ردا على عبدالجبار سعد ودفاعاً عن الجُنيدسيدي الشيخ.. حيرت تلميذك! صحيفة الثقافية

شد انتباهي في صحيفة (( الثقافية)) الصادرة بتعزفي عددها رقم 34 بتاريخ 23/3/2000 م، مقالا للاخ الحبيب الشاعرالشيخ/ عبدالجبارسعد بعنوان (( سيدي الشيخ .. أسهرت مُضناك )) يتضمن ردوداً على مقالة اجرتها من قبل نفس الصحيفة مع العلامة المثقف والشيخ الجليل محمد يحيى عبد المعطي الجُنيد، وبالاسلوب الرشيق والأخاذ الذي يتميزبه سيدي الشيخ /عبدالجبارفي الكتابة راح يسجل ويؤكد جملة من المآخذ والاعتراضات والانتقادات التي يراها ضد أفكار وأراء وقناعات الشيخ الجُنيد التي عبرعنها في المقابلة الصحفية وعلى نحو شعرتُ بأنه لايخلو من نبرات التحامل والحدة التي تتخللها احياناً نزعة السخرية والإستهزاء تلميحاً وتصريحاً على حد سواء حيث افتتح رده بالحُكم على ((مقابلة الثقافية)) مع الشيخ محمد يحيى عبد المعطي الجنيد بأن كلها ((عَجَبْ)) وعلى مشارف إختتام المقال نقرأ عبارات مثل (( فماذا اقول ثكلتك أمك يامن اردت تَعبُدنا لك ولأمثال هؤلاء)) والعبارة هنا مُوارية تحتمل ان تكون موجهة للإمام عبدالله بن حمزة المنسوبة اليه الأرجوزة المُستشهد بها، او تكون موجهة للشيخ الفاضل محمد الجُنيد، والعبارة الاخرى التي تلت العبارة الاولى واضحة اذ تقول (( اخبرني ايها الشيخ العظيم! أمِن أجل هذا يُعظم هذا وهو يقول هذا !!)) وما بين الافتتاح والاختتام تحدث الشيخ الاستاذ/ عبدالجبارعن الزيدية والإمامة والشيعة الجعفرية والثورة الاسلامية في ايران وإمامها الخميني والباطنية وأن من قال بالإمامة في آل البيت(( فقد أعظم الفرية على الله وعلى آل بيت الرسول عليهم السلام وعلى الصحابة رضوان الله عليهم )) الى آخره. وبما أنني مازلت اعتبرالشيخ عبد الجبارسعد استاذي ومُعلمي الأول وأدين له بعد الله سبحانه وتعالى بفضل كبيران اناربصيرتي وعلٌمني ووجه خطواتي الاولى على طريق التصوف ومناهجه ودرجاته وأدابه وأخلاقياته الصافية السامية منذ مطلع الثمانينات، فقد هالني وصدمني الى اعماقي أن اقرأ له مقالا يرد فيه على شيخ عَلم من أعلام التصوف على ذاك النحو الذي ذكرته .. فلقد تعلمنا اول ما تعلمنا على يديه الأداب والاخلاق الراقية والعظيمة للصوفية والتصوف والمتصوفين والتي توجب على الصوفي ان لا يخاصم او يعادي او يُسفه غيره من الصوفيين اوحتى يخطئه وخاصة مشائخهم الذين يرون بعضهم بعضا مصيبين وان اختلفت طريقة احدهم عن الآخر فلكل شيخ طريقة كما يقولون ، وكانت هذه الصفة العظيمة أهم وأبرزما جذبنا وحبٌبَ الى انفسنا وعقولنا التصوف منهجاً باعتباره البديل الأكثر إشراقا للاخلاقيات الذميمة التي طبعت العلاقات الانسانية داخل الاحزاب كالتخوين والتسفيه والمؤامرات والتناحروالاتهامات والتشهيرببعضهم البعض. واذا كان الشيخ الجليل محمد الجُنيد في معرض رده على سؤال الصحفي حول الإمامة في غير آل البيت عليهم السلام قد قال ( لا اظن )، ولا حظوا هنا جيداً أنه لم يقل الوجوب لهم اوالتحريم