رسالة مفتوحة الى الأمين العام للمعهد اليمني لتنمية الديمقراطيةحتى لا نمضي أكثر في التيه لهثاً وراء سراب خادع! الحلقة الاخيرة

توقفنا في ختام الحلقة السابقة عند المطالبة بضرورة إجراء عملية تقويم ومراجعة شاملة بأقصى سرعة ممكنة لمجمل رؤانا وقناعاتنا وافكارنا المؤسسة على مفاهيم وقيم وصيغ التجربة الليبرالية الراسمالية الغربية، من خلال ادارة حوارات موسعة ومتعددة الاطراف تشارك فيها مؤسسات ومنظكات المجتمع المدني المعنية بقضايا الديمقراطية والحريات وحقوق الانسان والمفكرين والمثقفين والاحزاب والشخصيات الاجتماعية وغيرهم ، للخروج بصيغ وافكار ومعالجات جديدة ومبتكرة مستوحاة من موروثنا وتجاربنا المتراكمة والافكارالانسانية حول مختلف قضايا وهموم الحرية بمفاهيمها الواسعة وحقوق الانسان وعلاقة الحاكم بالشعب وطبيعة الدولة وبنيتها ومؤسساتها وعلاقاتها ومسئولياتها ، تؤسس كلها على مضامين اكثر انسانية وحرية وعدلا وفاعلية كبدائل اكثر ايجابية لصيغ وانماط الافكار الرأسمالية الليبرالية. وفي هذه الحلقة نواصل حديثنا حول طبيعة ذلك الحوار ومحاوره الرئيسية وقضاياه الحيوية وغاياته المرجوة، غير انه وقبل بدء حديثنا  تقتضي الضرورة ان نوضح بأن الايديولوجية الليبرالية الرأسمالية، بمختلف مفاهيمها ونظرياتها وافكارها المتعلقة بمنهج المعرفة ((الجدل الهيجلي)) والقانون الطبيعي والاقتصادي والسياسة والاخلاق وغيرها، إنما جاءت ووضعت للمجتمعات الاوروبية الغربية ذات الاصول العرقية (( الآرية )) كعرق ارقى وافضل، وترافق معها وفي ظلها قوانين التمييزالعنصري المكرسة لهيمنة الجنس(( الآري )) وتأكيد احقيته في استعباد سائر شعوب وأمم الارض، والهادفة الى إزاحة وابادة سائر الاجناس والاعراق الاخرى، مثل نظرية الانتخاب الطبيعي والنشوء والارتقاء والداروينية الاجتماعية ونظرية البقاء للاقوى والاصلح لسبنسر، والنظرية السكانية لمالتوس وغيرها، ويبدو ان تطبيق مبادئ وقيم ومُثل تعاليم تلك الايديولوجية مقتصر على المجتمعات الغربية ذات العرق(( الآري )) النقي ولايمكن تطبيقها والعمل بما تمليه مضامينها الانسانية على مستوى سائر المجتمعات والشعوب والأمم ذوات العرق (( الأدنى )) كما بدا ذلك بكل وضوح وجلاء وتَجَسَدَ عملياً من خلال ما يشهده العالم من أحداث وممارسات منذ عمليات 11سبتمبرالإرهابية من العام الماضي، وكل ما عشناه ولمسناه منذ سنوات طويلة مضت وخاصة خلال عقد من الزمان مضى من نشاطات وتحركات وجهود تقوم بها منظمات الدول الغربية الكبرى، وخاصة أمريكا ، للتبشير ونشر مفاهيم وافكارالايديولوجية الليبرالية الرأسماليية والنمط الغربي في الحياة في بلدان ومجتمعات العالم الثالث من خلال مجموعة المراكز والمنتديات والمعاهد والمنظمات المدنية غير الحكومية المعنية بمسائل الديمقراطية والحريات وحقوق الانسان وتزويدها بأشكال من المساعدات والدعم والمساندة، ماهو إلا اسلوباً من اساليب الخداع والتمويه والمغالطة وستاراً يُخفي حقيقة النوايا العدوانية والمشاريع الاستعمارية الرهيبة التي بدأت مؤثراتها تظهر بوضوح كما بيناه في سياق هذه الرسالة المفتوحة، ونخشى ان تُستغل كل تلك المؤسسات والمنظمات المدنية غيرالحكومية ويتم توظيف انشطتها وفعالياتها لخدمة تلك النوايا المريبة للقوى الدولية الكبرى، وهذا ما دفعنا الى الدعوة العاجلة