كان بعض أصدقائي الأعزاء يأخذون علي مأخذاً سلبياً بأن نظرتي أو تقويمي سوداوي ومتشائم تماماً فيما يتعلق بواقع ومستقبل تجربتنا الديمقراطية الوليدة وهو ما يحملني عبئاً ومعاناة وجهداً مضاعفاً لأبين وأوضح المبررات والعوامل والشواهد التي استندت عليها في تشكيل موقفي ورؤيتي وهي في مجملها تتمحور حول نقطة جوهرية وهي أن الأخذ بالخيار الديمقراطي في بلادنا لم يأت نتاجاً لاقتناع مبدأي ولا بناء لإرادة حقيقية بأهمية وضرورة النهج الديمقراطي منذ البداية بل جاء بمثابة القبول التكتيكي تحت ضغط المناورات والمماحكات والمساومات السياسية بين القوى الحاكمة في دولة الوحدة اليمنية الفتية آنذاك كما أن الديمقراطية ليست شعاراً رومانسياً جميلاً يكفي لتحقيقه عملياً مجرد الإعلان عن قبوله والتغني بمزاياه ومحاسنه .. ولكنها نظام كلي متكامل ومترابط يستلزم أول ما يستلزم إحداث تغييرات بنيوية وهيكلية جذرية وعميقة وشاملة لطبيعة النظام السياسي ( الدولة ) وكامل المنظومة التشريعية القانونية السائدة والنظام التربوي التعليمي المعمول به ، ومناهج وآليات أداء مؤسسات الدولة لمسئولياتها وسلطاتها وعلاقاتها بالمجتمع ومؤسساته ومنظماته السياسية والمدنية وغير ذلك من شروط ومقومات استكمال الأرضية أو البنية الأساسية اللازمة للنظام والممارسة الديمقراطية وبدون كل ذلك يصبح ادعاء الديمقراطية مجرد غطاء دعائي للنظم الديكتاتورية الاستبدادية لا أكثر وهل يستطيع عاقل منصف أن يشهد جازما ًويؤكد بوجود ديمقراطية جادة في ظل : –    غياب البناء المؤسسي والتشريعي للدولة يضمن ديمقراطيتها ولامركزيتها ، ويحقق الفصل والتوازن الحقيقي لسلطاتها المختلفة ويكفل فاعلية المحافظة على اموالها وإمكانياتها والحيلولة دون بروز وتنامي واستفحال سوء استغلال السلطة ونهب الأموال العامة والفساد العام والفصل والتفريق الصارم بين المال العام ومال الحاكم فرداً أو حزباً  –    وضعف وهزالة وفساد السلطة القضائية في الأغلب الأعم وانعدام معايير النزاهة والحيادية في أدائها لمهامها وسلطاتها وخضوعها لتأثيرات وهيمنة سلطات الدولة العليا والتنفيذية وما يرتبط بها من مراكز قوى وأحزاب ووظائف وصحف وغير ذلك ، وذلك نتيجة حتمية لعدم توفر الشروط والضمانات والمقومات الدستورية والقانونية والمؤسسية اللازمة لاستقلال القضاء استقلالاً حقيقياً وكاملاً على نحو يحقق العدل والمساواة وحفظ الحقوق ويمنع المخالفات والأنحرافات والتجاوزات ومن أعلى مستوى في الدولة إلى أدنى مستوى فيها دون تمييز أو محاباة . –    الغياب الكلي لشروط وضمانات حيادية الوظيفة العامة في الجهاز الإداري للدولة بما يحول دون استخدام الوظيفة العامة بتوظيف إمكانات الدولة وتسخيرها في عملية الصراعات والمنافسات الحزبية لصالح حزب دون آخر على نحو غير شرعي وغير أخلاقي يفسد وينفي تكافؤ الفرص والعدالة أمام التنافس الحقيقي للقوى السياسية المختلفة ، ويعرف الجميع أن كل الدول التي تأخذ بالديمقراطية سواء في العالم المتقدم أو العالم المتخلف ، تلتزم قبل كل شيء بضمان حيادية الوظيفة العامة للدولة كأن تعتبر درجة نائب الوزير أو وكيل الوزارة فما دونها وظائف عامة تخضع لسلطة القانون الإداري والقضاء الإداري ولا يجوز مطلقاً للوزير أو المسئول الأول