في غيرهم، بل قال لا اظن والفرق شاسع والاختلاف جوهري في مدلولات الالفاظ فلم يكن هناك ما يوجب الرد عليه بمثل تلك القوة والتحامل وتكفيره بشكل ضمني مستتر! وإصدارالحُكم عليه باعتباره (( زيدي حديث العهد)) ورغم ان الانتساب الى الزيدية بفكرها المشرق والعظيم القائم على الاجتهاد والتسامح يعتبر شرفاً كبيراً ليس فيه ما يعيب، إلا ان الشيخ الجُنيد لم يدعِ يوماً مثل ذلك الشرف، وان كان كعالم مُحقق واسع الاطلاع اتصف دائماً بالموضوعية والانصاف والعدل ساعياً بما وسعه الجهد الى التقريب بين المسلمين وازالة عوامل الفرقة والصراع والتمزق فيما بينهم. واستاذي الشيخ/ عبدالجباريعلم اكثرمن غيره بأن مسألة الإمامة باعتبارها من أهم الجوانب السياسية ظلت منذ سقيفة بني ساعدة وماتلاها من أحداث واحوال وحتى اليوم الشغل الشاغل للفكر السياسي الاسلامي بمختلف تياراته وفرقه ومدارسه ومذاهبه ومناهجه ، وهي مسألة خلافية مطلوب الاجتهاد فيها ولا يجوزالتكفيراوالتفسيق لأي رأي اواجتهاد حولها مطلقا. فهذه مذاهب اهل السنة الأربعة تُجمِع كلها، تقريباً على وجوب الإمامة وحصرها في قريش بالاستناد الى نصوص احاديث نبوية شريفة، بل إن الإمام الكبيرالشوكاني يورد من الاحاديث ما يعتبرها فوق المتواتر تقول ما معناه أن هذا الأمر في هذا الحي من قريش ما بقى فيهم إثنان، وفي رواية اخرى ما بقى في الناس إثنان، وأن هذا الأمرفي هذا الحي من قريش لا ينازعهم عليه احد إلا كَبَهُ الله على وجهه يوم القيامة في النار، وجاءت مذاهب الشيعة لتجعل الإمامة اكثر انحصاراً وتخصيصاً فتكون في آل البيت استناداً الى نصوص من احاديث نبوية مثل حديث الثقلين وحديث الغدير وغيرهما، ويرون انه مادام إتفاق اهل السنة على حصرالامامة في قريش فمن باب اولى تخصيصها في ارفعها واشرفها وهكذا ، اما الزيدية فان ثلاثا من فرقها الخمس وهي الجارودية والصالحية والمطرفية تجعل الامامة شورى بين المسلمين كافة، وهذا احد كبارائمة الزيدية وهو الإمام عزالدين بن الحسن الذي كان إماماً حاكماً قبل حوالي ستمائة سنة يُصدرمؤلفاً وهو إمام حاكم من آل البيت ينكرفيه الإمامة من اصلها ويبرهن على انها ليست من الدين في شيء ويجادل معارضيه ومخالفيه في الرأي والحُجة والأدلة والمنطق، وفي دوامة الخلاف هذا لم نسمع ان أحد قد اتهم الآخراو فسقه اواعتبره أعظم الفرية على الله ورسوله وصحابته …الخ. وارجوان يأذن لي استاذي الشيخ/ عبدالجباربالعودة بذاكرتنا الى مطلع الثمانينات عندما كنا نتعلم على يديه ونسترشد بأفكاره ونحن نتلمس طريق التصوف عند بداياته ، حينها كان يُعلمنا ويبين لنا بأساليب شتى بأحقية واولوية آل بيت النبي عليهم السلام بالإمامة، واذكرانني سالته ذات مرة ومعنا عدد من الاخوة الافاضل فيما إذا وجد اثنان يتساوون تماماً في جميع شروط الإمامة وكان احدهما من آل البيت فمن نختار؟ فاجابني على الفورالأفضلية حينها لمن هو من آل البيت، ودعني يا سيدي استرسل قليلا في حديث الذكريات في ذلك الحين عندما كنا نحن التلاميذ وانت المُعلم والمرشد لنا، لنتذكرمعاً كيف كُنت وكنا معك نرى ونقٌيم الشيعة ،والثورة الاسلامية في إيران وإمامها الخميني، الحرب مع العراق ، والباطنية ، حيث كانت مشاعرنا وعواطفنا وعقولنا كلها مع ثورة الخميني في إيران واعتبرناها تجديداً وانتصاراً عظيماً للاسلام، وأن صدام حسين فجر الحرب عليها بالاتفاق والتعاون والتآمرمع قوى الاستكبارالعالمي لضرب الاسلام والقضاء على ثورته، وكنا نبتهل الى الله بالدعاء الدائم لها بالنصروالثبات، وهل تَذْكُرسيدي انك كنت دائما ما تؤكد لنا أن الايرانيين هم الذين بشر بهم رسول الله عليه الصلاة والسلام وآله بأنهم اصحاب الرأيات اوالعمائم السود الذين اذا وجدناهم سعينا اليهم ولو حَبُوا على الثلج ؟! ثم هل نسيت ان الإمام الخميني هومن جدٌد في المذهب الجفعري وجاء بنظرية ( ولاية الفقية ) وافتى بتحريم التُقيه وإقامة صلاة الجمعة وجوازوصحة صلاة الشيعي خلف إمام سُني، والمطالبات المتكررة لقادتهم وفقهائهم بضرورة التقريب بين المذاهب وازالة عوامل الخلاف والفرقة والصراع بينهم، أما ما ذكرته حول النص في الدستورالايراني على تطبيق الشريعة الاسلامية وفقاً للمذهب الشيعي الاثنى عشري فلااعتقد انك تجهل بأن كثيراً من الدول الاسلامية تبني تشريعاتها وفقاً لمذهب اغلبية مواطنيها، ففي مصرمثلا يعتمدون المذهب الشافعي والحنفي وفي تركيا يستندون الى المذهب الحنفي وفي دول المغرب الغربي على المذهب المالكي وفي السعودية على المذهب الحنبلي وهكذا دواليك،  فلماذا تعتبرما فعلته ايران خروجاً عن الاسلام بالتعصب المذهبي؟ ولم تنظرالنظرة ذاتها الى سائر الدول الاسلامية ؟ طالما لا يوجد فرض او اضطهاد او اكراه لأتباع المذاهب الاخرى من العمل وفق مذاهبهم؟ واسمح لي ان اذكرك يا سيدي عندما كنا نتتلمذ على يديك انك كنت دائما ما تؤكد لنا ان على المسلم ان يلتزم بتعاليم وأحكام اي مذهب من المذاهب الاسلامية على نحو شمولي ومتكامل وانه لا يجوز له ان ينتقي من كل مذهب ما يحلو له على سبيل (( تَسقُط الرُخص)) وان جميع المذاهب على صواب ولكن لا يجوزالانتقاء الاختياري من هذا وذاك بما يوافق هوى ورغبة الانسان. اما الباطنية المقيتة التي جعلتَ منها بُعبعاً مخيفاً وغولاً مُهلكاً بغرض توظيفها سيفاً مُسلطاً على رقاب وعقول من يختلف معك في الرأي والفكرمثل الشيخ الجليل محمد الجُنيد، فستكون محطتنا الاخيرة في رحلة ذكرياتنا، واسمح لي سيدي ان تكون وقفتي عندها صريحة وواضحة، فلعلك قد قصدتَ بالباطنية المقيتة ( الاسماعيلية ) وبعض الفرق المنتسبة اليها كما هو واضح لأن الشيخ الجُنيد حاول في مقابلته ان يجتهد لانصافها وازالة ما اُلصق بها من تهم واشاعات باطلة املتها اعتبارات الصراع السياسي وما لحق بها من ظلم فادح وذلك فيما اعتقد لأنه اراد مخلصاً ان يُقرب ولايُباعد ويَجمع ولا يُفرق ويزرع الحب والألفة وينبذ الكراهية والاحقاد والضغائن بين المسلمين ، والباطنية التي وصفتها بالمقيتة هي – كما تعلم ونعلم