رسالة مفتوحة الى الأمين العام للمعهد اليمني لتنمية الديمقراطيةحتى لا نمضي أكثر في التيه لهثاً وراء سراب خادع!هذه المنظمات لا تمنح حقوقاً ولا ديمقراطية!! الحلقة الاولى

لقد اضطررت ، بعد طول تردد وتأمل للجوء الى مخاطبة الأمين العام للمعهد اليمني لتنمية الديمقراطية الاخ العزيزالاستاذ القديراحمد عبدالله الصوفي من خلال الرسائل المفتوحة التي تعتبر مزيجاً يختلط فيه اسلوب المقالة الصحفية العلنية واسلوب الحوار الشخصي الودي الأخوي، وهو مزيج يكتسي طابع المناقشة الحوارية المنشودة صحفياً، حيث لم اجد في نفسي ميلاً الى الاقتصار على رسالة شخصية ثنائية مغلقة او محاورة مباشرة وجهاً لوجه وذلك لمجموعة من الاسباب والعوامل والاعتبارات اهمها: 1ـ ان العلاقة الشخصية التي جمعتني بالأخ احمد تُعدْ على درجة رفيعة من الحميمية والاحترام والتقدير، تعززت وتعمقت اكثر منذ اصبحت رئيساً للمعهد وارتبطنا بعلاقة عملية ميدانية وتجربة عمل مشترك في ميدان ومجال تفاعلتْ فيه وتمازجتْ عُرى ووشائج العلاقتين الشخصية والعملية معا. 2ـ وكنت اشعر من خلال مسار تينيك العلاقتين ومازلت اشعر بأن احمد الصوفي وهو المؤسس الأول للمعهد حمل على عاتقه وجسمه ((النحيل)) عبء جد ثقيل وجسيم وراح بإصرار لا يلين ومثابرة لا تفتر يعتصر عصراً مضنياً جهداً وابداعاً وعطاء وتضحية رغم شحة الامكانيات بل انعدامها، ورغم غياب الجهد التعاوني الجماعي من قبل الهيئات المؤسسية، وظل في الغالب الأعم واقفاً وحده نضالاً مستميتاً من اجل بقاء المعهد واستمراره والانتصار للقضية التي انشئ من اجلها.. ورجل هذا شأنه يجعل الآخرين مثلي يتحرجون ويترددون في مخاطبته ثنائياً ووجهاً لوجه وذلك لأن من يعطي ويضحي اكثر يظل دائماً مُهاباً ومجللا وصاحب القول الفصل في نهاية المطاف وكان هروبي من الثنائية في المخاطبة الى رسالة العلنية المفتوحة نقلا للقضية برمتها من مهابة القيادي المتميز والذي له الحق في فصل الخطاب الى الأفق الأوسع والمتعدد من المناقشة والحوارعبرالكلمات قبل الالسن.. 3ـ ثم اخيراً لرغبتي وتوقي الشديد الى طرح قضية او بالأصح قضايا بالغة الأهمية والحساسية لحوارعام علّه يتسع ليشمل اطرافا فكرية وسياسية وثقافية متعددة المشارب والاتجاهات والرؤى حتى تتهيا له القاعدة السليمة للخروج برؤى وتصورات ومعالجات اكثر ثراء واشمل ابعاداً واعمق جذورا تنتشل انساننا ومجتمعنا من دوامة الحيرة والتيه والشتات وافتقاد الرؤية.. وفي اعتقادي الجازم بأن الطبيعة الاستراتيجية المحورية بالغة الاهمية والخطورة والحساسية للقضايا الجوهرية التي باتت تؤرق تفكيرنا وتشوش على قناعاتنا ومعتقداتنا وتصيبنا بحالة من الدواروالحيرة والبلبلة والاضطراب وفقدان الرؤية والاتجاه، والتي مافتئت تُلح وتضغط على اعصابنا ومشاعرنا الى حد اصبحت هناك ضرورة حيوية لا مهرب منها بطرحها للنقاش والحوار الواسع والخصب والمتعمق خروجاً برؤية واضحة محددة تزيل عنا ولو قدراً معقولا من الاضطراب والتشتت الفكري السياسي الاجتماعي العقيدي وتعيد الينا حالة اساسية من التوازن