والمُلحة لجميع تلك المنظمات للحوار النقدي التقويمي لأهداف ومنطلقات وغايات تحركها ودورها في المجتمع، حتى لا نجد انفسنا، فجأة نندم بحسرة واسى لأننا وضعنا انفسنا من حيث نعلم او لا نعلم في الاتجاه المعادي لتطلعات شعوبنا العادلة بعد فوات الاوان وحين لا ينفع الندم. وقد يقول قائل هنا بأن الأخذ او التأثر بالتجربة الليبرالية الرأسمالية وقيمها وثقافاتها او بعض جوانبها ومجالاتها التي قد نراها إيجابية ومفيدة لنا ومجتمعاتنا أمر لاغبار عليه وعمل مشروع لا شبهة فيه، ويندرج ضمن نطاق الاستفادة من نتائج الافكار الانسانية وعطاءاتها المتواصلة، ولا يعني ذلك اية شبهة او إتهام بالعمالة والعمل لصالح قوى دولية كبرى، فهل المطلوب منا ان نضرب حول انفسنا سوراً عالياً من العزلة والانغلاق والانقطاع التام عن كل ما يجري في العالم من حولنا من تحولات ومتغيرات وتطورات شاملة ؟ ورداً على مثل هذا القول نود التاكيد أننا لا نقصد على الاطلاق ان نغلق على انفسنا ومجتمعاتنا كل الأبواب والنوافذ وننعزل عن مجريات ما يعتمل في العالم من حولنا ، بل من الواجب والمُحتم علينا ان نتفاعل ايجابياً ونواكب تجليات وابداعات العقل الانساني وانجازاته الرائعة ونتعامل مع حركته المتدفقة اخذاً وعطاء واستفادة وتعلماً ، فتلك قاعدة اساسية حكمت علاقات وروابط المجتمعات الانسانية كلها منذ اقدم العصور، بل ان الحضارة الانسانية بُنيت على قاعدة الاتصال والتفاعل والتلاقح والتمازج بين إبداعات العقل الانساني كله.. وما قصدناه هنا يتعلق اساساً بهذه الحالة من الانبهار والاعجاب منقطع النظير والاستسلام شبه الكامل للايديولوجية الليبرالية الرأسمالية والقيم والثقافة الغربية والسعي المستميت والمضني واللهث وراء منظمات ومؤسسات وهيئات تابعة لدول عظمى تعمل من أجل التبشير لتلك القيم والثقافة وكسب ولاء النُخب لها، من قبل كل المنظمات والمؤسسات والمعاهد والمراكز المحلية المعنية بتلك القضايا طلباً للمساعدة والتأييد، واعتقد شخصياً ، وقد اكون مخطئاً في اعتقادي هذا بل واتمنى ان اكون مخطئاً، بأن الكثير من تلك المنظمات والمؤسسات تقوم، من خلال ابحاثها ودراساتها وتقاريرها بشكل من اشكال الأعمال الاستخبارية ضد بلدانها.. وإلا فما هو الذي يغرينا ويثير اعجابنا الى ذلك الحد المبالغ فيه بالنسبة للانموذج الغربي الليبرالي الرأسمالي بقيمه وثقافته ونمط حياته، حيث فشل هذا الانموذج فشلا تاريخيا في ان يطرح نفسه مشروعاً انسانياً ايجابياً بديلاً للعالم بأسره، بل أنه قاد البشرية اكثر من مرة الى مآسٍ وكوارث وحوادث مدمرة ومروعة بدءاً بالاستعباد والاسترقاق والابادة الوحشية للملايين من البشر لاعتبارات عنصرية واستغلالية جشعة ، ودفع بالعالم كله الى جحيم حربين عالميتين راح ضحيتهما عشرات الملايين من البشر وقبل هذا استعمر بالبطش والقوة المسلحة والابادة الشرسة للكثير من شعوب وبلدان العالم الثالث واستنزف ثرواتها على نحو مريع ثم اخيراً مانراه يعمل اليوم من اعمال وممارسات وحروب بشعة واضطهاد للبشر بسبب اللون او الدين دون وازع او ضميراو قانون في اتجاه فرض هيمنته وسيطرته على العالم بالقوة والعنف والحديد والنار، كما هو واضح من البوادر والبدايات الاولى لما يسمى بالعولمة التي تتجلى فيها الرأسمالية تجلياً متوحشاً وشريراً ومفزعاً. لهذه الاسباب