوار والشراكة والمسئولية العالمية التضامنية ، مع الاحتفاظ ـ بطبيعة الحال ـ للولايات المتحدة بالدور القائد. وعلى جانب آخر مُكمِل ومتزامن، وبما أن الولايات المتحدة هي القوة العظمى في عالمنا المعاصر، فإن ذلك الوضع المتميز يُلقى على كاهلها تبعات والتزامات ومسئوليات أخلاقية وقيمية في المقام الأول، وسياسية وقانونية تجاه مختلف دول وشعوب العالم، وخاصة فيما يتعلق بحل وإنهاء المشاكل والمنازعات الاقليمية كشرط أساس لإرساء وتثبيت السلام والأمن الدوليين، وذلك يفرض تغييرنهج وأسس السياسة الخارجية الأمريكية على نحو يقوم على معايير ومبادئ الحق والعدل والإنصاف والتوازن وينفي عنها، إلى أقصى حد ممكن، مما يؤخذ عليها من مآخذ الازدواجية والكيل بمكيالين وفق مقتضيات تغليب مصالحها وحساباتها السياسية والاقتصادية الخاصة. ان السياسة الخارجية الأمريكية تبدو بأمس الحاجة إلى إعادة ثقة العالم بها وتأكيد مصداقيتها. ثانيا: فرض الديمقراطية وإسقاط الديكتاتوريات بالقوة: أثناء فترة القرون الوسطى، وما سبقها وما تلاها، كان المألوف اللجوء إلى إستخدام القوة العسكرية ونشوب الحروب من أجل تغييروفرض قناعات ومعتقدات دينية أو ثقافية أو قومية أو عنصرية وغير ذلك، لكن التطور الإنساني اليوم وعلى عتبات القرن الحادي والعشرين لم يَعُد يتقبل أو يستسيغ مثل تلك الأساليب القهرية المستندة إلى بطش القوة وجبروتها لتغييرأوفرض القناعات والمعتقدات والقيم حتى وإن كانت تحت شعار الحرية والديمقراطية وإسقاط أنظمة الحكم الديكتاتورية والفاسدة ، ذلك ان التطور التكنولوجي الهائل والمذهل الذي بلغته الإنسانية، وخاصة في وسائل وأدوات الإتصال والتواصل، الذي جعل من الكرة الأرضية قرية صغيرة، وأصبح فيه الانسان في أي بقعة صغيرة من أرجاء الكرة الأرضية كلها، يشعر بأنه (( مواطن عالمي)) أو((كوني)) بكل ما تعنيه الكلمة من معان، شأنه شأن أي انسان في أي مكان وبأي معتقد أو ثقافة، وهذا الوضع التطوري المذهل هو وحده وليس شيء آخر سواه، القادر على تحقيق التفاعل والتمازج والتلاقح بين القناعات والأفكار والثقافات بل وحتى المعتقدات الدينية، وباتت القوة العسكرية منظوراً اليها ـ في هكذا وضع ـ كأسلوب همجي ومتخلف من آثار الماضي المقيت. إن ما حدث في افغانستان، ثم في العراق على نحو أوسع واشد، وكذا الجرائم والفظائع البشعة في سجونها وغيرها من المعتقلات في ((جوانتنامو)) وغيرها، وما لايزال يجري حتى هذه اللحظة من قتل وسفك دماء لعشرات الالوف من البشر والتدمير المريع لمنشآت ومشاريع البنية التحتية المحدودة، والانتهاكات والتعديات المقززة والواسعة النطاق لحقوق وحريات الانسان وكرامته، وإقامة ونشر القواعد العسكرية الرهيبة في أرجاء المنطقة وحولها ، والشعور الراسخ لدى الشعوب التي استبشرت بقدوم جيوش جلاديها السابقين، وهو ما يؤكد على المبدأ القائل بأن الحفاظ على حياة الناس وارواحهم يظل دائماً أهم وأغلى وأثمن من حرية وديمقراطية يراد إقامتها فوق بحارمن الدماء وجبال من الجماجم والأشلاء البشرية! بل الأدهى من هذا كله أن وصفاً كهذا بشعاً ووحشياً لا يستطيع إقناع طفل بأن ذلك من أجل الحرية والديمقراطية