ثم .. ماذا بعد فشل فكرة الحوار الوطني ؟ الحلقة الثانية

توقفنا في نهاية الحلقة السابقة عند أسئلة جوهرية مهمة تتعلق برؤية المعارضة وتقييمها للوضع السياسي الراهن في اليمن؟ ، وفي ضوء تعثر وفشل فكرة الدعوة الى مؤتمر للحوار الوطني مؤخراً ، وماهية الخيارات والبدائل الممكنة المتاحة امامها؟ ، وعن مدى تأهلها لدور سياسي وطني جديد تتمكن فيه وبه من إمتلاك زمام المبادرة وقيادة حركة الجماهير الشعبية وحشد وتعبئة قواها وطاقاتها الخلاقة وتوجيهها نحو إحداث التغيير السياسي الشامل والجذري سلمياً؟ اسئلة مهمة أفرزها الإستعراض والتحليل والتقييم لأوضاع وأساليب وواقع المعارضة والحُكم ضمن سياق الحلقة السابقة .                                                                                                                     ونقول مباشرة ودخولاً إلى صميم الموضوع أن المعارضة ممثلة بتكتل “أحزاب اللقاء المشترك” ، إنصافاً لها وللحقيقة ، لاتزال تمتلك من المقومات وقوى الفعل والتأثير والقدرات والخبرات المتراكمة الطويلة ، مايجعلها مؤهلة وقادرة على النهوض بأعباء ومهام ومسؤليات الدور السياسي الوطني المفترض لها في قيادة وحشد وتعبئة وتوجيه الأغلبية الساحقة من فئات وشرائح وقوى الشعب السياسية والإجتماعية ، لإنتفاضة شعبية عارمة وشاملة بهدف إحداث التغيير السياسي الجذري والشامل وإقامة البديل الإيجابي المتجاوز – تاريخياً -لأوضاع وواقع البلاد الراهن المتهاوي والمترنح والمتدهور ، ذلك إن أحسنت قيادة المعارضة وأجادت إستخدام وإعتماد أساليب عمل ووسائل أداء سياسية جديدة أكثر كفاءة وفاعلية ومَقدِرة ، إستنادا إلى رؤية سياسية برنامجية سليمة وصائبة ودقيقة لطبيعة وشكل ومضمون النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي الجديد الذي تسعى الى إحلاله بديلاً للنظام المهلهل القائم والآيل للسقوط والإنهيار، نظام يُلامس ويُعبر عن واقع أماني وتطلعات الشعب وإرادته الحقة . إن قوى المعارضة تلك ، مطالبة كمدخل تمهيدي وجوبي وإلزامي ، إجراء عملية تقييم ومراجعة شاملة وشجاعة لتجربتها ومساراتها السابقة والقيام بعملية نقد ونقد ذاتي أمين وجرئ في إطارها ، للخروج بتحديد صحيح ودقيق لمكامن إخفاقاتها وتعثراتها وأخطائها ، وجوانب القصور والخلل في أساليب عملها وحركتها السياسية ومواقفها وأوجه الضعف والقوة فيها ، كمقدمة لرؤية جديدة وحركة فاعلة وأساليب ووسائل أكثر نجاحاً وتأثيراً ، وذلك بإشراك أكبر عدد من الشخصيات الأكاديمية والتخصصات المختلفة والكفاءات والقدرات السياسية والتنظيمية والثقافية ذات التجارب والخبرات الواسعة ، والتعامل الإيجابي والتفاعل المنفتح والبنّاء إزاء ما تبديه من آراء وتشخيصات وتحليلات وإنتقادات مهما بلغت قساوتها ومرارتها والإستفادة من مُجمل إستخلاصاتها ونتائجها في صياغة الرؤية السياسية البرنامجية الشاملة والجديدة التي ستشكل اساساً ومنطلقاً لدورها الوطني الجديد . واذا كانت بعض الأحزاب الرئيسية ، المكونة حالياً لتكتل أحزاب اللقاء المشترك المعارض ، قد اختارت لنفسها بعد إعلان دولة الوحدة في مايو 1990م ، ادواراً متباينة من المشاركة في دوامة الصراعات الناشبة عقب الوحدة والاصطفاف والتخندق مع او ضد طرفي تلك الصراعات ما أثر عليها على نحو سلبي وتمزيقي اضعف قواها وفعاليتها