والعوامل مجتمعة املت الضرورة عليّ بالتوجه الى امين عام المعهد اليمني لتنمية الديمقراطية بهذه الرسالة المفتوحة باثة شجوناً وهموماً ومعاناة لنتبادل من خلالها الآراء والتصورات بمشاركة كل المعنيين بالأمر، ولو بطريقة غير مباشرة علها تسهم في التهيئة والاعداد لتنظيم وادارة حوار واسع ومتعمق يخرجنا من دوامة التيه والتشتت والحيرة بصيغة ملائمة للعمل الجاد والايجابي وفق تصور ورؤية نظرية اصيلة وانسانية يكفل للانسان والمجتمع حرياته كاملة وكرامته وانسانيته استناداً الى واقع يتحقق فيه العدل الاجتماعي الذي يكفل للانسان مستوى كريماً ولائقاً في معيشته والذي بدونه يصبح كل حديث عن الديمقراطية وتعددية حزبية وانتخابات حرة هُراء مخادعاً وزائفاً غير ذي معنى.. إن مثل ذلك الحوار الجاد والواسع ينبغي ان يتركز في قضاياه واعماله حول محاور استراتيجية اساسية من اهمها وابرزها كما اتصور الاتي: المحور الاول والأهم من محاور ذلك الحوار الواسع المنشود ينبغي ان يتركز حول الاسلام كدين وجوهره الأصيل والانساني كما اراده الله سبحانه وتعالى، اي الاسلام الذي نريد ان نقدمه للعالم والانسانية كلها باختلاف اعراقها واجناسها وثقافاتها ودياناتها ، باعتباره الاقدر والاكفاء على وضع الحلول والمعالجات الصحيحة والناجحة والمتوازنة لمشكلات الانسان وازماته ومعاناته باختلاف ظروف المكان والزمان، وذلك من خلال إبراز وتأكيد قيم وتعاليم الحق والعدل والتسامح والاخوة الانسانية القائمة على الخير والسلام والتعاون الايجابي لإحياء الارض وتعميرها لسعادة الانسان ورفاهيته، بعيداً عن كل اشكال ومظاهر القهر والإكراه والعنف والارهاب والترويع والهيمنة والعدوان، وما من شك واستناداً الى حقائق الواقع، أن الاسلام كدين سماوي لا توجد له، او بالأصح لفهمه قراءة واحدة موحدة لطبيعته وحوهره وتعاليمه الأساسية، وذلك لان مئات طويلة من السنين عاشها المسلمون في ظل خلافات وصراعات وانقسامات وفتن أفرزت وكونت مفاهيم ورؤى واجتهادات واختلاقات اتجهت لتعزيز وتدعيم وإكساب مواقفها وسياساتها إزاء تلك الصراعات مشروعية دينية، اتجهت الى الاختلاق والاعتساف والتحكم بالأثر والموروث فيما عرف بعملية (( التنصيص السياسي )) خدمة لاهدافها ومصالحها، وبالتالي تكريسها وفرضها وإضفاء التقديس عليها باعتبارها من اقوال او اثار او احاديث الرسول صلى الله عليه واله وسلم وخلفائه الراشدين من بعده، وادت هذه العملية التي لجأت اليها كل الاطراف والقوى المتنافسة الى تراكم هائل وضخم للموروث الديني الذي كان ولا يزال العامل الاول والأهم في دوامة الخلافات والصراعات والفتن المُقسِمة والمُشتِتة لصفوف ووحدة المسلمين، واصبحت كل فرقة وطرف ومذهب وجماعة اسلامية تقرأ الاسلام وتفهمه استناداً الى موروثها ورؤيتها الخاصة بها، إن الحوار الذي نريده ونُلح على اهميته البالغة في اطار المحور الاول من محاور الحوار الشامل المنشود هو ذلك الذي يستند ويستنير ويهتدي بكتاب الله الذي لاياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه في اتجاهه الى تنقية وغربلة وتصفية الموروث المتراكم الهائل واستعادة تلاحم ووحدة صفوف المسلمين على اساس الصورة الحقيقية والتعاليم الصافية والقيم السامية للاسلام المستخلصة من كتاب الله القرآن المجيد الذي لا يختلف عليه احد من المسلمين اطلاقا