ويعلم الكثيرون – من تعتقد بوجود ظاهروباطن للقران وامور الدين ولهذا تؤمن بمسألة تاويل الباطن وهي مُهمة محصورة على الإمام لديهم (( مستوراً او ظاهراً )ً هذا هو الجوهرالأساسي الذي يميزالباطنية وما عداه جزئيات وتفاصيل. واعتقد انك تذكركما اذكر، اننا تعلمنا منك منذ مطلع الثمانينات ولأول مرة في حياتنا وهو فضل لك علينا لا ننكره، بأن الاسلام في تعاليمه وشرائعه يتضمن علمين علم الشريعة وعلم الحقيقة وان علم الشريعة يختص بالجانب الظاهرمن نصوص وتعاليم وشرائع القرآن وهو مجال عامة المسلمين ، كما ان علم الحقيقة يختص بالجانب الباطن لتلك النصوص والتعاليم والشرائع وهو مجال يقتصرعلى خاصة المسلمين الذين ينعم الله عليهم ويفتح عليهم بالفيوضات والكشوفات وتمنحهم ملكة التاويل لما بَطُن من الدين، وكنتُ اسألك كثيراً عن مسألة الظاهروالباطن والتأويل ومازلت اذكرتماماً انك في سبيل إفهامي اكثر، ضربتَ لي بعض النماذج اوالأمثلة للتأويل اذكر منها اثنين، الأول حول الآية الكريمة حينما نادى الله سبحانه وتعالى موسى عليه الصلاة والسلام واخبره أنه بالوادي المقدس طوى (( فاخلع نعليك)) واوضحت لي ان التفسيرالظاهرواضح بأنه أمرْ لموسى بخلع حذائه، أما التأويل الباطن فالمعنى هو (( اخلعنا عليك)) اي ان تَحُل ذاته بذات الله تعالى، والثاني حول الاية الكريمة (( اذ اوى الفتية الى الكهف )) وقلت لي ان المعنى الظاهر للآية هو ان الفتية دخلوا الى كهف في جبل، اما التأويل الباطن للآية فالمعنى مختلف ومؤداه اولئك الفتية اووا الى كهف انفسهم اي استبطنوا ذواتهم وغيرذلك من الامثلة. فبالله عليك ياسيدي الحبيب هل تجد فرقاً اواختلافاً ولوطفيفاً في مسائل الظاهروالباطن والتأويل لدى الباطنية التي تعتبرها مقيتة، والظاهروالباطن والتأويل الذي اخذناه وتعلمناه منك مشكورا؟؟ فماذا حدث لك ياسيدي لتكون الشيء ونقيضه بين فترة واخرى ولم تَعُد انت هوانت ذاك الذي وضعتَ اقدامنا ثابتة على اول طريق التصوف الصحيح ! وادخلت تلاميذك في دوامة من الحيرة والاضطراب. اهي الغيرة ام التنافس ام غير ذلك من الصفات التي مابرحت تقتلعها من نفوسنا الأمارة بالسوء وتجتثها من جذورها ؟ اما الشيخ الفاضل محمد يحيى عبد المعطي الجُنيد فهومع بساطته المتناهية وتواضعه الجم نبعْ صاف ومتدفق من العلوم والمعارف الحاثة على إعمال هبة الله العظمى الذي وهبها للانسان وهي العقل ننهل منه كُلُ منا بقدرما يستوعب، وهذا مايشهد له به نخبة متميزة من صفوة المجتمع الذين عرفوه وسمعوه ووعوه، ونصيحتي وانا التلميذ المُحب والمُجل ان تستفيد وتستزيد من الشيخ الجُنيد بتواضع ونكران ذات وزهد الصوفي الحق، وآخر دعائي ان اللهم ارنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وارنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه واجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه وأهدني واستاذي الأول الى ما تحبه وترضاه والحمد لله رب العالمين.                   

By Editor