دور الشعوب الغائب في الحرب الشاملة ضد الارهاب صحيفة الايام

ما من شك ابدا بأن الارهاب لادين له ولا وطن، وليس له قضية أو قيم أوأفكار وسياسات ايجابية بديلة، وكل ما يملكه الارهاب لايتعدى وسيلة اللجوء الى العنف وسفك الدماء وازهاق الارواح البريئة الامنة وفرض نفسه على الشعوب فرضا من خلال نشر الخوف وبث الرعب وزرع الترويع لدى مختلف فئات وشرائح المجتمع. والارهاب لايمكن حصره وتحديده بشكل أو وجه واحد، بل تتعدد أشكاله وتتنوع أوجهه، فهناك الارهاب المسلح الذي تنتهجه الجماعات والافراد، وهناك الارهاب الفكري العقيدي السياسي المتمثل بالتفكير الديني المتعصب والمنغلق على نفسه، وهناك الارهاب الرسمي او ما يطلق عليه ارهاب الدولة المتمثل في انتهاكات السلطات الحكومية لحقوق مواطنيها كالاضطهاد والتعذيب والقمع، واستخدام القوة المسلحة لقتل المدنيين وكما تفعل قوات الاحتلال العسكري ضد الشعوب الخاضعة لاحتلالها، وهناك الارهاب الاخلاقي المتمثل في فساد المسؤلين الحاكمين واثرائهم غير المشروع الناتج عن نهبهم للاموال والثروات الوطنية لدولهم، وفي اعمال الجرائم المنظمة كالاتجار في المخدرات وغسيل الاموال والاتجار بالرقيق والدعارة والقتل والاغتصاب..الخ، وهكذا يتضح بأن الارهاب تتعدد أشكاله وصوره واساليبه ومجالاته التي تتضافر فيما بينها وتتكامل بحيث يعزز ويحمي بعضه بعض، وجميعها تفضي،على نحو أو اخر الى مصادرة حياة الانسان واستلاب حقوقه والغاء حريته وادميته وارادته باخضاعه كليا تحت تاثير الرعب والفزع والخوف الذي ينشره الارهاب داخل المجتمع. والارهاب على هذا النحو ليس ظاهرة حديثة من افرازات عصرنا الحديث الراهن، ولكنها ظاهرة قديمة قدم نشوء وتطور المجتمع الانساني، وان كان التطور الحضاري والعلمي التكنولوجي الذي حققته البشرية عبر مختلف المراحل والعصور قد اسهم في تطوير طرق واساليب وادوات ومجالات الاعمال الارهابية.. ولقد ظل الارهاب كفعل يستخدم القوة والعنف وسيلة لفرض خيارات واعتقادات واراء ، ويقتل الابرياء والمسالمين بل وحتى المخالفين لاراء الارهابيين، ظل محل مقت ورفض حاسم من قبل الفطرة الانسانية السليمة والقويمة، وجاءت كل الرسائل السماوية الدينية بهدف جوهري استراتيجي يجرم الارهاب ويحرمه بجميع صورة واشكاله باعتباره تدميرا ونقضا للحياة الانسانية التي أرادها الله سبحانه على الأرض وأعطاها حرمة وقدسية على كل ما عداها من مظاهر الحياة وقوانينها . ان مسار التجارب الانسانية منذ أقدم العصور وحتى اليوم، أكدت وستظل تؤكد على حقيقة أن الارهاب يمتد على نطاق واسع جدا ليشمل باستهدافاته، قتلا وترويعا وتدميرا، كل المجتمع بانظمته وأحزابه ومنظماته وأفراده ومكاسبه الحضاريه، وهو لايصادق ولا يستثني سوى قلة قليلة من افراد المجتمع الذين اختاروا طريق الارهاب وانظموا الى صفوفه واحترفوا القتل وسفك الدماء والتدمير.. وعليه فان سيف الارهاب، ان لم يتم كرها فسوف يمر على جميع الرقاب دون استثناء،وان لم يكن اليوم فغدا او بعد غد، لا فرق بين أحد وأخر سوى بالتوقيت أو ما لم يدرك خيرو المجتمع المحبو للحياة الحرة الكريمة، باحزانهم السياسية ومنظماتهم المدنية ومؤسساتهم التعليمية والثقافية والاجتماعية وعلماء الدين والوعاظ، بل وافرادهم، تلك