ان الحديث عن مدرسة فقهية, بمثل عظمة وثراء وحيوية وتميز الزيدية, يحتاج الى سلسلة من الكتب والمؤلفات المتخصصة في مجالات متعد دة كالفقه، والاصول، والتفسير, والحديث ، والفلسفة, والسياسة, ولاقتصاد، وغير ذلك من العلوم.. لاعطاء صورة تفصيلية كاملة–متكاملة- وشاملة حول الزيدية بالنظر الى غزارة انتاجها الفكري والحجم الهائل لمؤلفاتها وتراثها والتميز الابداعي المرافق لاجتهاداتها فى الكثير من المجالات.. وبالتالي فان الحديث عنها من خلال مقالات او دراسات صحيفة, مهما تعددت, يظل قاصرا وعاجزا عن تقديم ولومجرد لمحة عامة حول الزيدية بمختلف جوانبها0 ومع ذلك فنحن هنا مضطرون لخوض غمار محاولة رسم خطوط عريضة اوبالاصح عناوين رئيسة لبعض معالم وجوانب في الزيدية نراها مهمة ومحل اهتمام معاصر.. ونود بادئ بدءان نقف وقفة سريعة لمناقشة اولئك الذين يحاولون- عن جهل علمي او تجهل متعمد- انكار وجود الزيدية في اليمن بالفصل والتفريق بينهاوبين الهادوية ووجود اختلافات بينهما ليس في الفروع بل وفي الاصول!! كما يدعون, وهو ادعاء قائم على غير اساس من العلم والواقع ولم نجد على صفحات التاريخ منذ عهد الامام المؤسس زيد بن علي زين العابدين( 80- 122ه ) حتى يومنا هذا, ان احدا من العلماء والفقهاء والباحثين والمهتمين قد قال بوجود مثل هذا الاختلاف بين الزيدية والهادوية في الاصول والفروع, بل ينعقد اجماع على ان ماوجد واسس وبني في اليمن منذ مجي الامام الهادي الى الحق يحيى بن الحسين اليهاعام280ه هوالزيدية موحدة في اصولها.. متعددة ومتنوعة وثرية في اجتهاداتها وانتاجها الفكري الغزير والواسع, الذي ينطلق من الاصول الاساسية الخمسة التالية: 1- التوحيد: بان الله سبحانه وتعالى ا له واحد ليس كمثله شي وهو خالق كل شي يدرك الأبصار ولا تدركه الأبصار وهو اللطيف الخبير0 2- العدل: بإن الله سبحانه و تعالى عدل حكيم غير جائر لايكلف نفسا الا وسعها ولايعذبها الا بذنبها, لم يمنع احدا من طاعته بل امر بها, ولم يدخل احدا في معصيته بل نها عنها0 3- الوعد والوعيد: بإنه جل جلاله صادق الوعد والوعيد يجزي بمثقال ذره خيرا ويجزي بمثقال ذره شرا فمن صيرالى العذاب فهو فيه ابدا خالدا مخلدا كخلود من صير الى الثواب الذي لا ينفد.. 4- الكتاب : بإن القرآن ا لمجيد مفصل محكم وصراط مستقيم لاخلاف فيه ولااختلاف, وان سنة رسول الله (ص) ما كان لها ذكر في القرأن ومعنى00 5- الإمامة: بإن التقلب بالاموال والتجارات والمكاسب في وقت ما تعطل فيه الأحكام وينتهب ما جعل الله للأرامل, والأيتام, والمكافيف, والزمنى, وسائر الضعفاء ليس من الحل والإطلاق كمثله في وقت ولاة العدل والإحسان والقائمين بحدود الرحمن.. وفيما يتعلق بمصادر التشريع عند الزيدية, كما يوردها الدكتور محمود صبحي في كتابة القيم ((الزيدية)) نقلا عن الإمام القاسم الرسي(169-246ه) فهي مرتبة عندهم بحسب الأولوية على النحوالتالي: 1- مسائل العقل اليقينية اولا 2- ثم الاجماع المعلوم الثابت 3- ثم نصوص الكتاب والسنة المعلومة في المرتبة الثالثة ولعله من المفيد هنا ان ننقل ما ورد نصالاهميته : (( احتج المعبود على العباد بثلاث حجج: العقل- الكتاب- الرسول, بحجة العقل يعرف المعبود, وبحجة الكتاب تتم معرفة التعبد, وجاءت حجة الرسول بمعرفة العبادة, والعقل, اصل الحجتين الاخيرتين, لأنهما عرفا به ولم يعرف بهما0ثم ياتي الإجماع حجة رابعة مشتملة على جميع الحجج الثلاث وعائدة إليها ولكل حجة من هذه الحجج اصل وفرع, والفرع يرد الى اصله, اصل المعقول ما اجمع عليه العقلاء ولم يختلفوا فيه, اما الفرع فما اختلفوا فيه ولم يجمعوا عليه وانما يقع الخلاف في ذلك لتفاوت النظروالإستدلال, وإجماع العقلاء على مااجمعوا عليه حجه محكمة على الفرع الذي وقع الإختلاف فيه00وأصل الكتاب هو المحكم الذي لا اختلاف فيه , والذي لايخرج تأويله مخالفأ لتنزيله, وفرعه