أنقضى، أكثر من عقد من حساب الزمن، منذ استطاعت الارادة الوطنية اليمنية ان تحقق حلم الاجيال الاستراتيجي بإعادة وحدة الوطن ارضاً وانساناً في ال22 من مايو عام 1990م ، مترافقاً ومترابطاً ومتلازماً مع الأساس الديمقراطي والمتمثل بالتعددية الحزبية العلنية والمشروعة والتنافس والتداول السلمي للسلطة من خلال صناديق الانتخابات الحرة والنزيهة، وما يقتضيه ذلك من ضمان واحترام حقوق الانسان وإطلاق الحريات الفردية والجماعية، إن هذه التجربة الديمقراطية الوليدة هي ما سَتُعنى به هذه الورقة، وهي، وان كنا جميعا ندرك تماماً حقيقة كونها حديثة عهد، في طبيعتها وقواعد وأساليب ممارساتها، على المسرح والفكر السياسي في بلادنا من حيث المشروعية والعلنية، بالنظر الى حقيقة قِدَم وجود ونشاط الأحزاب السياسية التي نشأت في البلاد على نحو بالغ السرية والتكتم في وجودها وحركتها، وبالإستناد الى العقلية والمنهج الإنقلابي المُؤسس على النزعة الاُحادية والشمولية، والذي كان بمثابة أسلوب او خيار فرضته الضرورة بفعل التحريم والتجريم الدستوري المطلق للحزبية والنشاط الحزبي في كلا شطري الوطن جنوبا وشمالا، نعود فنقول انه وبرغم حداثة عهد تجربة التعددية الحزبية العلنية، وان الفترة الزمنية القصيرة ليست كافية للخروج برؤية تقييمية لمسارها ايجاباً أو سلباً، إلا أننا نعتقد بان هذا الرأي يصبح صحيحاً ومنطقياً ومقبولاً من الناحية النظرية العامة في حالة واحدة، وهي ان تكون مسيرة التجربة الوليدة ماضية على طريق النمو والتطور، أما اذا اتخذت تلك المسيرة منحى غير طبيعي ولا إيجابي يُلحق بها تشوهات تعيق مسارها التطوري الطبيعي وتنحرف به، بشكل أو بآخر، عن طريقه السليم والمنشود، فان الضرورة والمسئولية تقتضي هنا القيام والمبادرة السريعة لإجراء عملية مراجعة وتقويم تُسهم في تصحيح المسار وتوجيهه على طريق النمو والتطور الطبيعي والايجابي المنشود. والواقع ان إطلالة متفحصة لواقع ومسار تجربة التعددية الحزبية الوليدة في بلادنا، تضعنا وجهاً لوجه أمام حقيقة مُرة مؤداها ان هذه التجربة لم تستطع ان تضع خَطوات أقدامها على اول طريق النمو والتطور الطبيعي والايجابي الصحيح، اذ جابهتها، منذ البدء جملة من الظروف والعوامل والضغوط والكوابح التي شكلت في محصلتها النهائية حاجزاً معيقاً ومعرقلاً أمام مسيرتها صوب آفاق التطور الطبيعي التاريخي، موصلا اياها الى وضع جعلها تراوح في مكانها فاقدة للوسائل والاسباب الكفيلة بامتلاك زمام المقدرة الفاعلة على التأثير في الأحداث وتحريك الشارع السياسي والشعبي الملتف حولها والضاغط على صناعة القرار السياسي في إتجاه التغيير، بهذا القدر او ذاك، عن قضاياها وتوجهاتها وبرامجها.. ومما لاشك فيه ان بعض تلك الظروف والعوامل والضغوط والكوابح ذاتي داخلي وبعضها الآخر موضوعي خارجي، وإدراكاً لحقيقة ما يكتسبه الإلمام والمعرفة والفهم لأبعاد وتأثيرات جملة الإختلالات والكوابح من أهمية بالغة كمعيقات عرقلت مسيرة النمو والتطور الطبيعي والايجابي لمسيرة تجربة التعددية الحزبية الديمقراطية الوليدة ، فلا بد لنا من استعراض ولو سريع وموجزلأبرزأهم تلك الظروف والعوامل والضغوط والكوابح الذاتية والموضوعية تسهيلا لعملية تصحيحها وتجاوزها في سياق عملية المراجعة والتقويم التي باتت اليوم اكثر ضرورة والحاحاً لتدارك حالة الركود والعجز والسلبية الملموسة التي تمسك بخناق الأحزاب السياسية القائمة ومجمل التجربة التعددية الحزبية الديمقراطية وتكاد تخنق انفاسها وتجهض وجودها ومشروعها وهو لمّا يزال في المهد، وسيكون إستعراضنا السريع لأهمها على النحو التالي: اولا: على المستوى الداخلي الذاتي: يشكل هذا الجانب الجزء الأكبر والأكثر تأثيراً من الناحية السلبية في حالة الركود والعجز والسلبية التي تعيشها الاحزاب السياسية القائمة ومسئوليتها اكبر وأوسع من مسئولية الظروف والضغوط والأوضاع الخارجية الموضوعية، وابرزها من وجهة نظرنا يتمثل بالاتي: 1) القصورالواضح في إمتلاك الاستعداد والمقدرة الذهنية والسياسية والحركية، على التكيف والتلاؤم والتناغم الواعي والمستوعِب مع مقتضيات التعددية الحزبية العلنية والتداول السلمي للسلطة عبر صناديق الاقتراع الشعبي الحر، ذلك ان جميع الأحزاب السياسية الفاعلة والرئيسية كانت قد نشأت ووجدت في السابق في ظل ظروف واوضاع نُظم حُكم اُحادية وشمولية وديكتاتورية تُحرم وتُصادر وتَقمع كافة أشكال الحريات الديمقراطية العامة، ومن ضمنها حرية ومشروعية إقامة الأحزاب السياسية، مما دفعها بفعل الضرورة الى العمل السري تحت الارض، وكان طبيعياً بل وضرورياً ان تَعكِس مرحلة العمل الحزبي السري تلك شروطها ومقتضياتها وطبيعتها على شكل البناء الحزبي وشروط ومعايير الاستقطاب واُسس وغايات التربية العقائدية والسياسية ونمط واسلوب الحركة والنشاط الحزبي،على نحو طبع تلك الأحزاب بطابع واساليب العمل والبناء