الحقيقة الثابتة حول الارهاب وطبيعته وغاياته،فانهم سيجدون انفسهم يوما الواحد تلو الاخر يساقون الى دائرة نيران جحيم الارهاب التي ستحصدهم حصدا مريعا، وسوف يجبرون على تقديم ثمن باهظ للغاية وتضحيات جسيمة جدا وخسائر مريعة كان بامكانهم تجنبها مسبقا اذا ادركوا حجم الخطر مبكرا وبادروا الى مقاومته وضربه في الوقت المناسب. وكم نبهنا الى خطورة الارهاب الداهم ودعونا الى مواجهة شاملة حازمة له وكتبنا كثيرا في الصحف منذ احداث 11سبتمبر2001الارهابية المأساوية في أمريكا وحتى اليوم، وقلنا اننا نتعاطف مع الشعب الامريكي ازاء تلك المأساة، ونؤيد توجه حكومته في الحرب ضد الارهاب، بل وأكدنا وجوب الوقوف معها والتعاون معها بدون قيد او شرط على ان لايختلط الحرب ضد الارهاب أو يوظف لحسابات ومصالح سياسية خاصة، أو لتصفبة خلافات سياسية في العلاقات الدولية، وذلك لأننا نعتقد يقينا أن التعاون الفعال في حرب نزيهة وجادة ضد الارهاب سواء مع أمريكا أو مع أي جهد دولي يعتبر واجبا يفرضه جوهر تعاليم الرسائل السماوية الدينية، وتوجيه الاعتبارات الاخلاقية السامية، وتحتمه المقاصد والأهداف الحضارية الراقية لمستقبل الانسانية، بل وتلزمنا به رغبة الحفاظ على الحياة البشرية في الأرض. غير أن هناك جملة من المآخذ والملاحظات المتعلقة بطبيعة الاستراتيجية والمسار الذي رسمته أمريكا وحددته للحرب ضد الارهاب الدائرة رحاها على المستوى العالمي، منذ ما بعد أحداث 11سبتمبر، حيث اقتصرت على أسلوب أحادي يقوم على المواجهة بالقوة العسكرية الجبارة وتنسيق وتعاون محصور مع مختلف دول وحكومات العالم، خاصة منها حكومات عالم ثالثية، وفي اعتقادنا ان مثل هذه الاستراتيجية في الحرب ضد الارهاب لا يتوفر لها من العوامل والاسباب والشروط اللازمة والكافية لتحقيق هدفها النهائي بالقضاء على الارهاب واجتثاث جذوره واستئصال منابعه على نحو متكامل وفعال ومضمون لأسباب من أهمها: 1ـ ان الارهاب ليس له وجود كاشكال أو كيانات مادية محددة ومؤسسة على أرض الواقع، ولكنه تيار هلامي دائم الحركة والانتقال، يعمل ويتحرك على نحو غير مرئي ولا محسوس من تحت الأرض وباقصى درجات السرية والتكتم، والاقتصار في مواجهته على القوة العسكرية، مهما بلغ حجمها وقوة تدميرها وتطورها البالغ، لا يمكنها، لوحدها، أن تصوب ضرباتها التدميرية على قواعد ومنشآت محددة وثابتة للارهاب، بل أنها معرضة، وهو ما حدث بالفعل لمرات عديدة، لأخطاء فادحة في الحاق خسائر جسيمة بالمدنيين والابرياء وتأجيج غضبهم وسخطهم وذلك مع استمراره وتوسعه يقدم خدمة لا تقدر بثمن للارهاب والارهابيين. 2ـ ان حصر التنسيق والتعاون في الحرب ضد الارهاب على الحكومات، وخاصة في العالم الثالث، أمر تحيط به من كل الجوانب تساؤلات وشكوك جادة وواقعية حول جدواه وفاعليته وايجابياته ومدى اسهامه الفعلي والحقيقي في عمليات الحرب ضد الارهاب، اذ ان عددا لايستهان به من حكومات العالم الثالث غارقة من قمة رؤؤسها الى أخمص أقدامها في بحر من الفساد والسياسات القمعية والاستبدادية في التنكيل بشعوبها ومواطنيها، وأو صلتهم بسبب فسادها واستبدادها وانعدام كفاءتها الى اسوأ احوال الفقر والمعاناة والعذاب والترويع والاخضاع، وهذه الحكومات، بسبب تصرفاتها الرعناء وسياساتها المغامرة، بقدر ما تعتبر من أخطر القوى الممارسة للارهاب واكثرها ايلاما وقمعا ضد شعوبها، فانها الى ذلك قد عملت على تهيئة واعداد وانضاج أفضل الاجواء والظروف وخلقت أصلح بيئة لنشوء الارهاب وتناميه واستفحاله، فكيف يمكنها وهذا حالها أن تصبح يوما شريكا حقيقيا وفاعلا في الحرب ضد الارهاب ؟ 