الظاهر ان مؤتمر الحوار الوطني لايزال منذ بدء اعماله واقعا تحت تأثير كابوس “القضية الجنوبية” الممسكة بخناقه وتلابيبه بقوة وإحكام، فارضة عليه حالة من الاضطراب والحيرة تمنعه من اعلان مجمل منظومة نتائجه ومخرجاته المتعلقة بالقضايا والمهام التي انيطت به ولاشك ان هذا الوضع يُعد طبيعيا ومتوقعا من البداية، ولقد اكدنا ومعنا كثيرون مرارا وتكرارا ان معالجة الازمة والقضية الجنوبية تشكل مدخلا ومفتاحا رئيسيا لمعالجة وحل كافة ازماتنا ومشكلاتنا الوطنية التي لا يمكن حلها الا من خلال بوابة حل القضية الجنوبية اولا، ورغم ان هناك عددا من الرؤى والتصورات مطروحة على المؤتمر حول كيفية حل تلك القضية الجنوبية، صحيح انها تتباين وتختلف حول طبيعه ذلك الحل ومداه واهدافه إلا ان الاطراف السياسية التي صاغتها وقدمتها افتقرت الى الدرجة المطلوبة من العمق والمسئولية والشجاعة البناءة في ادارة الحوار حولها والمبادرة الى مناقشة وطرح بدائل متعددة والالتقاء على ارضية لقاء القاسم المشترك، وظل كل طرف حبيس خندق رؤيته وتصوره في الغالب الأعم، وهو ما قيد الحوار وحال بينه وبين التقدم خطوات نحو الامام وصولا الى نقطة توافق تضمن تلبية المطالب والاهداف الموضوعية التي يطرحها الجنوبيون دون تنازل او تفريط بالاسس والمعايير والمقومات العلمية المتعارف عليها في الفكر السياسي العالمي الخاص ببناء الدولة الاتحادية وفلسفتها والياتها وعلاقاتها ووظائفها …الخ. ولعل اكثر ما يهمنا في هذا السياق هو اهمية اجراء مناقشة بناءة وهادئة للرؤية والتصور التي طرحها الحزب الاشتراكي اليمني ومعه غالبية فصائل وقوى الحراك الجنوبي المشاركة في مؤتمر الحوار على اختلاف بينهم في بعض التفاصيل، والى حد كبير القيادات والقوى الجنوبية في الخارج اضافة الى فصائل الحراك في الداخل غير المشاركة في الحوار، التي نعتقد بانها قد تلتقي في الهدف النهائي لتلك الرؤية والتصور وان اختلفت اطرافه حول التفاصيل وسُلم الاولويات فيه والتصور هذا الذي نحن بصدد مناقشته يقوم على المرتكزات الرئيسية التالية: اولا:عودة كل من الجنوب والشمال الى “نقطة الصفر” اي الى الوضع الجغرافي الذي كانا عليه قبل اعلان الوحدة العرجاء في 22 مايو 1990كاقليمين وليس كدولتين حسب فهمنا المتصور.. ثانيا: اقامة دولة اتحادية”فيدرالية” بين الاقليمين: الجنوب والشمال بحيث يكون لكل اقليم برلمانا وحكومة وحاكماً منتخبين كسلطات اقليمية كاملة الصلاحيات والمسئوليات وايضا انشاء سلطات اتحادية مركزية مماثلة يحدد الدستور والقوانين طبيعة واليات العلاقة بين المستويين الاقليمي والاتحادي.. ثالثا: تقوم الدولة الاتحادية هذه على قاعدة تقاسم كافة وظائفها المدنية والعسكرية وبكافة مستوياتها من الاعلى الى الادنى بالمناصفة بين الاقليمين وكذا الحال بالنسبة للثروات حسب ما فهمنا… رابعا: على ان تحدد المدة الزمنية المعطاة لهذه الدولة الاتحادية الفيدرالية بين الاقليمين بفترة خمس سنوات، ينظم في نهايتها استفتاء عام لشعب اقليم الجنوب ليقرر مصيره اما بالبقاء ضمن هذه الدولة الاتحادية او الانفصال عنها باستعادة دولتة المستقلة.. تلك كانت اهم الاسس والمرتكزات التي تضمنها التصور المطروح على مؤتمر الحوار الوطني من قبل الحزب