وترك اسباب وعوامل الفرقة والانقسام والصراع والفتن جانباً وحينئذ سنجد ان الصورة الواحدة الجامعة التي سيخرج بها الحوار تتضمن في جوانبها يقيناً المستوى الرفيع للغاية الذي يكفله الاسلام ويحث عليه في تقديس وتكريم حياة الانسان اي انسان ، والحفاظ عليها وحمايتها وفي الزامية الحقوق الطبيعية الثابتة للانسان مثل الحرية الكاملة بمفهومها الواسع كحرية الاعتقاد والقول والتعبير والعمل والانتقال، وحقه في الحصول على معاملة عادلة وانسانية على قاعدة المساواة المطلقة دون تمييز بسبب العنصر او العرق او الجنس او اللون او الديانة، وحقه الملزم وجوباً على الحُكم في الحصول على مستوى معيشي كريم ولائق مثل الحق في سكن يؤويه ووسيله مواصلات في تنقلاته، ودخل يعادل متوسط مستوى الحياة السائد، وحقه في العيش بأمن وأمان وسلام وطمانينة من خلال تحريم كافة اشكال العنف والارهاب والترويع والتعذيب وكل ما قد يؤدي الى المساس بكرامة الانسان وادميته وليس من قبيل المبالغة القول بان ذلك المستوى الرفيع الذي بلغه الاسلام في حريات الانسان وحقوقه لم تبلغه اي شرائع او مواثيق او قوانين شهدتها الانسانية حتى اليوم في هذه المجالات والجوانب.. ولكن المشكلة الحقيقية تكمن في حقيقة ان بعض الجماعات والحركات المنتسبة للاسلام ساهمت، على نحو خطير للغاية في تشويه صورة الاسلام والحاق افدح الاضرار به وبالمسلمين وبأخطر واكثر مما الحقه به اعداؤه ومناوئيه من غير المسلمين حيث ظلت تلك الحركات والجماعات ولا تزال تصر وبتصميم على إبراز الاسلام وكأنه دين يقوم على الإكراه والقتل وسفك الدماء وفرضه على الاخرين بالقوة وكل ذلك يتعارض تعارضاً كلياً ومطلقاً مع طبيعة الاسلام وجوهره وتعاليمه.. ان الحوار الذي ندعو اليه ونُلح على ضرورته واهميته مُطالب بالخروج ب((اعلان اسلامي عالمي تاريخي)) يحدد بكل وضوح وجلاء جوهرلاسلام الأصيل وطبيعة الحريات والحقوق الانسانية بكل اشكالها ومجالاتها ليكون بياناً للناس كافة مسلمين وغير مسلمين يقول بكل وضوح وحسم إن هذا هو الاسلام الحقيقي الذي اراده الله للناس والذي نؤمن به، وكل من يدعي غيره فليس من الاسلام في شيء وإن ادعى انتسابه اليه إسماً او جهلا او متعمداً تشويهه لاغراض مستترة. المحور الثاني من محاور الحوار الواسع المنشود ينبغي ان يدور حول طبيعة التجربة الليبرالية الرأسمالية وما اتصل وارتبط بها مؤخراً مما اطلق عليه مصطلح (( العولمة )) بمختلف ابعادها ومجالاتها وخاصة فرض واقع (( التجارة العالمية الحرة )) باتفاقياتها ومنظمتها العالمية وأليات فرضها على دول العالم كافة بصرف النظر عن تقدمها او تخلفها وما اذا كانت نموذجاً مناسباً وصالحاً لنا ومحققاً لمصالحنا وتطلعاتنا واهدافنا ام انه وفقا لشواهده ومؤشراته الاولية البادية في الافق مجرد غطاء وستار لمرحلة استعمارية عالمية جديدة اكثر دموية وبطشاً وبشاعة من سابقاتها، خاصة مع الأخذ بالاعتبار ان الليبرالية الرأسمالية كانت إفرازا ونتاجاً لحركة تفاعلات واقع المجتمعات الغربية الاوروبية ذات التاريخ الاستعماري العالمي الاسود والافكار والنظريات التمييزية العنصرية البغيضة غير الانسانية، وهي التي فجرت وادارت حربين عالميتين مدمرتين راح ضحيتهما عشرات ملايين البشر ناهيك عن مسئوليتها التاريخية في إبادة واستعباد ملايين عديدة من شعوب الارض الاصليين ومن سيقوا كرقيق.. ولعل الحوار مطالب هنا بالوقوف والاجابة على سؤال جوهري يقول هل هذه الليبرالية الرأسمالية على ضوء خلفيتها التاريخية المشار اليها آنفا يمكن ان تكون مشروعاً انسانياً عالمياً يقود البشرية على طريق الخير والعدل والمساواة والازدهار؟؟ وهل نحن مطالبون بصياغة مشروعنا البديل الاكثر انسانية وايجابية؟؟ واذا كان(( النظام العالمي الجديد )) او كما يطلق عليه بالعولمة التي تبشربها الليبرالية الرأسمالية وتسعى الى فرضها بقوة السلاح على العالم بأسره، من شأنه بشهادات علماء ومفكرين وسياسيين من داخل المجتمعات الغربية ذاتها، ان يفاقم مشكلة الفقر والجوع والحرمان ويوسع نطاقه على مستوى المجتمعات المتقدمة والمتخلفة على حد سواء وبمستويات بالغة العمق والاتساع والخطورة لم يعرفها التاريخ الانساني كله ، ويهدد بإثارة الحروب والنزاعات العالمية والصراعات الداخلية في كل مجتمع على حده، ويُكبل دول العالم الثالث ويغرقها بحجم هائل من الديون التي تقصم ظهورها والتي اصبحت الفوائد الباهظة المفروضة على تلك الديون الظالمة بأسلوب مراباة لم تعرف البشرية مثيلا له ،تصل الى حدود تعجزفيها الدول المدينة عن تسديدها بحيث باتت تلك الديون الضخمة وفوائدها الباهظة اسلوبا لسلب دول العالم الثالث استقلالها وسيادتها الوطنية، واخضاع ارادتها بالكامل لادارة وهيئة وسياسة الدول الدائنة، انها العلاقة المختلة والظالمة وغير العادلة بين شمال العالم الغني والقوي والمتطور وجنوبه المتخلف والفقير والضعيف. ان الليبرالية الرأسمالية كأيديولوجية وافكار وقيم وسلوكيات يراد لها، وفقاً لما تؤكده الشواهد والمؤشرات والدلائل الاخيرة، ان تكون بصورتين او وجهين متناقضين تماما، الوجه الاول ايجابي وجميل اذ يتم العمل بموجبها وتطبيقها في الحياة الفردية والعامة للمجتمعات الغربية ذات الاصول العرقية الآرية والانجلوسكسونية وتلك المجتمعات هي البيئة الاصلية التي نشأت فيها تلك الايديولوجية ونمت وترسخت وطُبقت، والوجه الآخر السلبي والمخيف حين يتم استخدامها وتوظيفها وسيلة مقنطرة لاخضاع وقهر سائر المجتمعات والبلدان الاخرى في العالم، وخاصة في العالم الثالث، وفرض الهيمنة والسيطرة الاستعمارية المطلقة عليها، وهو ما يجري تطبيقه مؤخرا تارة بإسم الارهاب ومكافحته، واخرى بمنع انتشاراو امتلاك اسلحة الدمار الشامل وثالثة بضرب البلدان غير الصديقة لأمريكا ، ورابعة عبر صيغ وترتيبات ووصفات صندوق النقد والبنك الدولي ثم اخيراً اتفاقيات التجارة العالمية الحرة، وفي كل هذه الاحوال تظل القوة المسلحة هي صاحبة القرار الفصل سواء عبر التلويح بها او الاستخدام الفعلي لها. واذا ما توصلنا من خلال الحوار الواسع والعميق والمتخصص للمحور الثاني من محاوره، وبمشاركة الباحثين المتخصصين، الى قناعة بأن الليبرالية الرأسمالية بشقيها السياسي والاقتصادي وفي ذروة تطورها المتوحش والمفترس فيما يسمى بالنظام العالمي الجديد او ((العولمة)) قد سقطت تاريخيا وانسانيا واخلاقيا ولم نَعُد نُعول عليها كمشروع انساني حضاري متقدم لمسيرة التطور الانساني، فان الضرورة تحتم علينا التفكير والعمل في اتجاه طرح مشروع بديل اكثر انسانية وايجابية لصالح البشرية كلها وهو ما يقودنا الى محور آخر من محاور الحوار. المحور الثالث من محاور حوارنا الواسع والمتعمق