المتشابه الذي يرد الى اصله الذي لا اختنلاف فيه بين اهل التأويل00 واصل السنة التي جاءت على لسان الرسول(ص) ماوقع عليه الإجماع بين اهل القبلة, والفرع ما اختلفوا فيه عن الرسول فكل ما وقع فيه الإختلاف من أخبار رسول الله فهو مردود الى اصل الكتاب والعقل والإجماع)) انتهى. فإذا نحن أضفنا الى ما سبق ذكره انفا الإشارة الى بعض ما يستحضره الذهن من القواعد الاساسية التي تضبط مسار الإجتهاد في الفقه اوالتشريع الزيدي مثل: ** تحريم التقليد على كل من امكنه الإجتهاد ** علم الإنسان مقدم على علم غيره ** تقليد الحي مقدم على تقليد الميت تحريم التقليد في مسائل التكفير والتفسيق ولو كان تقليد الإمام الهادي نفسه. ** عدم جواز النهي عن المنكر في المسا ئل المختلف حولها ** والاختلا ف حول اية مسألة يصيرها ظنية .. وغيرها من القواعد التي تحث على الإجتهاد والتجديد والتجدد والتسامح والإقرار بسنة الإختلاف والقبول بالآخرين والتعايش معهم.. فإننا نستطيع التاكيد الجازم على حقيقتين جوهريتين فيما يخص النظرة تجاه الزيدية وهما: الحقيقة الاولى: ان الزيدية التى اضفى عليها الإمام الهادي صفة متميزه في اليمن وهي الإقتران بعملية اوبتجربة اقامة نموذج عملي تطبيقي لنظام حكم اسلا مي, على نحوادى الى تلازم تفاعلي جدلي عضوي بين النظريه والتطبيق, وذ لك ما اهل الزيدية في اليمن وجعلها تحتل مركزا رياديا خلاقا وبا رزا في اغناء واثراء وتجديد الفكروالتشريع الإسلامي وإكسابهما القدره على التعامل مع التطورات والمتغيرات الجاريه من حولها 0 الحقيقه الثانية:إننا نتفق مع القائلين بإن الزيدية ليست مذهبا فقهيا كسائر المذاهب الفقهيه الإسلاميه, لكن هذا الإتفاق في محصلته النهائيه لاينتهي الى محاولة شطب وإلغاء الزيدية كما يريدون للأسف, ولكننا نهدف من وراء هذا الإتفاق الى التأكيد- دون مغالاة اوتحيز- – بإن الزيدية اكبر واشمل وأخصب واعمق من المذهب الفقهي بمفهومه المتعارف عليه0 ان ادق ما يمكن ان توصف به انها منهج فكري علمي متكامل يعمل على دفع مسيرة الفكر والتشيع الإسلامي لارتيادالآفاق الرحبة الواسعة للإجتهاد والتجديد والتجدد المستمر لاستيعاب وإدراك تطورات العصر ومتغيراته المتسارعة, ووضع الحلول الإسلامية المبتكرة لواقع ومشكلات الإنسان والمجتمع المسلم على اعتاب القرن الواحد والعشرين .. إنه منهج يصلح اساسا منهجيا لحركة وعمل كافة المذاهب والإجتهادات الإسلامية دون استثناء إذا هي أرادت فعلا اللحاق بركب التطور والتقدم والحضارة الإنسانية المعاصرة, على ضوء تعاليم الإسلام وقيمه وأخلاقياته السامية, فبفضل هذا المنهج اسطاعت الزيدية ان ترفد الحياة في سالف الأيام بمعين متجدد مبدع لاينضب من الأفكار والإجتهادات والحلول والمعالجات المبتكرة لقيود التعصب والعداء, وهو ما يفسرذلك القدر الهائل من التعدد والتنوع والإختلاف في الإجتهادات والأفكار والآراء داخل اطار الزيدية ذاتها إعمالا لمنهج فكري علمي واحد في النظر والتحليل والإستنتاج 0 وبعد هذا كله :-أليس مما يدمي القلوب .. ويفجع النفوس.. ويصدم العقول ان تطلع علينا كتابات صحفية لبعض مرضى النفوس والعقول, مطالبة الدول ومستعدية لها لتقوم بإلغاء وشطب وإعدام الفكر الزيدي هذا من حياة ووجدان اليمنيين بدعوى خطورته الماحقة على وحدة البلاد الوطنية ؟!! وتصوروا –بالله عليكم- لوحدث هذا- وهو مستحيل- ورأيتم الآلاف من كتب ومؤلفات ومصنفات الزيدية التي كانت نتاج عقول عبقريه مستنيرة للمئات من الأئمة والعلماء والفقهاء العظام يعمل فيها معول الهدم والإحراق على نحو ما فعله التتار ذأت يوم في بغداد .. ماذا يمكن ان يتبقى لنا بعد ذلك من شىء يمكننا ان نباهي ونفاخر..لا شىء ابدا سوى طمس الهوية وإنكار أي إسهام لليمنيين في الحضارة الإسلامية !! وإلى اللقاء مع الحلقة القادمة بإذن الله تعالى بعنوان((الزيدية والإمامة والعنصرية)).