النفسي، والعقلي افرادا ومجتمعا، يدفع بقدرتنا على التعاطي والتعامل مع ما يدور داخلنا ومن حولنا بأعلى درجة ممكنة من الثقة والحيوية والفاعلية والانطلاق التجديدي المبدع والخلاق وذلك كله، وغيره كثير، ما سيدفع بالنخب من مختلف التيارات والمدارس والاتجاهات الفكرية الايديولوجية والسياسية والثقافية الى خوض غمار مثل ذلك الحوار الواسع والمتعمق من منطلق الشعور المشترك بان قضايا الحوار تلك باتت تلامسها وتمسها جميعا بدون استثناء من حيث كونها امست تهدد الوجود والهوية التاريخية الحضارية الثقافية المتجذرة في اعماق الزمن والتجربة التاريخية الموغلة في القدم ولكن، ماهي القصة بالتحديد وماهي مواضيع اوقضايا الحوار تلك التي باتت تُلح علينا؟؟ ومن هنا تبدأ الحكاية ـ المعاناة ـ الأزمة.. فأنا- ونعوذ بالله من كلمة الأنا هذه – واحد من قطاع واسع ممن كانت لهم انتماءات فكرية سياسية وارتباطات حزبية متعددة المنطلقات والغايات والاتجاهات سابقة بل ان منهم من لا يزال على انتمائه الفكري وارتباطه الحزبي حتى الآن رغم انهم يشكلون النسبة الاقل قياسا بغيرهم ، هذا القطاع الواسع منهم الوطني التحرري والقومي الوحدوي والاشتراكي المعتدل والراديكالي بل منهم الليبرالي الراسمالي فكراً وتوجهاً، هؤلاء جميعا على اختلاف تعدد منابعهم ومشاربهم وافكارهم واتجاهاتهم انتابهم شعور ظل يزداد اتساعاً وعمقاً يوماً بعد يوم منذ ضَربْ وسقوط المشروع القومي الثوري التحرري اليساري عموماً عند البدايات الاولى للسبعينات من القرن العشرين، واعترتهم حالة من التساؤل والشك والحيرة ولدتها نقاشات ومراجعات تمحورت حول العوامل والاسباب والمبررات التي افضت الى نكسة ذلك المشروع اولا، ثم امتدت تلك النقاشات والمراجعات لتشمل ما اذا كان ذلك المشروع تعبيراً صائباً وتاريخياً عن المرحلة التاريخية التي تجتازها الأمة العربية في المقام الاول ودول العالم الثالث او ما سمي بدول التحرر الوطني الحديثة، وما اذا كان مؤهلا وقادراً على قيادة تلك المرحلة التاريخية ام لا ؟ وتواصلت تلك النقاشات والمراجعات لتعمق حالة التساؤل والشك والحيرة، واصبح الجميع يبحثون عن مخارج ومعالجات، ومع ذلك لم تتمكن من التفاعل وتمازج الآراء وتبلورها وصولا الى نهاياتها النظرية المأمولة، ثم جاء السقوط والانهيار السريع والمذهل لمنظومة الدول الاشتراكية بقيادة الاتحاد السوفيتي سابقاً لتضاعف الصدمة وتعمقها وتوسع دائرة التساؤل والشك والريبة مع تعمق حالة الشعور بالتيه والغموض والشتات والحيرة ، خاصة مع سيادة وسيطرة القطبية العالمية الأحادية على شئون العالم ومصائره وعلى نحو رهيب وغير مسبوق.. وفي ظل اجواء ومناخات وضغوطات هذا الواقع المرير في مرحلتيه الاولى والمتمثلة بسقوط المشروع القومي الثوري التحرري.. والثانية بسقوط الاتحاد السوفيتي ودول المعسكر الاشتراكي معه لتدفع عناصر ومثقفي هذا القطاع العريض الواسع الى القرب والتعاطي على نحو او آخر وبشكل تدرجي تصاعدي، والتأثر والتفاعل مع التجربة الغربية مقتصراً على الجانب الليبرالي السياسي منها والمتمثل بالتعددية الحزبية والحريات الفردية والعامة وحقوق الانسان ودولة المؤسسات الديمقراطية والفصل بين سلطاتها ولامركزيتها الادارية ..