هناك أشخاص كثر نتعرف عليهم ونحتك بهم ونعايشهم في مختلف مجالات الحياة، يظهرون مواهب وقدرات وملكات قيادية وإبداعية لا تخطئها العين الخبيرة، ويلمسها كل من يقترب منهم أو يعايشهم، إما عبر الملاحظة أو من خلال العمل المشترك معها ، ويتجَلون أكثر وتبرز مواهبهم وقدراتهم وملكاتهم القيادية المتميزة بشكل واضح في التجارب الصعبة والمواقف الحرجة والرؤية الصائبة الثابتة الناظرة إلى الأفاق الأبعد، والمستشرفة دوما للجديد والأفضل والمستقبل الأكثر إشراقا ،لا تلين العواصف لهم قناة ، ولا تضعفهم المصائب ولا تغريهم المصالح الشخصية فيُغيرون جلودهم، ويتنازلون عن مبادئهم الراسخة ، بل يزدادون ثباتاً وإصراراً وعزماً.  العميد / عبده محمد علي مسعود الحكيمي واحد من ابرز هؤلاء القادة المبدئيين ، أختاره الله تعالت قدرته إلى جواره راضياً مطمئناً مرضياً عليه بإذنه تعالى، بعد ان شارف على اجتياز العقد السادس ( 68 عاما تقريباً) بعد مسيرة إنسانية حافلة بالعطاء والتضحية والعواصف والمعاناة القاسية ، توقف عن مواصلة دراسته في عدن وانطلق بحماس جارف وعزيمة صلبة إلى صنعاء منخرطاً في صفوف كتائب ( الحرس الوطني) آنذاك عقب قيام الثورة في 26 سبتمبر عام 1962م ، في العام 1963م وهو لا يزال شاباً يافعاً ، وخاض معارك الدفاع عن الثورة والجمهورية في حرس الجمهورية والويه الثورة والعروبة والنصر.. الخ ، مع رفاقه في السلاح من القادة الأفذاذ، مجاهد أبو شوارب، ويحي المتوكل، واحمد عبد ربه العواضي ، وآل أبو لحوم، وعبد الرقيب عبد الوهاب، وعبد الله عبد العالم ،وغيرهم كثيرون ، في صعده وحجة والجوف وصنعاء ومأرب وكان ضمن أول دفعة عسكرية يمنية تلتحق بالكلية الحربية في مصر متخرجاً منها ، ثم عاد ليواصل نضاله وقتاله بشجاعة نادرة – يذكرها له رفاق سلاحه- وبسالة منقطعة النظير ، وأُبتعث مجدداً ضمن مجموعة من الضباط اليمنيين إلى الإتحاد السوفيتي ( سابقا ) للدراسة العسكرية العليا والمتخصصة عائداً بعدها إلى مواقع النضال والقتال دفاعاً عن الثورة والجمهورية وهكذا . كان العميد / عبده محمد علي مسعود مقاتلاً جسوراً ومناضلاً حقيقياً صادقاً وشريفاً وقائداً متميزاً في قتاله وحنكته وفي تعامله الإنساني النبيل مع جنوده ورفاق سلاحه منصهراً معهم قريباً من همومهم ومعاناتهم الإنسانية باذلاً كل ما يستطيع لحل مشاكلهم وهمومهم ولم يكن من نمط أولئك القادة الذين يعتمدون ، كلية ، على اصدارالأوامر العسكرية الصارمة الملزمة التنفيذ دون نقاش ، بل كانت قيادته تعتمد على مشاركة ومشاورة جنوده ورفاقه إقناعاً واقتناعاً ، ومن هنا برزت موهبته القيادية الفذة والناجحة التي مكنته من تحقيق النجاحات والانتصارات بأقل الخسائر البشرية، وكان رحمة الله رحمة واسعة ولا يزال ، طيب الذكر، محبوباً مبجلاً من زملائه ورفاقه وكل الذين عرفوه وعايشوه خلال مراجل النضال الحافل التي مروا بها سنوات طوال . لم تكن تطلعات وطموحات الفقيد العميد / مسعود تنحصر في نطاق  مُجرد ان يصبح عسكرياً مقاتلاً ولا حتى قائداً عسكرياً فحسب ، بل تعداه إلى النطاق الأوسع والأرحب من خلال اهتمامه وتفاعله مع قضايا شعبه الوطنية، وتطلعاته السياسية والنهضوية، وانخراطه المبكر والنشط في العمل السياسي الحزبي بالغ الحيوية آنذاك بدءاً من مشاركته وانضمامه كعضو