وإنما يترسخ اليقين بأن الهدف شيء آخر مختلف تماماً وهو السيطرة والإحتلال والإستعمار العسكري. والحقيقة أن هذه الممارسات المرعبة ألحقت أبلغ الإساءة وأفدح الضرر بصورة وسمعة ودور وسياسة الولايات المتحدة ليس في العالمين العربي والإسلامي فحسب، بل على امتداد العالم كله.. ولقد كان بالإمكان تحقيق الحرية والإصلاحات الديمقراطية ومحاصرة وإسقاط النظم الديكتاتورية عبروسائل وأساليب وإجراءات سلمية وحضارية وأكثر فاعلية ونجاحاً من اسلوب القوة، ويكفي مثالاً واحداً على ذلك انه لو اتجهت الولايات المتحدة إلى بناء نظام عالمي جديد بروح الحوار والشراكة ومواصفات وإصلاحات مطلوب من كل دولة من دول العالم أن تحققها وتنفذها لتصبح مؤهلة للانضمام إلى منظومات النظام العالمي الجديد، ومن ضمنها الحريات والديمقراطية وحقوق الانسان وإنهاء الفساد وسيادة القانون وغير ذلك من الاصلاحات كما يفعل الاتحاد الاوروبي مثلا مع تركيا لقبول عضويتها فيه ! ثالثا: مسألة التطرف والإرهاب الديني : ان التعرض لمسائل الديانات والمعتقدات الدينية يُعد من أكثر القضايا وأشدها خطورة وحساسية، وأن تجعل الإدارة الأمريكية من نفسها وصية ونائبة عن الله سبحانه وتعالى في إلقاء التُهم وإصدارالأحكام بشأن ديانات ومعتقدات العالم الدينية، أمرلا يمكن القبول به او السكوت عليه، خاصة بعد ان أوردنا في الجزء السابق بعض الحقائق والملامح حول أفكار وأطروحات اليمين المسيحي الإنجيلي او ما يسمى بتيار المحافظين الجدد، التي لا يقتصر تأثيرها على إرهاب وقتل افراد وجماعات مخالفة لها دينياً فحسب ، بل يمتد إلى الدعوة والعمل على تدمير الكرة الأرضية بكاملها والقضاء على الحياة الإنسانية برمتها قضاءاً مبرماً. إن ما يثير عداء وكراهية الشعوب للسياسة الأمريكية تعرضها ـ بجهالة واستخفاف ـ لمعتقداتهم الدينية وأنبيائهم وكتبهم المقدسة ومناهج تعليمهم الديني، والواقع أن الإدارة الأمريكية تلعب بنار خطيرة من شأنها ان تشعل فتيل مخزن بارود عالمي اذا قدر له ان ينفجر فلن يكون هناك ثمة سلام أو أمن واستقرار يمكن أن يتحقق بعده للعالم ابداً. إن معالجة مسائل التطرف والإرهاب الديني على كافة المستويات لا يمكن ان يتم او يتحقق إلا من خلال ((مؤتمر عالمي)) يمثل كافة الديانات والمعتقدات الدينية بكل فرقها ومذاهبها ومدارسها ، يهودية ومسيحية وإسلامية وبوذية وهندوسية وزرادشتية وغيرها، تخضع فيه للدراسة والحوار والمناقشة العلمية الموضوعية كل الأفكار والآراء والدعوات والمناهج التعليمية المعتمدة لديها جميعاً، لتقرير أين يكمن التطرف والإرهاب وكيف تتم معالجته وإزالته ، أما أن يأتي طرف ديني واحد ويقرر ويحكم على الآخرين كيفما يشاء فذلك مرفوض وغير مقبول جملة وتفصيلا والجميع يدينه ويستنكره ويقاومه. هذا أقصى ما سمح لنا فيه الحيزالمتاح لهذا الجزء الختامي، وهناك العديد من الرؤى والملاحظات والمقترحات الأخرى ربما تسمح لنا الظروف بالعودة اليها لاحقاً ان شاء الله تعالى.   ***نشرت هذه الدراسة في صحيفة الأيام في الفترة من ( 11 اكتوبر2001 م-20 اكتوبر2001 م)        تسع حلقات..الأعداد من 4302 إلى 4310  

By Editor