العسكري المسلح، القائم على اعتماد منهج القوة والعنف، وفقاً لما تقتضيه الأيديولوجية الإنقلابية من تنشئة الأعضاء وتربيتهم وبنائهم وفقاً وعلى أساس النظرة الاحادية والشمولية التي عملت على زرع وترسيخ قناعات راسخة لديهم بأنهم وحدهم من يملك الحقيقة ويسير على الطريق الصحيح، وكل الاحزاب والجماعات والأفراد الآخرين عداهم ثورة مُضادة وأعداء بالكامل والمطلق وإن واجبهم الأول هو تصفية هؤلاء الأعداء والقضاء عليهم قضاءاً دموياً مبرماً.. وبعد إعلان إعادة الوحدة واعتماد التعددية الديمقراطية الحزبية أساس النظام السياسي الجديد، لم تستطع تلك الأحزاب ان تستوعب وتتمثل المرحلة السياسية الجديدة في طبيعتها ومقتضياتها ووسائلها وبرامجها وتعمل على التكيف والتلاؤم والتناغم معها بإعادة النظرعلى نحو جذري وشامل في طبيعة تركيبها وبنائها وفي مضامين مناهجها التربوية وفلسفتها العقائدية واساليب عملها وحركتها وفي علاقاتها بالآخرين والتعايش والقبول بهم والتعاون معهم بل وفي طبيعة علاقاتها بشرائح وقطاعات المجتمع ككل.. و اكتفت بمجرد الإعلان والقبول بتحولها وقبولها بالتعددية الحزبية والتداول السلمي للسلطة، دون ان تترجم ذلك عملياً باعادة النظر والبناء على كافة الاصعدة الفكرية والسياسية والتثقيفية والحركية والبنائية الهيكلية والأهم من كل ذلك بتغيير عقلياتها ورؤاها وانماط تفكيرها وفقاً لشروط ومقتضيات مرحلة التعددية الحزبية الديمقراطية وانماط تفكيرها وفقا لشروط ومقتضيات مرحلة التعددية الحزبية الديمقراطية السلمية وحتى الأحزاب الجديدة التي أُعلن عن قيامها في ظل التعددية الحزبية فإنها وجدت نفسها، في طبيعة نشأتها وبنائها الهيكلي واساليب حركتها، اسيرة لمجموعة من الكوادر القيادية المؤسِسة ذات التجارب الحزبية السابقة ونجحت في طبعها بطابع مستوحى من تجاربها الحزبية القديمة، هذا بالاضافة الى ضعف وهزالة وركاكة تأثيرها وحجمها الحزبي في الساحة. ونخلص من هذه النقطة باستخلاص مؤاداه ان الأحزاب السياسية الفاعلة والرئيسية القائمة لاتزال تمارس دورها في ظل تجربة التعددية الحزبية الديمقراطية بذات العقلية والاساليب والرؤى التي نشأت عليها في ظل سيادة الشمولية والاحادية واستبعاد الآخر وإعدامه. 2 ) الإخفاق في بلورة وتأسيس صيغة ورؤية جديدة للتعاون والتنسيق والعمل المشترك والتحالفات السياسية بين تلك الاحزاب بعضها ببعض على ارضية التجانس والقواسم المشتركة واستمرار تحكم نظرة الشك بالآخرين، ومنهج التفرد والاحادية الموروث والنفور وعدم الثقة المتبادلة بالآخر، وهذا العمل متفرع وناتج عن العامل السابق وقد ألحق ابلغ الضرر بمسيرة النمو والتطور الطبيعي الايجابي لتجربة التعددية الحزبية، حيث اُجبر كل حزب على حدة بادارة حركته وصياغة مواقفه السياسية المختلفة على أساس تجزيئي وفق حسابات واعتبارات ذاتية ضيقة وانية على حساب الرؤية والحسابات والأهداف الاستراتيجية الكبرى، وافضى ذلك كله الى الإستفراد بكل حزب على حدة ،وتبديد وتشتيت قوى الأحزاب وطاقاتها بدفعها الى خوض مواجهات وصدامات بعضها ضد بعض وصرفها عن هدف توحيد جهودها وحركتها لخدمة اهدافها الاستراتيجية الكبرى سواء لصالح قضية التطور الديمقراطي او لخدمة قضايا المجتمع، واصبحت الأحزاب في معظمها، ان لم يكن جميعها، مجرد ادوات يتم التلاعب بها وتسخيرها في إتجاهات تضر بالتطور الديمقراطي العام وبمصالح المجتمع بل وبمصالحها هي ايضا وتُجهض حركة التطور التاريخي للمجتمع في كافة المجالات. 3) الإخفاق في تكريس الممارسة الديمقراطية المفتوحة والإحتكام اليها واحترام نتائجها وجعلها منهجاً يَحكُم حركتها وعلاقاتها الداخلية وتشكيل هيئاتها ومؤسساتها وتقرير سياساتها ومواقفها المختلفة، وفتح كافة النوافذ والقنوات الداخلية امام حرية الرأي والتعبير، واستمرار تَحكُم عقلية واساليب التآمر والمحاور القائمة على الفرض والنفوذ والمصالح الشخصية والشللية المتخلفة، مما أعاق واجهض امكانيات التجدد والتجديد، وحال دون ارتياد الاحزاب للافاق الفسيحة المتاحة امامها لتعزيز وجودها وتأثيرها وقدرتها على التدخل الفاعل في تطورات الأحداث الداخلية للبلاد، بسبب الإزاحة والاستبعاد المتواصل للكفاءات والقدرات القيادية المبدعة والخلاقة تحت حُجَجْ ودَعاوى الإنحراف والإرتداد والخيانة وغير ذلك من المبررات غير الصحيحة في الغالب. 4) الازدواجية الصارخة في شعارات ومواقف الحزب ازاء مختلف القضايا المصيرية والأحداث الكبرى عندما يكون معارضاً عنه عندما يكون حاكماً، مما ادى الى شعور الرأي العام بفقدان الثقة والمصداقية لدى الاحزاب السياسية وادى الى تعميق الهوة شيئاً فشيئاً بين تلك الاحزاب وقطاعات واسعة من المجتمع. 