مؤسس لـ ” تنظيم القوى الثورية العربية” ذي المنطلقات القومية الناصرية في العام 1965م مروراً بتنظيم ” الطليعة العربية ” ثم ” الطلائع الوحدوية اليمنية ” ، مع كوكبة من رفاقه من القادة العسكريين –آنذاك- تسعفني الذاكرة ، الآن ، بأسماء بعضهم مثل ” القوسي” و “الصوفي”، و”الكميم” ، و”عبد الله عبد العالم” ، و”محمد المرزوقي”، و”حمود عبد الجبار سلام”، وغيرهم الكثير ممن لا استطيع الآن تذكرهم في هذه المرثية العُجلى ، ومما لا ريب فيه أن الفقيد العميد / عبده محمد علي مسعود في اندفاعه المتفجر مبكراً وحماسته المتدفقة ونضاله الباسل في الدفاع عن الثورة والجمهورية وانخراطه في العمل السياسي الحزبي القومي الوحدوي ذي الطابع السري –آنذاك- إنما كان يُعبر تعبيراً جلياً وصارخاً عن كوامن شخصيته، تتفجر توقاً وحماسة وإصراراً لإعادة صُنع الحياة من جديد على أرضنا وتأسيس وتشييد أركان مستقبل واحد مشرق يتحقق به ومن خلاله وعبره للإنسان اليمني على أرضه حياة العزة والكرامة والحرية والتقدم والعدالة والرفعة والازدهار له ولأجياله القادمة من بعده، ولم يَحُد عن هذا الهدف لحظة واحدة حتى آخر نَفَسْ من سيرة حياته الحافلة ، وذلك جعله دائماً غير نهاز للفرص، ولا غنام للإغراءات ، تمنعه عزة نفسه، وأصالة معدنه، عن التهافت للإثراء والكسب غير المشروع ، أو التزلف واحراق البخور ومسح أجواخ ذوي السلطة والنفوذ ، مكتفياً ومعتمداً على دخله من راتبه المحدود كضابط في القوات المسلحة ، ولهذا عاش وانتقل مرفوع الهامة شامخاً عزيزاً شريفاً ، مُخلِفاً وراءه سيرة ماجدة ووضاءة للقائد المناضل الإنسان ، الذي لا يتردد لحظة عن تلبيه نداء المنادي للعمل والنضال والتضحية إذا ما شعر أن المبادئ والمثل والأهداف الوطنية العليا تتعرض للخطر أو الانتكاس ، وبهذه السجية الأصيلة لديه شارك مشاركة فعالة ومخلصة في قيادة حركة 15 أكتوبر 1978م التصحيحية تخطيطاً وتنفيذاً ، عندما أدرك أن مسيرة الثورة والجمهورية التي قدم الآف الشهداء أرواحهم في سبيلها ومن اجل انتصارها ، باتت معرضة لخطر حقيقي داهم لتصفيتها وافراغها من محتواها الحقيقي وأهدافها النبيلة ، ورغم انتكاسة هذه الحركة التصحيحية وما تمخض عنها من تضحيات جسيمة تمثلت باستشهاد الغالبية الساحقة من قيادتها المدنية والعسكرية، والاعتقالات، والملاحقات، والتشرد، والعذاب ، إلا أن العميد / عبده محمد علي مسعود  ظل كما كان في سابق عهده ، رابط الجأش، قوي العزيمة، ثابت الإصرار، شامخاً قوياً في أحلك الظروف وأشدها مرارة لم تهزه عاصفة المأساة الهوجاء ، ولم تدفعه الأعاصير الهادرة بالترهيب والترغيب إلى السقوط والانحراف أو الاستسلام ، وتلك كانت إحدى تجليات موهبته القيادية الفدة . ظل محافظاً بشموخ على نصاعة سجله الحافل كمناضل وقائد حقيقي وشخصيته الوطنية الشريفة ، تلك الشخصية التي اتسمت بصفات ومزايا عديدة تجلت بوضوح سواء في أسلوب قيادته العسكرية أو الممارسة السياسية الحزبية ، كان حكيماً حصيفاًً محنكاً رصيناً وبارعاً في معالجة المشاكل والأزمات والخلافات العاصفة دون شطط أو جموح أو اندفاع أو عصبية او تهور انفعالي ، كان بهذه الصفات والمزايا يفرض احترامه وتقديره على الجميع الذين يُجمعون على نزاهته وموضوعيته ونُبل مقاصده وصواب رؤيته.  