خطوات تمهيدية ضروريه لمصارحة ومصالحة عربية إسلامية

تناولنا على صفحات العدد 483 من صحيفة(( الوحدوي)) الصادر بتاريخ 4 سبتمبر2001م بعض المخاطروالتحديات المصيرية المحيطة بسوريا، مركزين على اهمية التحرك النشط الذي بدأته سوريا مؤخراً من أجل الإسهام في وضع حد للخلافات والتناحرات القائمة بين انظمة الحُكم العربية والتي مزقت قوى الأمة العربية واهدرت طاقاتها وشتت فعاليتها واضعفت موقفها ومقاومتها لمختلف المخاطر والتحديات المحيطة بها والتي باتت تشكل تهديداً حقيقياً وجاداً لحاضر ومستقبل امتنا يمتد ليشمل صميم وجودها ذاته، وذلك بهدف تحقيق اقصى قدرممكن من مصالحة عربية اسلامية تضمن المستوى الضروري والمُلح من التنسيق والتعاون ووحدة الموقف والتحرك العربي الإسلامي في ظل استراتيجة يُتفق عليها تحقق ارضية مشتركة من الرؤى والأهداف، والعمل ولو على مستوى الحد الأدنى المشترك والقادرعلى الدفاع وحماية المطالب والمصالح والتطلعات العربية الاسلامية العادلة.. واستمراراً لسياق التناولة السابقة، نتحدث اليوم عن شروط موضوعية اساسية وأجواء ومناخات صحية وايجابية ومشجعة لابد من توافرها إبتداء كضرورة لنجاح صيغة المصالحة العربية الاسلامية المنشودة على قاعدة المصارحة القائمة على الموضوعية والصدق وتغليب المصالح والاهداف القومية العليا على كل ماسواها من مصالح  واهداف.. ذلك ان مثل تلك المصالحة، التي بات الشارع العربي الاسلامي يطرح ضرورتها بقوة وإلحاح، من غيرالممكن تصور امكانية تحققها لمجرد رغبتنا وتمنينا مهما خلصت نوايانا وصدقت توجهاتنا، بل لابد من القيام بسلسلة من الخطوات والمبادرات التمهيدية الاولية الدافعة والمحفزة على قيامها وتحققها عملياً على ارض الواقع.. وبعيدا عن كافة اشكال الإتهام والادانة والمكايدة السياسية والتعصب للرؤى والمواقف السياسية ، واحتكاماً الى أقصى حد ممكن من التجرد والموضوعية، وحرصاً وتغليباً للمصالح والتطلعات والأهداف القومية الاسلامية العليا وبدون تجنٍ او إثارة للجروح والمشاعر الفائرة، يجب علينا جميعاً ان نُقِر ونعترف بحقيقة جلية واضحة بأن غزو العراق لجارته وشقيقته دولة الكويت الصغيرة في 2 أغسطس 1990م كان خطأ استراتيجاً تاريخياً فادحاً وقاتلاً ومدمراً، تمثلت أهم وأخطر أثاره ونتائجه المروعة بالاتي: 1)  التخريب والتدميرالشامل لدولة الكويت في ثروته النفطية ومنشأته الحيوية وكيانه السياسي وأرصدته المالية بل وحتى بئيته الطبيعية. 2)  استنزاف وتبديد الثروات والموارد المالية والاقتصادية للدول العربية الغنية(( دول مجلس التعاون الخليجي)) التي فُرض عليها فرضاً تسخيرها وتوظيفها لازالة العدوان على دولة الكويت وحماية وجودها بايقاف العدوان والحيلولة دون امتداده  ليشملها جميعا.. 3)  حدوث أخطر وأوسع إنقسام حاد وعميق في العلاقات العربية العربية وإنهاء الشكل الضعيف والمحدود للتضامن ووحدة الموقف العربي الذي كان قائماً قبل العدوان، وخلق حالة من الشك المخيف بجدوى وامكانية الوحدة العربية . 4)  خلق المبرر الكافي والمعقول وفتح المجال واسعاً لدخول وتمركز القوات العسكرية الجرارة من مختلف انحاء العالم، وخاصة القوى الاستعمارية والطامعة الكبرى، إلى أخطر وأهم منطقة من الوطن العربي واكثرها حساسية.. وتزامنَ دخول هذه القوات الأجنبية مع إدخال شعورنفسي عميق وواسع الى عقلية الانسان العربي مؤداه بأن الأجنبي وقواته هي الضامن الوحيد لحماية العربي من بطش وجبروت شقيقه العربي .. 