5) الإفراط في المبالغة لدور واهمية الامكانيات المالية والنظر اليها باعتبارها العامل الاساسي الاول في تقرير مصير الحزب وجوداً او عدماً، مما ادى الى الاندفاع المحموم لدى كثير من الاحزاب، وتكريس جل اهتمامها وجهودها للبحث عن مصادر تمويل مالي لها غالباً بالارتباط بجهات خارجية مُموِلة، واحيانا بالارتباط بجهات داخلية مُموِلة عادة ما تكون حاكمة، وبقدر ما ينتج عن ذلك الوضع من انتقاص ومصادرة لخيارات الحزب الحرة وارتهانه لشروط وحسابات الجهات المُمُوِلة،فانه يؤدي الى بروز ظاهرة الصراع واتساع رقعتها وازدياد حدتها بين القيادات الحزبية بهدف الاستئثار بتلك الاموال وتجييرها لمصالحها الشخصية غير المشروعة او الاستخدام الكامل للسيطرة عليها، تفرض القيادات المهيمنة على المال وتضمن استمرار بقائها في مواقعها القيادية كأمر واقع مفروض. مع ما يؤدي اليه ذلك من تخريب للضمائر وافساد للقيم الاخلاقية السامية، وهكذا يتحول بالعمل الحزبي السياسي من انشغال واهتمام بالعمل العام وخدمة المجتمع الى عمل يدار وفق قوانين وعقلية لا تتفق ومفهوم الحزب ،على ان بلادنا تكاد تتفرد بهذا الوضع غير الطبيعي والشاذ الذي يشير الى ارتباط كثير من الاحزاب السياسية بجهات تمويل مالي خارجية وداخلية، حتى انه بات من شبه المستحيل التفكير في إنشاء حزب جديد دون ضمان مصدر تمويل مالي سلفا !! في حين ان الاحزاب في بلدان كثيرة من بلدان العالم الثالث تنشأ من أفراد مؤمنين ومقتنعين بفكرة معينة تجمعهم ويمارسون نشاطهم الحزبي بقناعة واختيار ويدفعون اشتراكاتهم ومساهماتهم المالية باختيار حر، أي ان الانتماء الحزبي لديهم لا يترتب عليه مغنم مالي مثلما هو الحال المُعوج لدينا. وهنا ينتصب أمامنا تساؤل كبير وهو كيف يمكن تصور خطوات واليات تصحيح مسار التجربة الديمقراطية الوليدة وتفعيل وتنشيط الحياة السياسية الحزبية العامة في البلاد، وأين تكمن المشكلة؟ وكيف الخروج من إسارها ؟. الخارطة السياسية للساحة اليمنية: إننا نعتقد بأن سبب وجوهر الأزمة التي تحاصر وتحيط بالتجربة الديمقراطية الوليدة والأحزاب القائمة وجعلت مسيرتها مختلة ومشوهة، وأسهمت في إضعاف وتهميش دورها وتأثيرها وحركتها على النحو الذي بيّناه تفصيلا في العوامل والأسباب الذاتية والموضوعية آنفا، يرجع اساساً الى إغفال قيادات الأحزاب وعدم ادراكها للأهمية البالغة والضرورة المُلحة التي تكتسبها وتحتلها مسألة التحالفات والكتل السياسية الكبيرة، التي تتكون عادة من مجموعة من الأحزاب الأكثر قرباً وتجانساً من الناحية السياسية، في تفعيل وتطوير ونمو العملية السياسية الديمقراطية وتمكينها من تحقيق اهدافها وغاياتها بأكبر قدر من النجاح والفاعلية، وبدون بلورة وتشكيل مثل تلك التحالفات والكتل السياسية الكبيرة تختلط الأوراق وتتميع المواقف وتضطرب الرؤى وتتشتت الجهود والطاقات وتسود الصراعات والمواجهات الثانوية، وتصاب العملية السياسية الديمقراطية بالركود والضعف والسلبية والشكلية. لقد قامت في بلادنا عقب الوحدة عدد كبير من الأحزاب بعضها قديم وبعضها الآخر حديث، ومنها في وجوده وحركته، كان واضحاً منذ البداية ان برامجها السياسية، في مجملها تتقارب وأحيانا تتطابق الى حد كبير، فلا تكاد تجد فروقات واختلافات جوهرية حقيقية ولا تمايزاً واضحاً في كل برامجها السياسية التي قامت إستنادا اليها من حيث مضامينها واهدافها ومنطلقاتها ووسائلها، ومع ذلك فان قيادات الأحزاب اسقطت من تفكيرها وحساباتها ـ تقريبا ـ ضرورة السعي والعمل الجاد والمسئولية لخلق الكتل السياسية الكبيرة كأهم وانجح وسيلة لتقويم اختلال واعوجاج العملية الديمقراطية السياسية في البلاد، وتحقيق انجازات ومكاسب واهداف برامجها بوتائر اعلى وفاعلية اكبر.. بل ظلت حريصة كل الحرص على التمسك والتشبث بكياناتها الحزبية المستقلة في حركتها وحساباتها وتكتيكاتها ومواقفها ولو بالتنافر والتصادم والمواجهة مع احزاب اخرى لا تتعارض معها في الرؤية الاستراتيجية والاهداف الكبرى، وهكذا كانت الخسارة لهم جميعا والضرر والاثار السلبية العميقة تمتد لتشمل مجمل العملية السياسية الديمقراطية في البلاد. ومالم تسارع قيادات الأحزاب وعلى الفور، وفي إطار من الموضوعية والصدق والاقتناع، الى الشروع العملي لتشكيل وبناء الكتل السياسية المتحالفة الكبيرة، فان واقع التجربة الديمقراطية الوليدة السيء والهزيل وحالة الاحزاب القائمة، والمحتمل نشوؤها مستقبلا، سوف يزداد سوءا وهزالة وهامشية الى الحد الذي ستصبح فيه الديمقراطية مجرد واجهة ديكورية شكلية مفرغة من كل مضمون، ومحتوى حقيقي. ان مثل هذه المهمة التاريخية التي باتت اكثر الحاحاً من اي وقت مضى، تفرض بل وتلزم قيادات الأحزاب بتجاوز والتخلص من شرنقة منهجيات عقلياتها القديمة المؤسسة على الاحادية والشمولية والانفرادية والشكوك والتآمر وتقديس أشكال ورموز ومفردات الموروث التاريخي المعيق للنمو والتطور والتجديد والتحديث.. حينذاك تتهيأ وتنضج الأجواء والظروف الملائمة، وتنفتح الطريق السليم والصائب، وترتسم في سماء المستقبل المشرق الواعد آفاق ارحب