وتأثيرها في المحصلة النهائية .. فإنها وإن كانت قد حققت نجاحاً نسبياً في تجاوز اسباب وعوامل الصراع والتباين والتنافس السلبي بعضها ضد بعض ، واستطاعت ، بعد سلسلة من المحاولات والتجارب ، ان تصل إلى الإتفاق على صيغة فضفاضة وعامة تمثلت بصيغة “تكتل أحزاب اللقاء المشترك” كإطار تفاهمي تنسيقي تشاوري لمواقفها وحركتها السياسية المشتركة ، إلا أنها وعلى الرغم من هذا الإنجاز او النجاح النسبي ، ظلت مترددة وحائرة في حسم خيارها والتحديد النهائي والواضح لدورها السياسي الوطني كقوة معارضة سياسية وتكييف وبلورة كافة مواقفها ومجالات حركتها وانشطتها السياسية والإعلامية والتنظيمية على نحو متناسق ومتكامل كمعارضة كاملة وواضحة ومُحددة للسلطة الحاكمة ، وقنعت او اكتفت في كثير من الأحيان بدور “مساوم” و “مقايض”  عبر عقد صفقات سياسية مع السلطة الحاكمة تحصل بها ومن خلالها على بعض المنافع والمصالح والمكاسب المحدودة مالية ووظيفية وغيرها ، مما ساهم إلى حد كبير، في إفقادها قدراً مهماً من المصداقية السياسية والثقة في نظر الرأي العام وأثّر سلباً على دورها وحركتها السياسية وتأثيرها السياسي ، وصل في بعض الأحيان حداً جعل شرائح مهمة من الرأي العام المحلي تنظر الى أحزاب المعارضة على كونها لاتختلف كثيراً عن السلطة الحاكمة او حتى على كونها شريكة لتلك السلطة في الفساد وسوء استغلال السلطة ، خاصة حينما كانت هذه الأحزاب تدخل – احيانا – في تفاهمات وتنسيقات انتخابية مُسبقة مع السلطة ! مكتفية بما تمنحه لها تلك السلطة من مقاعد برلمانية محدودة ومتفق عليها سلفاً ! ولا شك بأن هذه التفاهمات والمساومات والصفقات الهزيلة مع السلطة ، قد أضعفت عزم وإرادة وتصميم أحزاب المعارضة من طرح نفسها وبرامجها وحركتها ومواقفها بوضوح وحسم لا لبس فيه كمعارضة حقيقية وجادة مستكينة الى ما تعود عليها تلك المساومات والصفقات الهامشية من مكاسب ومصالح وفوائد محدودة وهامشية ، على حساب دورها الوطني التاريخي الاستراتيجي المفترض بها النهوض بأعبائه وتَحمُل مسؤلياته وتبعاته والقبول بمعاناته وتضحياته ، والأكثر سلبية من كل ماسبق ، أن تعجز المعارضة وتفشل الى حد بعيد ، رغم مرور سنوات عديدة على تأسيس تكتلها السياسي “اللقاء المشترك” ، في بلورة وصياغة مشروعها السياسي البديل والأكثر تطوراً وحداثة وتقدماً والمحقق لتميز واضح وجلي وحاسم ، فكل مشاريع الرؤى والبرامج الإنقاذية التي تبناها وطرحها “اللقاء المشترك” حتى الآن ، رغم كبر حجمها وكثرة تفاصيلها المملة ، إلا أنها ، على نحو الإجمال ، حين مقارنتها بمشاريع رؤى وبرامج  الحزب الحاكم المُعبرعن السلطة الحاكمة ، لا تحمل إختلافات وتباينات جوهرية وأساسية وحاسمة فيما بينها بإستثناء تفاصيل وجزئيات هنا وهناك ، قد يقول قائل معترضاً بأن الرؤى والبرامج السياسية التي تطرحها السلطة الحاكمة مطروحة عمداً للاستهلاك الداخلي والخارجي ايضاً وذر للرماد على العيون ولا تجد طريقها نحو التنفيذ العملي الملموس ، وهذا قول صحيح تماماً ، لكن ذلك لا يعفي المعارضة من ضرورة أهمية إمتلاكها لمشروع وطني سياسي شامل وجذري ومتجاوز ايجابياً ، في مضامينه وأهدافه ، للواقع السئ المعاش والمرفوض ، إذ أن مُجمل ما تطرحه المعارضة من رؤى وبرامج ومشاريع سياسية ، لا تتجه عميقاً وجذرياً نحو تغيير جذري جاد وشامل لطبيعة