والشامل المنشود ويتعلق بالمشروع الحضاري الانساني البديل الذي يمكننا بلورته وطرحه لانقاذ البشرية وقيادة مسيرتها نحو الرقى والتقدم والازدهار من خلال قيم الحرية والمساواة والكرامة والاخاء الانساني الشامل. وفي هذا الصدد، وبأقصى قدر من الموضوعية والتجرد وبعيداً عن التعصب او التحيز فاننا نعتقد بأن الاسلام هو وحده المؤهل والقادرعلى تقديم وصياغة المضامين الرئيسية لذلك المشروع الانساني البديل، وعندما نتحدث عن الاسلام فاننا نعني به الاسلام بجوهره الاصيل وقيمه وتعاليمه الحقيقية الصحيحة المؤكدة على الحرية بأوسع معانيها ومجالاتها على صعيد الفرد والجماعة ، والقائمة على التسامح والمساواة والحق والعدل والحب والتعاون الانساني الشامل والكامل لخير البشرية وأمنها وسلامها ورفاهيتها والمُحرِمة تحريماً قطعياً لكل اشكال العنف والارهاب والقتل والتزامها بمنطق الحوار والمحاججة الطيبة السلمية الهادئة، والزامها للناس كافة بالرفق بالحيوان وعدم العبث وتدمير توازن الطبيعة والحفاظ على البيئة والحياة البرية وغيرها من مظاهر حياة المخلوقات والكائنات والحيلولة دون انقراضها والاخلال بتوازنها الدقيق المفضي الى تدمير الحياة كلها على كوكبنا الارضي.. انه الاسلام ، كما اراده الله سبحانه وتعالى، بجوهره وتعاليمه الانسانية الاصيلة النقية، الذي طالبنا في المحور الأول من محاور الحوار الشامل المنشود آنف الذكر بغربلته وتنقيته وازالة كل الشوائب والتشويهات والتحريفات التي اُدخلت عليه ظلماً وبهتاناً  وشوهت صورته والصقت به ماليس منه، ويتناقض تماماً مع تعاليمه الواضحة والقطعية مما يحتويه موروثنا المتراكم بالغ الضخامة عبر مئات طويلة من السنين، وبما يحقق تقديم الصورة الحقيقية والجوهرالأصيل والتعاليم الصحيحة للاسلام الدين الذي انزله الله رحمة وهدى وخيراً للانسانية بأسرها.. هذا على المستوى الفكري البرنامجي النظري للمشروع البديل المنشود.. اما على المستوى التطبيقي المتمثل بالاليات والبناء المؤسسي العملي المُنفِذ والمُجسِد لجوانب ومجالات المشروع النظري فان ما يستحضرنا في هذا المجال تجربتان سياسيتان قائمتان في عالمنا الاسلامي بالفعل ومن الممكن الاستفادة والانطلاق منهما نحو بلورة الصيغ والاليات والمؤسسات العملية المطلوبة: التجربة الاولى: هي التجربة الحديثة المهمة القائمة في جمهورية ايران الاسلامية وهي تجربة فريدة في اتجاه تأسيس نموذج اسلامي متكامل في بناء الدولة او النظام السياسي ورغم انها لا تزال حديثة العهد وطرية العود إلا انها تسير بخطوات واثقة وجادة نحو التبلور والتطور والنمو والتكامل، ومع كونها حديثة الولادة، اذ لايتجاوز عمرها عشرين عاما فقط لكنها لفتت الانظار الى نجاحها الملموس في ترسيخ البنية المؤسسية للدولة وخاصة فيما يتعلق بممارسة فريدة وجديدة للديمقراطية او الشورى ، وهي تستحق بجدارة ان تكون موضوعاً اساسياً للبحث والدراسة والاستفادة فيما نحن بصدده. التجربة الثانية: المتعلقة بما يمكن ان نطلق عليه(( الديمقراطية الشعبية المباشرة )) التي طرحها وصاغها قائد ثورة الفاتح من سبتمبر العقيد معمرالقذافي ويجري تطبيقها بالفعل في ليبيا وهي عبارة عن اسلوب من اساليب تحقيق اهداف وغايات الديمقراطية او حكم الشعب نفسه بنفسه ولنفسه كما يقال ونمط من الانماط المتعددة لها، والواقع ان