الخ وظل السواد الاعظم من ذلك القطاع متردداً وغير مقتنع بالأخذ بالشق الراسمالي الاقتصادي للتجربة او النموذج الغربي لاعتبارات كثيرة متعلقة بالخلفية الفكرية السياسية الثقافية التي رضعوا منها مرحلة الطفولة والنشأة والشباب من ناحية ، ولانهم ينحدرون من فئات اجتماعية فقيرة او متوسطة الحال في الغالب، وتجدر الملاحظة هنا.. وانه وبرغم ذلك الموقف احادي الجانب الذي اتخذه اكثرية المنتمين الى هذا القطاع والمقتصرعلى الأخذ والتعاطي والتعامل والتأثرمع الشق الليبرالي السياسي من النموذج الغربي إلا ان اعداداً ظلت تتزايد يوماً بعد يوم وجدت نفسها منساقة لسبب او لآخر الى تعميم الأخذ والتأثر بالشقين الليبرالي السياسي والرأسمالي الاقتصادي للانموذج الغربي على نحو كلي متكامل او هكذا بدا الأمر ظاهريا، وتأسست العديد من المراكز والمعاهد والمنظمات والتجمعات الهادفة الى الدفاع والانتصار للديمقراطية والتعددية الحزبية والحريات وحقوق الانسان وغير ذلك من الصيغ الليبرالية مع تقرب حذر ومحسوب من الشق الراسمالي الاقتصادي ، إلا ما اقتضته الضرورة الحركية ..واصبحت جميع مؤسسات المجتمع المدني من منظمات ومراكز ومعاهد ومنتديات المعنية بقضايا الديمقراطية عموماً والحريات والحقوق الانسانية ونشر الثقافة والوعي الديمقراطي ليس على مستوى بلادنا اليمن فحسب بل على امتداد بلدان الوطن العربي والاسلامي والعالم(( ثالثي )) تقوم بأداء دورها ومهامها ومسئولياتها إهتداء واستنادا وانطلاقا من مضامين وقيم ومُثل وصِيغ الانموذج او النمط الغربي الليبرالي الراسمالي دون استثناء اية مؤسسة منها، ويبدو ان انسياقنا وانحرافنا الحماسي والنشط وربما المفاجئ لم يكن مبنياً على تحليلات وابحاث ودراسات عميقة وجادة وموضوعية افرزت قناعة واقتناعا ايمانياً راسخاً وقوياً بأفضلية النمط الراسمالي الليبرالي الغربي على نحو قطعي بل اننا نعتقد انه جاء في جانب واسع من جوانبه رد فعل يائس ومُحبِط إثر سقوط المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتي وما اعقب ذلك من حملات اعلامية دعائية مركزة ومكثفة وواسعة النطاق على المستوى العالمي كله وبألة جبارة هائلة تملك وحدها قدرة التأثير وتشكيل الرأي العام بأحدث وسائل وادوات الثورة المعلوماتية الرهيبة بالتاكيد على سيطرة وسيادة النمط الليبرالي الراسمالي الغربي وقيمته الثقافية والحياتية على نحو حاسم ونهائي ((نهاية التاريخ)) وما رافق هذه الحملات من إجراءات وخطوات وترتيبات وخلق اشكال واوضاع سياسية واقتصادية بل وعسكرية على النطاق العالمي لفرض وترسيخ وتسييد ذلك الانموذج الغربي الشمولي والمتكامل حتى بدا وكأن ذلك الانموذج بات بمثابة صرعة جديدة من الصرعات الموضوية المثيرة التي شدت المشاعر واسَرَتْ الألباب واستقطبت الانبهار والذهول وسط هذه الاجواء والظروف الطاغية عليه المشاعر والعواطف المنبهرة . كان انسياقنا وانجرافنا نحو تلك الصرعة