3ـ ان الحرب ضد الارهاب لضمان نجاحها ينبغي ان تكون حربا شاملة متعددة المجالات ومتكاملة الاساليب ومتنوعة الميادين، حربا ذات طبيعة ثقافية سياسية اعلامية اجتماعية اقتصادية تعليمية ومعلوماتية، شعبية الحركة والقدرات والوسائل، وبعبارة اخرى ينبغي ان تتم عملية تعبئة شعبية شاملة لكل طاقات وامكانات وتخصصات ومجالات نشاط المجتمع كله، كل فئة بحسب نطاقها ومسؤلياتها، ولا يلجأ الى استخدام القوة العسكرية الا  في حالات محدودة تقتضيها الضرورة فقط وترجمة لما سبق وتجسيدا عمليا له، وعلى صعيد بلادنا اليمن، فاننا ندعو وبالحاح الى الاسراع والمبادرة لاقامة صيغة او شكل من اشكال التنسيق والتعاون الفعال والايجابي والعملي بين الاحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الجماهيرية والشخصيات الثقافية والاجتماعية في البلاد من جهة، وبينها وبين الجهد والتحرك الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة في الحرب ضد الارهاب، صيغة تحرك عملي ميداني تتوفرلها القدرة على الاشتراك العملي للشعب بقواه وقدراته وطاقاته وامكانياته الهائلة متضافرة ومتكاملة ومتناسقة مع الجهد الدولي في الحرب ضدالارهاب الذي بات يمثل كارثة داهمة تهددنا جميعا دون استثناء، وليس هناك أي خيار امام اي حزب او منظمة أو مؤسسة او قوة اجتماعية في الحرب ضد الارهاب، وعليها ان تحدد موقفا واضحا وحاسما اما ان تكون حقا ضد الارهاب والا معه ولا خيار ثالث بينهما. وفي هذا الصدد، فلن يكون مقبولا على الاطلاق، أن يتنصل البعض او يتهرب من القيام بمسئوليته الانسانية النبيلة في محاربة الارهاب والقضاء عليه تحت دعاوى وحجج ومبررات واهية، ولا معنى لها كالسيادة، والاستقلال الوطني، وعدم التدخل في الشئون الداخلية، وغير ذلك من المفاهيم، وذلك لان مسألة الحرب ضد الارهاب والقضاء عليه واستئصاله اصبحت مسالة تهم المجتمع العالمي كله، وأضحت من صميم اختصاصاته ومسئولياته متجاوزة لكل اعتبارات الحدود السياسية ومفاهيم السيادة والكرامة والاستقلال الوطني.. وبهذا يتم حشد وتعبئة وتوظيف القوى الخلاقة والهائلة للشعوب في حرب عالمية ينبغي ان تكون شاملة ومتعددة في مجالاتها وميادينها واساليبها وادواتها، وستكون أول تجربة عملية ذات نطاق عالمي تشترك فيها شعوب العالم في ظل نظام عالمي جديد تتشكل ملامحه وتتبلور طبيعته في اتجاه يخدم أهداف ومصالح الانسانية جمعاء وحضارتها ومكاسبها على كوكبنا الأرضي. ان تقاعسنا عن القيام بهذه المهمة التاريخية العاجلة من شأنه ان يحكم علينا بالبقاء خارج دائرة الفعل والتأثير الداخلي في بلادنا الى امد زمني طويل جدا، وسيخرج بلادنا عن نطاق التفاعل الايجابي مع المتغيرات العالمية والاستفادة من نتائجها ومعطياتها، ولعلنا نتفق على أنه لا نحن ولا بلادنا تستحق الانحدار نحو مصير مظلم كهذا.. فما بين أن نكون أولا نكون يبقى الأمر مرهون بالارادة والتصميم.    

By Editor