هذا المقال يمكن اعتباره ملحقا للدراسة السابق نشرها بعنوان “السياسة التركية الجديدة.. محاولة اولية للفهم” والمكونة من حلقات اربع ،إذ وجدنا ان تجربة “حزب العدالة والتنمية” الحاكم في تركيا تتطلب مزيدا من الضوء والتفصيل ، نظرا لاهميتها البالغة سواء كحزب سياسي من حيث دوره واساليبه وآلياته وفهمه المتميز لطبيعة الحزب وادائه ،او من حيث نشأته ونجاحه وفاعليته في إطار وظل دولة علمانية شديدة الغلو في علمانيتها ووصولا الى حكم هذه الدولة رغم خلفيته او مرجعيته الاسلامية الدينية .. وذلك انطلاقا من قناعتنا بان تلك التجربة الفذة والناجحة والمتميزة ستصبح ، او بالاصح انها قد بدأت تطرح نفسها بقوة ، على امتداد العالم الاسلامي والعربي من ضمنه ، كنموذج مشع وجاذب لملايين الشباب الحائر بين خيارات الدين ومدنية الدولة ، اضافة الى معاناته العميقة وخيبة امله في الكثير من الصيغ والتجارب الحزبية التي عاصرها وهي ترتقي الى القمة بسرعة فائقة ثم وجدها تهوي وتنحدر الى الحضيض بذات معدل السرعة ! واذا كنا في سياق حلقات الدراسة آنفة الذكر قد سلطنا بعض الاضواء الخاطفة حول الجانب المتعلق بنجاحه الفائق كتنظيم حزبي فَهِم معنى وظيفة الحزب في المجتمع من حيث ادائه لوظائف اجتماعية ثقافية اقتصادية خدماتية لصالح الجماهير وبها ومن خلالها ،وتمكن من خلق قاعدة شعبية واسعة وراسخة تلتف حوله وتدعمه وتسانده وتصنع نجاحاته وباساليب وادوات وآليات مبتكرة وعملية وفاعلة ، على نحو جعله متفردا ومتميزا الى حد كبير عن الغالبية العظمى من التجارب والصيغ الحزبية التي نشأت وصعدت ثم تلاشت في الكثير من بلدان العالم الثالث ، فاننا لانريد هنا الخوض مجددا في هذا الجانب العملي من تجربة حزب العدالة والتنمية كأداة عمل حزبي منظم ، لافتقارنا الى معرفة ومعايشة ميدانية مباشرة لمساره وحركته وآلياته ووسائله ، بل سنقتصر في مقالنا الملحق هذا ، على الجانب النظري الفكري المتعلق بنجاح الحزب نجاحا منقطع النظير في حسم القضية الاكثر جدلا واثارة للبلبلة والاختلاف والانقسام في العالم الاسلامي عموما ، وهي المتعلقة بالعلاقة الملتبسة بين الاسلام – الدين – وعلمانية الدولة ، رغم انها لاتزال حتى اليوم موضوعاً لجدل ساخن ومساجلات حامية وخلافات حادة ومؤلمة بين المسلمين .والواقع ان الاسس العلمانية الصارمة التي اختارت الدولة التركية الحديثة ” الاتاتوركية” اقامة بنيانها عليها وبموجبها ، اتسمت بقدر مبالغ فيه من الغلو والتطرف الذي ربما نتج اساسا عن الخلط وسوء الفهم لطبيعة “العلمانية” ومداها ومجالها ، حيث اعتبرتها – خطأ – كسياسة او منهج معاد لكل ماهو ديني جملة وتفصيلا ، وهو مايناقض مفهومها “الاصلي” أو قل “تعريفها ” الاصلي” عند اصحابه المفكرين الاوروبيين الذين ابتدعوه وصاغوه ، اذ يرى المفكر المبدع الدكتور عبدالوهاب المسيري في موسوعته القيمة ” اليهود واليهودية والصهيونية ” ان مفهوم “العلمانية” في مبتدأ نشأته كان يتحدد في “فصل الكنيسة عن الدولة” اي إنهاء سيطرة وتحكم رجال الدين “الاكليروس” – المتحكمين بالكنيسة اصلا- ، بشؤون الدولة وممارستها لوظائفها المدنية الدنيوية ، وكان اول تطبيق لمفهوم “العلمانية” ذاك مصادرة الدولة لاملاك واقطاعيات الكنيسة ، ولم يكن يعني، باي حال من الاحوال ، فصل “الدين” عن” الدولة والمجتمع” ، بل ظلت الدولة منذ ذلك الوقت وحتى اليوم تَدعم ماليا وتُشجع التعليم الديني وتتخذ لها شعارات ومبادئ دينية صميمة ، وفي بعض تلك الدول كان “الملك” او “الملكة” هئ في نفس الوقت رئيسة الكنيسة ، وماحصل في حقيقة الامر ينحصر في انهاء سيطرة وهيمنة رجال الدين على الدولة في وظائفها ومهامها .. في تركيا الحديثة “الاتاتوركية” كان التوجه مندفعا الى غير الوجهة الصحيحة،اذ راحت تلغي وتزيل وتنهي كل مايدل او يرمز الى الدين ابتداء من الغاء استخدام الحروف العربية في كتابة اللغة التركية الى تحديد الزي او الملبس الفردي للانسان التركي مرورا بسلسلة من الاجراءات والتشريعات المتصلة بالامر بما في ذلك حظر الاحزاب ذات المسمى الديني ، وجعل الجيش مُكلفا بحماية النظام العلماني ذاك اضافة الى مؤسسة قضائية لها نفس المهمة والهدف .. على انه وبرغم الغلو والتطرف في فرض علمانية قاسية صارمة ، فان الواقع التركي يشهد في نفس الوقت ، ان الدولة التركية الحديثة “الاتاتوركية” لم تعمد الى استئصال واجتثاث كل مايمت الى الاسلام الدين بصلة مثل “التدين الفردي” او التعليم الديني الخاص ، وانما اقتصر الامر على الدولة ومؤسساتها وهيئاتها ونظمها التشريعية والتعليمية والثقافية ، ففي ظلها وبالتزامن معها ، نشأت ونشطت وتوسعت “حركة اهلية دينية صوفية تمثلت بجماعات “رسائل النور” التي اسسها وصاغ افكارها ومضامينها وتعاليمها الامام بديع الزمان سعيد النورسي ، حتى شملت انحاء تركيا كلها وتجاوزتها لتنتشر في ربوع العالم باسره اليوم ، هذه المدرسة التربوية البا لغة الأهمية هي التي حفظت التدين الفردي للشعب التركي ومَثٌلت ، في الوقت ذاته ، البيئة الملائمة والقاعدة الشعبية الهائلة ، لنشأة وحركة وتطور حزب “العدالة والتنمية” الحاكم اليوم وماسبقه من تجارب وصيغ حزبية مماثلة، واعتقد ان الفضل يرجع اليها بالدرجة الاولى في نجاح ذلك الحزب ونمو نفوذه وتأثيره .. ولعل سر نشوء واستمرار ، مدرسة “رسائل النور” ذات المنحى “الصوفي المعاصر” يكمن في ادراكها المبكر والصائب بان الاشتغال بالسياسة والصراعات السياسية هو المفجر دائما للصراعات والمواجهات الدامية المدمرة بين “الحكم” و ” الجماعات الاسلامية” ، فنأت بنفسها منذ البدء عن الخوض في السياسة ودهاليزها وصراعاتها المدمرة ، معلنة اقتصارها على التنشئة والتربية الدينية السلمية المتسامحة فقط ، محرمة الاقتراب او الانزلاق الى المعترك السياسي بشكل مباشر او غير مباشر ، فازالت هواجس الحكم ومخاوفه وشكوكه وتجنبت انيابه ومخالبه ، وعملت بهدوء وامان وسكينة ، بل واصبحت مقصدا للاحزاب والسياسيين الساعين الى نيل رضاها ومباركتها في مقابل تسهيلات ومكاسب اكثر لحركتها ونشاطها حين وصولهم الى سدة الحكم ! ووسط هذا المناخ الذي اشاعته نشأ حزب “العدالة والتنمية” وما شاكله من صيغ حزبية سابقة له وترعرع وقوى ساعده، في حين باتت “جماعة رسائل النور” منتشرة في كل ارجاء تركيا والعالم اجمع، واعتقد ، على ضوء ماسبق ، ان مجمل افكار وتعاليم مدرسة “رسائل النور” الثرية والخصبة والمبنية على ” اصالة الدين” و”معاصرة الحياة ” وبما تتسم به من روح تسامحية وحب كوني وتعايش سلمي بين البشر اجمعين ، قد اسهمت اسهاما كبيرا في امتلاك الحزب لرؤية فكرية صائبة مَكنته من حسم القضية المحورية الحساسة المتعلقة بالديني والعلماني على نحو ايجابي مبدع اثبت نجاحه الباهر ، فاذا كانت “العلمانية” في تعريفها ومفهومها الاصلي انما اقتصرت على انهاء ومنع سيطرة وهيمنة رجال الدين في الكنيسة على الدولة وشئونها المجتمعية ، وجعل الدولة دولة مدنية لادينية بمعنى احتكار رجال الدين لها ، فان الدين الاسلامي يدعو الى ذلك ويحث عليه في تعاليمه وقيمه ومقاصده ، فمعلوم ان الدين في الاسلام يقوم على مبدأ “المسئولية الفردية الكاملة” فالانسان الفرد مسئول وحده عن اعماله وهو وحده الذي سيخضع للحساب ” ثوابا” و “عقابا ” يوم القيامة حيث “لاتزر وازرة وزر اخرى” ، وان امور الناس شورى بينهم جميعا ، ولايُقِر مطلقا بوجود طبقة تمثل “رجال دين” فيه مطلقا ولا يحجز لهم مكانة سامية فوق الشريعة والمجتمع، وسنة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) المتمثلة في اسس ومضامين اقامة ” اول مجتمع اسلامي” في التاريخ في ” المدينة المنورة ” تشير ، بما لايدع مجالا للبس او الشك، من خلال نصوص “صحيفة المدينة” كاول دستور للمجتمع الجديد يحدد حقوق وواجبات وعلاقات مكونات ذلك المجتمع المتعدد الاعراق والمعتقدات الدينية ، ان “السلطة” في المجتمع مسألة “مدنية” تقوم على تراضي واتفاق مكونات المجتمع كله “هذا كتاب من محمد النبي بين المهاجرين واهل يثرب ،بمن فيهم اليهود وغيرهم ،انهم امة مؤمنة واحدة من دون الناس ،وان كل على ربعته يتعاقلون معاقلهم الاولى يفدون عاينهم بالقسط والمعروف بين المؤمنين . وكون تلك الصحيفة ملزمة فقط “لمن اقر بما في هذه الصحيفة ” وان “لليهود دينهم وللمسلمين دينهم ” والتعاون والنصرة بينهم واجبة الى آخر هذه المضامين التي تؤسس لمبدأ “مدنية السلطة” او الدولة حيث حرصت الصحيفة على ان تتركز السلطة الفعلية في قاعدة الهرم الشعبية وليس في قمتها العليا منعا للتسلط والجبروت والطاغوت ،” كلا ان الانسان ليطغى ان رآه استغنى ” وواضح ان حزب العدالة والتنمية ، متاثرا بافكار وتعاليم مدرسة جماعة رسائل النور الدينية الصوفية ، لم يجد تناقضا او مُحرما ان ينشأ ويتحرك وينمو ويتسع ويقوم بدوره السياسي الشعبي في ظل “الدولة العلمانيةالتركية” القائمة ووفق اسسها ودستورها ومنظوماتها التشريعية وآلياتها وضوابطها واحكامها .. مادامت حرية الانسان وحقوقه وكرامته مصونة ومضمونة ، وهو بهذا الموقف الفكري الصائب والسليم ، المستمد من افكار وتعاليم جماعة ” رسائل النور” ، ينسجم ويتوافق ويتطابق مع جوهر الاسلام الصحيح ونموذجه التطبيقي المتمثل في “صحيفة المدينة” والمجتمع الاسلامي الاول الذي اسس في المدينة المنورة على هديها ومضامينها العظيمة ، ان موقف حزب العدالة والتنمية الحكيم هذا هو الذي شكل الجسر الامين والآمن الذي اوصله الى حكم وقيادة تلك “الدولة العلمانية” القائمة على ديمقراطية حقيقية ، وذلك تعبيرا عن ارادة الشعب التركي الحرة