واوسع للنهوض بأعباء ومسئولية تلك المهمة التاريخية بتأسيس وخلق الكتل السياسية الكبيرة وإنجازها على ارض الواقع.. وهنا لعله من المهم ان نبين ونوضح ما نفصده ونعنيه بالكتلة السياسية على نحو دقيق، فالكتلة السياسية هي انشاء وتأسيس كيان سياسي كبير يضم مجموعة من الأحزاب المتحالفة استراتيجياً، ويقوم على رؤية سياسية برنامجية شاملة تُمثل الارضية او القاسم السياسي التنظيمي من الأعلى الى الأدنى، وحركته ونشاطه وفعالياته الواحدة في كافة المجالات بما في ذلك العمل الشعبي الجماهيري والاعلامي والانتخابي والسياسي الواحد مع بقاء وعدم المساس بكيانات وخصوصيات الاحزاب المتحالفة. ان الكتلة السياسية بهذا المفهوم الذي نعنيه تختلف اختلافاً كبيراً، من حيث الطبيعة والحركة والاهداف والوسائل، عن كل الصيغ والاشكال السياسية التي قامت عقب الوحدة وحتى الان، وتختلف ايضا مع المقترحات والرؤى التي طُرحت مؤخراً، فالكتلة التي نقترحها اكثر تقدماً وجدية وشمولاً وعمقاً وفاعلية. ان معهد تنمية الديمقراطية استشعارا لمسئولياته ومهامه وإدراكا لأهمية إغناء وبلورة وانجاح هذه الخطوة التاريخية المنشودة والمُلحة، فانه يتقدم بمشاركة وإسهام متواضع في تصور معالم الية وخطوات العمل الاساسية لإخراج فكرة الكتلة السياسية اخراجاً ناجحاً ومتكاملاً الى حيز الواقع العملي الميداني، وذلك على النحو التالي: 1) مرحلة الفرز والتصنيف السياسي: ان الكتلة السياسية الكبيرة تتأسس، عادة، من مجموعة من الأحزاب لها اُطر تنظيمية وهياكل وهيئات مؤسساتيه وبرامج سياسية وخطط عمل وانشطة ومنابر إعلامية وتثقيفية وحركية مستقلة خاصة بها، لكنها تدرك بوعي واستيعاب سياسي رفيع ضرورة وأهمية توحيد وتجميع وتكامل طاقاتها وامكانيانها ضمن اطار كيان تنظيمي سياسي اوسع واقوى كسبيل لضمان تحقيق اهدافها وغاياتها على نحو اسرع واعمق، وهو مالا يمكن تحقيقه اذا ظل كل حزب يدير حركتة ونشاطه منفردا ولوحده. على ان ابرز وأهم ما تتميز به الكتلة السياسية الكبيرة أنها تتشكل من عدد من الأحزاب التي يجمعها قاسم مشترك اعظم يُحدد الطبيعة الرئيسية والمضمون العام لتوجهها وفلسفتها السياسية الاستراتيجية، ولهذا فان البرنامج السياسي العام للكتلة السياسية الكبيرة يُصاغ مبلوراً لذلك القاسم المشترك الأعظم وطبيعة التوجه والفلسفة السياسية الاستراتيجية الجامعة لأحزاب الكتلة كلها، ويتم تصنيف الكتلة سياسياً واجتماعياً وفقاً لطبيعة ومضامين برنامجها السياسي العام، فهي اما ان تكون يمينية او يسارية او وسطية، وهكذا نجد عندما تفرز وتتبلور وتندرج الأحزاب السياسية القائمة في كتل تحالفية اكبر واوسع تصبح امام واقع جديد يشير ويؤكد على نضج ونمو وتطور وحيوية الحياة السياسية والحزبية والديمقراطية كلها في البلاد بوجود برامج سياسية حقيقية متمايزة ومختلفة بوضوح ودقة بحسب طبيعة التوجه والفلسفة السياسية والاجتماعية والاقتصادية للكتل الكبرى القائمة، إن هذا الفهم لطبيعة الكتل السياسية الأكبر يُحتِم علينا ابتداء ـ وقبل الشروع في إنشاء وتأسيس الكتلة السياسية الأكبر- ان يكون اختيار مجموعة الأحزاب المرشحة لتأسيس الكتلة الاكبر قائماً على عملية فرز وتصنيف سياسي عام من واقع برامجها السياسية المعتمدة، يتأكد من خلالها توفر القاسم السياسي والاجتماعي المشترك الاعظم بينها جميعا، وذلك ضماناً لعدم بروز تناقضات وتصادم فيما بينها داخل الكتلة بسبب تنافر وتناقض التوجه والفلسفة السياسية والاجتماعية لكل منها. ولو أخذنا ( مجلس التنسيق الأعلى لأحزاب المعارضة) قبل ان يبتعد عن إطاره كل من حزب رابطة ابناء اليمن وحزب التجمع الوحدوي اليمني ابتعاداً غير رسمي، كمثال نطبق عليه عملية الفرز والتصنيف السياسي المطلوب كأساس لتأسيس الكتلة الأكبر، فاننا نجد بأن كلا من الحزب الاشتراكي اليمني والتنظيم الوحدوي الشعبي الناصري، وحزب البعث العربي الاشتراكي، والتجمع الوحدوي اليمني يُصنفون بوضوح دقيق باعتبارهم احزاباً اشتراكية لا يوجد بينها جميعا أية فروق او تمايزات برنامجية على الاطلاق تقريبا، اما احزاب اخرى مكونة لمجلس التنسيق مثل: حزب الحق ، اتحاد القوى الشعبية، فيمكن تصنيفها على أنها احزاب ذات منطلقات اسلامية دينية بآفاق معاصرة، وتعتبر العدالة الاجتماعية هدفاً رئيسياً من اهدافها الاستراتيجية.. وهو ما قد يعطينا اساساً معقولا لاعتبارها تمثل ما يمكن ان نطلق عليه ( اليسار الاسلامي المعاصر).. ولو صرفنا النظر عن الكلمات او المصطلحات السياسية الشائعة واستبدلنا مصطلح (الاشتراكية) بمصطلح (العدالة الاجتماعية) واجرينا مقارنة بين برامج الأحزاب الأربعة الاولى وبرامج الاحزاب الثانية، لما وجدنا تمايزات او خلافات او فروقات تناقضية جوهرية اساسية، بل ان ما يجمعها من واقع مضامين برامجها جميعاً اكثر مما يُفرقها، وهو ما يشكل القاسم المشترك الأعظم سياسياً واجتماعياً الجامع بينها