الاشتراكي وقوى وفصائل الحراك الجنوبي المشاركة في الحوار وبعضها الاخر غير المشارك حول كيفية حل القضية الجنوبية وبناء الدولة اليمنية الاتحادية الحديثة وهي ما سنقوم تاليا في مناقشتها بهدوء وموضوعية وود.. ويستند واضعوا هذا التصور على مبرر محوري يقول بان الجنوب الذي دخل الوحدة عام 1990م بقناعة وحماس تعرض بعد حرب صيف 1994م الظالمة الى عملية ممنهجة من التهميش والاقصاء والنهب المنظم والجائر لمقدراته وثرواته وتسريح عشرات الالاف من رجاله في الجيش والامن والدولة عموما بفعل الممارسات والسياسات الخاطئة والمتخلفة والمدمرة التي نفذتها بغباء وجهل السلطة الحاكمة الأسرية المناطقية الفاسدة، وكل ذلك ادى مع المدى الى ان الجنوبيين فقدوا الثقة كلية بالوحدة وجدواها وصاروا في غالبيتهم الساحقة لا يقبلون سوى باستعادة دولتهم المستقلة وفك ارتباطهم بالوحدة نهائيا، ولهذا يرى واضعو التصور بان تصورهم يهدف اساسا الى تطمين الجنوبيين واعطائهم كل الضمانات والاغراءات والمكاسب المحددة في مرتكزات واسس التصور كاسلوب لاستعادة ثقتهم المفقودة بالوحدة وجدواها واقناعهم بفوائد وايجابيات البقاء ضمن اطار الدولة الاتحادية الجديدة المحققة لمصالحهم ومستقبلهم المشرق..الخ، حتى اذا ما شارفت فترة الخمس السنوات المحددة لبقاء تلك الدولة الاتحادية وجرى استفتاء شعب الجنوب فلاشك انه سيختار حينها ويفضل البقاء في الدولة الاتحادية اليمنية ، ومع اتفاقنا وتسليمنا الكامل بالسياسات المدمرة والجرائم الواسعة التي ارتكبتها السلطة الحاكمة الفاسدة والمتخلفة بزعامة علي عبدالله صالح الذي اسقطته الثورة الشعبية السلمية العظيمة بحق الجنوب والجنوبيين خاصة، وبحق اليمنيين كافة عموما، لكننا نختلف الى حد ما حول النتائج والمترتبات التي تبنى على ذلك المبرر الوجيه وسبل ووسائل مواجهته ومعالجته وتجاوز مفاعيله.. ونحن اليمنيون لسنا بدعاً من شععوب وامم العالم التي رزحت في فترات من تاريخها لأبشع واقسى صنوف الاضطهاد والقهر والاستبداد والطغيان الوحشي من قبل سلطاتها الحاكمة، لكنها اختارت سبل واساليب النضال والكفاح الضاري والمرير في مقاومة ومواجهة حكامها الطغاة وقدمت تضحيات جسيمة وباهضة من الارواح والدماء والمعاناة والعذاب لاسقاط وازاحة سلطات الحكم الطاغية والمستبدة وفرض ارادتها صائعة نصرها المبين ومُعيدة بناء حياتها ومستقبلها المشرق الجديد وفقا لارادتها وتطلعاتها واهدافها العظيمة ولم تتوارى منهزمة او تعود الى الوراء والقبول بانصاف او ارباع الحلول فالطغاة والجبابرة والمستبدون يزولون ويختفون الى الابد مشيعين بالخزي والعار وتبقى الشعوب والاوطان هي الخالدة والمنتصرة دوما.. وعندما تتخلص الشعوب والامم الحية والعظيمة من سلطات حكمها الجائرة وحكامها الطغاة والمستبدون والفاسدون وتسقطهم نهائيا فانها تنطلق مباشرة في اعادة بناء حياتها من جديد وتصيغ مستقبل اجيالها وفق قيم ومثل ومبادئ جديدة كريمة عزيزة وعلى اسس الحرية والعدالة ونحو آفاق التقدم والازدهار دائما فذلك هو قانون التاريخ الرئيسي الذي ما سار يوما إلا قُدما والى الامام ونحو المتسقبل المشرق الواعد لا يلتفت الى ما عانته من مراحل الماساة والمعاناة والعذابات والقهر الا لاستخلاص العبرة