5)  واخيراً إضعاف العراق وتدميره تماماً بفرض حصار شامل عليه وتجريده من اسلحته وقواه العسكرية وإجهاض نهضته الصناعية التي كانت تؤهله ليصبح دولة صناعية متطورة كبرى في العالم، ومنع الغذاء والدواء عن شعبه المسكين والمغلوب على أمره. وكل هذه الاثار والنتائج المروعة التي ترتبت على العدوان اللا مبرر له على دولة الكويت عملت متفاعلة مع بعضها البعض ومع غيرها، على وضع القرار والادارة العربية وسط وتحت تأثير جملة من العوامل والاعتبارات والضغوط المتزايدة والمفروضة التي حدّت وقلّصت، بمستويات متفاوتة، على حريته وإرادته المستقلة، ودفع بالعديد من الدول العربية، ربما على غير ارادتها الى إعطاء اهتمام اكثر لتعزيزعلاقاتها مع القوى الدولية الكبرى على حساب تهميش وإضعاف التوجه العام والطبيعي لتعزيز وتقوية وتوسيع نطاق علاقاتها بشقيقاتها العربيات.. هذا بالإضافة الى آثار ونتائج مدمرة ورهيبة سبق ان ترتبت على الحرب التي نشبت بين العراق وايران عام 1979م ولمّا يمض على إنتصارالثورة الاسلامية في ايران وسقوط النظام الشاهنشاهي فيها سوى اشهر قليلة جداً، واستمرت رحى الحرب مدمرة للبلدين الشقيقين دائرة لأكثر من ثمانى أعوام متواصلة..  إن واقعاً عربياً هذه ملامح وضعه الراهن وتلك هي أسباب وعوامل تمزقه وتفككه وضعفه، يصبح الحديث في ظله وتحت أجوائه ،عن مصالحه حقيقية وايجابية وفاعلة بين دوله المختلفة، حديثاً حالماً ومثالياً مالم تسبقها وتمهد لها مصارحة غير محدودة تتسم بالمسئولية والحرص وتنبني على قدرٍعال من الجرأة والشجاعة والوضوح التام بهدف التنقية الكاملة للشوائب والمحبطات والتصفية الصادقة للمشكلات والمعوقات والتطييب والتطمين وإعادة الثقة المفقودة الى النفوس والعقول مستفيدين من دروس وعِبر ومعطيات ونتائج التجارب السابقة حتى يمكننا تأسيس مصالحة عربية اسلامية ثابتة راسخة ايجابية وفعالة وسط حقائق عصر جديد لا مكان فيه ولا مكانة إلا للكيانات والتكتلات الكبرى القوية والقادرة على فرض نفسها وحماية مصالحها وتطوير واقعها من خلال منافسة حادة لا ترحم ولا تجامل.. وعلى صعيد هذه المصالحة العربية الاسلامية التي باتت مطلباً استراتيجياً مُلحاً وضروريا للأمن القومي العربي الاسلامي، وفي إطار الخطوات التمهيدية الاساسية الضرورية ، فإن المصالح العليا القومية الاسلامية تناشد العراق قيادة وشعبا، وخاصة سيادة الرئيس صدام حسين شخصياً ، ومن اجل الامة العربية والاسلامية عامة، ولمصالح العراق في حاضره ومستقبله كقوة عربية بارزة ورئيسية، ان يبادر مبادرة خيرة وشجاعة لوضع حد نهائي وشامل ومعالجة كافة ما نتج عن غزو وتدمير دولة الكويت من آثار وتداعيات ونتائج على نحو وأساس أخوي ودي من اجل وفي سبيل الحفاظ على مصالح وغايات الامة العربية والاسلامية وليس لأي شيء اخر غيرها.. ولعل اول ما تستلزمه مثل هذه المبادرة وتوجبه قبل أي خطوة اخرى إيقاف تصريحات بعض القادة العراقيين التي تطلق بين الحين والآخر مُحمَلة بأقصى درجات التخويف والتهديد لدولة الكويت بعدم الإعتراف بحدودها الدولية والتصميم على إعادة غزوها وضمها للعراق مرة اخرى، واستبدالها بتصريحات اخرى من أجل إزالة المخاوف والشكوك الكويتية وطمأنتها والعمل على بناء جسور الثقة المفقودة وتعزيزها وتأكيدها بمختلف السبل والوسائل وسط المناخ المتولدعن هذه التصريحات تأتي بقية إجراءات وخطوات المبادرة العراقية القومية المنشودة والمطلوبة بإلحاح حتى وإن اقتضى الأمرالاعتذار للكويت والقبول بمبدأ التعويض ورد كل ما اُخذ منها عنوة بما في ذلك مسألة المفقودين او الآسرى الكويتيين مجهولي المصير حتى الان، ولن يكون من شأن مبادرة كهذه الانتقاص من هيبة العراق وقوته ومكانته، بل على العكس تماماً سيعزز من مكانته وقوته وهيبته ومكانته ودوره القومي الاسلامي بما سيكسبه من مشاعر التأييد والاستحسان على المستويين العربي الاسلامي.. وعلينا جميعاً ان نفهم وندرك ونقدر تقديراً كاملا شعور الكويت الحقيقي بالقلق والمخاوف وعدم الثقة الناتجة عن التجارب التاريخية المريرة التي عاشتها مع الجارالشقيق الأعظم