جميعاً، ويمكن ان تصنف الكتلة الأكبر في حالة اشتراكهم جميعاً في تأسيسها بكونها ( كتلة يسار الوسط).. وربما كان من اغرب المفارقات العجيبة التي تتفرد بها ساحة التعددية الحزبية اليمنية، أن جميع الأحزاب القائمة، دون استثناء، سواء كانت حاكمة ومن لف لفها مناصرة لها بالباطن، أو كانت معارضة بشكل اصيل حقيقي او تنفيذاً لدور زائف وتخريبي، ينطبق على برامجها المعتمدة كلها تماماً ما ينطبق على برامج مجموعتي احزاب ( مجلس التنسيق الاعلى)، أي أن جميع الأحزاب اليمنية القائمة، دون استثناء، يمكن إدراجها وتصنيفها سياسياً ضمن (تيار يسار الوسط) أو( يساري متطرف) وهو وضع يجعل عملية الفرز والتصنيف السياسي محاطة بجملة من التعقيدات والصعوبات الناشئة عن غياب الأسس والمعايير الموضوعية لعملية الفرز السياسي الواضح والمحدد لساحة العمل السياسي. 2)عقد لقاء عمل تشاوري: يضم اُمناء عموم احزاب مجلس التنسيق الاعلى للمعارضة بمن فيها، أو يضاف اليها، حزبي رابطة ابناء اليمن ـ رأي ـ وحزب التجمع الوحدوي اليمني، والهدف الرئيس لهذا اللقاء يتحدد بإعطاء الموافقة المبدئية على تأسيس تكتل سياسي فيما بينها.. وهنا لابد من التوضيح بأننا وإن كنا نؤمن ونسعى الى توحيد وتكتيل قوى المعارضة في الداخل والخارج على حد سواء، الا اننا نرى بأن المعارضة في الخارج والتي تتمثل بالجبهة الوطنية للمعارضة( موج) والتي تشكلت تحت ضغط وتأثير ظروف استثنائية طارئة تتكون اساساً من تحالف بين مجاميع اضطرت الى النزوح خارج الوطن بفعل تلك الظروف الاستثنائية وتعتبر جزءا لا يتجزا من الحزب الاشتراكي اليمني وحزب رابطة ابناء اليمن وبعض الشخصيات المستقلة.. ولهذا من المنطقي اعتبار (موج) طرفاً مستقلا بذاته ما بقيت الظروف، بحيث يصبح تمثيلها مستقلا عن حزبي الرابطة والاشتراكي تمثيلين على مستوى الاصل والفرع والاساس والامتداد والداخل والخارج، دون الاكتفاء بتمثيل الاشتراكي والرابطة باعتبارهما حزبين قائمين غير موحدين داخلا وخارجا وذلك دون ان نتسبب من حيث لا ندري في إحداث انشقاقات وانقسامات داخل كيان كل حزب بين داخل وخارج كما حدث للكثير من الاحزاب اليمنية والعربية في مراحل ماضية. وهذا الإجراء تفرضه الظروف الاستثنائية وتستلزمه حاجة تقييم العمل بين داخل وخارج وعلى ان يشكل أمناء عموم الأحزاب لجنة إعداد وتحضير لاقامة التكتل.. 3) عقد اجتماع تمهيدي موسع: يضم جميع اعضاء الهيئات القيادية العليا لأحزاب مجلس التنسيق الاعلى، وذلك للاتفاق على تشكيل اللجان الاساسية اللازمة لوضع مسودات مشاريع الوثائق الاساسية للكتلة( البرنامج السياسي العام والنظام الاساسي وخطة العمل لمراحل تأسيس وإعلان قيام الكتلة)، ويمكن اعتبارهذا الاجتماع الموسع الذي سيُحدد زمان ومكان انعقاده بمثابة هيئة تأسيسية للتكتل المنشود وفي هذا الصدد فان هناك ملاحظات تفصيلية نشعر بضرورة الاشارة اليها على النحو التالي: اتجاهات مسودة مشروع البرنامج السياسي: ان البرنامج السياسي العام للكتلة ينبغي ان يكون استخلاصاً لرؤية سياسية استراتيجية تنطلق من تحليل وتشخيص علمي موضوعي للواقع الراهن بتناقضاته وأزماته وقواه، ويرسم بوضوح ودقة صورة ومعالم وأسس مضامين المستقبل الايجابي البديل الذي تسعى الكتلة الى تحقيقه والانتصار له، ويُحدد مراحل نضالها السياسي الشامل ووسائل وخطوات العمل الملائمة لكل مراحله والكفيلة بالوصول الى الأهداف الاستراتيجية.. بحيث يأتي البرنامج السياسي مستوعباً ومدركاً ومتفاعلا مع طبيعة التحولات والمتغيرات الكونية المتسارعة والمذهلة على مختلف المجالات وخاصة دعوات العولمة بجوانبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وينطلق من إدراك واعٍ وعميق للحقائق والمكونات المحلية والاقليمية من حولنا وكيفية التعامل والتفاعل المسئول والمثمر مع محيطنا الاقليمي بعيداً عن الشطحات المراهقة والمزايدات الفارغة والشعارات الخيالية، وعلى اساس الحرص المسئول والعمل الدؤوب الصادق لخلق افضل أسس ووسائل وظروف التنسيق والتعاون والتكامل والعمل المشترك الواسع بين جميع دول المحيط الاقليمي والدولي على نحو يحافظ وينمي ويوسع المصالح والمنافع المتبادلة في جو من الأمن والاستقرار العام وفيما يتعلق بقضية مشروع البرنامج السياسي العام وهو، كما اسلفنا، بمثابة الاستخلاص المكثف للرؤية السياسية الاستراتيجية الواحدة لأحزاب الكتلة السياسية كافة المحددة للغايات والأهداف العليا، فاننا نعتقد ان مسألة بناء أسس ومقومات ومضامين الدولة الديمقراطية الحديثة بكل ما يرتبط بها من هيكلية مؤسساتية وسلطات حقيقية لا ازدواجية ولا تداخل فيما بينها، ومنظومة تشريعية متكاملة يحدد طبيعة العلاقات بين سلطاتها ومؤسساتها وعلاقاتها بالمجتمع على أسس لامركزية، واستنادا الى نُظم واجراءات صارمة وفاعلة للقضاء على الفساد والعبث والتلاعب بالسلطات والأموال العامة، وضمان اجواء واوضاع