والموعظة والتزود بطاقات وقوى ومحركات وحوافز الانطلاق الوثاب نحو المستقبل وتأبى البقاء والعيش ضمن اطار وأسرْ الماضي البغيض الذي ان ظلت الشعوب والامم اسيرة له ولاحباطاته فان ذلك يعني ان حكامها الطغاة المستبدون لا يزالون مؤثرين ومهيمنين عليها ومتحكمين في حركتها وحاضرها ومستقبلها بقبولها العيش تحت تأثير منطقهم وقانونهم الماضوي المتخلف،، ولهذا نقول بان تطمين اخواننا الجنوبيين واعادة ثقتهم بالوحدة واقناعهم بجدوى وفوائد وايجابية الوحدة واقناعهم بكل ذلك لا يمكن ان ياتي او يتحقق عبر اعطائهم حقوقا اضافية استثنائية او تميزهم بمميزات ومكاسب دون سائر مواطني الدولة وعلى حسابهم من قبيل مناصفة وظائف الدولة مدنية وعسكرية ومن اعلى الى ادنى بين الجنوب والشمال مثلا،بل يتأتى ويتحقق يقينا حاضرا ومستقبلا عبر ومن خلال وباقامة الدولة الاتحادية الديمقراطية الحديثة المنشودة وفقا وعلى اساس المقومات والمعايير والشروط العلمية والسليمة المتعارف عليها عاليما في بتاء الدول الحديثة ومنها بل واهمها البناء المؤسسي الدستوري لسلطاتها وهيئاتها والاحتكام والاحترام التام للدستور والقوانين، وبسلطة قضائية نزيهة ومستقلة وحيادية وبالتقيد الكامل بالمضامين الديمقراطية وحقوق الانسان والحريات الفردية والعامة وبمساواة المواطنين مساواة تامة في الحقوق والواجبات وبعبارة اخرى المواطنة المتساوية وتحقيق اقصى قدر من المشاركة الشعبية راسيا وافقيا في ادارة شئون الحُكم والمجتمع ،مشاركة حقيقية فعالة. ذلك ان دولة بكل هذه المواصفات والمعايير والمضامين هي وحدها التي لا تطمئن ولا تستعيد ثقة ورضى الجنوبيين فحسب بل وكل مواطني الدولة بمختلف فئاتهم وشرائحهم الاجتماعية والسياسية بدون استثناء او اقصاء.. وبناء على كل ما سبق ومع كامل احترامنا وودنا للاطراف السياسية التي طرحت ذلك التصور في حل القضية الجنوبية وشكل ومضمون بناء الدولة الاتحادية بمرتكزاته المشار اليها انفا، الا اننا نعتقد ان مرتكزات ذلك التصور لا يمكن إلا ان يقيم ويبني دولة تستند الى تمييز جهوي مناطقي عنصري بين شعب ومواطني الدولة ويحمل في طياته – سواء من حيث تقسيم الدولة الى اقليمين جنوب وشمال بالحدود الجغرافية التي كانا عليها قبل وحدة 1990م او من حيث تقاسم كافة وظائف الدولة المختلفة بين الجنوب والشمال بالمناصفة الكلية – بذور وعوامل تفجير الدولة وفنائها لانها وان نجحت في اقناع الجنوبيين فانها ستغضب الشماليين وهكذا فان هذا التصور كأنه فر من الرمضاء ليقع في لهيب النار ولا شك انه اذا ما اُخذ به وبمرتكزاته فانه سيساهم الى حد بعيد في خلق بيئة ملائمة ويصنع مداميك انفجار حرب اهلية شعبية شاملة ومروعة حقا سواء علم بذلك او جهل.. ولعل اخطر مافي مرتكزات هذا التصور انه يسعى في المحصلة النهائية له كما بيٌن المرتكز “رابعا” الذي اشرنا اليه انفا في سياق بلورة مرتكزاته الى اقامة دولة اتحادية فيدرالية جديدة لليمن مع وقف التنفيذ او تحت التجربة والاختبار لمدة خمس سنوات وبعدها إما ان تتلاشى وتندثر او تبقى وتستمر على ضوء نتائج استفتاء شعب الجنوب! ولا اعلم، بحسب معلوماتي، ان دولة اقيمت في العالم على التمييز والمفاضلة بين مواطنيها من ناحية وبأن تكون مؤقتة او مربوطة