او الموضة الكبرى التي سادت العالم واطاشت عقله ولُبه الى ان جاءت احداث السبتمبر 2001م الارهابية المروعة في أمريكا وخاصة بعد بدء وتوالي خطوات واجراءات الرد الانتقامي الامريكي عمليا لتصيبنا بصدمتين حادتين عنيفتين متزامنتين وفي وقت واحد خلخلت توازننا بشكل بالغ العمق نفسياً وعقلياً وفكراً وسياسة ، واصابتنا بدوار عاصف وعنيف الى الحد الذي جعلنا نفقد ثقتنا بكل شيء ونشك في كل قناعاتنا ومسلماتنا واعتقادنا تجاه كل شيء.. كانت الصدمة الاولى تتصل بعقيدتنا الدينية الاسلامية حيث تعرض الاسلام لحملة شرسة واسعة النطاق وسط وفي ظل جو متأجج من العواطف والمشاعر الملتهبة الغاضبة عمت العالم بأسره إثر احداث11 سبتمبر المأساوية، صورته ظلماً وتجنياً تصويراً يتنافض مع حقيقته وطبيعته الحقة وبأنه دين يحث اتباعه على العنف والقتل والارهاب في إكراه الناس على اعتناقه وانه يكرس عنصرية تفرق وتميز بين الناس..الخ، كما اعطت تلك الحملة التي لا سابق لمثلها في التاريخ انطباعاً لدى الرأي العام العالمي المأخوذ والمشدوه بما حدث بأن المسلمين دمويون وارهابيون وقتلة وسفاحون وتَعرُضْ عشرات الالاف منهم القاطنين في أمريكا و سائر الدول الغربية وفيهم من اصبح مواطناً بالتجنس في تلك البلدان وآخرين مقيمين فيها إما عمالا او موظفين او اساتذة جامعات او باحثين وإما رجال اعمال مستثمرين وإما طلاب علم وزائرين او سائحين، لأفضع اساليب الترويع والضرب والقتل والسجن والاهانة والتحقير في معاملة تمييزية بشعة وكثير منهم من لا يزال قابعاً في السجون خلافاً لكل القوانين والأعراف السائدة.. واصبحت كل المؤسسات والمنظمات المالية والاستثمارية والعلمية والخيرية والانسانية التي يملكها او حتى يديرها مسلمون في انحاء العالم وخاصة أمريكا ودول الغرب محل شبهة وإتهام مسبق وتعرض الكثير منها لاجراءات الايقاف والمداهمة والمصادرة والتجميد على نحو يخالف كل القوانين والأعراف والحق والعدل، ولحقت بالمسلمين كافة اضرار جسيمة وبالغة الأثر، مادية ومعنوية وشُوِهت صورتهم على نحو واسع  وكبيرلا لذنبٍ اقترفوه وإنما لأن اصابع الاتهام بالمسئولية عن احداث 11 سبتمبر الدموية الارهابية قد وجهت منذ اللحظة الاولى لعرب مسلمين ! اما الصدمة الثانية فكانت تتعلق بتلك الصورة البشعة الرهيبة والوجه القبيح والمخيف الذي اطلت به التجربة الراسمالية الليبرالية الغربية كانموذج على العالم وهي اول اطلالة حية وساطعة وعملية وملموسة باليد ومرئية بالعين وذلك عبر ما تَبدى من سلسلة المواقف والمعالجات والاجراءات والممارسات الأمريكية كرد فعل إنتقامي لأحداث 11سبتمبر والذي اطلقت عليه أمريكا الحرب العالمية ضد الارهاب، ويمكننا ان نشير الى اهمها اضافة الى ما سبق ذكره في سياق استعراضنا للصدمة الاولى آنفة الذكر على النحو التالي: ·   في البداية اعلنت أمريكا الحرب على تنظيم القاعدة وزعيمه اسامة بن لادن وعلى حركة طالبان الحاكمة في افغانستان لرفضها تسليم بن لادن وزعماء القاعدة ولأنها تؤويهم وتساندهم وحشدت أمريكا اضخم حشد عسكري في التاريخ ضد