تكفل كافة اشكال الحريات العامة والفردية، في ظل سلطة قضائية نزيهة ومستقلة ونظيفة وقوية وقادرة على فرض احترام سيادة القانون وتصون الحقوق وتقيم العدالة للجميع وتحفظ الأمن والأمان والاستقرار والكرامة لكل المواطنين بدون استثناء او محاباة والعمل الجاد والصادق لتأسيس وبناء منظمات المجتمع المدني بعيدا عن سيطرة الدولة او الاحزاب وغير ذلك من الجوانب والمجالات المرتبطة بطبيعة ومضمون الدولة الديمقراطية الحديثة، إننا نعتقد ان هذه المهمة التاريخية المركزية هي القاسم المشترك الأعظم لجميع الأحزاب دون استثناء، وينبغي ان تكون المحور الرئيسي لرؤية استراتيجية واحدة يُصاغ البرنامج السياسي العام للكتلة السياسية على اساس البلورة البرنامجية العملية لأهدافها وغاياتها ومضامينها . والواقع ان الأحزاب السياسية جميعها لو استطاعت ان تحقق قناعة واتفاقاً استراتيجياً فيما بينها على إعتبار مسألة بناء الدولة الديمقراطية الحديثة أولوية اُولى تسبِق كل ماعداها من اولويات وتفوقها اهمية ، وبالتالي حشد وتوجيه كل طاقاتها وجهودها وحركتها صوب الانتصار لهذه المهمة الاستراتيجية التاريخية من خلال برنامج سياسي عام واحد ومحدد وواضح، فإنها تكون بذلك قد بدأت مسيرتها الصحيحة الايجابية والجادة صوب صُنع المستقبل النهضوي المنشود للوطن واجياله القادمة. اتجاهات مسودة مشروع النظام الأساسي : ان النظام الأساسي هو مجموعة القواعد والضوابط والأحكام التي توجه وتُنظم حركة الكتلة وانشطتها وعلاقاتها بهيئاتها ومستوياتها وأطرافها بما يحقق افضل النتائج والمردودات ايجابياً، وتتم صياغة النظام الأساسي إستناداً الى التصور المبدئي المفترض لطبيعة كيان الكتلة والاهداف المناط به تحقيقها .. ولهذا لابد لنا من توضيح المعالم الرئيسية لطبيعة الكتلة وأهدافها فنقول ان الكتلة المنشودة عبارة عن كيان أو إدارة تنظيمية متناسقة ومتكاملة هدفها توجيه وتنظيم حركة الجماهير لتحقيق أهداف البرنامج السياسي بكفاءة واقتدار وفاعلية، ولهذا فهي كيان تنظيمي كلي واسع يشمل ويستوعب الكيانات الحزبية الجزئية لأطرافه ولا يُلغيها أو يُجمد حركتها، بل هي علاقة تفاعلية جدلية بين الكلي والجزئي،وتتشكل هيئات ومستويات ومؤسسات الكيان التنظيمي للكتلة من القمة الى القاعدة من واقع وعلى أساس تمثيل نسبي موضوعي ودقيق وعادل لحجم العضوية العاملة لأحزابه المكونة له. وتكون مُجمل الحركة العامة تنظيمياً وسياسياً وإعلامياً واحدة باسم الكتلة أو التكتل السياسي وبإسمه وبقوائمة الموحدة يخوض الانتخابات العامة والمحلية والنقابية ..الخ. ولابد في سبيل ضمان مسيرة صحيحة وفاعلة وايجابية للتكتل المنشود، أن يولي مشروع النظام الاساسي اهمية خاصة وجهداً مركزاً لبيان وتوضيح وتحديد طبيعة البناء الهيكلي المؤسساتي العام لكيان التكتل على اختلاف المستويات المركزية والقاعدية وأشكال العلاقات المنظمة لحركتها وادارتها، ونظرا لأهمية هذا الجانب فاننا نرى ضرورة التركيز على القضايا الرئيسية التالية: أ ـ التأكيد والتحقق من سيادة وتحكيم النهج الديمقراطي الشامل في الفكر والممارسة والعلاقات الداخلية لكل حزب على حدة من الاحزاب المُشكِلة للتكتل واعتبار ذلك معياراً رئيسياً من المعايير التي ينبغي توفرها في اطراف التكتل. ب ـ التأكيد على ضرورة إنشاء مراكز متخصصة علمياً للدراسات والبحوث والمعلومات مهمتها تكوين رؤى وتصورات علمية متخصصة وموضوعية وإحصائية حول كافة المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية ومتابعة ودراسة الأحداث والمتغيرات والتطورات المذهلة والمتسارعة الجارية في العالم من حولنا اقليمياً ودولياً وتقييم أبعادها ومضامنها وتأثيراتها وأهدافها وغاياتها ، ووضع كل ذلك أمام الهيئات القيادية للتكتل المُناط بها اتخاذ القرارات ولتنوير هيئات ومستويات التكتل وأطرافه والرأي العام واستفادة وتوظيفا للاعداد الهائلة المعطلة من الكفاءات العلمية الراقية داخل أحزاب التكتل وتطوير مستويات الوعي السياسي الديمقراطي في أوساطها، والأهم من ذلك هو ضمان إستناد القرارات والمواقف والاجراءات المُتخذة في مختلف الأحداث والشؤون على أسس علمية دقيقة وموضوعية بعيداً عن الأمزجة والأهواء الشخصية مهما بلغت قدراتها وامكانياتها. ج ـ الحرص على تحقيق اوسع نطاق من المشاركة الفاعلة والنشطة لهيئات ومستويات التكتل التنظيمية في اتخاذ القرارات ورسم السياسات العامة من خلال ضمان صلاحيات وسلطات حقيقية جادة لها جميعاً، وهو ما يعزز النهج الديمقراطي وممارساته داخل أُطر وتشكيلات التكتل وحتى لا تنحصر المسؤولية على المستويات القيادية العليا لوحدها. د ـ اعتماد معايير موضوعية وعادلة في كيفية انشاء الاُطر والتشكيلات والهيئات والمستويات التنظيمية المختلفة للتكتل من القاعدة الى القمة، وعلى نحو لا يُفضي الى شكلية تقضي على الحوافز الطبيعية الضرورية باعتماد مبدأ التساوي