باجل زمني محدد ثم يقرر جزء من مواطنيها مصيرها بقاء او زوالا، على غرار عقد الزواج لأجل محدد او ما يعرف بزواج المتعه!! ان مثل هذا التصور لا يخدم شعب الجنوب ولا قضيته في المدى البعيد وان ادعي غير ذلك بل يضر به وبقضيته ابلغ ضرر، وكذا باليمنيين كافة وقضاياهم الوطنية المشتركة.. والواقع ان قيادة الشعوب والامم وبناء الاوطان والدول المحترمة لا تتم وفق عقلية ومنهج واضعوا مثل ذلك التصور بمرتكزاته وانما تتم بعقليات وافكار عظيمة وببصائر قادة تاريخيين عظام تمتد ابصارهم الى افاق المستقبل البعيد مستشرفين قوانين التاريخ وجوهره ومقتضيات ومتطلبات نهضة ورقي شعوبهم واوطانهم وقوتها وحريتها وكرامتها ولا تغوص اقدامهم تحت رمال الماضي البغيض المتحركة فيتسمرون هناك ولا يبرحونه حتى يواريهم النسيان والعدم.. ويساورنا في الواقع احساس نامل ان نكون مخطئين فيه بان ذلك التصور الذي نناقشه هنا قد صاغ مضمونه ومرتكزاته ومراميه قادة سياسيون لاحزاب وجماعات قصدوا به من حيث طبيعة وتركيب دولة اتحادية مؤقته بفترة خمس سنوات ثم يصبح مصيرها ومستقبلها في مهب الريح ومن حيث الاصرار على اقامتها بين اقليمين الجنوب والشمال فقط وبحدودها السابقة لعام 1990م وتقاسم وظائفها وثرواتها بينمهما بالمناصفة …الخ خدمة وتحقيق طموحات اولئك القادة ومطامحهم ومصالحهم الحزبية والشخصية من خلال استثمار نتائج بناء شعبيتهم وتمكين قواعدهم الادارية في مختلف المواقع والسلطات وتوسيعها وتعزيزها وخلق وبناء ترتيبات واوضاع على الارض تمكنهم من العودة مجددا لحكم دولة الجنوب القادمة حتما وفقا لمرتكزات تصورهم ذاك ، اذ لوكان هدفهم خدمة شعب الجنوب والانتصار لقضيته العادلة حقا لكانوا طرحوا مادام والكل مقر بالمناصفة بين الجنوب والشمال تصورا مختلفا يقوم على انتخابات شعبية حرة ونزيهة لجمعية تاسيسية او وطنية او اي تسمية اخرى، تمثل الجنوب وتكتسب شرعيتها من خلال انتخاب شعب الجنوب لها، ومثلها وعلى ذات الاسس في الشمال بحيث تتولى هاتان الجمعيتان الشرعيتان المتخبتان شعبيا من ادارة حوار بينهما لتقرير مصير دولة الوحدة وشكلها ومضمونها ان ارادتا البقاء ضمن اطار الوحدة او الاتفاق على كيفية واليات العودة الى واقع ما قبل 22 مايو 1990م ذلك انه ما من قائد سياسي ولا حزب ولا سلطة بامكانها ان تدعي الان امتلاكها شرعية تمثيل الجنوب او الشمال وليس باللجوء الى حلول عوجاء وغير سليمة والالتفاف على شعب الجنوب ومغالطته بتقديم رشاوى سياسية ومنحه مكاسب وامتيازات هم اول من يعلم عدم شرعيتها وتناقضها مع المبادئ والاسس المتعارف عليها عالميا في بناء الدول وشراء صمته وموافقته واسترضائه لمدة خمس سنوات ثم “يحلها الحلال” كما يقولون! ان استفتاء شعب الجنوب اليوم ليختار ما يريد حتى اذا قرر استعادة دولته المستقلة لهو اهون واسلم واقل ضررا واضرارا من ترحيل القضية والازمة الى ما بعد خمس سنوات تحت حُكم تمييز مناطقي عنصري متخلفة ستقود حتما الى تفجير حرب اهلية شعبية شاملة تأكل الاخضر واليابس سببها جهل القيادات السياسية وضيق افقها وانتهازيتها المدمرة.. هذا رأينا وهذا موقفنا نسجله للتاريخ..فهل هم منتهون؟ نأمل ذلك اذا شاء الله عبدالله سلاٌم الحكيمي بريطانيا – شيفلد – 20/10/2013