افغانستان التي لا يتوفر لها ابسط مقومات الدولة البدائية وشنت عليها غارات جوية وضربات صاروخية مستخدمة أحدث اسلحة ترسانتها الحربية واكثرها فتكاً ومنها ما يتم استخدمه لأول مرة، وقُتل اعداد كبيرة من المدنيين الابرياء وهُدمت منازل وقرى بكاملها دون ان تبدي اقل اهتماماً او آسف ، وتم إعدام اسرى مقيدين بالسلاسل وزُجَ بآخرين في السجون ومنهم من رُحِلْ الى قاعدة جوانتيناموالامريكية بكوبا، وتعرضوا لوسائل تعذيب بشعة ورهيبة يمكن ملاحظة أثرها من ان الاسرى اصبحوا وكأنهم اشباه بني أدم لايقوون على الحركة المتزنة ولم نشهد حرباً جرت بالفعل مع حركة طالبان او تنظيم القاعدة حيث اختفوا جميعا تقريباً وكأن الارض انشقت وابتلعتهم. ·   ثم اعطت لنفسها وحدها مهمة تصنيف وتحديد الارهاب والارهابيين واماكن تواجدهم ومنحت لنفسها الحق المطلق للضرب حيث تريد ومتى ماارادت وكيفما تريد وراحت تطلق التهديدات بشن الحرب هنا وهناك وفي جميع الاتجاهات، واتهمت بالارهاب كل من لايتفق مع سياستها من دول واحزاب وحركات تحرر وطني دون ان تقبل بأدنى نقاش، والأدهى من ذلك تهديدها للعديد من دول العالم باستخدام السلاح النووي ضدها انطلاقا من جنون القوة وعظمتها دون اكتراث بسلام وأمن العالم كله ومعلنة بكل وضوح بأن كل دولة في العالم تقف في وجه السياسة الامريكية سوف تكون هدفا للحرب!! ·        ومارست أمريكا في حق البشر الذين وقعوا في اسرها اسلوباً يقوم على تمييز عنصري صارخ ومخيف واصّرت على عدم معاملتهم كأسرى حرب ولم تعترف لهم بحق من حقوقهم الأدمية ولا حتى عاملتهم وفق حقوق المجرمين، بل عوملوا بطريقة لو عوملت بها الحيوانات الحقيرة لاثارت استنكاراً وتنديداً واسعاً ما عدا عدد لا يزيد على اصابع اليدين المنحدرين من اصول أمريكية او بريطانية او استرالية تم فصلهم عن زملائهم الاسرى واُخضعوا لمعاملة ومحاكمة وفق الاصول القانونية والانسانية رغم انهم جميعا مسلمو الديانة وقاتلوا مع طالبان والقاعدة وان كانوا يتمايزون باللون والعرق فقط! ·   اباحت أمريكا لنفسها في سياق الافراط اللامحدود في استخدام القوة ان تستخدم احدث واقوى اسلحتها التدميرية الرهيبة كالقاذفات الاستراتيجية والصواريخ الجبارة والقنابل العملاقة ومنها الحرارية وشفط الهواء من الانفاق واختراق اعماق الارض والتحصينات الاسمنتية السميكة والقوية وربما القذائف والذخيرة المعبأة باليوارنيوم المستنفد المشع، كما سبق لأمريكا استخدامها على نطاق واسع في معارك حرب الخليج الثانية ضد العراق ثم ضد جمهورية صربيا اثناء معارك البلقان في البوسنة وكوسوفو، ذلك ما علمناه وقد تكون هناك اسلحة اكثر خطورة من اليورانيوم المنضب جرى استخدامها دون ان نعلم وهي وسائل ابادة بشرية رهيبة محرمة دولية يمتد تأثيرها المخيف على حياة البشر الذين هم على قيد الحياة وكذا اجيال عديدة متعاقبة بعدهم وكذا تدمير الحياة والبيئة ومصادر المياه والزراعة وغيرها.. واخيراً ورغبة في الانتقام وتعبيراً عن الحقد للعرب والمسلمين دفعت أمريكا اسرائيل كي يَشُن جيشها الجبار بكل ترسانة الاسلحة