إن قصة حياة المناضل القائد العميد / عبده محمد علي مسعود وهي حياة كُرست ووظفت بالكامل منذ بداية مرحلة الشباب الآولى ، لهدف وغاية واحدة وهي الدفاع المستميت والراسخ عن الثورة والجمهورية، هي في الواقع قصة حياة عشرات الآف الشباب الذين اندفعوا كسيل هادر منذ قيام الثورة والجمهورية للدفاع عنهما وصنع انتصارهما التاريخي باعتبارهما – وفقا للمبادئ والأهداف التي قامتا من اجل تحقيقها – الجسر والطريق الصحيح لصنع المستقبل الجديد الواعد المشرق وبناء الحياة الجديدة المؤسسة على الحرية والعدالة والتقدم والازدهار والكرامة والعزة في وطن جديد يتساوى فيه جميع أبناءه في الحقوق والواجبات ،وطن يحكم فيه الشعب نفسه بنفسه ولنفسه ، وطن يكفل لمواطنيه الحرية والعيش الكريم والعدالة والمساواة الكاملتين ،وطن لا تستأثر به وتتغلب عليه ، وتُلغي إرادته ، اُسرة أو منطقة أو طائفة أو جماعة كائنة من تكون وتُجيرُه لحساباتها ومصالحها الذاتية الضيقة المتخلفة ، لقد قدم الآف الشهداء أرواحهم وسالت دماء الآلاف منهم ، وتحمل الآلآف منهم أصناف من العذاب والمعاناة والآلآم ، بقناعة وسخاء منقطع النظير في سبيل ومن اجل الإنتصار للثورة والجمهورية، اللتين تجسدتا لهم كوسيلة وأداة لصنع وبناء ذلك المستقبل المشرق العزيز، والحياة الجديدة الحديثة التي تمكننا – وطناً وشعبا- أن نعيش كما تعيش شعوب وبلدان العالم المتطور والحديث، كانت أبصارهم ومشاعرهم شاخصة متجهة صوب تلك الثورة والجمهورية كمثل أعلى ونموذج أرقى، يستحق ويستأهل بذل اغلى التضحيات وافدحها، مادام الشعب وهم جزء منه سينعم بخيرات ذلك المستقبل المنشود والحياة الحرة الكريمة العزيزة المتطورة هُم واجيالهم القادمة من بعدهم، ولهذا كانت التضحيات الجسام من الأرواح والدماء والعذابات والآلام التي بذلها اولئك الأبطال الشجعان المخلصين والأثمان الباهضة التي دفعوها برضى وقناعة تامتين إنما قُدمت من اجل وفي سبيل قضية عادلة وغاية نبيلة وهدف سام ،وتطلعات مشرقة تماماً ، آمنوا بها واقتنعوا بجدواها كما بدت لهم، وتصوروها من واقع المبادئ والأهداف والغايات التي اعلنتها الثورة والجمهورية كمبرر وسبب لإنطلاقتهما في 26 سبتمبر1962 م ..ولم يساور الشك أو يخطر على بال احد منهم  ولا حتى في الخيال ، سواء منهم أولئك الذين خططوا او اولئك الذين قدموا التضحيات الهائلة دفاعاً وحماية وحفاظاً ،او حتى سائر الشعب الذين التفوا في غالبيتهم الساحقة  حول الحدث التاريخي الكبير وساندوا وأيدوا ونصروا أية إمكانية لأن يؤول ذلك الحدث العظيم لما آل إليه في وقتنا الراهن ،حيث أصبحت الثورة والجمهورية بمبادئهما واهدافهما وغاياتهما النبيلة العظيمة “اُخرى لا يدل على وجودهما إسم ولا لون ولا لقب “. ·        كان هناك إمام واحد فقيه عالم مجتهد يعلم تماماً القواعد الأساسية للحكم التي تتأسس على العدل ويُدرك أن العدل أساس الملك، ولا يستقيم مُلك أو حياة إذا غاب العدل ولهذا كان الأمام يخضع للقضاء وأحكامه إذا   ما قاضاه احد المواطنين ، وكان يسجن أبناءه وأفراد أسرته ويعاقبهم إذا أساءوا لمواطن أو ظلموه، واليوم صار هناك الآفاً من الأئمة، من المسئولين، والمتنفذين، اقلهم مرتبة، ما كان اعتى إمام يمارس عُشر معشار ظلمه وجبروته، ينهب حقوق الناس ويظلمهم ، ويعيث في الأرض فساداً دون رادع أو