الذي يتم تعيينه من أعضاء الحزب الحاكم الحائز على الأغلبية البرلمانية في الانتخابات ، أن يغير أو يفصل أو ينقل أو يستبدل أياً من الموظفين العموميين ، من وكيل الوزارة فأدنى وذلك بهدف ضمان استقرار وحيادية الجهاز الإداري للدولة وإبعاده عن مؤثرات وإرباكات التقلبات السياسية والتداول السلمي للسلطة بن الأحزاب . –    وحتى لا نثقل على القراء الكرام بحديث كله تجريد نظري للبرهنة والتأكيد على أن الديمقراطية في بلادنا لا تزال شكلية وغير جادة وتفرز أثار أو نتائج مناقضة تماماً لأهداف ومقاصد الديمقراطية نكتفي هنا بإيراد واقعة عملية واحدة نموذجاً للطريقة والأسلوب الذي تتعامل به الحكومة تجاه مسائل الحقوق والحريات الديمقراطية في البلاد . –    ففي لقاء ( مقيل) جمعني بالصحفي والباحث القدير الأستاذ / محمد بن سلام الأصبحي أخبرنا أنه بصدد افتتاح مركز متخصص بالتوثيق والمعلومات قريباً بعد حصوله على ( ترخيص ) من وزارة الثقافة والسياحة مشيراً إلى الوقت الطويل والجهد المضني الذي بذله في استخراج الترخيص في وزارة الإعلام أولاً ثم في وزارة الثقافة أخيراً ، وكان الخبر باعثاً على سعادتنا وسرورنا وأعربنا له عن تهانينا لذلك الإنجاز العظيم وتمنياتنا له التوفيق والنجاح .. وبما أنني من ذوي الاهتمامات والميل إلى مثل هذه المراكز المتخصصة والنوعية رجوته أن يزودني بصورة من التصريح الممنوح له وكذا تجربته في خوض غمار مثل هذه المغامرة الطيبة للاستفادة من دروسها في حالة التفكير بتأسيس مركز بحثي متخصص وبغرض اختصار المسافة وتجاوز الدروب والمسالك وصولاً إلى هذا الهدف ولكنني أصبت بصدمة مروعة وخيبة أمل كبيرة بعد إلقاء نظرة على المواد ( الأثنى عشرة ) التي احتواها التصريح أو الترخيص الرسمي للمركز خاصة إنه أي المركز ، مختص بالتوثيق والمعلومات  أولاً: وهو مؤسسة خاصة يملكها شخص واحد معتمداً على أمواله الخاصة ، ثانياً : ثم إنه يقام في بلد يقال أنه ديمقراطي ومعلوم أن أول وأبسط مؤشرات البلد الديمقراطي هي حرية انسياب وتدفق وتداول المعلومات الصحيحة دون عوائق . –    وأظن أنكم ستوافقون على مصاحبتي في القيام بجولة سريعة لنتعرف معاً على ( دستة ) مواد الترخيص الرسمي لإقامة ذلك المركز ، فهيا بنا متوكلين ومستعينين بالله الواحد القهار . –    الترخيص منح بقرار وزير الثقافة والسياحة رقم (40) لسنة 2000م وبتوقيع الوزير وعليه ختم الوزارة الرسمي بتاريخ 10/6/2000م . –         تقرر المادة رقم (1) منح الترخيص واسم المركز بأن مقره الرئيسي أمانة العاصمة . –         أما المادة رقم (2) فتفرض على المركز الالتزام ببندين اثنين من الالتزام هما : 1-    أحكام القوانين واللوائح والقرارات النافذة وهذا شيء طبيعي ولا غبار عليه . 2-    الالتزام بالنظام الأساسي والثوابت الوطنية فالنظام الأساسي الالتزام  والتقيد به مسألة منطقية وطبيعية وواجبة لأنه محدد ومكتوب ويحدد طبيعة المركز وأهدافه وأنشطته أما ( الثوابت الوطنية ) فهو مصطلح عائم وغامض وفضفاض ولا توجد أية وثيقة وطنية رسمية تحدد ماهيتها وعددها مطلقاً .. وإنما هي مصطلحات غير محددة القسمات والمعالم عادة ما لا تحترمها وتفرضها الأنظمة الديكتاتورية غير الديمقراطية لقمع وتكميم أفواه معارضيها وتصفيتهم .. وكان بإمكان صانغي القرار أن يضعوا الالتزام بأحكام الدستور مثلاً بديلاً للصيغة المبهمة بالالتزام بالثوابت الوطنية ولكان ذلك مقبولاً . –         ثم تمضي المادة رقم (3) بالقول ( على المركز التنسيق مع الهيئات والمؤسسات المعنية حول أنشطته . –         وتعطي المادة رقم (5) الحق للوزارة أو مكاتبها في المحافظات الإشراف على أنشطة المركز ( هكذا)  . –         أما المادة رقم (6) فقد سلبت حق مالك المركز في حرية التصرف بملكيته بيعاً أو تنازلاً إلا بعد الرجوع للوزارة . –         وعلقت المادة رقم (7) حق المالك في إدخال أي تعديل حذفاً أو إضافة في النظام الأساسي بالرجوع إلى الوزارة أيضاً . –    أما المادة رقم (8) فقد فرضت على المركز التزاماً عجيباً غريباً بموافاة الوزارة بتقارير سنوية توضح فيها مستوى نشاطه . –    وإذا ما وصلت جولتنا إلى المادة رقم (9) نراها تنص على أنه في حالة الإخلال بأحكام القوانين واللوائح والقرارات النافذة يحق للوزارة تجميد نشاط المركز أو إلغاء الترخيص واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة . –    ولو أعدنا القراءة – كرة أخرى – للمواد رقم (2-3-5-6-7-8) لا تضح أمامنا بجلاء لا لبس فيه أن الوزارة قد تعمدت الإلغاء التام لحرية المركز واستقلاله وحولته إلى جزء تابع وهزيل في الكيان الرسمي للوزارة ولم تكتف بكل هذا السحق المريع لاستقلال المركز وحريته وكونه مؤسسة أهلية خاصة بل ذهبت بعيداً جداً وأعطت لنفسها في المادة رقم (9) الحق المطلق في تجميد نشاط المركز أو إلغاء ترخيصه واتخاذ سائر الإجراءات القانونية اللازمة في حقه ، دون أن تربط نفاذ هذا الحق المطلق الذي منحته لنفسها بحكم قضائي ، ولو من قبيل التمويه أو التستر باعتبار القضاء نظرياً هو صاحب الاختصاص الدستوري في تقرير مشروعية أو عدم مشروعية أي قانون أو قرارا أو إجراء تتخذه السلطات الرسمية للدولة وكذا الأفراد والمنظمات غير الرسمية . –    غير أنه من اللازم علينا امتثالاً لمقتضيات الأمانة والدقة والإنصاف أن نشهد للوزارة الموقرة حرصها الفائق ودقتها المتناهية ويقظتها التامة في وضع حساب لكل الاحتمالات والمفاجآت غير المتوقعة من قبيل ( سد الذرائع ) كما يقول الفقهاء فوصفت المادة رقم (11) والتي تنص على ما يلي : ( مدة هذا الترخيص سنة واحدة اعتباراً من تاريخ صدور القرار قابل للتجديد ) . –    وهذه المادة تعتبر الفصل لكل خطاب والسيف البتار الذي يقطع كل ما غفلت النفس الإنسانية عن ذكره والتحسب له في مواد الترخيص ، حيث تعطي هذه المادة للوزارة مطلق الحق وكامل السلطة في الأمتناع عن تجديد الترخيص دون قيد أو شرط وهي مادة تندرج ضمن المزيد من تأكيد مؤكد المادة رقم (9) . –         وهكذا يجد صاحب ومالك المركز نفسه فجأة وفي أي لحظة وبدون سابق إنذار أو مبرر وبدون أي أمل في اللجوء إلى أية جهة أو وسيلة وقد أصبح مشروعه أو مركزه وكأنه لم يكن بعد أن أنفق في تأسيسه وبنائه ماله وجهده وعرقه وفكره ما لم يقبل بالخضوع للابتزاز ووضع نفسه ومشروعه العلمي تحت أمر و هيمنة وتوجيه الأجهزة الحكومية الرسمية . ومع كل ذلك وبالرغم من كل ذلك فإننا نجد من يجادل ويصر ويكابر مؤكداً بأننا في بلد ديمقراطية ..، فمال هؤلاء كيف يحكمون ؟؟؟

By Editor