الحديثة الفتاكة والمدمرة الامريكية لعدوان شامل بالغ الهمجية والوحشية ضد الشعب الفلسطيني الاعزل، حيث قامت اسرائيل باكتساح دموي للمدن والمناطق الفلسطينية منذ الايام الاخيرة لشهر مارس الماضي ولا يزال مستمراً حتى اللحظة، وارتكبت ابشع وافظع الجرائم اللاانسانية التي تفوق جرائم النازي تدميراً للمدن والمنازل وجرفاً للاراضي الزراعية وقتلاً وتنكيلاً بالمدنيين العزل ومنع إسعاف المصابين حتى يموتوا نزفاً وكذا منع دفن الموتى وترك جثثهم في منازلهم، وقصف سيارات الاسعاف والمستشفيات والكنائس والمساجد ومركز رعاية الاطفال والايتام وتدمير المنشاءات والمرافق الخدمية ومنع المواطنين من الخروج للتزود بالغذاء وقطع امدادات الكهرباء والماء في ظل حظر التجوال التام منتهكة كافة المواثيق والقوانين والعهود والاعراف الدولية المرعية استنادا الى دعم وحماية ومباركة امريكية مطلقة تُصوِرالمعتدي القاتل ضحية مسالمة والضحية المقتول ارهابياً شريراً، حيث لم تَمِلْ الادارة الأمريكية من الآسى والبكاء والترحم على ضحايا المدنيين الابرياء المساكين من اليهود، اما الضحايا المدنيين من الاطفال والنساء والعزل والعجزة وهم بالمئات فهم لايستحقون مجرد التفاتة عابرة لأنهم في نظر أمريكا حيوانات حقيرة واشرار وهمجيين لايتركون قوات الاحتلال من السيطرة والاحتلال للأرض وقتل الابرياء وتدمير الحياة في الارض الفلسطينية بأمان وسلام وهدوء بال وطمانينة! وعلى ضوء ما سبق فإن أمريكا بما تقوم به من ممارسات وافعال وسياسات على الصعيد العالمي ومعها حليفتيها الرئيسيتين بريطانيا واسرائيل اضافة الى العديد من دول الغرب الليبرالي الراسمالي وما تثيره من قلق ومخاوف ورعب في اوساط سكان الارض جميعا من خلال دق طبول الحرب والعدوان والتهديدات المتكررة المعلنة عن اعتزامها اللجوء الى استخدام الاسلحة النووية ضد كافة الدول التي لاتتفق مع السياسة الامريكية وخاصة منها حسب اعلانات المسئولين الامريكيين ايران وسوريا والعراق وليبيا وكوريا الشمالية والصين وروسيا والبقية تاتي! تؤكد كل تلك المؤشرات على تصميم وعزم أمريكا إخضاع العالم اجمع لهيمنتها وسيطرتها الكاملة بالقوة والإكراه والقهر، يساعدها ويهيئ لها ذلك سيطرتها المطلقة على مختلف الهيئات والمنظمات الدولية التي تمنحها وعلى الفور كافة الذرائع والحجج والمشروعية الزائفة لأعمالها العدوانية مثل منظمة الامم المتحدة  ومجلس الامن التابع لها ، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية التي تمنح أمريكا التفويضات المطلقة بإسم الشرعية الدولية لتفعل ما تشاء وحيثما تشاء، هذا بالاضافة الى حلف الناتو الغربي العسكري بقيادة أمريكا.. إن كل الشواهد والمؤشرات والدلائل المرتسمة على آفق سماء العالم اليوم تشير في مجملها وبكل جلاء ووضوح ان أمريكا وحلفائها الغربيين معها تعد العُدة وتهيئ الاجواء والمسرح العالمي لتنفيذ مشروعها الاستراتيجي المحوري بالعمل على استعمار العالم وبسط وإحكام سيطرتها العسكرية والاقتصادية والسياسية والثقافية، مواصلة واحياء لمشروعي نابليون