وحق الاعتراض للجميع (( أي الإجماع)) المعطل بغض النظر عن اختلاف حجم وتأثير وثقل كل حزب من أحزاب التكتل، ولا يؤدي بالمقابل الى طغيان وهيمنة وسيطرة الكبير على الصغير، وهنا يُعتبر التمثيل النسبي الواقعي القائم على تحديد حجم ومكانة كل طرف من الأطراف استناداً الى سجلات كل طرف المتضمنة لعضويته العامة، بحيث يأخذ كل طرف حجمه وثقله الطبيعي العادل دون طغيان أو هضم، وتجسيداً لهذا المبدأ فان المؤتمر العام للتكتل ، الذي هو أعلى سلطة تنظيمية فيه، ينبغي أن يتكون من مندوبين منتخبين من قبل مؤتمرات الأحزاب المُشكِلة للتكتل وفق قاعدة التمثيل النسبي لكلٍ على حدة من واقع وبنسبة حجم العضوية العاملة فيه.. والمؤتمر العام للتكتل بهذه الصيغة وعلى نفس القاعدة ينتخب أو يُشكل كل هيئاته ومستوياته التنظيمية المركزية ومؤسساته المختلفة، ويتم انتخاب وتشكيل مستويات التكتل الأدنى(( المحافظةـ المديريةـ والدائرة الانتخابية)) من خلال مؤتمرات فرعية تتكون على نفس قاعدة التمثيل النسبي، وهكذا فيما يخص سائر التشكيلات والهيئات والمؤسسات الفرعية، ولا يشترط لقيام هذه المستويات التنظيمية الفرعية للتكتل ضرورة وجود تمثيل لجميع احزاب التكتل، بل تُقام على أسس ومعايير التمثيل النسبي للأحزاب ذات الوجود والتمثيل في المستويات الادنى.. ورغم أننا على قناعة كاملة بان اقامة وتشكيل هيئات ومستويات ومؤسسات التكتل السياسي المنشود، على مبدأ وقاعدة التمثيل النسبي لكل حزب وفقا لحجمه الذي تحدده سجلات العضوية العاملة لكل حزب، يحقق العدالة والانصاف الدقيق بين أحزاب التكتل ويَحُول دون حدوث أي شكل من أشكال الظلم والاجحاف في العلاقات المشتركة بينها، الا اننا برغم ذلك ومن منطلق ادراكنا الواعي لإحتمال سيطرة الحزب الأكبر حجماً والاكثر عضوية على كل هيئات ومؤسسات ومستويات التكتل بالاستناد الى اغلبيته العددية داخل المؤتمر العام للتكتل وسائر تشكيلاته، وحرصاً على تعزيز وتقوية وتمتين العلاقات التحالفية وروح الشراكة الحقيقية الراسخة بين جميع احزاب التكتل. وبالنظر الى وجود احتمال طبيعي ومتوقع بأن يضم التكتل احزاباً أصغر حجماً وأقل عضوية، فاننا لتلك الاعتبارات آنفة الذكر، نرى أن يتضمن مشروع النظام الاساسي للتكتل المنشود في احد أحكامه التنظيمية تخصيص ما نسبته من 25ـ30% من قوام الهيئات القيادية العليا والمؤسسات والمستويات التنظيمية المختلفة للتكتل، توزع على الأحزاب التي لم تتمكن من الحصول على تمثيل ديمقراطي لها، فتلك الهيئات والمستويات والمؤسسات والتشكيلات المختلفة للتكتل او تلك الأحزاب التي حصلت على تمثيل ضعيف ومحدود للغاية، وذلك حتى نضمن اقصى وأكبر وأفعل مشاركة ممكنة لجميع احزاب التكتل بدون استثناء في جميع هيئات ومستويات ومؤسسات وتشكيلات التكتل المناط بها رسم سياسته وتنفيذها واتخاذ قرارته ومواقفه وتحديد توجيه حركته. ان هذه الصيغة المقترحة تعتبر، من وجهة نظرنا، صيغة معقولة وواقعية وايجابية من حيث انها تَحُول دون اعتماد صيغة التساوي الكامل في تمثيل جميع احزاب التكتل بما تقتضية من إشتراط تَحقُق الإجماع الكلي لكافة قرارات ومواقف وسياسات التكتل وحق النقض أو الاعتراض المكفول لكل حزب وهي صيغة بات من المؤكد والمُسلّم به انها كانت العامل الرئيسي لفشل وإخفاق كافة أشكال التنسيقات والتحالفات التي سبق اقامتها في الماضي، كما ان الصيغة الجديدة التي نقترحها تَحُول دون سيطرة الحزب الأكبر واحتكاره لكل شؤون وسياسات وقرارات ومواقف وحركة التكتل بشكل منفرد. أي أنها صيغة تقف عند نقطة وسط تكفل قدراً معقولاً من المشاركة والتوازن. ه ـ العمل على التخلص من الطابع المركزي الشديد في الادارة والحركة التنظيمية، واعتماد الاسلوب اللامركزي على نطاق المستويات والتشكيلات التنظيمية الفرعية (( المحافظة ـ المديريةـ الدائرة)) بِهُدى من البرنامج السياسي العام والنظام الاساسي والاتجاهات العامة لخطة العمل المرحلية المركزية.. وتشجيع وتحفيز روح المبادرة والخلق والإبداع على مختلف المستويات. وـ وضع تحديد الضوابط والجزاءات والعقوبات التنظيمية لمختلف الخروقات والتجاوزات والمخالفات على نحو دقيق وواضح على ان لا تصل الى الحد الذي تشكل فيه قيداً او وأداً للروح والممارسة الديمقراطية الخلاقة والمبدعة، وبما يضمن أقصى حد ممكن من حُسن وسلامة الاداء وفاعليته وتناسقه وتكامله ونجاحه في تحقيق الاهداف المرسومة. زـ خلق سلطة قضائية تتكون من عناصر كفوءة ونزيهة ومتخصصة وخاصة من القانونيين والمحاسبين مهمتها التحقيق والتحري والفصل في كافة أشكال الخلافات والخروقات والاشكالات التي تنشأ بين السلطات أو الاشخاص، والحُكم في سلامة وقانونية التصرفات والمواقف الناتجة عن تداخل وتضارب وتجاوز الاختصاصات والسلطات، ولايصبح أي إجراء أو تصرف أو قرار نافذاً إلا بعد اصدار السلطة القضائية للتكتل حُكمها بشأنه، وينبغي أن يحدد النظام الاساسي بوضوح ودقة طبيعة هذه السلطة ودورها واجراءاتها ودرجاتها..