وازع أو زاجر . ·        كان الإمام زاهداً فقيراً متعففاً شديد الحرص على الأموال العامة ، وماتوا أئمة وهم لا يملكون شيئا إلا ما ورثوه عن أبائهم ، اليوم بات هناك الآف من المسئولين والمتنفذين يديرون ثروات شخصية خرافية والتي راكموها من نهب الأموال العامة والفساد ، وأصغرهم مستوى يدير ثروة بملايين الدولارات أما الكبار فبالمليارات ! ·       كان الإمام يحكم وحده ولا يولي أبناءه المناصب الرسمية إلا في الفترة المتأخرة من عهد الإمامة وعلى نطاق محدود جداً وكان يولي قادة أقوياء ومقتدرين من غير سلالته ، وقضاة وأعياناً وعقالاً …الخ. واليوم سيطرت أُسرة من قبيلة واحدة من منطقة ضيقة على كل مفاصل القوة والسلطة والثروة وكل مقدرات البلاد والعباد ، واستأثروا – وهم قلة قليلة جداً – بأدوات السيطرة والنفوذ في المؤسسة العسكرية أداة السيطرة والتحكم بالدولة ومؤسساتها ، وراكموا الثروات ونهبوا ممتلكات الناس وأراضيهم واستولوا على مصالحهم وأرزاقهم، وجعلوا البلاد عبارة عن إقطاعية كبيرة يتملكونها متى ما شاءوا، أو يوزعونها على الأقارب والمقربين والأنساب بشكل غير مشروع وعلى نحو خيالي ، وعملوا على توريث الوظائف العامة لهم وأقاربهم وأقارب من يستخدمونهم في أجهزة الدولة ومؤسساتها في سعي لخلق فئة محدودة هشة يوكل بها إدارة البلاد، وفق اجندة الفساد والإفساد وعلى نحو يهمش على نحو كلي ، مع المدى ، أبناء الشعب واجياله أصحاب الكفاءة والقدرة وتحويلهم إلى خَدمْ وشحاتين وعاطلين عن العمل ، وكل ذلك وفق مخطط مدروس ومبرمج لإحتكار الحكم وتوريثه للأبناء بعد الآباء ! ·      أصبح واقع الشعب اليمني – اليوم- بالغ السؤ والمرارة ، أكثر من 60 % (ستين في المائة )يعيشون تحت خط الفقر ، ومنهم من يقتاب من أكياس القمامة ، وحوالي 50% ( خمسين في المائة ) عاطلين عن العمل ، والتعليم تدنت مستوياته ( كماً ونوعاً ) و تدهورت مخرجاته على نحو مخيف، والخدمات الصحية باتت شبه مشلولة ، والقضاء والعدل مكتف الأيدي ومغلوب على أمره ، والحقوق تنهب ، والأمن مفتقد ، والاستقرار معدوم، والإنفلات الأمني سائد، والفوضى والتسيب والرشاوي والفساد على أو سع نطاق ، والتفجرات الاجتماعية الغاضبة والحروب والتمردات في اتساع مستمر وتصاعد في  الشمال والجنوب والشرق والغرب . هذا باختصار وإيجاز شديدين جداً ولا أريد أن استرسل في هذا المجال المزعج ، احتراماً وإجلالاً للمناسبة ، فقط أردت أن أقول للفقيد الغالي العميد / عبده محمد علي مسعود ولكافة الشهداء الأبرار والذين ضحوا تضحيات جسيمة ودفعوا  اثماناً باهظة ،ان لا تثريب عليكم ،ولا بأس، فقد ناضلتم وضحيتم بنية صادقة ولقضية عادلة وشريفة وأهداف سامية جليلة وانما الأعمال بالنيات ولكل إمرئٍٍ ما نوى، وجزاؤكم عند ربكم الكريم علام الغيوب الذي لا يظلِم مثقال ذرة . وداعاً أيها الحبيب / عبده ، يرحمك الله تعالى رحمة واسعة ويسكنك فسيح جناته ويجزيك عن شعبك ووطنك خير الجزاء ، ويكفينا فخراً انك عشتَ رجلاً حراً قائداً شجاعاً شريفاً نزيهاً وخلفتَ ذكرى عطرة مُشرقة ومُشرفة ، ورحم الله سبحانه وتعالى كل الشهداء الصادقين الأبرار ولله عاقبة الأمور .                                                                          بريطانيا-شيفيلد-13 يونيو 2010م         

By Editor