طرح صيغة الديمقراطية الشعبية التي تتمحور حول تمكين الشعب مباشرة من ممارسة مهمام حكم نفسه وادارة شئونه وصنع مستقبله دون واسطة او تمثيل محدود مختزل ، جاء طرح هذه الصيغة من منطلق الادراك والقناعة بأن الصيغة الليبرالية لممارسة الديمقراطية عبر احزاب متعددة تتنافس لكسب اصوات الناخبين والوصول الى الحكم عبر صناديق الاقتراع وعلى قاعدة التمثيل البرلماني الحزبي بالنيابة عن الشعب، صيغة لاتحقق الديمقراطية الحقيقية بل انها تصادر حق الشعب في حكم نفسه بنفسه ، حيث الغت دور الشعب واستبدلته بدورالأحزاب، واختزلت دور الأحزاب بحصره على قياداتها وغالباً اشخاص زعمائها، وبدلا من ان يصل هذا الحزب او ذاك الى الحكم باغلبية اصوات الناخبين، اصبح الحزب الحاكم يحكم باصوات اقلية قليلة من تلك الاصوات بسبب توزع الاصوات وتشتتها ، ثم استغلت حاجة الاحزاب الى الاموال للقيام بحملاتها الانتخابية وقامت الشركات والاحتكارات الرأسمالية باحتواء الاحزاب وتوظيفها لخدمة مصالها واهدافها مقابل تقديم التمويل المالي اللازم لها، وهكذا صارت الصيغة الليبرالية للديمقراطية تعمل في اتجاه معاكس تماما للديمقراطية وتزيف ارادة الشعب الحقيقية، ومن هنا جاءت صيغة العودة الى صيغة ((الديمقراطية الشعبية المباشرة)) كأرقى اسلوب في ممارسة الديمقراطية الحقيقية من خلال ((مؤتمرات شعبية)) تنشأ على مستوى مختلف الوحدات الادارية ، يمارس الشعب من خلالها رسم السياسات واتخاذ القرارات والرقابة واختيارالامانات التنفيذية من داخله بدون تمثيل او تفويض اختزالي محدود، وتقوم فيه (( لجان ثورية )) بدور التوعية والتحريض بشكل ارادي تطوعي، وهذه الصيغة ليست جديدة في واقع الامر حيث طُبقت في اثينا قديماً ولا تزال مطبقة على نحو او آخر في بعض الدول الاسكندنافية من خلال ما يسمى بالبرلمانات الشعبية المفتوحة، ورغم ان تجربة الديمقراطية الشعبية المباشرة المعمول بها في ليبيا لا تزال حديثة عهد وفي بداياتها إلا انها تأخذ طريقها نحو التبلور والتكامل والنضج، وهي جديرة بالفعل بالبحث والدراسة والتفاعل الايجابي معها على طريق بلورتها وتكاملها ويمكن ان تكون منطلقا يستفاد منه في تحديد اليات ومؤسسات مشروعنا البديل المنشود . وبعد : فقد كانت هذه هي فحوى الرسالة المفتوحة التي وجدت نفسي مضطراً الى توجيهها عبر الصحافة، الى اخي وصديقي أحمد الصوفي امين عام المعهد اليمني لتنمية الديمقراطية باعتباري رئيساً للمعهد، وهي رسالة فرضتها جملة من المعاناة والهواجس والشكوك والمعطيات المريرة والعاصفة التي ترعد وتبرق وتزمجر بوحشية في العالم من حولنا وتلفنا معها بايقاعاتها وتاثيراتها بالغة العمق والتسارع.. واوجبتها مشاعر المسئولية والحرص البالغ على ان لا نمضي في طريق غائم وغامض نحو المجهول من حيث ندري ولا ندري وكان لزاماً علينا، وسط هذا الظلام الدامس ، والحيرة المضنية ان نشرك اوسع قطاع من المهتمين والمثقفين والسياسيين في معايشة تلك الاجواء والهواجس والمعاناة النفسية والفكرية التي تعصف بنا، والشروع معاً في حوار واسع وشامل وصريح وجاد يدور حول ما نحن فيه وما يجب علينا ان نفعله لبلوغ ما ينبغي ان نكون عليه بالأمل الواعد المشرق، وهو حوار نأمل ان يبدأ ويأخذ مداه ويبلغ غاياته المنشودة باذن الله تعالى وعونه وتوفيقه.  صحيفة الثقافية          

By Editor