العراق، ومن حق الكويت تماماً ان تطمئن الى توافر كافة الضمانات التي تراها كافية للحفاظ على كيانها ووجودها وحاضرها ومستقبلها، وعلى العراق ان يدرك ذلك ويقدره تمام التقدير، وليس جديداً على العراق وقائده القيام بمبادرات شجاعة وجريئة وواعية، اذ سبقت المبادرات التاريخية المشهودة التي اعلنها سيادة الرئيس صدام حسين قبل اندلاع حرب الخليج الثانية بقليل في رسالته المعلنه الموجهة الى الرئيس الايراني آنذاك هاشمي رفسنجاني التي اعترف العراق فيها بمؤامرة القوى الدولية الكبرى في إشعال الحرب بينه وبين ايران، وأن العراق مستعد الآن لفتح صفحة جديدة على أنقاض الحرب بين البلدين تقوم على التعاون والتلاحم بل والتحالف كما فهمت معلناً التزام العراق بمعاهدة الجزائر لتقاسم مياه شط العرب التي سبق ان الغاها قبل اندلاع الحرب مباشرة من طرف واحد، وكانت تلك المبادرات العراقية تجاه ايران شجاعة بالفعل وعظيمة وكان بامكانها التأسيس لعلاقة تاريخية شاملة وابديه مع ايران لولا انها جاءت في ظرف وتوقيت غير ملائمين تماماً، فهئ اولاً جاءت إثر غزوالعراق للكويت وإعلان ضمه الى العراق وهو ماعكس ضلالاً كثيفة من الشك بمصداقيتها، وثانياً أنها جاءت والقوات الدولية تتمركز في المنطقة وتستعد لخوض حرب ضد العراق لتحريرالكويت مما جعل المبادرة تبدو وكأنها مجرد خيارتكتيكي مؤقت فرضته الظروف المحيطة بالعراق وليس نابعاً عن قناعة عراقية صادقة، واخيراً فان المبادرة جاءت دون مقدمات وخطوات تمهيدية كافية ولمّا تزل آثار ومأسي حرب البلدين التي دامت لأكثر من ثماني اعوام متواصلة، ماثلة لعيان الايرانيين وتضغط على مشاعرهم وضمائرهم وتقض مضاجعهم، ولهذه الاسباب، وربما اسباب اخرى اضافية، لم يكن مقدراً ان يكتب لتلك المبادرة النجاح .. غير انه وبالمقابل فإن مبادرة تاريخية شجاعة مماثلة تجاه الكويت باتت مطلوبة ومُلِحة حيث ان أمامها كامل شروط وإمكانيات وضمانات التحقق والنجاح، خاصة بوجود التحرك والدورالسوري الذي يحظى الآن بثقة واحترام جميع الاطراف العربية والاسلامية ذات العلاقة، العراق والكويت من ناحيه والعراق وايران من ناحية اخرى بالاضافة الى دعم ومباركة كثير من الدول العربية والاسلامية وخاصة الدول الكبرى منها كمصر والسعودية واندونيسيا والباكستان وغيرها.. ان المتتبع بطبيعة وابعاد تحركات وفعاليات الدور السوري، يلحظ مؤشرات وشواهد تشير الى ان القيادة العربية السورية تتحرك وفقاً لرؤية استراتيجية قومية واضحة ومتكاملة ومحددة يبدو فيها السعي العملي الدؤوب لتحقيق مصالحة عربية قائمة على المصارحة الصادقة بين مختلف الدول العربية وتصفية الشوائب والخلافات والصراعات التي عكّرت صفوعلاقاتها وصولاً الى وحدة موقف وتحرك عربي واحد إزاء مختلف التحديات والمخاطر المحدقة بالأمة العربية، وكأنه هدف مرحلي على طريق إعادة بناء النظام العربي على أسس وصيغ وآليات جديدة وفعالة تجعل من الوطن العربي تكتلاً كبيراً اقتصادياً وسياسياً واستراتيجياً قادرا على الدفاع عن مصالحه الحيوية والوقوف الكفؤ والفعال أمام ضراوة وشراسة المنافسة من قبل التكتلات القارية العالمية الكبرى.. وإذا ما كان ذلك كذلك، وهو ما يجب ان يكون، فأن سوريا ستكون محتاجة بالضرورة الى العمل إبتدأ في اتجاه تشكيل واقامة مركز ثقل سياسي يتمتع بثقل وتأثير حاسم بالنسبة لسائر الدول العربية لشدها وإشراكها في العملية التاريخية المنشودة ببناء نظام عربي جديد، وهناك شبه إجماع على ان كل من مصر وسوريا والسعودية مؤهلة تماماً لتشكيل النواة المركزية او مركزالثقل الاستراتيجي القادر على الانتقال بالأمة العربية الى آفاق مرحلة جديدة ونوعية من النهوض الحضاري الشامل.. ذلك هو التحدي التاريخي .. فهل يستجيب العرب؟ نأمل ذلك.   صحيفة الوحدوي      

By Editor