وهتلر اللذين سعيا لنفس الهدف وفشلا فشلاً ذريعاً ولم يحققا سوى الدمار والخراب والنكبات والكوارث والمآسي وهكذا يتضح ـ عزيزي الأمين العام ـ اننا ومعنا سائر دول وشعوب العالم مُقدِمون على مرحلة استعمارية جديدة تقودها أمريكا وحلفها الغربي الرأسمالي للسيطرة على العالم بأسره، وهي مرحلة ستكون بدون شك اشد دموية وفتكاً واكثر همجية وشراسة وطغيانها بشكل يفوق كثير جداً ما فعلته مثيلتها (المرحلة الاستعمارية القديمة) مؤججة نيرانها بوقود العنصرية المتطرفة والبغيضة والمدمرة.. ولقد بات من المسلم به يقيناً الآن ان الانموذج الغربي بأفكاره وشعاراته الليبرالية الرأسمالية البراقة والجميلة ليس مخصصاً عنصرياً إلا للجنس الآري الابيض ((الشعب المختار)) النقي والمتميز، أما بالنسبة لشعوب وأمم واعراق واجناس البشرالاخرى فان مهمته تخديرها وخداعها وتسهيل ايقاعها في شباك الفخ الاستعماري المنصوب ليصبح مصيرها جميعا في الاخير إما عبيداً وخدماً للجنس الآري الراقي او تتعرض للابادة والانقراض باساليب توليد فيروسات ناقلة للامراض فتاكة وقاتلة مثل ((الايدز)) وغيره، اضافة الى وسائل التعقيم الاجباري المُفضي الى انقراضها في النهاية تطبيقا للنظريات العنصرية القديمة مثل نظرية الانتقاء الطبيعي الداروينية الاجتماعية، والبقاء للافضل لسبنسر والنظرية السكانية لمالتوس وغيرها، وفي كل الاحوال فان على معهدنا على وجه التحديد ان ينهض بأعباء مهمة جسيمة ونبيلة وعاجلة تتمثل في إثارة الانتباه وفي تحقيق يقظة وصحوة مبكرة في اوساط المجتمع ومؤسساته ومنظماته المدنية والجماهيرية وقواه الحية تنبههم جميعاً الى حجم الخطر الداهم القادم وذلك حتى لا نُمهد الطريق ونفرشها بالورود ونضلل جماهيرنا بالتهليل والترويج لمفاهيم ومضامين الليبرالية الرأسمالية وما يتصل بها من مصطلحات الديمقراطية وحقوق الانسان والعولمة والخصخصة واتفاقيات الجات وشقيقاتها ومنظمة التجارة الحرة وغيرها حتى لا نجد انفسنا فجاة نعض انامل الحسرة والندم لوقوعنا في الفخ والوهم الزائف والمخادع دورنا في قيادة وتوجيه شعوبنا ومجتمعاتنا الى مصير مظلم وهاوية سحيقة في براثن استعمارجديد اكثر وحشية واستبدادا ودموية بعلم او بدون علم. واذا كنا قد علمنا بان شعارات ومفاهيم وافكار الليبرالية الراسمالية والعولمة وحرية التجارة، والعولمة كلها من مكونات وصنع مجتمعات استعمرتنا بالقوة لما يقارب الخمسمائة عام ونهبت ثرواتنا واستعبدتنا وابادتنا وافرزت العديد من النظريات العنصرية المغالية والتعالي والتكبر المتطرف ضد الشعوب والاجناس الاخرى، وهي تحاول اليوم العودة من جديد بصيغ واساليب وادوات اخرى اكثر بشاعة وهمجية.. فان علينا ان ندير حوارا واسعا وشاملا ومتعمقا وجادا على طريق الخروج بصيغ ومفاهيم وافكار بديلة انسانية الطابع ايجابية الغايات سامية المقاصد، بامكاننا طرحه عالمياً كبديل افضل واسمى انسانياً فكيف نتصور المحاورالاساس لذلك الحوار الواسع المنشود؟ ذلك ما سنستكمله في الحلقة القادمة باذن الله تعالى.   صحيفة الثقافية         

By Editor