الخ. ح ـ من المهم ان يكون للتكتل (( مؤسسة للصحافة والطباعة والنشر)) تصدر عنها صحيفة يومية باسم التكتل أو إصدارات إعلامية ثقافية أخرى، وتكون مساعداً لأحزاب التكتل في إصدار صحفها الخاصة بها واصداراتها الاخرى، ويمكن أن تقوم هذه المؤسسة على أساس تجاري استثماري لتغطية نفقاتها وتطوير مستواها باستمرار، على أن يتم الاتفاق بين أحزاب التكتل على صيغة وتمويل هذه المؤسسة. ط ـ الأحكام الانتقالية الخاصة بكيفية ووسائل واجراءات وخطوات تأسيس التكتل. 4ـ مراحل وخطوات التأسيس: من وجهة نظرنا نرى أن أهم وأبرز خطوات ومراحل التأسيس تتمثل بالتالي: أ ـ بعد إكمال اللجان المشكلة لمهامها في إعداد مسودات مشاريع الوثائق الأساسية المشار اليها انفاً تُرفع الى أمناء عموم الأحزاب (( اللجنة التحضيرية)) لعرضها على الهيئات القيادية العليا للأحزاب (( الهيئة التأسيسية)) لمناقشتها واقرارها كمشروع وثائق أساسية. ب ـ تتولى قيادات الأحزاب المُشكلة للتكتل بدورها إنزال مشاريع الوثائق كُلاَ على هيئاته ومستوياته التنظيمية وادارة نقاش عام وواسع حولها وتجميع الملاحظات والآراء المختلفة حولها وإحالتها الى ((اللجنة التحضيرية)) ومنها الى ((الهيئة التأسيسية)) للتكتل، والاستفادة مما يمكن الاستفادة منه واضافته الى مشاريع الوثائق.. ج ـ تدعو الأحزاب المُشكلة للتكتل الى عقد مؤتمرات عامة استثنائية كٌلا على حِدة تحت إشراف(( الهئية التأسيسية))أو ((اللجنة الخاصة)) المنبثقة عنها لغرض الاشراف على المؤتمرات الاستثنائية وتنحصر مهمة المؤتمرات الاستثنائية بجانبين: الاول: الموافقة على إقامة التكتل السياسي، والثاني: انتخاب مندوبي كل حزب الى المؤتمر التأسيسي العام للتكتل وفقاً للأسس والمعايير التي حددها مشروع النظام الأساسي. د ـ تدعو الهيئة التأسيسية للتكتل الى عقد المؤتمر التأسيسي العام المكون من المندوبين المنتخبين من قبل مؤتمر كل حزب مضافا اليهم أعضاء الهيئة التأسيسية على أن تراعي مساواة الأحزاب المشكلة للتكتل في عدد ممثليهم ضمن قوام الهيئة التأسيسية، كوضع استثنائي تفرضه ضرورات التأسيس فقط، ويتولى المؤتمر التأسيسي العام إقرار مشاريع الوثائق الأساسية وانتخاب الهيئات والمستويات والتشكيلات المركزية للتكتل. ه ـ تعقد مؤتمرات تأسيسية فرعية للتكتل على المستويات الأدنى (محافظة ـ مديرية ـ دائرة) وفقاً لتلك المعايير والأسس التي سارت عليها خطوات المؤتمر التأسيسي العام على النطاق المركزي وتتولى المؤتمرات التأسيسية الفرعية انتخاب الهيئات والمستويات والتشكيلات الفرعية الخاصة على ذات الاسس والمعايير التي حكمت تشكيلها على النطاق المركزي. وبعد: فهذه كانت مجموعة من الملاحظات والرؤى والمقترحات التي تمثل إسهاماً متواضعاً بدافع الحرص والشعور بالمسؤولية التي ينبغي أن نتحمل أعباءها جميعاً، أحزاباً ومنظمات مدنية وافراداً ، في سبيل الدفع الداعم والمتواصل لعملية النمو والتطور والتجذر السياسي والديمقراطي المؤسساتي والقيمي، في بلادنا باعتبارها الطريق الوحيد والمضمون لتحقيق التقدم والنهوض الحضاري الشامل المنشود وهي ـ أي الملاحظات والرؤى والمقترحات ـ ورقة مطروحة للدراسة والنقاش الجاد والمسؤول أمام قيادات أحزاب المعارضة بهدف الخروج بصيغة مبلورة ومتكاملة تعبر بها وتتجاوز واقعها الراهن المشتت والمفكك والمنقسم والضعيف وغير المؤهل بما فيه الكفاية للنهوض بمهام وأعباء ومسؤوليات كبيرة وجسيمة تقتضيها مرحلة جديدة قادمة تشير الدلائل والمؤشرات المرتسمة في الأفق السياسي انها ستكون مرحلة بالغة الأهمية والحساسية والدقة. ان أحزاب المعارضة الحقيقية والجادة تقف اليوم أمام مفترق طريقين لاثالث لهما: فاما أن ترتقي برؤاها وأساليبها وبنيتها الهيكلية وحركتها بقفزة نوعية وكمية متميزة وجوهرية تفرض حضورها وتأثيرها ودورها في صياغة تشكيل صورة المستقبل الواعد الذي لاحت بوادر وعوامل رسمه وبنائه فتدخل في كل حساباته، أو تظل على ماهي عليه متقوقعة على ذاتها، حبيسة موروثاتها المتراكمة الماضية وعُقَد وامراض تجاربها الانفرادية السابقة، وعاجزة ورافضة تحقيق مبدأ المشاركة الاستراتيجية الفاعلة فيما بينها، فتسقط من كل حساب وتتوارى الواحدة تلو الاخرى في زوايا هامش الدور الايجابي خارج دائرة الفعل والتأثير، وحينها لا تستطيع أن تُوقِف عمل قوانين الحركة والتطور الطبيعي، بل أن هذه القوانين ستتجاوزها حتماً الى صيغ وبدائل أكثر ايجابية وفاعلية وأكثر انسجاماً وتوافقاً مع مسار التطورات والمتغيرات الهائلة المفروضة علينا بحكم منطق العصر وحقائقه ومقتضياته. وفي كل الأحوال فاننا لازلنا نعتقد أن أمام قيادات أحزاب المعارضة فرصة لاتزال سانحة وهي قادرة على إقتناصها إن هي أرادت.. فهل تجمع ارادتها وعزيمتها بصدق وثقة ؟ ذلك مانأمله ونتمناه. صحيفة الثوري