الدولة والقوى المهيمنة عليها والمسيطرة عليها ، تاريخياً وتقليدياً ، وكان قصارى ما تطمح اليه إضفاء بعض التحسينات الشكلية عليه واستبدال الاشخاص بآخرين دون مساس بالقواعد والمقاييس والأسس المُنظِمة والمتحكمة بالقوى المحتكرة للحكم وآليات وضمانات تأييد سيطرتها واحتكارها للدولة والحكم ! لاتزال نفس القوى والمناطق “الجيوسياسية” هي نفسها التي تتعاقب وتتداول السيطرة على الدولة منذ حوالي ثلاثمائة عام ! ورغم قيام النظام الجمهوري في اليمن وفي العديد من البلدان العربية ، فان إقامة “الدولة الوطنية الحديثة” التي اقامتها وتعهدت في أهدافها المعلنة أن تأخذ مساراً تطورياً إنتقالاً بها الى “الدولة الوطنية الديمقراطية” دولة المؤسسات والمواطنة المتساوية ودولة الشعب ، فان مشروع “الدولة الوطنية” قد شهد انتكاساً خطيراً وانحرافاً حاداً في مساراتها الطبيعية لتتحول شيئاً فشيئاً وعلى نحو حثيث الى “الدولة العائلية” ! متراجعة إلى الوراء والخلف الأكثر تخلفاً وجهلاً، واصبح الأمر وكأنه عادي وطبيعي ان نسمع ونرى “النظم الجمهورية” التي قامت اساساً لإنهاء وتصفية النظم الملكية ، تتحول الى إعتماد نظام “توريث الحكم” من الرئيس الجمهوري “الأب” الى الوريث الجمهوري “الإبن” ! ولا يثير فينا هذا “الإنحراف”  عوامل وأسباب الرفض والتمرد او حتى مجرد التعبير عن “الدهشة” والإستهجان الكلامي ! فتلك النظم “الثورية” و “التقدمية” و “الجمهورية” نجحت في قمع وسحق شعوبها وإذلالهم وإستعبادهم وقتل روح ونزعة “الحيوية” و “التفاعل الإيجابي” و “طموحهم للمشاركة السياسية الحرة” بعيداً عن الخوف والرعب والتسلط ، الى الحد الذي باتوا مؤمنين يقيناً اليوم بأن الإنخراط في العمل العام والنشاط السياسي ولعب أدوار ايجابية رجس من عمل الشيطان وعمل من أعمال الكفر والخروج عن طاعة الله سبحانه والإيمان به ! صاروا كالأنعام او اشد ضلالا ، وعكست هذه الإنتكاسة السياسية المريعة آثارها السلبية المدمرة على نفسية وعقلية وسلوكيات الانسان العادي عموماً ، والقوى النوعية المتميزة والنُخب الواعية المتعلمة من أحزاب ومنظمات وشخصيات اي على طلائع الشعب الأكثر تنوراً ووعياً ومعرفة على نحو أخص . ورغم ان هناك مجموعة متضافرة من الاسباب والعوامل المختلفة التي لعبت دوراً مهماً في إضعاف وتهميش وتبهيت دور المعارضة اليمنية ممثلة بتكتل أحزاب اللقاء المشترك وتأثيرها وفاعليتها وقوتها ، ودفعها الى القبول بدور هامشي وباهت في المرحلة الماضية وحتى اللحظة الراهنة ، ومسئولية جميع أحزابها دون إستثناء ، فإننا نعتقد بان “التجمع اليمني للإصلاح” ، باعتباره الحزب الأقوى والأكثر ثقلاً وتأثيراً من الناحية السياسية والشعبية والعمود الفقري لتكتل أحزاب اللقاء المشترك ، يتحمل الجزء الأكبر من المسئولية في إنهاء وإسقاط تركيبة الحكم التقليدية الطائفية المناطقية الفئوية التي لاتزال قائمة منذ عقود طويلة من الزمن ، ما لم فإن مؤدى ذلك ان لا أمل هناك ولا رجاء في دور استراتيجي حقيقي وجاد للمعارضة في التغيير المنشود والمؤمل والضروري ! على الاقل في المدى الزمني المستقبلي المنظور .        صحيفة القضبة                                                                                                                   بريطانيا- شيفيلد- 24-12- 2010م     

By Editor