وخياره الديمقراطي الحر، ولو وجد هذا الحزب ، على سبيل الجدل ، في بلد غير”علماني” وغير” ديمقراطي” لكان من المستحيل عليه ان يصل الى الحكم إلا عبر عملية انقلابية دموية مدمرة ، تجعل منه بشكل تلقائي سلطة حُكم ديكتاتوري شمولي قمعي الى ان تحل محله وبنفس الاسلوب قوة او حزب آخر وهكذا في دوامة لاتنتهي مآسيها وكوارثها المأساوية ، ولو انه اتخذ موقفا ” مناقضا ” لموقفه الايجابي المثمر ذاك لكانت تركيا والشعب التركي العظيم اليوم في عالم آخر وفلك مختلف وموقع مغاير تماما لما هو عليه اليوم من توافق مع مكوناته التاريخية والثقافية والحضارية العميقة الجذور والبالغة الثراء والحيوية ومن نهوض وتطور حضاري شامل . ان حزب العدالة والتنمية الحاكم والقائد اليوم لتركيا وشعبها المجيد ، يطرح تجربته وخبرته ومسيرته الناجحة كنموذج يرسل اشعاعاته المتألقة وتأثيراته الايجابية الفذة ، كجاذب وقدوة أخاذة مقنعة الى شباب وجماهير العالم الاسلامي والعربي في صميمه ، جديرة بالاحتذاء بها والاهتداء بعبرها ودروسها المستخلصة ، وبذلك فانه يقوم على نحو مباشر وغير مباشر ، بدور “المرشد” و”المعقلن” و”المنضج” لكثير من الجماعات والحركات والافكار ذات المرجعيات والخلفيات الدينية الاسلامية ، على امتداد العالم الاسلامي والعربي كله ، والتي جنحت وشطحت وانساقت نحو العنف والتطرف والغلو وسفك الدماء وازهاق الارواح باسلوب مجنون ومخيف ، انطلاقا من فهم مغلوط وقاصر لجوهر الاسلام وتعاليمه العظيمة ، جعلها تختزل الاسلام بعظمته وسموه ، فلا ترى منه سوى انه دين حرب وقتل وسفك دماء وتدمير وتخريب ، وهي امور جاء الاسلام من اجل انهائها وتحريمها إلا في حالة الضرورة القصوى المتصلة بصد عدوان او دفاع عن نفس ، وماعدا ذلك ” فلا تعتدوا ان الله لايحب المعتدين” ، واهملوا او تناسوا ان الاسلام دين حِفْظ الحياة واشاعة المحبة والتعاون والاخاء من اجل إعمار الارض وتطوير حياة الانسان ومعيشته وإرساء السلام والأمن والامان والاستقرار ، وصيانه حرية الانسان وكرامته، وآدميته فوق كل اعتبار ، ” لقد ارسلنا رسلنا بالبينات وانزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط” ، ان تلك الجماعات والحركات والافكارأساءت الى دين الله كثيرا وشوهت صورته وطمست جوهره العظيم امام العالم اجمع للاسف الشديد وأساءت استخدام الدين وتوظيفه لتحقيق مصالح دنيوية سياسية ومطامع خاصة بها والاسلام اسمى وأجل وأعز من ذلك بكثير ، والراجح ان تجربة ونموذج حزب العدالة والتنمية التركي سيلقي على عاتقه مهمة عظيمة تتمثل باعادة الاسلام الى جوهره الاصيل وابراز قيمه السامية في تقديس الحياة وحفظها وحمايتها وفي نشر السلام والاخاء والتعاون الانساني على الخير والرفاهية والتعايش الايجابي بين جميع البشر بصرف النظر عن اعرافهم ومعتقداتهم واجناسهم إلا بالعمل الصالح والتقوى . انها لمهمة تاريخية جسيمة وعظيمة ستشكل مدخلا لنهضة حضارية اسلامية انسانية ديمقراطية متألقة يرى الكثيرون ان حزب العدالة والتنمية وتركيا جديرون بها واهلها ويملكون الرؤية والقدرة على النهوض باعبائها ومتطلباتها على خير مايرام ان شاء الله تعالى 31 يوليو 2010م